مشاهدة النسخة كاملة : التحذير الواجب من قول الأديان السماوية أو من قول احترام الأديان
http://cb.rayaheen.net/showthread.php?tid=19156&action=last&view
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين...
لقد كثر هذه الايام من قول بعض المشايخ على الفضائيات عبارات توهم بان النصارى و اليهود على حق و لهم دين مرضي منزل من السماء .
و لا يخفى من ان قول الديانات السماوية و قول احترام الاديان انما هي عبارات ماسونية التي تدعو الى توحيد الاديان و هذا ضلال مبين..
و لقد وجدت رسالة جيدة للحافظ المحدث عبد الله بن الصديق الغماري في الرد على هؤلاء .
التحقيق الباهر في معني الإيمان بالله واليوم الآخر للحافظ المحدث المجدد عبد الله بن الصديق الغماري.
الحمد لله الكريم الوهاب الحليم التواب ، منزل الكتاب ، تذكرة وهدي لأولي الألباب وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادة ندخرها ليوم الحساب ، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله ، أرسله إلى الثقلين بشيرا لمن طاعة بحسن الثواب ، ونذيرا لمن عصاه بسوء العذاب صلي الله عليه وآله وسلم صلاة وسلاما دائمين متلازمين إلى يوم الدين ورضي الله عن صحابته الأكرمين
وبعد : فان مبتدعا أزهريا أوعز إليه المبشرون الأمريكيون أن يدعو إلي توحيد الأديان ، قلبي طلبهم ، وأجاب رغبتهم وكتب في مجلة صوت أمريكا مقالا زعم فيه : أن الإيمان المنجي يوم القيامة ، هو الإيمان بالله واليوم الآخر وأن الإيمان بالنبي صلي الله عليه وسلم ليس بواجب ، واستخلص من ذلك :
أن اليهود والنصارى ناجون يوم القيامة لأنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر كالمسلمين واستدل لهذا الباطل المزعوم بقوله تعالى – في سورة البقرة - : ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصائبين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) " آية 62 " فجهل معني الإيمان في عرف الشرع ، وحرف الآية عما أراده الله منها ، وعمي عن آية أخرى تفسرها ، وخرج من دينه آخر الأمر!!
وأنا إذ أريد – بحول الله – أن أبين جهله ، وأكشف عواره أقدم معني الآية بإيجاز ، وما قيل فيها ، ثم أتبعه بالقول الفصل ، المؤيد بالبرهان القاطع ، الذي لا يترك في النفس شبهة ، ولا يدع في القلب ريبا ، وبالله التوفيق
في تفسير الجلالين : ( إن الذين آمنوا ) بالأنبياء من قبل ( والذين هادوا ) هم اليهود ( والنصارى والصابئين ) طائفة من اليهود أو النصارى ( من آمن ) منهم ( بالله واليوم الآخر ) في زمن نبينا ( وعمل صالحا ) بشريعته ( فلهم أجرهم ) أي ثواب أعمالهم ( عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون أهـ )
وفي تفسير البيضاوي : ( إن الذين آمنوا ) بألسنتهم يريد به المتدينين بدين محمد صلي الله عليه وسلم المخلصين منهم والمنافقين ، وقيل : المنافقين ، لا نخراطهم في سلك الكفرة ( والذين هادوا ) تهودوا ، يقال : تهود إذا دخل في اليهودية ( والنصارى ) جمع نصران ، كندامى وندمان والياء في نصراني للمبالغة ، كما في أحمري ( والصابئين ) قوم بين النصارى والمجوس ، وقيل : أصل دينهم دين نوح عليه السلام , وقيل : هم عبدة الملائكة , وقيل : عبدة الكواكب
( من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا ) من كان منهم في دينه – قبل أن ينسخ – مصدقا بقلبه بالمبدأ والمعاد , عاملا بمقتضي شرعه , وقيل : من آمن من هؤلاء الكفرة إيمانا خالصا , ودخل في الإسلام دخولا صادقا فلهم أجرهم عند ربهم الذي وعدلهم علي إيمانهم وعملهم ( ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) حين يخاف الكفار من العقاب , ويحزن المقصرون علي تضييع العمر وتفويت الثواب , ا هـ
وفي تفسير ابن جزي : ( إن الذين آمنوا والذين هادوا ) الآية ؛ قال ابن عباس : نسختها " ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه " وقيل : معناها أن هؤلاء الطوائف من آمن منهم إيمانا صحيحا فله أجره , فيكون في حق المؤمنين الثبات إلي الموت , وفي حق غيرهم الدخول في الإسلام , فلا نسخ , قيل إنها فيمن كان قبل بعث النبي صلي الله عليه وسلم فلا نسخ , ا هـ
وفي تفسير الحافظ ابن كثير قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ثنا عمر ابن أبي عمر العدني ثنا سفيان , عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : قال سلمان رضي الله عنه سألت النبي صلي الله عليه وسلم عن أهل دين كنت معهم , فذكرت من صلاتهم وعبادتهم فنزلت ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر) الآية
فكان إيمان اليهود , أنه من تمسك بالتوراة وأخذ بسنة موسي عليه السلام , حتى جاء عيسي , فلما جاء عيسي , كان من تمسك بالتوراة وأخذ بسنة موسي فلم يدعها ولم يتبع عيسي , كان هالكا , وإيمان النصارى أن من تمسك بالإنجيل منهم وشرائع عيسي كان مؤمنا مقبولا منه , حتى جاء محمد صلي الله عليه وسلم فمن لم يتبع محمدا صلي الله عليه وسلم منهم , ويدع ما كان من سنة عيسي والإنجيل , كان هالكا , قال ابن أبي حاتم : وروي عن سعيد بن جبير نحو هذا , قلت : هذا لا ينافى ما روي علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن واليوم الآخر )
قال : فأنزل الله بعد ذلك ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين )
فان هذا الذي قاله ابن عباس إخبار عن أنه لا يقبل من أحد طريقة ولا عملا , إلا ما كان موافقا لشريعة محمد صلي الله عليه وسلم بعد أن بعثه به , فأما قبل ذلك فكل من اتبع الرسول في زمانه فهو علي هدي وسبيل نجاة , فلما بعث الله محمدا صلي الله عليه وسلم خاتما للنبيين , ورسولا إلي نبي آدم علي الإطلاق , وجب عليهم تصديقه فيما أخبر , وطاعته فيما أمر , والانكفاف عما عنه زجر , وهؤلاء هم المؤمنون حقا , وسميت أمة محمد صلي الله عليه وسلم مؤمنين , لكثرة إيمانهم وشدة إيقانهم , ولأنهم يؤمنون بجميع الأنبياء الماضية والغيوب الآتية ا هـ ثم ذكر الخلاف في تعيين الصابئين , وفي تفسير البحر لأبي حيان :
قوله تعالي :-
( إن الذين آمنوا والذين هادوا ) الآية نزلت في أصحاب سلمان وذلك أنه صحب عبادا من النصارى فقال له أحد هم : إن زمان نبي قد أظل , فان لحقته فآمن به , ورأي منهم عبادة عظيمة , فلما جاء النبي صلي الله عليه وسلم ذكر له خبرهم وسأله عنهم , فنزلت هذه الآية حكي هذه القصة مطولة , ابن اسحق والطبري والبيهقي
وروي عن ابن عباس : أنها نزلت في أول الإسلام وقدر الله بها أن من آمن بمحمد صلي الله عليه وسلم ومن بقي علي يهوديته ونصرانيته وصابئيته , وهو مؤمن بالله واليوم الآخر , فله أجره , ثم نسخ ما قدر من ذلك بقوله ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ) وردت الشرائع كلها إلي شريعة محمد صلي الله عليه وسلم وقال غير ابن عباس :
ليست بمنسوخة , وهي فيمن ثبت علي إيمانه بالنبي صلي الله عليه وسلم , وروي الواحدى بإسناد متصل إلي مجاهد قال : لما قص سلمان علي النبي صلي الله عليه وسلم قصة أصحابه , وقال له " هم في النار " قال سلمان : فأظلمت علي الأرض , فنزلت إلي ( يحزنون ) قال : فكأنما كشف عني جبل , ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما ذكر الكفرة من أهل الكتاب , وما حل بهم من العقوبة أخبر بما للمؤمنين من الأجر العظيم , دالا علي أنه يجزي كلا بفعله والذين آمنوا : منافقو هذه الأمة , أي آمنوا ظاهرا , ولهذا قرنهم بمن ذكر بعدهم , ثم بين حكم من آمن ظاهرا وباطنا قاله سفيان الثوري , أو : المؤمنين بالرسول , و ( من آمن ) معناه : من داوم علي إيمانه , وفي سائر الفرق : من دخل فيه , أو : الحنيفيون ممن لم يلحق الرسول , كزيد بن عمرو ابن نفيل وقس بن ساعدة , وورقة بن نوفل , ومن لحقه كأبي ذر , وسلمان وبحيرا , ووفد النجاشي الذين كانوا ينتظرون المبعث , فمنهم من أدرك وتابع , ومنهم من لم يدركه والذين هادوا , كذلك ممن لم يلحق إلا من كفر بعيسي علي نبينا وعليه الصلاة والسلام والنصارى كذلك , والصابئين كذلك , قاله السدي أو : أصحاب سلمان , وقد سبق حديثهم أو : المؤمنين بعيسي قبل أن يبعث الرسول , قاله ابن عباس أو : المؤمنون بموسي وعملوا بشريعته , إلي أن جاء عيسي , فآمنوا به وعملوا بشريعته إلي أن جاء محمد قاله السدى عن أشياخه أو : مؤمنو الأمم الخالية أو المؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله , من سائر الأمم فهذه ثمانية أقوال في المعني بالذين آمنوا , - ثم ذكر وجوه الإعراب في الآية , ثم قال : - وقد اندرج في الإيمان باليوم الآخر , الإيمان بالرسل , إذ البعث لا يعرف إلا من جهة الرسل ( وعمل صالحا ) هو عام في جميع أفعال الصلاح , وأقوالها , وأداء الفرائض أو : التصديق بمحمد صلي الله عليه وسلم أقوال , الثاني يروي عن ابن عباس ا هـ
وفي كتاب " الناسخ والمنسوخ " لأبي القاسم هبة الله ابن سلامة المتوفى سنة 41 هـ - في الكلام علي سورة البقرة – الآية الثانية قوله تعالي ( إن الذين آمنوا والذين هادوا ) والناس فيها قائلان ؛ فقالت طائفة – منهم مجاهد والضحاك بن مزاحم : هي محكمة , ويقرأونها بالمحذوف المقدر , ويكون التقدير علي قولهما ( إن الذين آمنوا ) ومن آمن من ( الذين هادوا والنصارى والصابئين )
وقال الأكثرون : هي منسوخة , وناسخها عندهم : ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا ) الآية ا هـ
من هذه النقول المتعددة عن أئمة التفسير من الصحابة والتابعين وغيرهم , تعلم أن الآية الكريمة بعيدة كل البعد عما ألصقه بها ذلك المبتدع المأجور علي تحريف الآيات القرآنية , لتحقيق أغراض تبشيرية , وتعلم أيضا أن أحدا من العلماء لم يسبقه إلي ذلك القول الذي شذ به عن جماعة المسلمين , واتبع غير سبيل المؤمنين , وهذا كاف في رد نحلته وكشف دخلته , لكنا – مع ذلك – نفي بما وعدنا به فنذكر الدليل القاطع الفاضح لجهله , حتى يتبين الحق وتتضح معالمه , ويزهق الباطل وتنطمس مراسمه والله الموفق والهادي
من المقرر المعلوم : أن الإيمان حقيقة شرعية , متركبة من أجزاء , بينها النبي صلي الله عليه وسلم في جواب سؤال جبريل عليه السلام حيث قال " الإيمان أن تؤمن بالله , وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر , وبالقدر خيره وشره " وهذه الأجزاء متلازمة شرعا , بحيث إذا انتفي جزء منها , لزم انتفاء بقية الأجزاء , ولزم بالتالي انتفاء حقيقة الإيمان
فالمكذب برسول واحد , تنتفي عنه حقيقة الإيمان من أساسها , ويجب الحكم عليه شرعا بأنه لا يؤمن بالله , ولا بالملائكة , ولا بالكتب , وبالرسل , ولا باليوم الآخر , ولا بالقدر , وان زعم أنه يؤمن بذلك , فزعمه مردود عله شرعا , لأن حقيقة الإيمان لا تقبل التجزئة , والدليل علي هذا من القرآن عدة آيات :
1- قوله تعالي : ( إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا )
نزلت الآية في اليهود والنصارى , حكم الله بكفرهم لأنهم آمنوا بأنبيائهم وكفروا بالنبي صلي الله عليه وسلم ومعني التفريق بين الله ورسله : الإيمان بالله والكفر برسله , والتفريق بين رسله : الإيمان ببعضهم دون بعض , فاليهود والنصارى , فرقوا بين الله ورسله حيث آمنوا به , وكفروا بالنبي صلي الله عليه وسلم وكذلك فرقوا بين رسله أيضا , فكانوا كافرين كفرا حقيقيا كاملا بنص هذه الآية الكريمة , ولم ينفعهم إيمانهم ببقية الأنبياء عليهم السلام
2- قوله تعالي ( كذبت قوم نوح المرسلين )
نسب الله إلي قوم نوح , تكذيب المرسلين , لأنهم بتكذيبهم رسولهم كانوا مكذبين للرسل جميعا , إذ لا يتفق تصديق رسول مع تكذيب آخر
ومثل هذه الآية قوله تعالي ( كذبت عاد المرسلين كذبت ثمود المرسلين كذبت قوم لوط المرسلين كذب أصحاب الأيكة المرسلين ) فهذه الآيات تبين تلازم أجزاء الإيمان ثبوتا وانتفاء , فتكذيب رسول يستلزم تكذيب جميع المرسلين , والعكس بالعكس وهذا واضح لا يحتاج إلي مزيد تقرير
3- قوله تعالي ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسول ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون )
أخبر الله في الآية الكريمة عن أهل الكتاب – وهم اليهود والنصارى أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر , لأنهم حين كفروا بالنبي صلي الله عليه وسلم فقدوا جزءا من الإيمان فانتفت عنهم حقيقة الإيمان من أصلها , ولم يبق لهم فيها نصيب , كما أخبر أنهم لا يدينون دين الحق – أي الإسلام – وهذا يفيد أن دينهم باطل , لا يقبل منهم عند الله تعالي كما صرح بذلك في قوله عز شأنه ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين )
يضاف إلي ما سبق من نفي الإيمان عنهم , جعله سببا لقتالهم , حتى يعطوا الجزية صاغرين , فهذه الآية صريحة قاطعة لا تحتمل تأويلا , وهي تفسر آية البقرة وتوضح المراد منها , وذلك بأن يكون الاقتصار فيها علي الإيمان بالله واليوم الآخر , ليس للاكتفاء به كما فهم ذلك المبتدع , ولكن لأنه يستلزم – شرعا – الإيمان بالملائكة والكتب والرسل ثم نقول لذاك الجاهل المتعامي عن تلك الآيات القاطعة الدمغة : إذا كان الإيمان بالله واليوم الآخر – حسب فهمك السقيم – منجيا يوم القيامة ! ! فلماذا أوجب الله قتال أهل الكتاب , حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ؟ ! ! ليسوا بمؤمنين في زعمك ؟ ! !
وكيف يستجيز عاقل قتال المؤمن لأخيه المؤمن ؟ وأخذ الجزية منه وهو صاغر ذليل ؟ ! ! ولم برأ الله خليله إبراهيم من دين اليهودية والنصرانية والإشراك ؟ حيث قال تعالي ( ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين ) ولا معني لهذه التبرئة , إلا تنزيه إبراهيم عليه السلام , عن التدين بهذه الأديان الباطلة , ولو كان دين منها منجيا يوم القيامة , لما برأه الله منه , كما لم يبرئه من الإسلام , بل أثبت له أنه مسلم , وأن أولي الناس به نبينا وأمته ( إن أولي الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين )
وكيف تفهم قول الله تعالي – يخاطب الصحابة يوم عرفة في حجة الوداع – ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) وهل دين الإسلام الذي رضيه الله للمسلمين , يتفق مع دين اليهودية والنصرانية ؟ ! وماذا تفعل بقول الله تعالي :
( إن الدين عند الله الإسلام ) أي لا غيره , علي ما تفيده صيغة الحصر المقررة في علم المعاني , وبالجملة فظاهر أن الإيمان بالله واليوم الآخر يستدعي بقية أجزاء الإيمان استدعاء لزوميا شرعيا كما سبق تفصيله , وقد أشير إلي هذا التلازم في تفسير الجلالين – وهو تفسير معروف متداول – وإليك نصه :
( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ) وإلا لآمنوا بالنبي صلي الله عليه وسلم ( ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ) كالخمر ( ولا يدينون دين الحق ) الثابت الناسخ لغيره من الأديان , وهو دين الإسلام ( من ) بيان للذين ( الذين أوتوا الكتاب ) أي اليهود والنصارى ( حتى يعطوا الجزية ) الخراح المضروب عليهم كل عام ( عن يد ) حال , أي منقادين , أو بأيديهم لا يوكلون بها ( وهم صاغرون ) أذلاء منقادون لحكم الإسلام ا هـ
قال الشيخ سليمان الجمل في حاشيته : قوله : وإلا لآمنوا بالنبي صلي الله عليه وسلم جواب عما يقال : إن أهل الكتاب يؤمنون بالله واليوم الآخر , فكيف نفت الآية عنهم الإيمان بهما ؟
ومحصل الجواب : أن إيمانهم بهما باطل لا يفيد , بدليل أنهم لم يؤمنوا بالنبي صلي الله عليه وسلم فلما لم يؤمنوا به , كان إيمانهم بالله واليوم الآخر لعدم , فصح نفيه في الآية
وفي كلام الشارح , إشارة قياس استثنائي , فقوله : وإلا لآمنوا بالنبي صلي الله عليه وسلم إشارة إلي الشرطية , وصريحها هكذا : لو آمنوا بهما , لآمنوا بالنبي , والاستثنائية محذوفة
تقديرها : لكنهم لم يؤمنوا بالنبي , فلم يؤمنوا بهما
فكأنه قال : واللازم باطل , فكذا الملزوم ا هـ
ونحوه في حاشية الصاوي أيضا
وأشار أبو حيان في البحر المحيط إلي بيان التلازم من جهة أخري , فقال في تفسير آية البقرة – مما تقدم نقله عنه :-
وقد اندرج في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بالرسل , إذ البعث لا يعرف إلا من جهة الرسل ا هـ
وهذا تلازم عقلي , لأنه لا يجوز في قضايا العقول الإيمان باليوم الآخر , دون الإيمان بالرسل الذين أخبروا به , ومن طريقهم
عرف , فالإيمان باليوم الآخر , يستلزم عقلا الإيمان بالرسل , وهذا واضح جدا
وقال أبو حيان أيضا في تفسير قوله تعالي – ( والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به - : الظاهر أن الضمير في به , عائد علي الكتاب , أي الذين يصدقون بأن لهم حشرا , ونشرا , وجزاء , يؤمنون بهذا الكتاب , لما انطوي عليه من ذكر الوعد والوعيد , والتبشير والتهديد , واكتفي بذكر الإيمان بالبعث – وهو أحد الأركان الستة التي هي واجب الوجود والملائكة , والكتب والرسل واليوم الآخر , والقدر ) – لأن الإيمان به , يستلزم الإيمان بباقيها , ولإسماع كفار العرب وغيرهم ممن لا يؤمن بالبعث , أن من آمن بالبعث , آمن بهذا الكتاب , وأصل الدين خوف العاقبة , فمن خافها لم يزل به الخوف حتى يؤمن ا هـ
قد يقول قائل : حيث ثبت بالأدلة السابقة – وهي قاطعة جازمة – أن أجزاء حقيقة الإيمان , متلازمة في طرفي الثبوت والانتفاء , فما الحكمة في الاقتصار علي الإيمان باليوم الآخر , في آية البقرة ؟ ولم لم يقتصر علي الإيمان بالرسل ؟ والتلازم هو التلازم ؟ !!
فنقول في جوابه :
حكمة ذلك : أن اليوم الآخر , يذكر العبد بعرضه علي الله , ووقوفه بين يديه , فيستشعر القلب جلال الله وعظمته وتمتلئ النفس مهابة وخشية , وذلك أقوي في تثبيت الإيمان , وأدعي إلي الامتثال ؛ مع خضوع وإذعان ولهذا المعني ؛ ذكر الله الإيمان باليوم الآخر في بعض الأوامر ؛ لتزعج نفوس المكلفين ؛ فيندفعوا إلي فعل ما أمروا به ؛ مسوقين بسياط الخوف ؛ محوطين بسياج أمل ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) فقال تعالي :
( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فان تنازعتم في شيء فردوه إلي الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) وقال عز شأنه :
( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهم منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) وقال جل ذكره :
( ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا علي الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين )
وفي آية البقرة إشارة إلي ما قررناه , حيث قال الله تعالي ( من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) فقوله ( ولا خوف عليهم ) يشير إلي أن إيمانهم باليوم الآخر استدعي خوفهم من الله في الدنيا فجوزوا بنفيه عنهم يوم القيامة , إذ الجزاء من جنس العمل , وهذا كما قال الأبرار – فيما فعلوا من الخير : - ( إنا تخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا )
قال الله تعالي :
( فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا ) أي أمنهم مما خافوا
وفي الحديث القدسي عن الله تبارك وتعالي قال :
" وعزتي لا أجمع علي عبدي خوفين ولا أمنين , من خافتي في الدنيا أمنته يوم القيامة , ومن أمنني في الدنيا أخفته في الآخرة " صححه ابن حبان
هذا : وينبغي أن تعلم أن من قال برأي هذا المبتدع الذي أوضحنا بطلانه , فهو كافر والعياذ بالله , لأنه خالف ما ثبت بالقرآن الكريم , وعلم من الدين بالضرورة , وأجمع عليه المسلمون قاطبة
قال الإمام أبو محمد ابن حزم في كتاب " مراتب الإجماع " تحت ترجمة : باب من الإجماع في الاعتقادات , يكفر من خالفه بإجماع , أي لكونه معلوما من الدين بالضرورة ما نصه :
واتفقوا أن دين الإسلام , هو الدين الذي لا دين لله في الأرض سواه , وأنه ناسخ لجميع الأديان قبله , وأنه لا ينسخه دين بعده أبدا , وأن من خالفه ممن بلغه كافر مخلد في النار أبدا ا هـ
وعلي هذا فما يعتقده بعض العوام الجهلة بالدين : أن اليهودي أو النصراني إذا عمل في الدنيا خيرا , يدخل الجنة يوم القيامة , كفر محض بإجماع المسلمين وكذا الترحم علي موتي اليهود والنصارى , هو من هذا القبيل أيضا , لأن الله أخبر أن من مات علي غير الإسلام فهو خاسر , لا يدخل الجنة ولا تناله الرحمة أبدا , لأنه تمسك بدين منسوخ غير مقبول وما يفعله أهل الكتاب أو غيرهم من الكفار , من خير كصدقة مثلا ؛ يثابون عليه في الدنيا بالصحة ؛ أو سعة الرزق ؛ ؛ أو بسطة في الجاه ؛ نحو ذلك ولا يثاب يوم القيامة إطلاقا ؛ لقوله تعالي :
وقدمنا إلي ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا )
أما الخروج من النار ؛ فلا مطمع فيه لكافر أبدا
نسأل الله أن يميتنا علي دين الإسلام ؛ ويمحو عنا الأوزار والآثام ؛ وأن يقبل هذا التأليف ؛ ويجعله سببا للفوز بجنات النعيم ؛ تحت لواء نبيه العظيم عليه أفضل الصلاة والتسليم ؛ آمين
والحمد لله رب العالمين
مصطفى متولي الروبي
03-04-2008, 06:38 AM
جزاك الله خيرا على هذا الجهد والتنبيه، والسيد عبد الله الغماري من كبار علماء الأزهر الشريف رحمه الله تعالى.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين...
لقد كثر هذه الايام من قول بعض المشايخ على الفضائيات عبارات توهم بان النصارى و اليهود على حق و لهم دين مرضي منزل من السماء .
و لا يخفى من ان قول الديانات السماوية و قول احترام الاديان انما هي عبارات ماسونية التي تدعو الى توحيد الاديان و هذا ضلال مبين..و هذا ضلال مبين
قال للحافظ المحدث عبد الله بن الصديق الغماري
وعلي هذا فما يعتقده بعض العوام الجهلة بالدين : أن اليهودي أو النصراني إذا عمل في الدنيا خيرا , يدخل الجنة يوم القيامة , كفر محض بإجماع المسلمين وكذا الترحم علي موتي اليهود والنصارى , هو من هذا القبيل أيضا , لأن الله أخبر أن من مات علي غير الإسلام فهو خاسر , لا يدخل الجنة ولا تناله الرحمة أبدا , لأنه تمسك بدين منسوخ غير مقبول وما يفعله أهل الكتاب أو غيرهم من الكفار , من خير كصدقة مثلا ؛ يثابون عليه في الدنيا بالصحة ؛ أو سعة الرزق ؛ ؛ أو بسطة في الجاه ؛ نحو ذلك ولا يثاب يوم القيامة إطلاقا ؛ لقوله تعالي :
وقدمنا إلي ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا )
وينبغي أن تعلم أن من قال برأي هذا المبتدع الذي أوضحنا بطلانه , فهو كافر والعياذ بالله , لأنه خالف ما ثبت بالقرآن الكريم , وعلم من الدين بالضرورة , وأجمع عليه المسلمون قاطبة
قال الإمام أبو محمد ابن حزم في كتاب " مراتب الإجماع " تحت ترجمة : باب من الإجماع في الاعتقادات , يكفر من خالفه بإجماع , أي لكونه معلوما من الدين بالضرورة ما نصه :
واتفقوا أن دين الإسلام , هو الدين الذي لا دين لله في الأرض سواه , وأنه ناسخ لجميع الأديان قبله , وأنه لا ينسخه دين بعده أبدا , وأن من خالفه ممن بلغه كافر مخلد في النار أبدا ا هـ
نسأل الله أن يميتنا علي دين الإسلام ؛ ويمحو عنا الأوزار والآثام ؛ وأن يقبل هذا التأليف ؛ ويجعله سببا للفوز بجنات النعيم ؛ تحت لواء نبيه العظيم عليه أفضل الصلاة والتسليم ؛ آمين
محمود بن سالم الأزهري
07-04-2008, 12:12 AM
جزاك الله خيراً اخى الحبيب فى الله على مجهودك
نفعنا الله بك
مصطفى متولي الروبي
08-04-2008, 06:17 PM
لقد تم تغيير اسم القسم إلى الاسم الحالي فهل هو مقبول أم لا؟؟
الأزهري
08-04-2008, 07:39 PM
لا بأس به عندي.
محمود بن سالم الأزهري
02-05-2008, 10:33 AM
لم ألحظ التغير لكن الأمر سيان ما دام الأمر متفق عليه فلا بأس به ما دام لا يوجد مخالفة شرعية
وانتم أعلم بالحال مني
تحيتي لكم
تلميذكم
vBulletin® v3.8.1, Copyright ©2000-2012, Jelsoft Enterprises Ltd.