ميثاق
03-04-2008, 12:02 AM
شيخ الاسلام زكريا الانصاري
--------------------------------------------------------------------------------
شيخ الاسلام زكريا الانصاري
هو الشيخ زكريا الأنصارى الخزرجى، جاء إلى القاهرة فى عهد السلطان قايتباى والتحق بالأزهر الشريف، وكان شابا فى الثامنة عشرة من عمره. ويحدثنا تلميذه الشعرانى عن قصة حياة شيخه منذ جاء إلى مصر فيقول: حكى لى الشيخ زكريا: مرة أمره منذ مجيئه إلى مصر حتى وقتنا هذا (أى القرن العاشر الهجرى السادس عشر الميلادى) قال: أحكى لك أمرى من ابتدائه حتى انتهائه حتى تحيط به علما كأنك عاشرتنى من أول عمرى، فقلت له: نعم، فقال: جئت من البلاد وأنا شاب فلم أعكف على أحد من الخلق ولم أعلق قلبى به وكنت أجوع فى الجامع (الأزهر) كثيرا فأخرج بالليل إلى قشر البطيخ الذى كان بجانب الميضأة وغيرها فأغسله وآكله إلى أن قيض الله لى شخصا كان يشتغل فى الطواحين فصار يتفقدنى ويشترى لى ما أحتاج إليه من الكتب والكسوة ويقول يا زكريا لا تسأل أحدا فى شئ، فمهما تطلب جئتك به، فلم يزل كذلك سنين عديدة. ويستمر الشيخ زكريا فى سرد قصة حياته مع ذلك الرجل المحسن لتلميذه الشيخ الشعرانى حتى يأتى إلى نهايتها فيقول: "وفى ليلة من الليالى والناس نيام جاءنى وقال لى: قم، فقمت معه فوقف لى على سلم الوقاد الطويل وقال لى: اصعد هذا فصعدت فقال لى اصعد فصعدت إلى آخره، فقال لى تعيش حتى يموت جميع أقرانك وترتفع على كل من فى مصر من العلماء، وتصير طلبتك شيوخ الإسلام فى حياتك حتى يكف بصرك فقلت: ولابد لى من العمى، قال : ولابد لك ثم انقطع عنى فلم أره من ذلك الوقت ".
واستمر الشيخ زكريا ملازما للأزهر الشريف والاستماع على كبار علمائه وفقهائه والمتصوفين منهم خاصة حتى أصبح أحد أركان الطريقين الفقه والتصوف. وكان رحمة الله عليه دائبا فيما ينفعه وينفع الناس ، كما كان للوقت عنده حساب كبير. وفى ذلك يقول الشعرانى: قد خدمته عشرين عاما فما رأيته قط فى غفلة ولا اشتغال بما لا يعنى ليلا ولا نهارا، وكان مع كبر سنه يصلى سنن الفرائض تماما ويقول: لا أعود نفسى الكسل. وكان إذا جاءه شخص وطول فى الكلام يقول بالعجل ضيعت علينا الزمن".
وقد التحق فترة غير قصيرة بخانقاه سعيد السعداء، فقد كان، كما قال عن نفسه: "من صغرى وأنا أحب طريق القوم (أى التصوف) وكان أكثر اشتغالى بمطالعة كتبهم والنظر فى أحوالهم، فاجتمع بشيوخ المتصوفين، وقد تسنى له أثناء أقامته بخانفاه سعيد السعداء أن يجتمع بشيوخ المتصوفين فانتفع بعلمهم فى الطريق كما انتفعوا بعلمه فى الفقه وعلوم الشريعة، وقد ظهر أثر الخانقاه واضحا فى بعض مؤلفاته مثل شرحه على رسالة القشيرى فى علم التصوف وكتابه المسمى بقواعد الصوفية. وحاشيته لتفسير البيضاوى.
والخانقاه، كلمة فارسية تعنى المكان الذى ينقطع فيه المتصوف للعبادة، ويفصل المقريزى معنى خانقاه فيقول: الخوانك جمع خانكاه وهى كلمة فارسية معناها بيت الأكل وقيل أصلها خونقاه أى الموضع الذى يأكل فيه الملك. ويتكلم عن نشأة العمائر الدينية التى عرفت بالخوانق فى الإسلام فيقول: والخوانك نشأت فى الإسلام فى حدود القرن الرابع للهجرة وجعلت لتخلى الصوفية فيها لعبادة الله تعالى. أما فى مصر فلم تظهر الخوانق إلا فى القرن السادس الهجرى وفى عصر صلاح الدين الأيوبى. أما من حيث التخطيط المعمارى لهذه المنشآت الدينية فقد اقتضت وظيفتها أن يكون لها تخطيط خاص، فهى بذلك تجمع بين تخطيط المسجد والمدرسة ويضاف إلى هذين التخطيطين الغرف التى يختلى أو ينقطع بها المتصوف للعبادة والتى عرفت فى العمارة الإسلامية باسم الخلاوى. وقد يكون من المفيد أن نعرف شيئا عن تاريخ خانقاه سعيد السعداء أول خانقاه أنشئت فى مصر وهى التى انقطع فيها شيخنا زكريا للعبادة فترة غير قصيرة، والتى جاء فى ترجمة حياته أنه كان لا يأكل إلا من خير خانقاه سعيد السعداء، ويقول: " ووقفها كان من الملوك الصالحين، ووقف وقفها بإذن النبى صلى الله عليه وسلم ". تقع هذه الخانقاه بخط رحبة باب العبد من القاهرة كما يقول المقريزى: (حى الجمالية الآن)، وكانت أول دار تعرف فى عصر الدولة الفاطمية بدار سعيد السعداء (1) ، وهو كما يقول ابن ميسر، (بيان) ولقبه سعيد السعداء أحد الأستاذين المحنكين خدام قصر الخليفة المستنصر بالله الفاطمى.
وكانت هذه الدار مقابل دار الوزارة، فلما تولى الصالح طلائع الوزارة سكنها وفتح من دار الوزارة إليها سردابا تحت الأرض ليمر فيها. فلما استولى صلاح الدين على مصر، وقف هذه الدار على الفقراء الصوفية الوافدين من البلاد النائية وذلك فى سنة 569هجرية وولى عليهم شيخا ووقف عليهم كثيرا من الأوقاف عقاريه بالقاهرة وزراعية بالبهنسا (بالمنيا الآن). وقد جاء فى شرط الوقفية أن من مات من الصوفية وترك عشرين دينارا فما دونها كانت للفقراء ولا يتعرض لها الديوان السلطانى، ومن أراد منهم السفر يعطى تسفيرة ورتب للصوفية فى كل يوم طعاما ولحما وخبزا وبنى لهم حماما بجوارهم، وهنا يقول المقريزى: فكانت أول خانقاه عملت بديار مصر وعرفت باسم (دويرة) الصوفية ونعت شيخها بشيخ الشيوخ ".
وقد تهيأت للشيخ زكريا أن يضع فى خانقاه سعيد السعداء الكثير من مؤلفاته العظيمة نذكر منها شرح البخارى المعروف باسم فتح البارى للحافظ ابن حجر وشرح البخارى للكرمانى وشرحه للعينى الحنفى وشرحه لشهاب الدين العسقلانى. وكان يقوم بالكتابة له فى معظم الأحيان تلميذه الشيخ الشعرانى فهو يقول: " وكان خطى متميزا فيه وأظنه يقارب النصف، ويضيف فيقول: وكنت إذا جلست معه كأنى جالست ملوك الأرض الصالحين العارفين، وكان أكبر المفتين بمصر يصير بين يديه كالطفل وكذلك الأمراء والأكابر.
--------------------------------------------------------------------------------
شيخ الاسلام زكريا الانصاري
هو الشيخ زكريا الأنصارى الخزرجى، جاء إلى القاهرة فى عهد السلطان قايتباى والتحق بالأزهر الشريف، وكان شابا فى الثامنة عشرة من عمره. ويحدثنا تلميذه الشعرانى عن قصة حياة شيخه منذ جاء إلى مصر فيقول: حكى لى الشيخ زكريا: مرة أمره منذ مجيئه إلى مصر حتى وقتنا هذا (أى القرن العاشر الهجرى السادس عشر الميلادى) قال: أحكى لك أمرى من ابتدائه حتى انتهائه حتى تحيط به علما كأنك عاشرتنى من أول عمرى، فقلت له: نعم، فقال: جئت من البلاد وأنا شاب فلم أعكف على أحد من الخلق ولم أعلق قلبى به وكنت أجوع فى الجامع (الأزهر) كثيرا فأخرج بالليل إلى قشر البطيخ الذى كان بجانب الميضأة وغيرها فأغسله وآكله إلى أن قيض الله لى شخصا كان يشتغل فى الطواحين فصار يتفقدنى ويشترى لى ما أحتاج إليه من الكتب والكسوة ويقول يا زكريا لا تسأل أحدا فى شئ، فمهما تطلب جئتك به، فلم يزل كذلك سنين عديدة. ويستمر الشيخ زكريا فى سرد قصة حياته مع ذلك الرجل المحسن لتلميذه الشيخ الشعرانى حتى يأتى إلى نهايتها فيقول: "وفى ليلة من الليالى والناس نيام جاءنى وقال لى: قم، فقمت معه فوقف لى على سلم الوقاد الطويل وقال لى: اصعد هذا فصعدت فقال لى اصعد فصعدت إلى آخره، فقال لى تعيش حتى يموت جميع أقرانك وترتفع على كل من فى مصر من العلماء، وتصير طلبتك شيوخ الإسلام فى حياتك حتى يكف بصرك فقلت: ولابد لى من العمى، قال : ولابد لك ثم انقطع عنى فلم أره من ذلك الوقت ".
واستمر الشيخ زكريا ملازما للأزهر الشريف والاستماع على كبار علمائه وفقهائه والمتصوفين منهم خاصة حتى أصبح أحد أركان الطريقين الفقه والتصوف. وكان رحمة الله عليه دائبا فيما ينفعه وينفع الناس ، كما كان للوقت عنده حساب كبير. وفى ذلك يقول الشعرانى: قد خدمته عشرين عاما فما رأيته قط فى غفلة ولا اشتغال بما لا يعنى ليلا ولا نهارا، وكان مع كبر سنه يصلى سنن الفرائض تماما ويقول: لا أعود نفسى الكسل. وكان إذا جاءه شخص وطول فى الكلام يقول بالعجل ضيعت علينا الزمن".
وقد التحق فترة غير قصيرة بخانقاه سعيد السعداء، فقد كان، كما قال عن نفسه: "من صغرى وأنا أحب طريق القوم (أى التصوف) وكان أكثر اشتغالى بمطالعة كتبهم والنظر فى أحوالهم، فاجتمع بشيوخ المتصوفين، وقد تسنى له أثناء أقامته بخانفاه سعيد السعداء أن يجتمع بشيوخ المتصوفين فانتفع بعلمهم فى الطريق كما انتفعوا بعلمه فى الفقه وعلوم الشريعة، وقد ظهر أثر الخانقاه واضحا فى بعض مؤلفاته مثل شرحه على رسالة القشيرى فى علم التصوف وكتابه المسمى بقواعد الصوفية. وحاشيته لتفسير البيضاوى.
والخانقاه، كلمة فارسية تعنى المكان الذى ينقطع فيه المتصوف للعبادة، ويفصل المقريزى معنى خانقاه فيقول: الخوانك جمع خانكاه وهى كلمة فارسية معناها بيت الأكل وقيل أصلها خونقاه أى الموضع الذى يأكل فيه الملك. ويتكلم عن نشأة العمائر الدينية التى عرفت بالخوانق فى الإسلام فيقول: والخوانك نشأت فى الإسلام فى حدود القرن الرابع للهجرة وجعلت لتخلى الصوفية فيها لعبادة الله تعالى. أما فى مصر فلم تظهر الخوانق إلا فى القرن السادس الهجرى وفى عصر صلاح الدين الأيوبى. أما من حيث التخطيط المعمارى لهذه المنشآت الدينية فقد اقتضت وظيفتها أن يكون لها تخطيط خاص، فهى بذلك تجمع بين تخطيط المسجد والمدرسة ويضاف إلى هذين التخطيطين الغرف التى يختلى أو ينقطع بها المتصوف للعبادة والتى عرفت فى العمارة الإسلامية باسم الخلاوى. وقد يكون من المفيد أن نعرف شيئا عن تاريخ خانقاه سعيد السعداء أول خانقاه أنشئت فى مصر وهى التى انقطع فيها شيخنا زكريا للعبادة فترة غير قصيرة، والتى جاء فى ترجمة حياته أنه كان لا يأكل إلا من خير خانقاه سعيد السعداء، ويقول: " ووقفها كان من الملوك الصالحين، ووقف وقفها بإذن النبى صلى الله عليه وسلم ". تقع هذه الخانقاه بخط رحبة باب العبد من القاهرة كما يقول المقريزى: (حى الجمالية الآن)، وكانت أول دار تعرف فى عصر الدولة الفاطمية بدار سعيد السعداء (1) ، وهو كما يقول ابن ميسر، (بيان) ولقبه سعيد السعداء أحد الأستاذين المحنكين خدام قصر الخليفة المستنصر بالله الفاطمى.
وكانت هذه الدار مقابل دار الوزارة، فلما تولى الصالح طلائع الوزارة سكنها وفتح من دار الوزارة إليها سردابا تحت الأرض ليمر فيها. فلما استولى صلاح الدين على مصر، وقف هذه الدار على الفقراء الصوفية الوافدين من البلاد النائية وذلك فى سنة 569هجرية وولى عليهم شيخا ووقف عليهم كثيرا من الأوقاف عقاريه بالقاهرة وزراعية بالبهنسا (بالمنيا الآن). وقد جاء فى شرط الوقفية أن من مات من الصوفية وترك عشرين دينارا فما دونها كانت للفقراء ولا يتعرض لها الديوان السلطانى، ومن أراد منهم السفر يعطى تسفيرة ورتب للصوفية فى كل يوم طعاما ولحما وخبزا وبنى لهم حماما بجوارهم، وهنا يقول المقريزى: فكانت أول خانقاه عملت بديار مصر وعرفت باسم (دويرة) الصوفية ونعت شيخها بشيخ الشيوخ ".
وقد تهيأت للشيخ زكريا أن يضع فى خانقاه سعيد السعداء الكثير من مؤلفاته العظيمة نذكر منها شرح البخارى المعروف باسم فتح البارى للحافظ ابن حجر وشرح البخارى للكرمانى وشرحه للعينى الحنفى وشرحه لشهاب الدين العسقلانى. وكان يقوم بالكتابة له فى معظم الأحيان تلميذه الشيخ الشعرانى فهو يقول: " وكان خطى متميزا فيه وأظنه يقارب النصف، ويضيف فيقول: وكنت إذا جلست معه كأنى جالست ملوك الأرض الصالحين العارفين، وكان أكبر المفتين بمصر يصير بين يديه كالطفل وكذلك الأمراء والأكابر.