أبومحمد
22-03-2008, 07:30 PM
الإمام الكمال ابن الهمام وصفة الاستواء
قال الكمال بن الهمام: في [المسايرة في علم الكلام ص 17] "الأصل الثامن" "إنه تعالى استوى على العرش، مع الحكم بأنه ليس كاستواء الأجسام على الأجسام، من التمكّن والمماسة والمحاذاة، بل بمعنىً يليقُ به هو سبحانه.
وحاصله وجوب الإِيمان بأنه استوى على العرش، مع نفي التّشبيه، فأما كونُ المراد أنه استيلاؤه على العرش، فأمر جائز الإِرادة، إِذ لا دليل على إرادته عيْناً، فالواجب عينا ما ذكرنا". أهـ.
الإمام عبد الرحمن الدهلي وصفه الاستواء
أجاب الشيخ عبد الرحمن الهندي الدّهلي: في كتابه [روضُ المجال في الرّد على أهل الضلال ص 18] عن سؤال في بيان التأويل فقال: "الجواب" عن "الرحمنُ على العَرشِ اسْتوى".
قال الأستاذ أبو منصور الماتُريدي البغدادي رضي اللَّه عنه: ذهب الأكثرون إِلى أن الاستواء. هو القهر والغلبة أي الرحمنُ غلب العرش وقهره وخصّه بالذكر لأنه أعظم المخلوقات، ثم قال: وهل يُطلق الاستواءُ ويراد منه القهر في اللغة؟ أجاب: نعم، يُطلق ويراد منه القهر، مثل قولك: الملك استوى على البلدة الفلانية. بمعنى قهرها، وخلاّها تحت حكمه. ولكن لا يخفى عليك الفرق بين استيلاء المخلوق، واستيلاء الخالق سبحانه وتعالى. لأن استيلاء الخالق على جميع المخلوقات قديم، واستيلاءٌ كليٌّ من كل الوجوه، بخلاف استيلاء الملك فإِنه استيلاء حادث، واستيلاءٌ ظاهر لا حقيقي، فإِن الاستيلاء الحقيقي ثابت لله تعالى". أهـ.
الإمام مالك والإمام الشافعي رضي اللَّه عنهما وصفة الاستواء
قال الإِمام الشافعي رضي اللَّه عنه: في كتابه [الفقه الأكبر ص 17] (فصل) "واعلموا أن الباري لا مكان له، والدليل عليه هو أن اللَّه تعالى كان ولا مكان، فخلق المكان وهو على صفته الأزلية كما كان قبل خلق المكان، لا يجوز عليه التغيير في ذاته، والتبديل في صفاته، ولأنَّ ماله مكان وله تحتٌ متناهي الذات محدود، والمحدود مخلوق، تعالى اللَّه عن ذلك، ولهذا المعنى استحال عليه الزوجة، والولدُ في حقه تعالى محال: "فإِن قيل" قال اللَّه تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}.
يقال له: إِن هذه الآية من المتشابه التي يُحار في الجواب عنها، وعن أمثالها لمن يريد التبحر في العلم، أي يمر بها كما جاءت، ولا يبحث عنها، ولا يتكلم فيها لأنه لا يأمن الوقوع في الشبهة، والورطة إذا لم يكن راسخاً في العلم، ويجب أن يعتقد في صفة الباري ما ذكرناه، وأنه لا يحويه مكان، ولا يجري عليه زمان منزه عن الحدود والنهايات، مستغن عن المكان والجهات. {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}.
ويخلص عن هذه المهالك، ولهذا زجر مالك السائل حين سأله عن هذه الآية فقال: "الاستواء مذكورٌ، وكيفيته مجهولة، والإِيمان به واجبٌ، والسؤال عنه بدعةٌ، ثم قال: فإِن عدت إلى مسألتك أمرتُ بضرب رقبتك، أعاذنا اللَّه تعالى وإِيّاكم من التّشبيه". أهـ. وقوله: "الاستواء مذكور" أي في القرآن الكريم.
وبذا يُفصحُ لنا الإِمامان الجليلان عن صفاء عقيدتيْهما السلفيّة النقيّة من كل شائبة تشبيه أو تجسيم، فيجب اعتناقها والإِيمان بها لأنها هي الطريقة الصحيحة التي درج عليها السلف الصالح. اقتداء برسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، وإِنا على نهجهم لسائرون وبهم مقتدون - إن شاء اللَّه تعالى -.
الإمام الشافعي رضي اللَّه عنه ونفي الحد والنهاية عن اللَّه تعالى
قال الإِمام الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه: [في كتابه: الفقه الأكبر ص 8] "واعلموا أن الحدّ والنهاية لا يجوز على اللَّه تعالى، ومعنى الحد: هو طرف الشيء ونهايته، والدليل عليه، هو أن من لا يكون محدود البداية، لا يكون محدود الذات. ومعناه من لا يكون لوجوده ابتداء لا يكون لذاته انتهاء، ولأن ما كان محدوداً متناهياً، صحّ أن يتوهم فيه الزيادة والنقصان، وأن يوجد مثله، فكان لاختصاصه نوع من النهاية، والتحديد الذي يصح أن يكون أكبر منه، أو أصغر، يقتضي أن يكون له مخصّص يخصّصه على حدّ ونهاية، وخلقه على قدر، وذلك دلالة الحدوث، تعالى اللَّه عن ذلك علواً كبيراً" أهـ.
الإمام الشافعي رضي اللَّه عنه ونفي التشبيه
قال الإِمام الشافعي رضي اللَّه عنه: في الفقه الأكبر ص 8 "فصل" "واعلموا أن خالق العالم لا يشبه شيئاً من المخلوقات، والدليل عليه أن التشبيه يوجب الاستغراق في جميع الصفات، والأحكام، لأن حقيقة المشتبهين هما الغيّران بالذات، يجوز على كل واحد منهما، جميع ما جاز على صاحبه، فيقوم مقامه، ويسدّ مسدّه، فلو كان الباري مشبهاً لخلقه، لكان يجوز عليه صفات خلقه، وذلك محال، لأنه يقتضي جواز كونه محدثاً، ولأنه يتناقض، فثبت أن الباري لا يشبهه خلقه، ولا يشبه هو خلقه، قال اللَّه تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ومعناه ليس كهو شيء" أهـ.
الإمام الشافعي رضي اللَّه عنه وكلام اللَّه تعالى
قال الإمام الشافعي في كتابه [الفقه الأكبر ص 15] "فصل" "واعلموا أن كلام الباري سبحانه قديم أزليّ موجود بذاته، ليس بمخلوق ولا محدث، ومن قال: إِنه مخلوق فهو كافر لا محالة، وهو مكتوب في مصاحفنا، محفوظ في قلوبنا، مقروء بألسنتنا، متلوٌّ في محاربنا، مسموع بإسماعنا، ليس بكتابة، ولا حفظ ولا قراءة، ولا تلاوة، ولا سمع لأن ذلك محدث عن عدم، وكلام اللَّه قديم. كما أن الباري سبحانه مكتوب في كتبنا، معلوم في قلوبنا، مذكور بألسنتنا، وليس ذات الباري سبحانه كتابة، ولا ذكراً، والدليل على أن كلامه قديم قوله تعالى {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} فأثبت أن المخلوق مقول له {كُنْ} فلو كان مخلوقاً لكان مقولاً له {كُنْ} وكان يؤدي إِلى أن يصل كل قول بآخر إِلى ما لا يتناهى، وذلك يوجب بطلان القول، فلما كان ذلك باطلاً، وجب كون قوله تعالى أزلياً غير مخلوق، ولا محدث، ولأن الحيّ الذي لا يصح عليه الكلام، لا يصح أن يعرى عن الآفات المانعة عن الكلام كواحد منا، والباري سبحانه حيّ يصح أن يكون متكلماً، والآفات المانعة من الكلام عليه محال، فثبت أنه لم يزل متكلماً وكلامه قديم" أهـ.
إذن فلا يليق بمن يدعو إِلى السلفيّة أن يقول: "وعلى التحقيق إِن اللَّه تعالى تكلّم القرآن بالحروف والصوت" لأنه لم يقل أحدٌ مثل هذا لا من السلف، ولا من الخلف. لأن القول به: موجب القول بخلق القرآن لا محالة، وقد كفر الشافعي - كما سمعت - من قال به. وقد نفى ذلك الشافعي رضي اللَّه عنه بقوله: "فلو كان مخلوقاً لكان مقولاً له كن، وكان يؤدي إِلى أن يصل كل قول بآخر إِلى ما لا يتناهى، وذلك يوجب بطلان القول" أهـ.
أي قوله تعالى {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ (كُنْ) فَيَكُونُ} فافهم هذا هُديت إِلى الصّواب ولذا قال رضي اللَّه عنه: "فلما كان ذلك باطلاً، وجب كون قوله تعالى أزلياً غير مخلوق، ولا محدث" أهـ.
الإمام الشافعي رضي اللَّه عنه ونفي الجسمية والجوهر والعرض عن اللَّه تعالى
قال الإِمام الشافعي رضي اللَّه عنه: في كتابه [الفقه الأكبر ص 9] "فصل" "واعلموا أن اللَّه تعالى ليس بجوهر، ولا بجسم، ولا عرض، والدليل عليه: هو أن الجوهر أصل الشيء، وهو ما يتركب منه الجسم، ومنه يقال: ثوب جوهريّ، إِذا كان أصليّا، والباري محال أن يتركب منه شيء، حتى يكون جوهراً، لأن الجواهر لا تنفك عن الحوادث، والحركة، والسكون، والألوان، والطعوم، والروائح، وغير ذلك. والقديم سبحانه يستحيل عليه، الحوادث، فبان أنه ليس بجوهر، ومحال أيضاً أن يكون جسماً، لأن الجسم هو المجتمع المؤلف، ومنه قول أهل اللغة: هذا جسم، وذلك أجسم منه، فيصفونه بالمبالغة إِذا كثُر تأليفه، واجتماعه، ويجري هذا مجرى قولهم: عالم وعليم وأعلم منه، إِذا زاد تعلق علمه بالمعلومات، ومعلوم أن العالم في الأصل إِنما كان عالماً للعلم، فكذلك القول في الجسم، وتحقيق ذلك، هو أن الوصف إِذا استحق المبالغة منه بزيادة معنىً، استحق الأصل الوصف لأجل ذلك المعنى، كالطويل وأطول، والعالم وأعلم، ونحو ذلك، وقد نبهنا اللَّه تعالى على هذا المعنى بقوله: {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} أي في عظم الجثة، والشخص. والباري تعالى ليس بذي أجزاء، وأبعاض، بل هو واحد كما قال اللَّه تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّه أَحَدٌ} والمجتمع المؤلّف لا يكون واحداً، ومحال أن يكون عرضاً، لأن العرض ما يستحيل عليه البقاء، أو يقل بقاؤه، ولهذا المعنى قال تعالى: {تريدون عرض الحياة الدنيا} لقلة بقائها، والباري سبحانه واجب البقاء، دائم الوجود، مستحيل العدم. قال اللَّه عز وجل: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالْإِكْرَامِ} أهـ.
يتبع
.........................................
قال الكمال بن الهمام: في [المسايرة في علم الكلام ص 17] "الأصل الثامن" "إنه تعالى استوى على العرش، مع الحكم بأنه ليس كاستواء الأجسام على الأجسام، من التمكّن والمماسة والمحاذاة، بل بمعنىً يليقُ به هو سبحانه.
وحاصله وجوب الإِيمان بأنه استوى على العرش، مع نفي التّشبيه، فأما كونُ المراد أنه استيلاؤه على العرش، فأمر جائز الإِرادة، إِذ لا دليل على إرادته عيْناً، فالواجب عينا ما ذكرنا". أهـ.
الإمام عبد الرحمن الدهلي وصفه الاستواء
أجاب الشيخ عبد الرحمن الهندي الدّهلي: في كتابه [روضُ المجال في الرّد على أهل الضلال ص 18] عن سؤال في بيان التأويل فقال: "الجواب" عن "الرحمنُ على العَرشِ اسْتوى".
قال الأستاذ أبو منصور الماتُريدي البغدادي رضي اللَّه عنه: ذهب الأكثرون إِلى أن الاستواء. هو القهر والغلبة أي الرحمنُ غلب العرش وقهره وخصّه بالذكر لأنه أعظم المخلوقات، ثم قال: وهل يُطلق الاستواءُ ويراد منه القهر في اللغة؟ أجاب: نعم، يُطلق ويراد منه القهر، مثل قولك: الملك استوى على البلدة الفلانية. بمعنى قهرها، وخلاّها تحت حكمه. ولكن لا يخفى عليك الفرق بين استيلاء المخلوق، واستيلاء الخالق سبحانه وتعالى. لأن استيلاء الخالق على جميع المخلوقات قديم، واستيلاءٌ كليٌّ من كل الوجوه، بخلاف استيلاء الملك فإِنه استيلاء حادث، واستيلاءٌ ظاهر لا حقيقي، فإِن الاستيلاء الحقيقي ثابت لله تعالى". أهـ.
الإمام مالك والإمام الشافعي رضي اللَّه عنهما وصفة الاستواء
قال الإِمام الشافعي رضي اللَّه عنه: في كتابه [الفقه الأكبر ص 17] (فصل) "واعلموا أن الباري لا مكان له، والدليل عليه هو أن اللَّه تعالى كان ولا مكان، فخلق المكان وهو على صفته الأزلية كما كان قبل خلق المكان، لا يجوز عليه التغيير في ذاته، والتبديل في صفاته، ولأنَّ ماله مكان وله تحتٌ متناهي الذات محدود، والمحدود مخلوق، تعالى اللَّه عن ذلك، ولهذا المعنى استحال عليه الزوجة، والولدُ في حقه تعالى محال: "فإِن قيل" قال اللَّه تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}.
يقال له: إِن هذه الآية من المتشابه التي يُحار في الجواب عنها، وعن أمثالها لمن يريد التبحر في العلم، أي يمر بها كما جاءت، ولا يبحث عنها، ولا يتكلم فيها لأنه لا يأمن الوقوع في الشبهة، والورطة إذا لم يكن راسخاً في العلم، ويجب أن يعتقد في صفة الباري ما ذكرناه، وأنه لا يحويه مكان، ولا يجري عليه زمان منزه عن الحدود والنهايات، مستغن عن المكان والجهات. {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}.
ويخلص عن هذه المهالك، ولهذا زجر مالك السائل حين سأله عن هذه الآية فقال: "الاستواء مذكورٌ، وكيفيته مجهولة، والإِيمان به واجبٌ، والسؤال عنه بدعةٌ، ثم قال: فإِن عدت إلى مسألتك أمرتُ بضرب رقبتك، أعاذنا اللَّه تعالى وإِيّاكم من التّشبيه". أهـ. وقوله: "الاستواء مذكور" أي في القرآن الكريم.
وبذا يُفصحُ لنا الإِمامان الجليلان عن صفاء عقيدتيْهما السلفيّة النقيّة من كل شائبة تشبيه أو تجسيم، فيجب اعتناقها والإِيمان بها لأنها هي الطريقة الصحيحة التي درج عليها السلف الصالح. اقتداء برسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، وإِنا على نهجهم لسائرون وبهم مقتدون - إن شاء اللَّه تعالى -.
الإمام الشافعي رضي اللَّه عنه ونفي الحد والنهاية عن اللَّه تعالى
قال الإِمام الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه: [في كتابه: الفقه الأكبر ص 8] "واعلموا أن الحدّ والنهاية لا يجوز على اللَّه تعالى، ومعنى الحد: هو طرف الشيء ونهايته، والدليل عليه، هو أن من لا يكون محدود البداية، لا يكون محدود الذات. ومعناه من لا يكون لوجوده ابتداء لا يكون لذاته انتهاء، ولأن ما كان محدوداً متناهياً، صحّ أن يتوهم فيه الزيادة والنقصان، وأن يوجد مثله، فكان لاختصاصه نوع من النهاية، والتحديد الذي يصح أن يكون أكبر منه، أو أصغر، يقتضي أن يكون له مخصّص يخصّصه على حدّ ونهاية، وخلقه على قدر، وذلك دلالة الحدوث، تعالى اللَّه عن ذلك علواً كبيراً" أهـ.
الإمام الشافعي رضي اللَّه عنه ونفي التشبيه
قال الإِمام الشافعي رضي اللَّه عنه: في الفقه الأكبر ص 8 "فصل" "واعلموا أن خالق العالم لا يشبه شيئاً من المخلوقات، والدليل عليه أن التشبيه يوجب الاستغراق في جميع الصفات، والأحكام، لأن حقيقة المشتبهين هما الغيّران بالذات، يجوز على كل واحد منهما، جميع ما جاز على صاحبه، فيقوم مقامه، ويسدّ مسدّه، فلو كان الباري مشبهاً لخلقه، لكان يجوز عليه صفات خلقه، وذلك محال، لأنه يقتضي جواز كونه محدثاً، ولأنه يتناقض، فثبت أن الباري لا يشبهه خلقه، ولا يشبه هو خلقه، قال اللَّه تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ومعناه ليس كهو شيء" أهـ.
الإمام الشافعي رضي اللَّه عنه وكلام اللَّه تعالى
قال الإمام الشافعي في كتابه [الفقه الأكبر ص 15] "فصل" "واعلموا أن كلام الباري سبحانه قديم أزليّ موجود بذاته، ليس بمخلوق ولا محدث، ومن قال: إِنه مخلوق فهو كافر لا محالة، وهو مكتوب في مصاحفنا، محفوظ في قلوبنا، مقروء بألسنتنا، متلوٌّ في محاربنا، مسموع بإسماعنا، ليس بكتابة، ولا حفظ ولا قراءة، ولا تلاوة، ولا سمع لأن ذلك محدث عن عدم، وكلام اللَّه قديم. كما أن الباري سبحانه مكتوب في كتبنا، معلوم في قلوبنا، مذكور بألسنتنا، وليس ذات الباري سبحانه كتابة، ولا ذكراً، والدليل على أن كلامه قديم قوله تعالى {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} فأثبت أن المخلوق مقول له {كُنْ} فلو كان مخلوقاً لكان مقولاً له {كُنْ} وكان يؤدي إِلى أن يصل كل قول بآخر إِلى ما لا يتناهى، وذلك يوجب بطلان القول، فلما كان ذلك باطلاً، وجب كون قوله تعالى أزلياً غير مخلوق، ولا محدث، ولأن الحيّ الذي لا يصح عليه الكلام، لا يصح أن يعرى عن الآفات المانعة عن الكلام كواحد منا، والباري سبحانه حيّ يصح أن يكون متكلماً، والآفات المانعة من الكلام عليه محال، فثبت أنه لم يزل متكلماً وكلامه قديم" أهـ.
إذن فلا يليق بمن يدعو إِلى السلفيّة أن يقول: "وعلى التحقيق إِن اللَّه تعالى تكلّم القرآن بالحروف والصوت" لأنه لم يقل أحدٌ مثل هذا لا من السلف، ولا من الخلف. لأن القول به: موجب القول بخلق القرآن لا محالة، وقد كفر الشافعي - كما سمعت - من قال به. وقد نفى ذلك الشافعي رضي اللَّه عنه بقوله: "فلو كان مخلوقاً لكان مقولاً له كن، وكان يؤدي إِلى أن يصل كل قول بآخر إِلى ما لا يتناهى، وذلك يوجب بطلان القول" أهـ.
أي قوله تعالى {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ (كُنْ) فَيَكُونُ} فافهم هذا هُديت إِلى الصّواب ولذا قال رضي اللَّه عنه: "فلما كان ذلك باطلاً، وجب كون قوله تعالى أزلياً غير مخلوق، ولا محدث" أهـ.
الإمام الشافعي رضي اللَّه عنه ونفي الجسمية والجوهر والعرض عن اللَّه تعالى
قال الإِمام الشافعي رضي اللَّه عنه: في كتابه [الفقه الأكبر ص 9] "فصل" "واعلموا أن اللَّه تعالى ليس بجوهر، ولا بجسم، ولا عرض، والدليل عليه: هو أن الجوهر أصل الشيء، وهو ما يتركب منه الجسم، ومنه يقال: ثوب جوهريّ، إِذا كان أصليّا، والباري محال أن يتركب منه شيء، حتى يكون جوهراً، لأن الجواهر لا تنفك عن الحوادث، والحركة، والسكون، والألوان، والطعوم، والروائح، وغير ذلك. والقديم سبحانه يستحيل عليه، الحوادث، فبان أنه ليس بجوهر، ومحال أيضاً أن يكون جسماً، لأن الجسم هو المجتمع المؤلف، ومنه قول أهل اللغة: هذا جسم، وذلك أجسم منه، فيصفونه بالمبالغة إِذا كثُر تأليفه، واجتماعه، ويجري هذا مجرى قولهم: عالم وعليم وأعلم منه، إِذا زاد تعلق علمه بالمعلومات، ومعلوم أن العالم في الأصل إِنما كان عالماً للعلم، فكذلك القول في الجسم، وتحقيق ذلك، هو أن الوصف إِذا استحق المبالغة منه بزيادة معنىً، استحق الأصل الوصف لأجل ذلك المعنى، كالطويل وأطول، والعالم وأعلم، ونحو ذلك، وقد نبهنا اللَّه تعالى على هذا المعنى بقوله: {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} أي في عظم الجثة، والشخص. والباري تعالى ليس بذي أجزاء، وأبعاض، بل هو واحد كما قال اللَّه تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّه أَحَدٌ} والمجتمع المؤلّف لا يكون واحداً، ومحال أن يكون عرضاً، لأن العرض ما يستحيل عليه البقاء، أو يقل بقاؤه، ولهذا المعنى قال تعالى: {تريدون عرض الحياة الدنيا} لقلة بقائها، والباري سبحانه واجب البقاء، دائم الوجود، مستحيل العدم. قال اللَّه عز وجل: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالْإِكْرَامِ} أهـ.
يتبع
.........................................