مشاهدة النسخة كاملة : بحث في حديث كل بدعة ضلالة
نذير مكتبي
13-04-2008, 04:17 PM
أولاً: تعريف البدعه عند المحدثين
- يقول الإمام النووي شارح صحيح مسلم رحمة الله في كتابه ( تهذيب الأسماء واللغات ) عند تعريفه للبدعة ما نصه ( البدعة بكسر الباء في عرف الشرع هى إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ).
وقال في نفس المرجع قال أهل اللغة (هي كل شيء عمل على غير مثال سابق) .
- و يقول أمير المؤمنين في الحديث الحافظ ابن حجر العسقلاني شارح صحيح البخاري عند شرحه لهذا الحديث ما نصه :- ( وكل مالم يكن في زمنه صلى الله عليه وسلم يسمى بدعه ) .
- وقال الفيومي في المصباح ما نصه ( إبداع الله تعالى الخلق إبداعا . خلقهم لا على مثال وأبدعت الشيء وابتدعته استخرجته وأحدثته) .
- وقال الحافظ ابن رجب في شرحه ( والمراد بالبدعة ما أحدث ممالا أصل له في الشريعة يدل عليه ،وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه ،فليس ببدعه شرعا ،وان كان بدعه لغة ) .
وعليهِ يُقال هذا الرجل مبدع أو مبتدع أي أنه أخترع شيء لم يكن على مثال سابق , ويقال فلان اختلق هذه الفكرة أي ابتدعها بأعمال الفكر فيها, ومنها قوله تعالى ( بديع السموات والأرض) أي خالقهما ابتداء على غير مثال سابق. ومنها قوله تعالى ( قل ما كنت بدعاً من الرسل) أي لست أول من أبتدع هذه الدعوة او أول من جاءه الوحي,فهذا تعريف البدعة عند ألائمه باختصار شديد.
ثانياً: تعريف الأمر المحدث
يقول الحافظ ابن حجر في الفتح ( والمحدثات-بفتح الدال- جمع محدثه, والمراد بها ما أحدث وليس له أصل يدل عليه في الشرع-ويسمى في عرف الشرع بدعه- وما كان [ محدثا ً] وله أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعه. فا لبدعه في عرف الشرع مذمومة بخلاف اللغة فان كل شيء أحدث على غير مثال سابق يسمى بدعه سواء كان محموداً أو مذموماً)اهـ
وروى البيهقي في مناقب الشافعي عنه, قال: ( المحدثات ضربان: ما حدث مما يخالف كتاباً أو سنه أو أثر أو أجماعاً, فهذه بدعه الضلال. وما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا, فهذه محدثه غير مذمومة ). أهـ
وقال الحافظ أبو بكر ابن العربي المالكي في شرحهِ على سنن الترمذي ما نصه: [ السابعة قوله ( وإياكم ومحدثات الأمور) أعلموا علمكم الله أن المحدث على قسمين: محدث ليس له أصل إلا الشهوة والعمل بمقتضى الإرادة فهذا باطل قطعاً ( أي وهو البدعة الضلالة) ومحدث يحمل النظير على النظير فهذه سنة الخلفاء والأئمة الفضلاء . قال وليس المحدث والبدعة مذمومان للفظ-محدث وبدعه- لا لمعنا هما فقد قال الله تعالى( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث) , وقال عمر نعت ألبدعه, وإنما يذم من البدعة, ما خالف السنة ويذم من المحدث ما دعا الى ضلاله ] .اهـ
وبمثل قوله هذا قال القرطبي كما نقله السيوطي في حاشيتهِ على النسائي, فيستنتج مما سبق من تعريف أهل العلم لقول النبي صلى الله عليه وسلم ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) استحباب إحداث كل ما له أصل في الشرع وذلك بخلاف ما يفهمه المتنطعون. وعلى ضوء ما سبق ذكره للقاعدة الأصولية من منطوق الحديث ومفهومه, يقول الحافظ أبن رجب [ أن هذا الحديث يدل بمنطوقة على أن كل عمل ليس عليه أمر الشارع فهو مردود,ويدل بمفهومه أن كل عمل عليه أمر الشارع فهو غير مردود].
وقد يقول المخالف أن قول أبن رجب ( أن كل عمل عليه أمر الشرع ) المراد به هو أن الرسول عليه الصلاة والسلام عمله في حياته أو أقر به أحدً من أصحابه.
فأقول أن هذا الاستدلال باطل من جميع الوجوه كما سبق تقريره بأقوال أهل العلم .
قال الأمام الشافعي :- [ كل ما له مستند من الشرع,فليس ببدعه ولو لم يعمل به السلف.لأن تركهم للعمل به, قد يكون لعذر قام لهم في الوقت, أو لما هو أفضل, أو لعلة لم يبلغ جميعهم علم به ].
ففي الصحيحين عن خالد بن الوليد أنه دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم بيت ميمونة, فأتُي بضب محنوذ فأهوى إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده فقيل : هو ضب يا رسول الله, فرفع يده, فقلت: أحرام هو يا رسول الله ؟ فقال ( لا ولكن لم يكن في أرض قومي فأجدني أعافه), قال خالد, فاجتررته فأكلته والنبي ينظر .
ففي الحديث دليل للقاعدة الأصولية: أن ترك النبي للشيء لا يقتضي التحريم وقد أستدل به بعضهم لذلك فيقال في جوابه:
لما رأى الصحابي الجليل خالد إعراض النبي عن الضب بعد أن أهوى إليه ليأكل منه, حصل عنده شبه فسأل , وكان جواب النبي صلى الله عليه وسلم له مؤيداً للقاعدة, مؤكداً لعمومها في أن ترك النبي ولو بعد الإقبال عليه لا يفيد تحريمه.
وقال أبن العربي المالكي :[ ليست البدعة والمحدث مذمومين للفظ بدعه ومحدث ولا معناهما, وإنما يذم من البدعة ما خالف السنة ويذم من المحدثات ما دعى الى الضلالة ].
قال الحافظ ابن حجر في الفتح:[ هذا الحديث معدود من أصول الإسلام, وقاعدة من قواعده, فأن معناها: من أخترع في الدين مالا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه. أقول: هذا الحديث مخصوص لحديث كل بدعه ضلاله, ومبين للمراد منها كما هو واضح. إذ لو كانت البدعة ضلاله بدون استثناء كما يقول المتطاولون على أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم, لقال عليه الصلاة والسلام (من احدث في أمرنا هذا شياً فهو رد ) لكن لما قال ( من احدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) أفاد ان المحدث نوعان ما ليس من الدين بان كان مختلفاً لقواعد ودلائله فهو مردود,وهو البدعة الضلالة, وما هو من الدين بأن شهد له أصل, أو أيده دليل, فهو صحيح مقبول, وهو السنة الحسنة ] .
ومن هذا المنطلق أستعرض أقوال المحدثين والذين يعول على كلامهم في شرح أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك في شرحهم لحديث (كل بدعه ضلالة) .
قال النووي [ قوله صلى الله عليه وسلم (وكل بدعه ضلالة) هذا عام مخصوص والمراد غالب البدع ] كما في صحيح مسلم (6/221).
وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ما نصه:- [ وأما قوله في حديث العرباض ( فأن كل بدعه ضلاله) بعد قوله( وإياكم ومحدثات الأمور) فأنه يدل على أن المحدث يسمى بدعه, وقوله( كل بدعه ضلاله) قاعدة شرعيه كليه بمنطو قها ومفهومها
أما منطوقها فكان يقال: حكم كذا بدعه وكل بدعه ضلاله فلا تكون من الشرع لان الشرع كله هدى فأن ثبت أن الحكم المذكور بدعه, صحة المقدمتان وأنتجتا المطلوب] .أهـ
وقال كذلك في الفتح في كتاب الصلاة (312/8) في باب ربنا لك الحمد. عن رافعه بن رافع قال كنا نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم فلما رفع رأسه من الركعة قال سمع الله لمن حمده, قال رجل من وراءه ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً كثيراً مباركاً فيه, فلم أنصرف قال من المتكلم قال أنا قال رأيت بضع وثلاثين ملكاً يبتدرونها أيهم يكتبها, قال الحافظ في الفتح يستدل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور أذا كان غير مخالف للمأثور على جواز رفع الصوت بالذكر مالم يشوش...يتبع
حسين المازري
13-04-2008, 08:36 PM
هل هذا تجميعك يا شيخ نذير؟ يعجبني صراحة.
عمر خطاب
14-04-2008, 01:58 PM
إليكم هذا البحث من كتاب البيان لما يشغل الأذهان لمفتي الديار المصرية فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة:
ما هو معنى البدعة، وكيف تعامل علماء الأمة مع البدعة، وما هو الفهم الصحيح لقضية البدعة ؟
لمعرفة معنى البدعة ومفهومها الصحيح، لابد أن نتعرف على معناها في اللغة، وكذلك معناها في الاصطلاح الشرعي، ونبدأ بالمعنى اللغوي.
البدعة في اللغة :
هي الـحَدَث وما ابْتُدِعَ من الدِّين بعد الإِكمال. ابن السكيت: البِدْعةُ كلُّ مُـحْدَثةٍ. وأَكثر ما يستعمل الـمُبْتَدِعُ عُرْفًا فـي الذمِّ. وقال أَبو عَدْنان: الـمبتَدِع الذي يأْتـي أَمْرًا علـى شبه لـم يكن ابتدأَه إِياه. وفلان بِدْعٌ فـي هذا الأَمر أَي أَوّل لـم يَسْبِقْه أَحد. ويقال: ما هو منّـي ببِدْعٍ و بَديعٍ... وأَبْدَعَ وابْتَدعَ وتَبَدَّع : أَتَـى بِبدْعةٍ، قال الله تعالـى: {ورَهْبانِـيَّةً ابْتَدَعوها}([1]) ... وبَدَّعه: نسَبه إِلـى البِدْعةِ. واسْتَبْدَعَه: عدَّه بَديعًا. والبَدِيعُ: الـمُـحْدَثُ العَجيب. والبَدِيعُ: و الـمُبْدِعُ. و أَبدعْتُ الشيء: اخْتَرَعْتُه لا علـى مِثال([2]).
البدعة في الشرع :
هناك مسلكان للعلماء في تعريف البدعة في الشرع :
المسلك الأول : وهو مسلك العز بن عبد السلام؛ حيث اعتبر أن ما لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم بدعة وقسمها إلى أحكام حيث قال : «فعل ما لم يعهد في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهي منقسمة إلى : بدعة واجبة، وبدعة محرمة، وبدعة مندوبة، وبدعة مكروهة، وبدعة مباحة، والطريق في معرفة ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة : فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، وإن دخلت في قواعد التحريم فهي محرمة، وإن دخلت في قواعد المندوب فهي مندوبة، وإن دخلت في قواعد المكروه فهي مكروهة، وإن دخلت في قواعد المباح فهي مباحة»([3]).
وأكد النووي على هذا المعنى؛ حيث قال : «وكل ما لم يكن في زمنه يسمى بدعة، لكن منها : ما يكون حسنا، ومنها : ما يكون بخلاف ذلك»([4]).
والمسلك الثاني : جعل مفهوم البدعة في الشرع أخص منه في اللغة، فجعل البدعة هي المذمومة فقط، ولم يسم البدع الواجبة، والمندوبة، والمباح،ة والمكروه بدعًا كما فعل العز؛ وإنما اقتصر مفهوم البدعة عنده على المحرمة، وممن ذهب إلى ذلك ابن رجب الحنبلي ـ رحمه الله ـ ويوضح هذا المعنى فيقول : « والمراد بالبدعة : ما أحدث مما ليس له أصل في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل في الشرع يدل عليه فليس ببدعة، وإن كان بدعة لغة »([5]).
وفي الحقيقة فإن المسلكين اتفقا على حقيقة مفهوم البدعة، وإنما الاختلاف في المدخل للوصول إلى هذا المفهوم المتفق عليه وهو أن البدعة المذمومة التي يأثم فاعلها هي التي ليس لها أصل في الشريعة يدل عليها وهي المرادة من قوله صلى الله عليه وسلم : «كل بدعة ضلالة»([6]).
وكان على هذا الفهم الواضح الصريح أئمة الفقهاء وعلماء الأمة المتبوعون، فهذا الإمام الشافعي رضي الله عنه فقد روى البيهقي عنه أنه قال : « المحدثات من الأمور ضربان، أحدهما : ما أحدث مما يخالف كتابًا، أو سنة، أو أثرًا، أو إجماعًا فهذه بدعة الضلالة، والثاني : ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا فهذه محدثة غير مذمومة»([7]).
وقال حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رضي الله عنه : « ليس كل ما أبدع منهيًّا عنه، بل المنهي عنه بدعة تضاد سنة ثابتة، وترفع أمرًا من الشرع »([8]).
وقد نقل الإمام النووي رحمه الله عن سلطان العلماء الإمام عز الدين بن عبد السلام ذلك ؛فقال : « قال الشيخ الإمام المجمع على جلالته وتمكنه من أنواع العلوم وبراعته، أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام رحمه الله ورضي عنه في آخر كتاب القواعد : (البدعة منقسمة إلى واجبة ومحرمة ومندوبة ومباحة ... إلخ)([9])، وقال كذلك في مكان آخر ،في حديثه عن المصافحة عقب الصلاة - وسوف نفرد لها فتوى رقم 66 - : «واعلم أن هذه المصافحة مستحبة عند كل لقاء، وأما ما اعتاده الناس من المصافحة بعد صلاتي الصبح والعصر، فلا أصل له في الشرع على هذا الوجه، ولكن لا بأس به، فإن أصل المصافحة سنة، وكونهم حافظوا عليها في بعض الأحوال، وفرطوا فيها في كثير من الأحوال أو أكثرها لا يخرج ذلك البعض عن كونه من المصافحة التي ورد الشرع بأصلها»([10]).
وقال ابن الأثير : «البدعة بدعتان : بدعة هدى وبدعة ضلال، فما كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ فهو في حيز الذم والإنكار، وما كان واقعًا تحت عموم ما ندب إليه وحض عليه ؛فهو في حيز المدح ،وما لـم يكن له مِثال موجود كنَوْع من الـجُود والسّخاء وفِعْل الـمعروف فهو من الأَفعال الـمـحمودة.
ولا يجوز أَن يكون ذلك فـي خلاف ما ورد الشرع به؛ لأَن النبـي صلى الله عليه وسلم قد جعل له فـي ذلك ثوابًا، فقال : (مَن سنّ سُنّة حسَنة كان له أَجرُها وأَجرُ مَن عَمِلَ بها)، وقال فـي ضدّه: (مَن سَنَّ سُنّة سيئة كان علـيه وِزْرها ووِزْر مَن عَمِلَ بها)، وذلك إِذا كان فـي خلاف ما أَمر الله به ورسوله، ومن هذا النوع قول عمر رضي الله عنه : (نعمتِ البِدْعةُ هذه)، لـمّا كانت من أَفعال الـخير وداخـلة فـي حيّز الـمدح سَماها بدعة ومدَحَها؛ لأَنَّ النبـي صلى الله عليه وسلم لـم يَسُنَّها لهم، وإِنما صلاَّها لَـيالِـيَ ثم تركها ولـم يحافظ علـيها ولا جمع الناس لها، ولا كانت فـي زمن أَبـي بكر؛ وإِنما عمر رضي الله عنه جمع الناسَ علـيها وندَبهم إِلـيها؛ فبهذا سماها بدعة، وهي علـى الـحقـيقة سنَّة؛ لقوله : (علـيكم بسنّتـي وسنة الـخُـلفاء الراشدين من بعدي)، وقوله : (اقْتَدُوا باللذين من بعدي : أَبـي بكر وعمر)، وعلـى هذا التأْويل يُحمل الـحديث الآخَر: (كلُّ مُـحْدَثةٍ بدعة)، إِنما يريد ما خالَف أُصولَ الشريعة ، ولـم يوافق السنة»([11]).
كيف تعامل العلماء مع مفهوم البدعة :
وتعامل جمهور الأمة من العلماء المتبوعين مع البدعة على أنها أقسام كما ظهر ذلك في كلام الإمام الشافعي، ومن أتباعه العز بن عبد السلام، والنووي، وأبو شامة. ومن المالكية : القرافي، والزرقاني. ومن الحنفية : ابن عابدين. ومن الحنابلة : ابن الجوزي. ومن الظاهرية : ابن حزم. ويتمثل هذا الاتجاه في تعريف العز بن عبد السلام للبدعة وهو : أنها فعل ما لم يعهد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهي منقسمة إلى بدعة واجبة ، وبدعة محرمة ، وبدعة مندوبة ، وبدعة مكروهة ، وبدعة مباحة([12]).
وضربوا لذلك أمثلة : فالبدعة الواجبة : كالاشتغال بعلم النحو الذي يفهم به كلام الله ورسوله، وذلك واجب؛ لأنه لا بد منه لحفظ الشريعة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. والبدعة المحرمة من أمثلتها : مذهب القدرية، والجبرية، والمرجئة، والخوارج. والبدعة المندوبة : مثل إحداث المدارس، وبناء القناطر، ومنها صلاة التراويح جماعة في المسجد بإمام واحد. والبدعة المكروهة : مثل زخرفة المساجد، وتزويق المصاحف. والبدعة المباحة: مثل المصافحة عقب الصلوات، ومنها التوسع في اللذيذ من المآكل والمشارب والملابس. واستدلوا لرأيهم في تقسيم البدعة إلى الأحكام الخمسة بأدلة منها :
(أ) قول عمر رضي الله عنه في صلاة التراويح جماعة في المسجد في رمضان : «نعمت البدعة هذه» .فقد روي عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال : خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط. فقال عمر : إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم، فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر : «نعم البدعة هذه ،والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون» يريد آخر الليل. وكان الناس يقومون أوله. ([13])
(ب) تسمية ابن عمر صلاة الضحى جماعة في المسجد بدعة، وهي من الأمور الحسنة. روي عن مجاهد قال : دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا عبد الله بن عمر جالس إلى حجرة عائشة، وإذا ناس يصلون في المسجد صلاة الضحى ، فسألناه عن صلاتهم، فقال : «بدعة»([14]).
(ج) الأحاديث التي تفيد انقسام البدعة إلى الحسنة والسيئة، ومنها ما روي مرفوعًا : «من سن سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة ،فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» ([15]).
ومما سبق يتضح أن هناك رؤيتين : رؤية إجمالية : وهي التي ذهب إليها ابن رجب الحنبلي رضي الله عنه وغيره، وهي أن الأفعال التي يثاب المرء عليها ويشرع له فعلها لا تسمى بدعة شرعًا، وإن صدق عليها الاسم في اللغة، وهو يقصد أنها لا تسمى بدعة مذمومة شرعًا. ورؤية تفصيلية وهي ما ذكره العز بن عبد السلام رضي الله عنه وأوردناه تفصيلاً.
ما ذُكر ينبغي للمسلم أن يحيط به في قضية باتت من أهم القضايا التي تؤثر في الفكر الإسلامي، وكيفية تناوله للمسائل الفقهية، وكذلك نظره لإخوانه من المسلمين، حيث يقع الجاهل في الحكم على الآخرين بأنهم مبتدعون وفساق والعياذ بالله بسبب جهله بهذه المبادئ التي كانت واضحة، وأصبحت في هذه الأيام في غاية الغموض والاستغراب، نسأل الله السلامة، والله تعالى أعلى وأعلم
--------------------------------------------------------------------------------
([1]) الحديد : 27 .
([2]) لسان العرب، ج8، ص 6، مادة (بدع).
([3]) قواعد الأحكام في مصالح الآنام، للعز بن عبد السلام، ج2 ص 204.
([4]) فتح الباري، لابن حجر، ج2 ص 394.
([5]) جامع العلوم والحكم ،لابن رجب ص 223.
([6]) أخرجه أحمد في مسنده، ج3 ص 310، ومسلم في صحيحه، ج2 ص 592.
([7]) رواه البيهقي بإسناده في كتاب " مناقب الشافعي " ،ورواه أيضا أبو نعيم في الحلية، ج9 ص113.
([8]) الإحياء، لأبي حامد الغزالي، ج2 ص 248.
([9]) تهذيب الأسماء واللغات ،ج1 ص 22.
([10]) الأذكار، للنووي ص 382.
([11]) النهاية، لابن الأثير ،ج1 ص80 .
([12]) قواعد الأحكام في مصالح الآنام، للعز بن عبد السلام، ج2 ص205.
([13]) أخرجه البخاري في صحيحه، ج2 ص707.
([14]) أخرجه البخاري في صحيحه، ج2 ص630، ومسلم في صحيحه، ج2 ص917.
([15]) أخرجه ومسلم في صحيحه، ج2 ص705.
ملاحظة: هذا منشور في الموقع الخاص بدار الإفتاء المصرية وإليكم الرابط
http://www.dar-alifta.com/Bayan.aspx
نذير مكتبي
16-04-2008, 03:08 PM
مرحبا بك أخي المازري و سلّمك الله، معذرة عن هذا التأخر للجواب عن سؤالك و أشكرك على ملاحظتك و بالنسبة للموضوع فهو أخي عبارة عن اقتباس من بحوث كثيرة تناولت هذا الموضوع.
تتمة الموضوع:
من الغريب العجيب ان هؤلاء القوم يزعمون أن لفظة (كل) الواردة في قول النبي صلى الله عليه وسلم( كل محدثه بدعه), تفيد العموم وأن كل أمر مستحدث فهو بدعه ضلالة في النار بدون استثناء. هكذا يعممون القول ضاربين بأقوال علماء ألائمه عرض الحائط وعلى رأسهم كما سبق ذكره, الإمام الحافظ النووي كما في شرحه لهذا الحديث حيث قال (كل بدعه ضلاله) هذا عام مخصوص والمراد غالب البدع.
فلربما فهم القوم من قول النبي (كل بدعه ضلاله). مالم يفهمه إمام المحدثين الإمام النووي رحمه الله!.
ومن السذاجة بمكان أن نجد هؤلاء القوم يصفعون وجههم بأيديهم و يقيمون الحجة على نفسهم ،وذلك لأن الهوى إذا تمكن في النفس أعمى صاحبه عن رؤية الحق فقد قالوا للعامة ( ان هؤلاء المبتدعة يقولون ان (كل)الواردة في الحديث جاءت في صيغة العموم ويراد به الخصوص وذلك من أجل أن يصوغوا لأنفسهم إنشاء البدع ،مستشهدين بقوله تعالى ( يأخذ كل سفينة غصباً) هكذا يطلقون تلك العبارات أمام الناس .
وقد رأيت أخي حفظك الله كما بينت لك أن هذا القول اعني ( كل تأتي في صيغة العموم ويراد به الخصوص ) ليس إلا أقوال ألائمه والمحدثين وعلى رأسهم الإمام النووي كما سبق ذكره . ثم استرسل صاحبنا هداهُ الله قائلاًًًًً ان (كل) الواردة في الحديث عامة تخص جميع البدع دون استثناء , و ان استشهادنا بقوله تعالى ( يأخذ كل سفينة غصبا) استشهاد باطل , و ذلك لان الملك لا يأخذ كل السفن بل يأخذ الصالحة منها , بدليل قول الخضر عليه السلام ( فأردت أن أعيبها ) فأقول لهُ جزاك الله خيراً إذ كفيتنا مئونة الرد عليك. حيث اعترفت بأن الملك لا يأخذ جميع السفن بل الصالحة منها وذلك على خلاف صريح نص الآية!
وهذا هو مراد ألائمة والمحدثين من قولهم. تأتي (كل) في صورة العموم ويراد به الخصوص ونحن لم نقل إلا مثل ما قال هذا الرجل وذلك بأن الملك لا يأخذ كل السفن بل ما كان صالح منها , والحمد لله رب العالمين.
ويا ليت هذا المسكين ممن ينظر في كتاب الله نظر المتأمل لكلامه عز وجل لوجد فيه مئات الآيات التي يذكر فيها العموم ويراد به الخصوص.
فمنها قوله سبحانه وتعالى: ( فتحنا عليهم أبواب كل شيء) ولم يفتح لهم أبواب الرحمة .
ومنها قولهُ تعالى : (تدمر كل شيء) ولم تدمر الجبال والسموات, أليس كل ما على الأرض شيء ؟
ومنها قولهُ تعالى : ( وأوتيت من كل شيء), ولم تؤت عرش سليمان .وقوله تعالى
ومنها قولهُ تعالى : ( و كل إنسان ألزمناه طائره في عنقه) ولم يستثني المولى عز وجل منهم المجنون والصبي الذي مات قبل التكليف ،قال ابن جرير الطبري في تفسيره هذه الآية (8/40), قال ابن عباس (ألزمناه طائره في عنقه) أي عمله وقال بذلك مجاهد،وابن جريج، وقال قتادة ألزمناه طائره في عنقه قال عمله ونتخرج له .قال نتخرج ذلك العمل كتاباً يلقاه منشوراً قال معمر وتلا الحسن عن اليمين وعن الشمال قعيد, يا ابن أدم بسطت صحيفتك ووكل بك ملكان كريمان أحدهما عن يمينك يحفظ حسناتك والآخر عن شمالك يكتب سيأتك.فاعمل ما شئت أقل أو أكثر حتى إذا مت طويت صحيفتك فجعلت في عنقك معك في قبرك حتى تخرج يوم القيامة كتاباً منشورا أقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم حسيبا. وقد عدل والله عليك من جعلك حسيب نفسك.انتهى كلامه رحمه الله .
وهنا توضيح جلي لمن يحتج بقول النبي [ كُل محدثةٍ بدعة وكُل بدعة ضلالة ] بأن كُل الواردة في الحديث تُفيد العموم ولا تفيد الخصوص, و ذلك من اجل ان لا يُحتج عليهم في قضية تقسيم البدعة والتي قال بها علماء الأمة كما سيأتي توضيحهُ إن شاء الله . وإنني أقول لكل من قال ان ( كُل تفيد العموم ولا تفيد الخصوص ) . حسناً ,إن كانت ( كُل ) من صيغ العموم لا من صيغ الخصوص فكيف سوف يُفسر لنا حديث حديث اختصام الملأ الأعلى الذي خرجهُ الإمام أحمد في مسندهِ والدرامي والترمذي والطبراني – ومما جاء فيهِ … فعلمت ما في السموات وتلا : [ وكذلك نُري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين ] وفي رواية فتجلى لي كُل شئ وعرفت , وفي رواية الطبراني فعلمني كُل شئ ..... ألخ
إذاً فعلى ضوء القاعدة التي أصلها المخالف والتي تقول ان : ( كُل الواردة في الحديث تُفيد العموم ولا تفيد الخصوص ) . تُفضي الى أن النبي r يعلم ما في السموات والأرض بل ويعلم كُل شيء ويتجلى لهُ كُل شيء .
والعجب أن هذا الذي لم يفهم حديث البدعة يتناقض مع نفسهِ بفتوى أخرى يُقرّها و هي جواز قول : [ الله ورسولهُ أعلم ] لأن علم الرسول من علم الله، فالله تعالى هو الذي يُعلِّمه ما لا يدركهُ البشر، ولهذا أتى بالواو.
فانظر بالله عليك أخي المسلم: أين قول المخالف هداهُ الله أن لفظة (كُل) من ألفاظ العموم تشمل كُل أنواع البدع دون استثناء ؟ . و قول هؤلاء الأئمة وعلى رأسهم الإمام الحافظ النووي كما في صحيح مسلم (6/221) حيث قال: إن لفظة (كُل) هو عام مخصوص فلربما فهم المتعالم المراد من قول النبي r { كُل بدعة ضلالة } مالم يفهمهُ إمام المحدثين الإمام النووي ؟؟!
وهناك الكثير الكثير مما لا يتسع المجال لحصره في كتاب الله من الألفاظ التي جاءت في صيغة العموم ويراد بها الخصوص.
أما ما ورد في السنة المطهرة، فأولها هذا الحديث الذي نحن بصدره كما شرحه المحدثين,
بل وأزيد على ذلك ما جاء في البخاري والموطاء( كل بني أدم يأكله التراب إلا عجب الذنب). قال أبن عبد البر في التمهيد ما نصه: [ ظاهر هذا الحديث وعمومه يوجب أن يكونوا بنو آدم كلهم في ذلك سواء, إلا إنه قد روي أن أجساد الأنبياء والشهداء لا تأكلها ] .
ومن الأدلة التي أتفق عليها العلماء من تخصيص حديث ( كل بدعه ضلاله) عدة أحاديث أولها ما رواهُ مسلم والنسائي وأبن ماجه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من سن في الإسلام سنه حسنه فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنه سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء).
قال النووي: [ فيه الحث على الابتداء بالخيرات وسن السنن الحسنات و التحذير من الأباطيل والمستقبحات. وفي هذا الحديث تخصيص قوله صلى الله عليه وسلم (كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) وأن المراد به المحدثات الباطلة والبدع المذمومة.
وقال السندي في حاشية أبن ماجد [ سنة] أي طريقه مرضية يقتدي بها, والتميز بين الحسنة والسيئة, بموافقة أصول الشرع وعدمها.
بل أنني لو سلمت جدلاً, أقول جدلاً لهذا الرجل وأضرابه و من ينحوا منحاهم في تبديع الأمة. من أن المراد من قوله عليه الصلاة و السلام [ كل محدثه بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار] أن المراد بـ (كل) هو العموم .
أن يتخلوا عن كل ما أحدث في هذا الزمن ولم يكن في عهده عليه الصلاة والسلام, سواء كان في الدين أو في غيره إذ أنهُ عليهِ الصلاة والسلام قال ( كل محدثه بدعة) ولم يقل عليه السلام ( كل محدثة في الدين بدعة وكل بدعة في الدين ضلالة ....).
فإن أرادوا هؤلاء القوم تخصيص هذا الحديث بالبدع الدينية دون الدنيوية, فنقول لهم لقد وقعتم في شر أعمالكم إذ أنكم خصصتم عام . وجنت على نفسها براقش. فأن أستمر هؤلاء في كبريائهم لرفض قبول الحق وهو أقوال أهل العلم في تخصيص هذا الحديث. فأنني أقول لهم أن هذه الأطباق التي ملئت أسطح المنازل والتي تستمطرُ غضب المولى جل جلاله هي ليست من البدع الدينية , وينبغي أن نحثَ الناس على اقتنائها! ولا يقول بذلك إلا جاهل مبعود.
ثم إن حديث النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد فيه تقسيم البدعة الى دينية ودنيوية كما يزعم هؤلاء القوم !
ثم أليس قولهم بهذا التقسيم في حد ذاته بدعة ؟ , وان كانوا لا يزالون يصرون على أن المراد بما جاء في الحديث هي البدع الدينية فهل يُقرون بجميع البدع الدنيوية الحادثة في هذا الزمان كما سبق توضيح شيئاً منها ؟.
فقد وقع هؤلاء المساكين من حيث لا يدرون فيما أرادوا الانفكاك منهُ أيضا وهو تقسيم أهل علم الحديث البدعة الى أقسامها والتي سأستعرضها بعد قليل وذلك لأنهم يصيحون بأعلى اصوتهم في قائلين ليس هناك في الدين شيئاً يسمى بدعة حسنة, حاجبين عن الناس اقوال المحدثين والذي لا أشك في إطلاعهم عليها وذلك لما تمليه عليهم خوفهم من الله وتقواه ! ولا حول ولا قوة الا بالله ....يتبع.
أبو الهداية
19-04-2008, 08:04 AM
بارك الله فيكم ووفقكم فى طريق الحق...
نعم نريد مثل هذه البراهين الواضحة والحجج البينه ...
والحجة مع اهل العلم وحجة العاجز السب والقاء التهم جزافا بلا سند علمى ...
فيا مدعى حب البخارى بدل السب أتحفنا بما لديك من علم يؤيد ما ذهبت اليه من قول ....
الأزهري
19-04-2008, 08:17 AM
اطلب منه تخفيف اللهجة لكن لا تذكر كلمة دنيئ وما شابه فهي قاسية.
محمود بن سالم الأزهري
22-04-2008, 12:38 AM
أخي نذير
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
صراحة تعجبني أطروحاتك هنا
أستمر بارك الله لنا فيكم أخي الحبيب
نفعنا الله بكم وبالعلم النافع
اللهم أمين يا رب العالمين
دمت لنا بالخير
تحيتي لك
نذير مكتبي
24-04-2008, 05:13 PM
[بسم الله الرحمن الرحيم، وبعد السلام عليكم و رحمة الله
[أشكر كلّ الإخوة على هذا المرور الطيب و إليكم ساداتي تتمة الموضوع.....
ولا تتعجب يا أخي حفظك الله من هذا الفعل الشنيع لأن هذا هو ديدنهم و كل من يفعل به الهوى والشيطان .
واليك أقوالهم رحمهم الله:
1- قال الإمام المحدث الحافظ النووي شارح صحيح مسلم (6/221) عن البدعة ما نصه [ قال أهل اللغة حتى كل شيء عمل على غير مثال سابق , وهي منقسمة الى خمسة أقسام. وقال كذلك أيضاً في تهذيب الأسماء واللغات : [البدعة بكسر الباء في الشرع هي إحداث ما لم يكن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم, وهي منقسمة الى حسنه وقبيحة]
2- قال إمام المحدثين الحافظ بن حجر العسقلاني في شارح صحيح البخاري ما نصه [ وكل ما لم يكن في زمنه صلى الله عليه وسلم يسمى بدعه, لكن منها ما يكون حسن ومنها ما يكون خلاف ذلك].
3- وروى أبو نعيم عن إبراهيم الجنيد قال:[ سمعت الشافعي يقول : البدعة بدعتان, بدعة مذمومة وبدعة محمودة. فما وافق السنة فهو محمود وما خالف السنة فهو مذموم ] .
4- وقال أبن الأثير في كتابه النهاية : [ البدعة بدعتان, بدعة هدى وبدعة ضلاله, فما كان خلاف ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم فهو في حيز الذم والإنكار, وما كان واقعاً تحت عموم ما ندب الله إليه وحض عليه الرسول صلى الله عليه وسلم فهو في حيز المدح ].
ومما سبق إيضاحه نعلم أن ما فهمه المحدثين من قوله صلى الله عليه وسلم ( كل محدثة بدعة ) أن المراد به كل ما أحدث وليس له أصل في الشرع وأما ما له أصل يدل عليه في الشرع فليس ببدعه, وأن سمى بدعه لغة.
5- وقال سلطان العلماء العز بن عبد السلام رحمه الله في آخر كتابه (القواعد): البدعة منقسمة الى واجبه, ومحرمه , ومندوبه, ومكروه و مباحة. ثم قال : والطريق في ذلك ان تعرض البدعة على قواعد الشريعة فإن دخلت في قواعد الإيجاب فواجبه او في قواعد التحريم بمحرمة , او الندب فمندوبة , او المكروه فمكروه او المباح فمباحة . وتبعه في ذلك تلميذة القرافي .
بل قد استنبط العلماء والمفسرين بأن القرآن يؤيد البدعة الحسنة :
فلقد روى الطبراني في الأوسط عن أبي أمامة رضي الله عنه قال : إن الله فرض عليكم صوم رمضان ولم يفرض عليكم قيامهُ , وإنما قيامهُ شي أحدثتموه فدوموا عليه فإن ناساً من بني إسرائيل ابتدعوا بدع فعابهم الله بتركها , فقال ] ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها[ وفي سنده زكريا بن أبي مريم ذكره ابن حبان في الثقات,
وقال الدار قطني : وما استنبطه الصحابي الجليل أبي أمامه رضي الله عنه صحيح فإن الآية لم تعِب أولئك الناس على ابتداع الرهبانية لأنهم قصدوا بها رضوان الله بل عاتبهم على أنهم لم يراعوها حق رعايتها وهذا يفيد مشروعية البدعة الحسنة كما هو ظاهر من نص الآية وفهم الصحابي الجليل لها .
فانظر بالله عليك أخي المسلم: أين قول المخالف أصلحهُ الله : إنه ليس ثم شيء في الدين يسمى بدعة حسنة وقول أئمة المسلمين كما رأيت وعلى رأسهم الإمام الجليل صاحب المذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه ؟ والذي يقول: البدعة بدعتان، بدعة محمودة وبدعة مذمومة، فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم.
وما أجمل ما قالهُ القائل :-
فأعْنَ بهِ ولا تخُـــــض بالـظــــنِّ ***** ولا تُـقـلّـد غـير أهــل الـفــــنّ
وأنني أقف وقفة بسيطة لتوضيح معنى قولهم ( لهُ أصلٌ في الشرع ) واضرب مثالين بسيطين لهم حتى تتضح المسالة بجلاء . فمما احدث في هذا الزمن ما تقوم به الحكومة الرشيدة حفظها الله من العناية بالمساجد وتخصيص أسبوع كاملا لها تحت إشراف هيئات و لجان خاصة ,وذلك لإظهار معنى قوله تعالى ( ومن يعظم شعائر الله.......) فإنني أقول ان هذا الفعل بهذه الكيفية المستحدثة لم ترد عن النبي صلى الله عليه وسلم و لا عن صحابته الكرام. و لكن قبل ان ببدعية هذا العمل يجب أن ننظر هل لهذا الفعل وهو العناية بالمساجد ( أصل في الشرع ) ؟
فنقول نعم. فقد جاء في صحيح مسلم (7/36) [ أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد ففقدها الرسول صلى الله عليه وسلم فسأل عنها فقالوا ماتت, قال (أفلا كنتم آذنتموني) قال فكأنهم صََغروا أمرها فقال " دلوني على قبرها" فدلوه فصلى عليها .....]. فكان من عظم الأمر الذي تقوم به هذه الجارية السوداء وهو نظافة المسجد ما جعل النبي صلى الله عليه وسلم يقوم على قبرها ويصلي عليها وبالمقابل هناك الكثير من البدع المكروه التي ليس لها أصل في الشرع والتي أخبر عنها عليه الصلاة والسلام أنها من علامات آخر الزمان زخرفة المساجد.
قال الإمام القرطبي في جامع الأحكام لهُ 2/86 عند شرحهِ لقولهِ تعالى
[بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ] فقال :- كُل بِدْعة صدرتْ من مخلوقٍٍ فلا يخلو أن يكون لها أصلٌ في الشرع ِفإن كان لها أصلٌ كانت واقعة تحت عموم ما ندب إليه وحضّ رسوله عليه فهي في حيّز المدح . وإن لم يكن مثالهُ موجوداً كنوع من الجودِ والسخاء وفعل المعروف، فهذا فعلهُ من الأفعال المحمودة ، وإن لم يكن الفاعل قد سُبق إليهِ. ويَعْضُد هذا قولُ عمر رضي الله عنهُ: نِعْمتِ البدعة هذه ، لمّا كانت من أفعال الخيرِ وداخلة في حيّز المدح ، وهي وإن كان النبيّ r قد صلاها إلا أنهُ تركها ولم يُحافظ عليها، ولا جمع الناس عليها، فمُحافظة عمر رضي الله عنهُ عليها، وجمعُ الناس لها، وندبُهم إليها بدعةٌ لكنها بدعة محمودة ممدوحة. وإن كانت في خلاف ما أمر الله به ورسوله فهي في حيزّ الذم والإنكار، قال معناه الخطّابي وغيره .
بل وانظر أخي بارك الله فيك لقول ابن الأثير كما في النهاية عند ذكر البدعة الحسنة حيثُ قال :- [ ومن هذا النوع قولُ عمر رضي الله عنهُ ( نعمت البدعة هذه ) لما كانت من أفعال الخيرِ , وداخلةً في حيز المدح , سماها بدعة ومدحها , لأن النبي rلم يسُنها لهم , وإنما صلاها ليالي ثم تركها , ولم يُحافظ عليها , ولا جمع الناس لها , ولا كانت في زمن ابي بكر , وإنما عُمر جمع الناس عليها وندبهم إليها , فبهذا سماها بدعة , وهي على الحقيقة سُنة لقوله ِ r( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدين ) وقولهُ r ( اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر ) ثم قال ( أي ابن الأثير) بعد ذلك, وعلى هذا التأويل يُحمل حديث كُل بدعة ضلالة , وإنما يريدُ ما خالف أصول الشريعة ولم يوافق السنة ] . انتهى كلام ابن الأثير رحمهُ الله .
و قال ابن رجب في شرحهِ ( والمراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل لهُ شرعاً وإن كان بدعة لفظا . اهـ وكذلك قال : إن هذا الحديث يدل بمنطوقة على أن كُل عمل ليس عليهِ أمر الشارع فهو مردود , ويدل بمفهومهِ على أن كل عمل عليهِ أمره ُ فهو غير مردود ) اهـ
وقال الإمام الحافظ النووي شارح صحيح مسلم عن هذا الحديث (هذا عام مخصوص والمراد بهِا المحدثات التي ليس لها في الشريعةِ ما يشهدُ لها بالصحة فهي المراد بالبدع) .
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني شارح صحيح البخاري ( هذا الحديث معدود من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده , فإن معناهُ من اخترع في الدين ما لا يشهد لهُ أصلٌ من أصولهِ فلا يُلتفت إليهِ ) .
وقال أيضاً ( المراد بقولهِ [ كل بدعة ضلالة ] ما أُحدث ولا دليل لهُ من الشرع بطريق خاص ولا عام ) . اهـ
وقال أيضاً في الفتح ما نصهُ : وأما قوله ُ r: { كُل بدعة ضلالة } بعد قولهِ: { وإياكم ومحدثات الأمور } قاعدة كُليّة , بمنطوقها ومفهومها , أما منطوقها فكأن يُقال حُكم كذا بدعة , وكل بدعة ضلالة فلا تكون هذهِ البدعة من الشرع , لأن الشرع كلهُ هدى فإذا ثبت أن حُكم المذكور بدعة , صحت المقدمتان وأنتجتا المطلوب )) . انتهى كلامهُ رحمهُ الله
وروى الإمام البيهقي كما سبق ذكره في مناقب الشافعي رضي الله عنه، قال: ( المحدثات ضربان: ما أحدث مما يخالف كتاباً أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه بدعة الضلال، وما أحدث من الخير لا خلاف فيهِ لواحد من هذا ). أهـ
قُُلتُ ( والكلام للبيهقي ): وهو معنى قولهِ صلى الله عليهِ وسلم في خطبتهِ: « وشَرُّ الأمور مُحدثاتها وكُل بِدعة ضلالة» يريد ما لم يوافق كتاباً أو سُنّة، أو عمل الصحابة رضي الله عنهم، وقد بيّن هذا بقولهِ : «مَن سَنّ في الإسلام سُنَّةً حسنة كان لهُ أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومَن سنّ في الإسلام سُنَّة سيئة كان عليه وِزْرُها ووزر من عمل بها من بعدهِ من غير أن ينقص من أوزارهم شيء ». وهذا إشارة إلى ما اُبتدع من قبيح وحسن، وهو أصل هذا الباب، وبالله العصمة والتوفيق، لا رَبَّ غيره انتهى كلامه رحمهُ الله.
بل وقد تقرر عند العوام فضلا عن العلماء. من قولهِ صلى الله عليه وآله وسلم كما في صحيح مسلم: (( من سن في الإسلام سنة حسنة فلهُ أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شئ..)). أنهُ يُسن للمسلم أن يأتي بسنة حسنة لها أصلٌ في الشرع وإن لم يفعلها الرسول rمن أجلِ زيادة الخير والأجر. ومعنى سن سنة: أي أنشأها باجتهاد واستنباط من قواعد الشرع أو عموم نصوصه ولذلك قال النووي رحمهُ الله عن هذا الحديث ان فيهِ الحث على الابتداء بالخيرات وسن السنن الحسنات, والتحذير من الأباطيل والمستقبحات. انتهى كلامهُ رحمهُ الله وما ذكرناه من أقوال المحدثين لهو أكبر دليل على ذلك.
* أعود الى تقسيم سلطان العلماء العز بن عبد السلام للبدعة حيث ضرب أمثله لأقسامها الخمسة حيث قال [ وللبدع الواجبة أمثله, منها الاشتغال بعلم النحو الذي يفهم به كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم وذلك واجب , لأن حفظ الشريعة واجب. ولا يتأتى حفظها إلا بذلك, و ا لا يتم الواجب الا به فهو واجب. الثاني حفظ غريب الكتاب والسنة, الثالث تدوين أصول الدين وأصول الفقه, الكلام في الجرح والتعديل, وتميز الصحيح من السقيم. وللبدع المحرمة أمثله منها مذاهب القدرية والجبرية والمرجئة والمجسمة, والرد على هؤلاء من البدع الواجبة. وللبدع المندوبة أمثله منها إحداث الرباط والمدارس وكل إحسان لم يعهد في العصر الأول ومنها التراويح وللبدع المكروهة أمثله كزخرفة المساجد, وتزويق المصاحف. وللبدع المباحة أمثله, منها المصافحة عقب الصبح والعصر,والتوسع في اللذيذ من المآكل والمشارب والملابس والمساكن وتوسيع الأكمام ] . انتهى كلامه رحمه الله وكذا نقلهُ الحافظ أبن حجر في الفتح وسلمه ولم يتعقبه بشيء وهو حقيق بالتسليم .
فهذا قليل من كثير مما ذكره أهل العلم في مسألة تقسيم البدعة لم أنقله خوف الإطالة ولكن إنشاء الله سوف أقوم بعمل بحث شامل يستوعب الموضوع من جميع جوانبه مبينا فيه ما أشتبه وأختلط فيه على السطحين في الفكر أمثال صاحبنا هذا.
أقول ومن باب الإنصاف يجب أن أذكر من خالف من أهل العلم هؤلاء العلماء. الا وهو الشاطبي . فقد شذ عنهم كما في كتابه الاعتصام فإنه أنكر هذا التقسيم, وزعم أن كل بدعه مذمومة, لكنه أعترف بأن من البدع ما هو مطلوب وجوباً أو ندباً, وجعلهُ من قبيل المصلحة المرسلة, فخلافةُ لفظي يرجع الى التسمية. أي البدعة المطلوبة, لا تسمى بدعه حسنه, بل تسمى مصلحه. ولا مشاحة في الاصطلاح. بل يكفي ما تكفل الشيخ السكندري البراء في رده على الشاطبي بكلام تحليلي وتدليل أقوى مما سلكه الشاطبي, فليراجعه من شاء.
فأن كلام الشاطبي في معزلاً مما أخذوه من كتابه الاعتصام وحوروه حيث ذكروا قوله فيه ( كل عمل لم يعمله النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعمل في عهده فهو بدعه) يعنون بدعه الضلالة, بناء على مسلكهم في التعميم وعللوا ذلك بأنهم ما تركوه إلا لأمر قام عندهم فيه. فأنهم كانوا أحرص الناس على الخير وأعلم بالسنة. وهذا الذي قالوه مدفوع ومنقوص بما يلي:-....يتبع[/SIZE]
نذير مكتبي
28-04-2008, 07:39 PM
أولاً: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يترك العمل بالشيء وفعله أحب إليه خشية أن يستن به الناس فيعرض عليهم. متفق عليه.
ثانياً: من المعلوم بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل جميع المباحات, لأنها كثيرة , لا يستطيع بشراً أن يستوعبها عداً, فضلاً عن أن يتناولها, ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان زاهداً متقللاً يقتصر من المباحات على ما يسد الخلة, وتنسد عليه الحاجة, ويترك ما زاد على ذلك, ومن المعلوم أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل جميع المندوبات, لاشتغاله بمهام عظام, استغرقت معظم وقته : تبليغ الدعوة, جهاد الكفار, لحماية بيضة الإسلام وعقد معاهدات الصلح وإنفاذ السرايا وتبليغ الأحكام, وغير ذلك مما يلزم لتأسيس الدولة الإسلامية وتحديد معالمها.
ولأنه صلى الله عليه وسلم اكتفى بالنصوص العامة الشاملة للمندوبات بجميع أنواعها منذ جاء الإسلام الى قيام الساعة. مثل "وما تفعلوا من خير يعلمه الله", [ ومن جاء بالحسنة فله عشرة أمثالها ] ,[ وافعلوا الخير لعلكم تفلحون] , [ ومن يقترف حسنة نزد لهُ فيها], [ من يفعل مثقال ذرة خيراً يره].
فمن زعم فعل خيراً مستحدث بدعوة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله بأنه بدعة مذمومة, فقد أخطأ وتجرأ على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم حيث ما ندب إليه, في عموميات الكتاب والسنة وكانت دعواه مردودة .
ثالثاً : أن الحوافز الشرعية والترغيبات المطلقة الحاثة على الإكثار من فعل الخير والأعمال الصالحة يجب أن تلغى على هذا الأساس, وهل يرضى بهذا مسلم .
رابعاً : أن إقرارات الرسول صلى الله عليه وسلم وتبريكه لما حدث في زمنه من أعمال الخير وما عمله الصحابة بعده يرُد تأصيلهم هذا.
خامساً: أن مسلكهم هذا يخالف سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وطريقته المتواترة عنه في قبول كل خير ما لم يخالف المشروع وأدلة هذا الباب أداه قطعيه ترد هذا التشديد رداً قاطعاً. وأن الإسلام أوسع من الدائرة التي يريد حصر الإسلام فيها بل إن هذا التضييق والتشديد في التبديع هو البدعة الضلالة الحقيقية لأنها تعارض هدى الرسول صلى الله عليه وسلم وطريقته التي أمرنا بالتمسك بها. ولهذا قال الإمام الشافعي رحمه الله [ كل ما له مستند من الشريعة فليس ببدعه وإن كان محدثاً ] - يعني ليس ببدعه شرعيه وإذا كانت كل هذه الأدلة التي سقناها والتي توضح وتثبت سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وطريقته فيما يحدث فليس لدى المانعين والمتشددين إلا مجرد التمسك بالتعميم الذي فسره عمل الرسول صلى الله عليه وسلم وخصصه فلم يبقى الا العناد والعصبي التي يطلقونها بغيرهم وهي بهم الصق .
ثم أن هؤلاء القوم لم يقفوا عند هذا الحد فحسب بل أتوا بالفرية العظمى أ الطامة الكبرى حيث قالوا في معرض كلامهم والذي لم يسبقهم اليه أحد ما نصه :- ( أن كل شيء لم ينزل به الوحي فهو ضلاله في النار). هكذا أطلقوا عبارتهم ولا حول ولا قوة الا بالله. ولا يقول بذلك إلا مارق عن دين الله خارجاً عن شرعه لأن في قوله هذا ذلك تبديع لصحابه الرسول صلى الله عليه وسلم, بل ولذاته عليه الصلاة والسلام. فما لكم ولهذا, فأن هذا ليس فنكم وليس صنعتكم وأعطوا القوس بارئها. فأن كنتم تدرون فتلك مصيبة وأن كنتم لا تدرون فالمصيبة أعظمُ . ثم استطردوا قائلين أن أبن مسعود رضي الله عنه قال ( أتبعوا ولا تبتدعوا) ويا ليتهم فهموا المراد من قول أبن مسعود, والذي سوف أستعرض أفعالاً له رضي الله عنه ولبعض أخوانه من الصحابة ( لم ينزل بها الوحي ) ولم يفعلها صلى الله عليه وسلم, فما قوله فيهم رضي الله عنهم وأرضاهم .
وإلى هنا أكتفي بهذا العرض المختصر والموجز خوف الإطالة لأقوال جهابذة علماء الأمة في شرح معنى حديث البدعة وتقسيمها ، ومن ثمّ أترك الخيار في الاختيار للقارئ العزيز أن يأخذ بقول من أراد من أقوال الأئمة العلماء المحدّثين السابقين أو بقول المتأخرين ، وحتى لا يقع في التبديع لعلماء المسلمين وعامتهم بغير علم .
ومن هذا المنطلق سوف أطرح للقراء بعض أفعال وأقوال الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم والذين فهموا معنى البدعة المُشار إليها في الحديث لاسيما أنها بعد وفاته r ولم يفعلها في حياتهِ, وهي في العبادات فهل تُوصف افعالهم بالبدعة و الضلالة أم ماذا ؟؟! فإليكم بعض أفعالهم رضي الله عنهم.
أولاً :- جمع القرآن :-
فلقد جاء في حديث زيد بن ثابت رضي الله عنهُ أنهُ قال: (( قبض النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يكن القرآن جُمع في شيء)). فنقول عمر بن الخطاب رضي الله عنهُ هو الذي أشار على أبي بكر رضي الله عنهُ بجمع القرآن في مصحف عندما كثر القتل بين الصحابة في واقعة اليمامة، فتوقف أبو بكر وقال : كيف نفعل شيئاً لم يفعلهُ رسول الله r؟ قال عمر: هو والله خير ونقول للمعارض أنظر إلى قول عمر لسيدنا الصديق ( هو والله خير)، فلم يزل عمر يراجع أبا بكر حتى شرح الله صدر أبا بكر لهُ، وبعث أبابكر إلى زيد بن ثابت فكلفهُ بتتبع القرآن وجمعهِ، قال زيد: فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال، ما كان أثقل عليّ مما كلفني بهِ أبابكر من جمع القرآن ثم قال زيد بن ثابت: كيف تفعلون شيئا لم يفعلهُ رسول الله r؟ قال الصديق ( هو خير ) فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري. وليراجع المعارضون والقراء هذه القصة فهي مبسوطة في صحيح البخاري .
ثانيا :- فصل مقام إبراهيم عن البيت
فلقد أخرج البيهقي بسند قوي عن عائشة قالت: إن المقام كان في زمن النبي r وفي زمن أبي بكر ملتصقا بالبيت، ثم أخره عمر بن الخطاب رضي الله عنهُ .
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في الفتح: ولم ينكر الصحابة فعلُ عمر، ولا من جاء بعدهم فصار إجماعاً، وكذلك هو أي سيدنا عمر أول من عمل عليهِ المقصورة التي تشابه المقصورة الموجودة الآن .
ثالثاً :- زيادة ابن مسعود
ما زآده عبد الله أبن مسعود رضي الله عنه في التشهد الأخير بعد ( ورحمة الله وبركاته ) كان يقول ( السلام علينا من ربنا) وقد روى ذلك الطبراني في معجمه الكبير ورجاله رجال الصحيح كما في معجم الزوائد. فكيف بالله عليك, يأمر أبن مسعود رضي الله عنه بالإتباع وينهى عن الابتداع ثم يبتدع قولاً لم ينزل به الوحي ولم يرد على لسان النبي صلى الله عليه وسلم ؟ ولو تمعن هؤلاء القوم ! وأمعنوا النظر فيما سبق إيراده من أقوال أهل العلم من المحدثين, لعلموا أن المراد من قوال أبن مسعود (أتبعوا) أي اتبعوا ما جاء به الشارع أو كل ما له أصل في الشرع. ( ولا تبدعوا) أي كل شيء يخالف الشرع أو ليس له أصل في الشرع .
رابعاً:- صلاة سيدنا علي كرم الله وجهه
الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم التي أنشأها سيدنا علي كرم الله وجهه. وقد كان رضي الله عنه يُعلمها للناس. أوردها أبن جرير وسعيد بن منصور في تهذيب الآثار, وأبن ابي عاصم ويعقوب أبن شيبه في أخبار علي كرم الله وجهه والهيثمي في مجمع الزوائد والطبراني في الأوسط وهي ( اللهم يا داحي المدحوات ....) وله رضي الله عنه دعاء آخر أورده الحافظ في الفتح في كتاب التفسير وقال رواه الطبراني من طريق فاطمة بنت علي عليهم السلام. قالت كان أبي يقول : ( يا كهيعص أغفر لي ), ومن علي أبن طلحه عن أبن عباس قال ( كهيعص قسم أقسم الله به وهو من أسمائه) فلعله أخذ ذلك عن علي رضي الله عنه, وغيرهم عن سلامة الكندي .
خامساً :- زيادة الأذان الأول يوم الجمعة
: ففي صحيح البخاري عن السائب بن زيد قال : ( كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر .... على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهم, فلما كان عثمان زاد النداء الثالث), باعتبار إضافته الى الأذان الأول والإقامة, ويقال له أول لاعتبار سبقه في الزمان على أذان الجمعة. وروى ذلك أبن ابي شيبه عن ابن عمر قال : الأذان الأول بدعه, قال الحافظ ابن حجر في الفتح: [ فيحتمل أن يكون قال ذلك على سبيل الانكار, ويحتمل ان يريد : أنه لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم, وكل ما لم يكن في زمنه يسمى بدعه, لكن منها ما يكون حسناً ومنها ما يكون بخلاف ذلك ] .
سادساً:- إفراد النساء بإمام
وأخرج سعيد بن منصور في سننه عن عروه ان عمر جمع الناس على أُبي بن كعب مكان يصلي بالرجال, وكان تميم الداري يصلي بالنساء. وإفراد النساء بإمام لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم بل كن يصلين مع الرجال في عهده صلى الله عليه وسلم, فهل هذا العمل من عمر الا اجتهاد منه في إطار المشروع . فالنساء مطالبات بقيام رمضان كالرجال وكثرة المصلين قد تمنع سماع النساء لقرآه الإمام فأفردهن بإمام جارً على قواعد الشريعة, أو انه رضي الله عنه استند الى عمل أُبي في صلاته بأهله في قيام رمضان كما رواه أبن حيان. وهو من الخلفاء الراشدين والنبي صلى الله عليه وسلم يقول ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ) .
وكذلك روى عبد الرزاق في المصنف عن الثوري عن هشام بن عروه أن عمر ابن الخطاب أمر سليمان ابن جثمه أن يؤم النساء في المسجد في شهر رمضان .
ومعلوم وثابت ان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ان صلى بالناس في المسجد جماعة في قيام رمضان ثلاثاً أو اقل لم يخرج إليهم حين غُص المسجد بأهله وخرج إليهم الفجر وقال (أنه لم يحق عليه مقامكم ولكني خشيت ان تفرض عليكم, فصلوا ايها الناس في بيوتكم) ومع ذلك فكان بعض الصحابة يصلون في المسجد كما وجدهم عمر اوزاعاً متفرقين يصلي الرجل لنفسه, ويصلي الرجل ومعه الرهط, فهل كان هؤلاء المصلون المبتدعين مخالفين لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم لهم بقوله (ألا صلوا في بيوتكم) , وهل كان عمر رضي الله عنه كذلك عند ما جمعهم على إمام وأحد؟!.
سابعاً:- زيادة عبدالله بن عمر البسملة
زيادة إمام السنة والجماعة, عبدالله بن عمر البسملة في أول التشهد, وكذلك ما زاده في التلبية بقوله ( لبيك وسعديك والخير بيديك والرغباء إليك والعمل ....) وهذا مبسوط في صحيح البخاري ومسلم , وروي عن ابن ابي شيبه بسند صحيح أن عمر رضي الله عنه كان يزيد في التلبية ( لبيك مرغوب إليك ذا النعماء والفضل الحسن) فلماذا زاد على التلبية الواردة؟
ثامناً :- استلام ابن عباس رضى الله عنهُ أركان الكعبة الأربعة
فقد أخرج البخاري والترمذي والطبراني في الكبير والهيثمي في مُجمع الزوائد أن أبي الطفيل قال قدم معاوية وابن عباس الكعبة فاستلم ابن عباس الأركان كُلها فقال لهُ معاوية إنما استلم رسول الله r الركنين اليمانيين ! قال ابن عباس :- ( ليس شيء من البيت مهجوراً ) . والذي ثبت عن سيدنا رسول الله فيما رواه عنهُ البخاري ومسلم وغيرهما أنه كان يستلم الركنيين اليمانيين من الكعبة المشرفة , ولم يستلم غيرهما .
تاسعاً :- قراءة سورة العصر قبل التفرق
أخرج الطبراني في الأوسط عن أبي مدينة الدارمي وكانت لهُ صُحبة قال :- ( كان الرجلان من أصحاب النبي إذا التقيا لم يفترقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة { والعصر إن الإنسان لفي خسر ... } )
عاشراً :- تقبيل القبر الشريف
فعن داود بن أبي صالح قال :- أقبل مروان يوماً فوجد رجلاً واضعاً وجههُ على القبر النبوي , فقال لهُ مروان أتدري ما تصنع ؟ فإذا هو أبو أيوب الأنصاري , فقال أبو أيوب : نعم جئتُ رسول الله صلى الله عليهِ وسلم ولم آتِ الحجر .
الحادي عشر :- أن يُصلي المسافر الرباعية أربعة ركعات
فلقد أخرج البخاري في صحيحة برقم (1107 ) ومسلم (704 ) أن الني r كان يلازم في أسفاره كُلها القصر فيصلي الظهر والعصر والعشاء ركعتين ركعتين , ولم يثبت قط أنهُ صلى الرباعية أربعاً في السفر , ومع ذلك فقد صلى عثمان بن عفان رضي الله عنهُ في منى أربعاً وأنكر عليهِ ابن مسعود ثم صلاها( أي ابن مسعود ) معهُ أربعاً , فلما قيل لهُ , قال إني أكره الخلاف ........... الخ من زيادة الصحابة وعلماء وفضلاء الأمة .
.
vBulletin® v3.8.1, Copyright ©2000-2012, Jelsoft Enterprises Ltd.