نذير مكتبي
10-02-2009, 10:06 PM
مصطفى السباعي أديباً وشاعراً
بقلم: محمد علي شاهين
السباعي أديب أمة لا تعرف الحدود ولا تمزقها الرايات والشعارات
السباعي شاعر مقل موهوب صاحب رسالة عطاء وفداء
لم يتوقف تدفق النهر المقلوب (العاصي) بغزارة من مغارة الراهب حتى بحيرة قطينة، قبل أن يمتد شمالاً باتجاه بحيرة أفاميا، ويستدير باتجاه انطاكية، ليصب في خليج السويدية، بينما كان المطر ينهمر فوق القباب البيض، ويغسل دروب حمص الجليلة، الغافية على ذراع العاصي.
في تلك الليلة من عام خمسة عشر وتسعمائة وألف، رزق آل السباعي بطفل جميل، ضمه أبوه الشيخ حسني تحت عباءته إلى صدره بحنان، وهمس في أذنه برفق الصدى الشجي، كأنه يؤذن لصلاة الفجر من فوق منارة الجامع الكبير، ليوقظ النيام، ويحثهم على الفلاح، وأخذ يتفرس في بريق عيني المولود، كأنه أمام سهول حمص السندسية وهي تمتد نحو الأفق.
في تلك الليلة كان الطورانيون الأتراك والدونمة يواصلون تآمرهم على صرح الخلافة العظيم، بينما كان أبناء العرب والأتراك يساقون كالقطعان إلى ساحات الوغى، في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، إلى جانب الدول المتحاربة، وهي تخوض أشرس معارك الحرب العالمية.
وعلى مدارج حمص، دار أسد الدين شيركوه، وصلاح الدين، نشأ الفتى مصطفى، يحبو خلف القلعة المصفحة، والأسوار الحصينة، ويتجول بين قصورها الصغيرة، وسواقيها الجارية، وحدائقها المورقة، ويقف باحترام تحت قبة فتى من بني مخزوم، لم يزل مرابطاً في حمص، حتى مات على فراشه، بعد ركوبه عظيم الأخطار، وفتحه الفتوحات، ونكايته في أعداء الله، ويرمق بجانب ضريحه قبر رفيق جهاده الصحابي الجليل عياض بن غنم، ويقرأ الفاتحة بخشوع، ويداه مبسوطتان نحو السماء، أمام قبر رجل من أهل الصفة، هو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم سفينة ( واسمه مهران، أو رباح، أو قيس)، وسماه الرسول (ص) سفينة لقصته المشهورة مع الأسد، وهو يحمل رسالة النبي (ص) إلى عامله باليمن معاذ بن جبل.
وفي مساجد حمص يعكف الفتى مصطفى على حفظ القرآن، والمتون، وقراءة كتب السيرة، ويتقن فن الخطابة، ويجلس بين يدي العلماء برفقة أبيه، والتأدب بآدابهم.
وفي تلك المجالس سمع مصطفى السباعي ابن الثالثة عشرة سيرة الإمام حسن البنا، وأخذ يتطلع للقائه في مصر.
والتحق مصطفى بالثانوية الشرعية في حمص، فكان متميزاً بسعة الإطلاع على كتب الأدب والتراث، متفوقاً على الأقران.
السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي:
وتوجه إلى مصر لإكمال تعليمه العالي بالجامعة الأزهرية عام 1933 ونال منها العالمية، ثم شهادة الدكتوراه بدرجة امتياز، وكان موضوع أطروحته: (السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي) عام 1949 وكان خلال مرحلة التحصيل، متعدد المواهب، عالي الهمة، متواضعاً.
السباعي يحمل فكر البنا إلى سورية:
وفي القاهرة، أتيحت له فرصة الاتصال بالإمام حسن البنا، وزيارته بالمركز العام، برفقة شقيق روحه الشيخ محمد الحامد.
وفي سورية شارك السباعي في عقد أول مؤتمر للجمعيات الإسلامية بمدينة حمص عام 1936.
أول مراقب عام للإخوان المسلمين في سورية:
وتمت مبايعته في المؤتمر التأسيسي الأول المنعقد في حلب عام 1945 مراقباً عاماً لجماعة الإخوان المسلمين في سورية ولبنان، مدى الحياة.
قيادة المجاهدين في حرب فلسطين:
وكانت القضية الفلسطينية الشغل الشاغل للحركة الإسلامية، ومن أجلها تحمل الإخوان ـ بسبب مواقفهم الجريئة ـ الأذى والاضطهاد راضين مطمئنين، ولم يزل الأخوان يرفضون قرار هيئة الأمم بتقسيم فلسطين الذي صدر في 29/11/1947حتى الآن، ومحاولات تدويل القدس.
وشارك الأخوان السوريون بقيادة السباعي الذي امتطى صهوة الجهاد في معارك القسطل إلى جانب البطل عبد القادر الحسيني، وفي معركة النبي يعقوب، ومعركة باب الواد، ومعركة القطمون، ومعركة الحي اليهودي في القدس القديمة، ومعركة القدس الكبرى عام 1949 وضرجوا بدمائهم ثراها المقدس.
وعاش السباعي أحزان أمته، وكان شاهد عيان على هزيمتها العسكرية عام 1948 إلا أنه لم يستسلم لهذا السقوط المريع.
عليك أبا حسان في يوم ذكراك، وطبت حياً وميتاً.
يتبع...
بقلم: محمد علي شاهين
السباعي أديب أمة لا تعرف الحدود ولا تمزقها الرايات والشعارات
السباعي شاعر مقل موهوب صاحب رسالة عطاء وفداء
لم يتوقف تدفق النهر المقلوب (العاصي) بغزارة من مغارة الراهب حتى بحيرة قطينة، قبل أن يمتد شمالاً باتجاه بحيرة أفاميا، ويستدير باتجاه انطاكية، ليصب في خليج السويدية، بينما كان المطر ينهمر فوق القباب البيض، ويغسل دروب حمص الجليلة، الغافية على ذراع العاصي.
في تلك الليلة من عام خمسة عشر وتسعمائة وألف، رزق آل السباعي بطفل جميل، ضمه أبوه الشيخ حسني تحت عباءته إلى صدره بحنان، وهمس في أذنه برفق الصدى الشجي، كأنه يؤذن لصلاة الفجر من فوق منارة الجامع الكبير، ليوقظ النيام، ويحثهم على الفلاح، وأخذ يتفرس في بريق عيني المولود، كأنه أمام سهول حمص السندسية وهي تمتد نحو الأفق.
في تلك الليلة كان الطورانيون الأتراك والدونمة يواصلون تآمرهم على صرح الخلافة العظيم، بينما كان أبناء العرب والأتراك يساقون كالقطعان إلى ساحات الوغى، في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، إلى جانب الدول المتحاربة، وهي تخوض أشرس معارك الحرب العالمية.
وعلى مدارج حمص، دار أسد الدين شيركوه، وصلاح الدين، نشأ الفتى مصطفى، يحبو خلف القلعة المصفحة، والأسوار الحصينة، ويتجول بين قصورها الصغيرة، وسواقيها الجارية، وحدائقها المورقة، ويقف باحترام تحت قبة فتى من بني مخزوم، لم يزل مرابطاً في حمص، حتى مات على فراشه، بعد ركوبه عظيم الأخطار، وفتحه الفتوحات، ونكايته في أعداء الله، ويرمق بجانب ضريحه قبر رفيق جهاده الصحابي الجليل عياض بن غنم، ويقرأ الفاتحة بخشوع، ويداه مبسوطتان نحو السماء، أمام قبر رجل من أهل الصفة، هو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم سفينة ( واسمه مهران، أو رباح، أو قيس)، وسماه الرسول (ص) سفينة لقصته المشهورة مع الأسد، وهو يحمل رسالة النبي (ص) إلى عامله باليمن معاذ بن جبل.
وفي مساجد حمص يعكف الفتى مصطفى على حفظ القرآن، والمتون، وقراءة كتب السيرة، ويتقن فن الخطابة، ويجلس بين يدي العلماء برفقة أبيه، والتأدب بآدابهم.
وفي تلك المجالس سمع مصطفى السباعي ابن الثالثة عشرة سيرة الإمام حسن البنا، وأخذ يتطلع للقائه في مصر.
والتحق مصطفى بالثانوية الشرعية في حمص، فكان متميزاً بسعة الإطلاع على كتب الأدب والتراث، متفوقاً على الأقران.
السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي:
وتوجه إلى مصر لإكمال تعليمه العالي بالجامعة الأزهرية عام 1933 ونال منها العالمية، ثم شهادة الدكتوراه بدرجة امتياز، وكان موضوع أطروحته: (السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي) عام 1949 وكان خلال مرحلة التحصيل، متعدد المواهب، عالي الهمة، متواضعاً.
السباعي يحمل فكر البنا إلى سورية:
وفي القاهرة، أتيحت له فرصة الاتصال بالإمام حسن البنا، وزيارته بالمركز العام، برفقة شقيق روحه الشيخ محمد الحامد.
وفي سورية شارك السباعي في عقد أول مؤتمر للجمعيات الإسلامية بمدينة حمص عام 1936.
أول مراقب عام للإخوان المسلمين في سورية:
وتمت مبايعته في المؤتمر التأسيسي الأول المنعقد في حلب عام 1945 مراقباً عاماً لجماعة الإخوان المسلمين في سورية ولبنان، مدى الحياة.
قيادة المجاهدين في حرب فلسطين:
وكانت القضية الفلسطينية الشغل الشاغل للحركة الإسلامية، ومن أجلها تحمل الإخوان ـ بسبب مواقفهم الجريئة ـ الأذى والاضطهاد راضين مطمئنين، ولم يزل الأخوان يرفضون قرار هيئة الأمم بتقسيم فلسطين الذي صدر في 29/11/1947حتى الآن، ومحاولات تدويل القدس.
وشارك الأخوان السوريون بقيادة السباعي الذي امتطى صهوة الجهاد في معارك القسطل إلى جانب البطل عبد القادر الحسيني، وفي معركة النبي يعقوب، ومعركة باب الواد، ومعركة القطمون، ومعركة الحي اليهودي في القدس القديمة، ومعركة القدس الكبرى عام 1949 وضرجوا بدمائهم ثراها المقدس.
وعاش السباعي أحزان أمته، وكان شاهد عيان على هزيمتها العسكرية عام 1948 إلا أنه لم يستسلم لهذا السقوط المريع.
عليك أبا حسان في يوم ذكراك، وطبت حياً وميتاً.
يتبع...