مشاهدة النسخة كاملة : كتاب "البروج المشيدة بالنصوص المؤيدة" للشيخ حسن حلمي النقشبندي الداغستاني
Mahdi ar-Rusi
19-04-2008, 07:10 PM
كتاب "البروج المشيدة بالنصوص المؤيدة" للشيخ حسن حلمي النقشبندي الشاذلي الداغستاني رضي الله تعالى عنه
http://www.kitab-risalat.ru/library/burudj.pdf
Mahdi ar-Rusi
19-04-2008, 07:20 PM
البرج الثالث
في جواب مسألة: هل يكون الفرق بين مَن له شيخ و بين غيره في الخوف من سوء الخاتمة أم لا؟
اعلم أيها العزيز؛ أن الخوف من سوء الخاتمة في السالكين أكثر مما في غيرهم، لأنهم لما شهدوا الجلال و العظمة و علموا أنه تعالى يقول (هؤلاء إلى النار و لا أبالي)، و تيقَّنوا أن أعمالهم غير صافية من الكدورات، و أنهم قد عملوا سوءاً في كثير من الأوقات، يخافون من الله و من سوء العاقبة كما يخافون من السّبع الضاري، و ذا دأبهم بالليل و النهار! فقد كان أكابر السادات يكادون أن تنقطع أكبادهم من خوف سوء الخاتمة، و ذلك بكونهم كلما ترقّوا في مقامات الطريق يخافون من إبليس أكثر منه قبل الترقي، لعلمهم أن العبد كلما قرب من حضرة ربه تشتدُّ عداوة الشيطان له، و يجمع له الجيوش و لا يرجع عنه و لا تنقطع وساوس عن متوجه إلى الله؛ و إن دقّت بحيث لا يكاد يشعرها.
الذكر قوت الروح
و قد نبه الشعراني في "البحر المورود" إلى ما ذكر، و كلما أكثروا قُوتَ الروح؛ و هو الذكر؛ و أقلُّوا قوت النفس؛ و هو الاشتغال بحظوظها، يرون بالذوق أنهم أذلُّ خلق الله، و لا يرون لهم قدراً ما؛ فانظر إلى هذا الإمام الرباني أحمد الفاروق الذي قيل فيه: لا أرى في هذه الأمة مثل الإمام الرباني. أنه قال بعد ذكره قول بعضهم: إنّ المريد الصادقَ مَنْ لا يكتبُ عليه كاتبُ شماله شيئاً مدة عشرين سنة. انتهى. و هذا الفقير المملوء بالتقصير يجد نفسه بالذوق و الوجدان بحيث لا يدري أن كاتب يمينه وجد حسنة يدرجها في صحيقة أعماله منذ عشرين سنة، علم الله سبحانه أنه لا يقول هذا الكلام بالتصنع، و يجد بالذوق أيضاً أن كفار الإفرنج أفضل منه بمراتب، فإن سئل عز لَمِّيَّته لا يعجز عن الجواب، و يرى نفسه أيضاً بطريق الذوق محاطاً بالخطيئات و مشمولاً بالسيئات، و ما وجد فيه من الحسنات يرى أن كاتب شماله أحقُّ بكتابته، و يرى أن كاتب شماله مشغولٌ أبداً، و كاتب يمينه معطل و فارغ سرمداً، و يعلم أن صحيفة يمينه خالية، و صحيفة شماله مملوءة؛ لا رجاء له سوى الرحمة، و لا مُمِدّ له سِِوى المَغفرة.
(دعاء): اللّهم مغفرتك أوسَعُ منْ ذنوبي، و رَحمَتُكَ أرجى عندي مِنْ عَمَلي، موافق حاله. انتهى "الدرر المكنونات" من عينه من الجزء الأول 200.
و قال الإمام الرباني أيضاً في بعض مكاتبه؛ بعد ذكره كلاماً نفيساً: و المقصود من هذا القيل و القال إظهارُ نعمة الحق سبحانه، و ترغيب طلاب هذه الطريقة، لا تفضيل نفس على الأخرى! و معرفة الله سبحانه حرام على مَن يرى نفسه أفضل من كفار الإفرنج، فكيف من أكابر الدين؟! منه في ص 254 ج 1. و مثل قوله قال كثير من الأقطاب؛ كخالد شاه، و محمود أفندي و غيرهما، و يحتمل أن يكون معنى قول الجنيد (الصوفي كالأرض يطرح عليها كل قبيح، و لا يخرج منه إلا كل مليح): أنه لا يرى من نفسه إلا كل قبيح؛ و إن خرج منه بالنسبة إلى غيره كل مليح! فافهم.
و لكن إذا نظرنا إلى الآيات و الأحداث يعلم أن حسن العاقبة و سوءها منوطان بالأعمال، فقد قال الغزالي في "الإحياء" ما نصه:
فإن قلت: فليت شعري ماذا موردي؟ و إلى ماذا مآلي و مرجعي؟ و ما الذي سبق به القضاء في حقي؟ فلك علامة تستأنس بها، و يصدق رجاؤك بسببها، و هو أن تنظر إلى أحوالك و أعمالك، فإنّ كلاً ميسّر لما خلق له، فإنْ كان قد يسَّر لك سبل الخير! فأبشر، فإنك مبعد من النار، و إن كنت لا تقصد خيراً إلاَّ و تحيط بك العوائق فتدفعه، و لا تقصد شراً إلاَّ و تيسر لك أسْبَابُهُ؛ فاعلم أنّك مقضيّ عليك، فإن دلالة هذا على العاقبة كدَلالة المطر على النبات، وَ دَلالة الدّخان على النار، فقد قال الله تعالى "إن الأبرارَ لَفي نَعِيم و إنّ الفُجَّار لَفي جَحيم" فاعرض نفسك على الآيتين، و قد عرفت مستقرّك من الدّارين و الله أعلم انتهى.
و قد قال الإمام الرباني – قدس سره - : المقصود من سلوك طريق الصوفية ازدياد اليقين بحقية المعتقدات الشرعية التي هي حقيقة الإيمان، و حصول اليسر في أداء أحكام الشرعية؛ لا أمر آخر وراء ذلك اه كذا في "الدرر المكنونات".
و في "الرشحات" ما معناه: إن المقصود من سلوك الطريق كون القلب حاضراً بالله على سبيل الذوق، يعني: أن يكون الذكر القلبي و الحضور الدائمي مع الله تعالى مَلَكة راسخة لا تزول و لا تنقطع، حتى لو تكلَّف لإخطار غير الله في البال لم يخطر، و هذا منهم هو الخوف من سوء المنقلب، و هو الاستعداد لذلك الوقت، و قد قالوا: المرء يموت على ما عاش عليه، و يحشر على ما مات عليه. فإذا علمت ما ذكر تعلم أن السالكين هم الخائفون، و غيرهم هم الآمنون، و الأمنُ من سوء العاقبة هو سبب سلب الإيمان، عياذاً بالله تعالى "و لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون" الآية.
و من المعلوم المحسوس أن تقوى الله تعالى أكثر في السالكين مما في غيرهم، و يرجع أمره إلى أن ينجو ممسك عروته من زوال الإيمان؛ نظراً إلى ما في الآيات، فإن مآل كلِّها و مضمونها على حسن حال المتقي، قال تعالى: "يا أيُّها الّذين آمنوا اتُّقوا الله و قولوا قولاً سديداً يُصلح لكمْ أعمالَكم و يغفر لكم ذنوبكم" و قد فسر: أي يتم أعمالكم. و قال البعض: يقبل أعمالكم. و قال تعالى "إن الله يحب المتقين". و قال "إنما يتقبل الله من المتقين"، و قال "إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، و قال: "الذين آمنوا و كانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا و في الآخرة" و قال: "ثم ننجى الله الذين اتقوا" و قال: "و سيجنبها الأتقى\\ الذي"، و قال: "أعدَّت للمُتَّقين".
سبب سوء الخاتمة
و أيضاً إن سبب سوء الخاتمة كثرة الذنوب الظاهرة و الباطنة، و الإصرار على الكبائر و الصغائر حتى تعلو الظلمة و النكتة على القلب بسببها، بحيث لا يخاف من الله و من سوء العاقبة، قال تعالى: "كلاّ بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون".
قال الإمام الغزالي – رحمه الله تعالى – في "إحياء علوم الدين" ما نصّه: فالعاصي بالضرورة بذنوبه ناقص الإيمان، و ليس الإيمان باباً واحداً! بل هو نيف و سبعون، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، و أدناها إماطة الأذى عن الطريق. و مثاله قول القائل: (ليس الإنسان موجوداً واحداً! بل هو نيف و سبعون موجوداً، أعلاها القلب و الروح، و أدناها إماطة الأذى عن البشرة؛ بأن يكون مقصوص الشارب، مقلوم الأظافر، نقي البشرة عن الخبث، حتى يتميَّز عن البهائم المرسلة الملوثة بأرواثها المستكرهة الصور بطول مخالبها و أظلافها)، و هذا مثال مطابق. فالإيمان كالإنسان، و فقد شهادة التوحيد يوجب البطلان بالكلية كفقد الروح، و الذي ليس له إلاّ شهادة التوحيد و الرسالة! هو كإنسان مقطوع الأطراف، مفقود العينين، فاقدٍ لجميع أعضائه الباطنة و الظاهرة؛ إلا أصل الروح! و كما أن مَن هذه حالُه قريبٌ من أن يموت فتزايله الروح الضعيفة المنفردة التي تخلَّف عنها الأعضاء التي تمدُّها و تقوِّيها؛ فكذلك مَن ليس له إلا أصل الإيمان؛ و هو مقصِّر في الأعمال؛ قريب من أن تُقتَلع شجرة إيمانه إذا صدمتها الرياح العاصفة المحرِّكة للإيمان في مقدمة قدوم ملك الموت و وروده، فكل إيمان لم يثبت في اليقين أصله، و لم تنتشر في الأعمال فروعه، لم يثبت على عواصف الأهوال عند ظهور ناصية ملك الموت، و خيف عليه سوء الخاتمة، إلا ما يبقى بالطاعات على توالي الآيام و الساعات حتى رسخ و ثبت اه. فراجعه في 6 من الجزء الرابع.
و فيه أيضاً؛ في صحيفة 7: فالمعاصي للإيمان كالمأكولات المضرة للأبدان، فلا تزال تجتمع في الباطن مغيِّرة مزاج الأخلاط؛ و هو لا يشعر بها إلى أن يفسد المزاج، فيمرض دفعة ثم يموت دفعة، فكذلك المعاصي. انتهى.
Mahdi ar-Rusi
19-04-2008, 07:21 PM
و أما السالكون! فأول ما يلقِّنهم المشايخ: التوبة و الاستغفار، و الصلاة على النبي المختار صلى الله عليه وسلم ، رجاءَ أن يبدِّل الله سيئاتهم حسنات. قال تعالى: "و الذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم" الآية. و قوله تعالى "و من يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما". و قوله: "إن الحسنات يذهبن السيئات". و في الحديث: "أتبع السيئة الحسنة تمحها". فالمريد، وإن عصى و خالف! فهو يستغفر الله في كل يوم ألف مرة، أو خمسمائة مرة، كما كان أشياخنا يأمرونهم بذلك.
روى ابن ماجه: "لو أخطأتم حتى تبلغ خطاياكم عنان السماء ثم تبتم، لتاب الله عليكم".
و روى الطبراني و البيهقي: "صاحب اليمين أمير على صاحب الشمال، فإذا عمل العبد حسنة كتبها بعشر أمثالها، و إذا عمل سيئة فأراد صاحب الشمال أن يكتبها قال له صاحب اليمين: أمسك. فيمسك ست ساعات، فإن استغفر الله منها! لم يكتب عليه شيئاً، و إن لم يستغفر الله! كتبها سيئة واحدة". فهذه نعمة جليلة للمريدين!
الغفلة من أعظم الذنوب
فإن أشياخهم يأمرونهم بعدم غفلتهم عن الله حتى في الخلاء، فكيف يغفلون عنه تعالى في حالة وقوعهم في المعصية و المخالفة، مع أنهم يعدون الغفلة من أعظم الذنوب!؟ فالفرق بين مَن هذا حالهُ، و بين من لا يحضر قلبُه مع الله؛ و لو في الصلاة المفروضة إلا بالتكلف بل لحمته و سداه غفلة ظاهر لا يخفى.
و في كتاب "الرماح": فإن مَن اشتغل بها – يعني بمكفرات الذنوب – مع كثرة ذنوبه خفّت مؤونة الذنوب عليه، و هو خير من الذي يقتحم الذنوب و لا يأتي بمكفراتها، قال سبحانه تعالى: "إن الحسنات يذهبن السيئات" و قال صلى الله عليه وسلم: "إذا أتيت بسيئة فأتبعها بالحسنة" أو كما قال صلى الله عليه وسلم مما معناه هذا[1] ، و ذلك بمنزلة مَن يسرع له تجديد الجراح بجسده فيسرع له بالدواء، فكلما وقع عليه جراح أسرع بدوائه، و هو خير من الذي تنصبُّ عليه الجراح فلا يتداوى 359 ج 3. انتهى. من هامش "جواهر المعاني". و أيضاً إن المريدين يصلُّون على النبي صلى الله عليه وسلم ألف مرة أو خمسمائة مرة بتلقين مشايخهم في كل يوم، و كونها من المكفرات للذنوب معلومة.
--------------------------------------------------------------------------------
و نصه: "وأتبع السيئة الحسنة تمحها ..." و الله تعالى أعلم. (عبد) [1]
قال في "جواهر المعاني" ما حاصله: أنه سبحانه و تعالى عظيم المحبة و العناية برسوله صلى الله عليه وسلم فمن رآه سبحانه و تعالى توجه بالصلاة على حبيبه صلى الله عليه وسلم؛ اعتنى به لأجل تحبُّبه لحبيبه بالصلاة على حبيبه، و كانت تلك المحبة و العناية منه سبحانه و تعالى إذا ثابر[1] على الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم لو أتاه بذنوب أهل الأرض كلها من أول وجود العالم إلى آخره أضعافاً مضاعفة؛ لأدخلها كلها سبحانه و تعالى في بحر عفوه و فضله، و واجهه سبحانه تعالى في بلوغ أمله في الدار الآخرة؛ بتبليغه له في أعلى مراتب رضاه سبحانه و تعالى، و كان حكمه في الغيب: كلما صعدت الملائكة إلى الله بصحيفة أعماله مملؤة بالسيئات يقول سبحانه وتعالى للملائكة: إن له عناية بحبيبنا صلى الله عليه وسلم، لا تكون سيئاته كسيئات غيره! و لا تقع المؤاخذة عليه كما تقع على غيره من أصحاب السيئات. انتهى 132 ج1.
و فيه في موضع آخر: إن الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق الفاسق أنفعُ له من تلاوة القرآن[2]. انتهى 200 2ج.
و فيه أيضاً بُعَيد هذا: فإن الله سبحانه و تعالى ضمن لتاليها أن يصلي عليه، و مَن صلى الله عليه مرة لا يعذبه، و لا وسيلة عند الله أعظمُ نفعاً و أرجى في استجلاب رضى الرب عن العبد في حق العامة أكبرُ من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .
--------------------------------------------------------------------------------
المثابرة على الأمر: المواظبة عليه. "مختار". و الملازمة له. "مصباح"، "هامش الأصل". [1]
[2]
و في "الصاوي حاشية الجلال" في قوله تعالى: "وقل ربِّ زدني علماً" أي، سل ربك الاستزادة من العلوم بسبب نزول القرآن؛ فإنها أفضل ما يسأل، و أعزُّ ما يطلب، و من هنا أمر المشايخ للمريدين بتلاوة القرآن و التعبُّد به بعد كمالهم و نظافة قلوبهم، و ما داموا لم يكملوا! يأمرونهم بالذكر و نحوه لتخلص قلوبهم، و الحكمة في ذلك أن الغفلة في الذكر أخفُّ منها في القرآن، لما في الأثر: "رُبَّ قارئ للقرآن و القرآن يلعنه". فجعل العارفون للتوسل للقرآن طرقاً يجاهدون أنفسهم فيها، ليزدادوا لقراءتهم القرآن علوماً و معارف و أخلاقا، و حينئذٍ فليس تركهم القراءة في المبتدء لكون غيره أفضل منه! بل لينظفوا أنقسهم للقراءة. انتهى فراجعه من سورة طه.
و قد بسط الإمام الرباني الكلام في حق هذا في بعض مكاتبه، فراجعه (منه رحم الله إفلاسه)
--------------------------------------------------------------------------------
المثابرة على الأمر: المواظبة عليه. "مختار". و الملازمة له. "مصباح"، "هامش الأصل". [1]
[2]
و في "الصاوي حاشية الجلال" في قوله تعالى: "وقل ربِّ زدني علماً" أي، سل ربك الاستزادة من العلوم بسبب نزول القرآن؛ فإنها أفضل ما يسأل، و أعزُّ ما يطلب، و من هنا أمر المشايخ للمريدين بتلاوة القرآن و التعبُّد به بعد كمالهم و نظافة قلوبهم، و ما داموا لم يكملوا! يأمرونهم بالذكر و نحوه لتخلص قلوبهم، و الحكمة في ذلك أن الغفلة في الذكر أخفُّ منها في القرآن، لما في الأثر: "رُبَّ قارئ للقرآن و القرآن يلعنه". فجعل العارفون للتوسل للقرآن طرقاً يجاهدون أنفسهم فيها، ليزدادوا لقراءتهم القرآن علوماً و معارف و أخلاقا، و حينئذٍ فليس تركهم القراءة في المبتدء لكون غيره أفضل منه! بل لينظفوا أنقسهم للقراءة. انتهى فراجعه من سورة طه.
و قد بسط الإمام الرباني الكلام في حق هذا في بعض مكاتبه، فراجعه (منه رحم الله إفلاسه)
Mahdi ar-Rusi
19-04-2008, 07:22 PM
ثواب صلاة الفاتح
و فيه أيضاً: و اعلموا أن الذنوب في هذا الزمان لا قدرة لأحد على الانفصال عنها، فإنها تنصبُّ على الناس كالمطر الغزير، لكن أكثروا من مكفرات الذنوب و آكدُ ذلك صلاة الفاتح لما أغلق، فإنها لا تترك من الذنوب شاذة و لا فاذَّة. اه و هي: "اللهم صلّ على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق، و الخاتم لما سبق، ناصر الحق بالحق، و الهادي إلى صراطك المستقيم، و على آله حقَّ قدره و مقداره العظيم". وهي الصيغةالتي تعدل بستمائة[1] ألف صلاة.
و في "جواهر المعاني": و اعلم أن كل ما تذكره من الأذكار و الصلوات على النبي (ص) و الأدعية لو توجهت بجميعها مائة ألف عام؛ كل يوم تذكرها مائة ألف مرة؛ و جميع ثواب ذلك كله، ما بلغ ثواب مرة واحدة من صلاة الفاتح لما أغلق. اه. 157 ج 3.
و قد ذكرت بعض فضائل صلاة الفاتح لما أغلق في كتابنا "تلخيص المعارف"[2] فلو راجعت إليه ترى العجائب. و السلام على مَن اتبع الهدى.
و من صيغ الصلاة التي ورد: أن مَن قال هذه الصيغة و كان قائماً غفر له قبل أن يقعد، و إن كان قاعداً غفر له قبل أن يقوم، هذه الصلاة: "اللهم صل على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم"، و هي مذكورة في "منهاج السادات" فراجعه في 47.
فالملازمة على أمثال هذه المكفرات أكثر في السالكين من غيرهم، فظهر الفرق بينهم و بين غيرهم من العوام.
في شفاعة المشايخ
و أيضاً إن المشايخ يلاحظون أتباعهم في الشدائد و المضائق، و ينظرون بنور بصائرهم إلى أحوالهم، و يمدونهم بمددهم، و قد نقل شيخنا سيف الله – قدس سره – في "كنز المعارف" من الحكم ما لفظه: فإذا رجع المريد إلى شيخه بالصدق وجب على شيخه جبران تقصيره بهمته، فإن المريدين عيال على شيوخهم فُرِضَ عليهم أن ينفقوا من قوت أحوالهم ما يكون جبراناً لتقصيرهم. اه.
و نقل المحقق محمد طاهر – رحمه الله – في "شرح المفروض" عن "ميزان" الشعراني ما نصُّه: إن ائمة الفقهاء و الصوفية كلهم يشفعون في مقلديهم، و يلاحظون أحدهم عند طلوع روحه، و عند سؤال منكر و نكير، و عند المحشر، و عند الحشر و النشر و الحساب و الميزان و الصراط و لا يغفلون عنهم في موقف من المواقف.
و في "الفجر المنير": و قال يعني أحمد الرفاعي رضي الله عنه: الشيخ هو الذي يحضر مع مريده و يلاحظه في أربعة مواضع: الأول: حين النزع و خروج الروح من الجسد، الثاني: عند سؤال الملكين منكر و نكير في القبر، الثالث: عند العبور على الصراط و المرور به، و الرابع: عند وزن أعماله بالميزان. انتهى 30.
و قد حكت امرأة صالحة ولية أنها كانت تذهب وحدها لدى شيخها ذي الجناحين الحاج عبد الرحمن العسلي قدس سره، فاجتمعت في الطريق مع راكب؛ فحمل فروتها على فرسه رحمة بها لعَجزها وضعفها؛ ففارق منها، ثم اجتمعت مع راكب آخر، فأركبها على فرسه زمناً يسيراً، ففارق منها أيضاً، ثم كانت تمشي هويناً، فلقيها راكب آخر، فانزعج فرسه خوفا منها، و طرح مِن فرسه، فغضب عليها و تكلَّم عُنفاً؛ فقال: بَزَلْ عَدِنِشْ عَدَمَلْ رَجُنِلْ؟
فقالت له: "عَنْكْ عَدِنْ مُنْكِ وَجُّنِبْ مِخَّلْ بَزْعَدِنْ دُنْكِ يَجُنِ يِكُ خَّ دِرْوَسْ". قالت له ذلك بحسب التلاعب معه لإطفاء نار غضبه و تطييب قلبه، ثم وصلت لدى الشيخ المذكور؛ فباتت عنده، فحين قصدت أن ترجع من لدنه إلى قريتها اهتمَّت و اغتمَّت، فإذا نظر الشيخ إلى همومها و غمومها قال لها: لا تخافي، فإني أكون معك عند المجيء و عند الإياب، و أنا أيضاً أكون معك في حالة الاحتضار لأدفع عنك الشيطان، و أكون معك أيضاً عند المسألة في القبر لأجيب الملكين منك و أنت ساكتة. فذكر جميع ما وقع لها مع تلكم الرواكب في الأمس، فقال: "وُكُلِوْ وُكُنْ وُكِش دُنْ دُدَخَدُ". فكانت المرأة العجوزة المذكورة تُخْبرُ[1] هذه القصة، و كانت من الصالحات العابدات القانتات[2].
و نقل عن "الأجوبة المرضية" للشعراني: أن للقيامة خمسين موقفاً؛ أولها إذا خرج الناس من قبورهم فيقفون ألف سنة، فليس للشيخ أن يفارق مريده في ذلك الموقف حتى يلقِّنه حجته، و ذلك له، ثم يساق الناس إلى المحشر فيقفون على أرجلهم ألف عام، فليس للشيخ أن يفارق مريده حتى يجيب عنه. اه. و آخر الموقف الصراط. فليس للشيخ أن يفارق مريده حتى يجاوز الصراط إلى الجنة. اه. فانظر يا أخي نفع المشايخ لمريديهم.
و الحمد لله رب العالمين. انتهى اختصاراً.
مهم
و مما ينبغي إلحاقه هنا: ما ذكره الشعراني في "البحر المورود" بما هذا نصه: و أُعلِّمك يا أخي طريقاً تملك به قلوب الفقراء، فلا يتخلَّفون عنك لا في الدنيا و لا في الآخرة! و اعلم يا أخي أن الأولياء أولى الناس بمكافأة مَن أحسن إليهم؛ لجودهم و حيائهم ممن دفع لهم هدية؛ و لو رغيفاً فقد أدخلهم في منَّته، و وجب عليهم قضاء حوائجه في الدارين، و مَن لم يدفع إليهم شيئاً من الهدايا لقضاء حوائجه ليست واجبة عليهم؛ و إنما ذلك مستحب. انتهى. فراجعه فإنه مهم.
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
و أيضاً قال لي ( قدس سره): يا ولدي! إن الشيخ لا يكون شيخاً ما لم يقف عند المريد في المواضع المخوفة له في الدنيا، و عند الأهوال و الأنكال له في الآخرة، مبتدئاً من سؤال القبر، إلى التجاوز و العبور على الصراط، و أرجو أن أكون لكم أكثر و أشدَّ نفعاً في الآخرة مما في الدنيا، و أرجو أيضاً أن يقوم خليفتي حسن أفندي بعدي مقامي فيما لكم به الضرُّ و النفع بأبلغ وجه. اه فاشار – رحمه الله – بهذا إلى قرب انتقاله إلى دار القرار. نفعنا الله به في الدارين. آمين "لزابره (كاتبه) الحقير".
وقبرها في غزانش الأعلى؛ لدى قبر ولد شيخنا العسلي – قدس سره - . (منه).[2]
و أيضا إن محبة أهل الطريق هي السبب المنجي من سوء العاقبة، فإن "المرء يحشر مع مَن أحب". فنرجو الله تعالى أن يميت محبَّ أوليائه على الإيمان.
و لولا أن المريد قد صدَّق طريق الولاية لما دخل فيه! و تصديق طريقة الولاية ولاية؛ كما قاله الجنيد (رضي الله عنه)، فالمحبُّ للصوفية و المتشبِّه بهم، و المتشبِّه بالمتشبِّه بهم و اللابس لخرقتهم، و المتبرِّك بنسبتهم، و المتصل بسلسلتهم، و العاشق لهم، و المحب لطريقتهم و رسومهم أفضلُ من غيره، لحسن ظنه فيهم؛ و إن كان خالفاً عنهم و متخلِّفاً عن فعل مثلهم و مائلاً عن سنن استقامتهم! فالخالف منهم في بركة السالف، فمددُ هممهم العالية على مَن تعلق بهم و صدَق في حبهم و صفى ودَّهم و تشبه بهم و انتسب إليهم طامية، و الكل في دوائر نفحات بركاتهم الشاملة، و حصون عنايتهم الكاملة؛ كما هو مذكور بلفظه و عبارته في "عقد اليواقيت" في 57 ج 1.
و فيه: و منهم مَن يصحبهم و يخالطهم ليناله بركتهم و صالح دعواتهم؛ من غير أن تكون له نية و لا عزيمة في الاقتداء و التشبه بسيرهم، فذلك لا يخلو من بركة و خير كثير، و هو داخل في عموم ما ورد في الحديث القدسي "هم القوم لا يشقى بهم جليسهم" 51 ج 1.
و فيه: من أحب القوم و كان لا يصرّ على كبيرة فهو محب حقيقة؛ و إن وقع في ذنب أو عيب يوماً ففي الحديث الصحيح: قيل: يا رسول الله الرجل يحب القوم و لا يلحق بهم؟ قال: "أنت مع من أحببت"[1].
و فيه: يبلغ المريد بنظر الشيخ إلى ما لم يبلغ بعبادته واجتهاده ألف سنة.
قال سيدنا الشيخ أبو بكر بن سالم باعلوي – نفعنا الله به - : هذا بنظرة الناظر إليهم، و أما نظرهم إليه! فإنهم يوصلون به إلى أعلى مقام عند الله تعالى مما لا يمكن تعبيره. انتهى.
قلت: و في الحديث ورد ذلك في قوله (ص): "إن لله عباداً مَن نظر في أحدهم نظرةَ سَعِد سعادة لا يشقى بعدها ابداً". انتهى 59.
--------------------------------------------------------------------------------
و إن أردت أن تعلم معنى المعيّة في هذا فراحع القسطلاني في 99 من ج 2 (هامش الأصل)[1]
--------------------------------------------------------------------------------
و في نسخة: سبعمئة ألف صلاة. [1]
انظر ص 23 و ما بعدها من طبعتنا [2]
Mahdi ar-Rusi
19-04-2008, 07:23 PM
مهم في حب العلماء و الصلحاء
و قال الإمام الرباني (قدس سره): إن محبة هذه الطائفة رأس كل سعادة دنيوية و أخروية، و التوفيقُ لإتيان الأحكام الشرعية نتيجةُ هذه المحبة، و تحصيل جمعية الباطن ثمرة هذه المودة، و لو صُبّت جميع ظلمات العالم و كدوراته في الباطن؛ و هذه المحبة قائمة! ينبغي أن لا يغتمَّ أصلاً، و لو أُفيضت أمثال الجبال من الأنوار و الأحوال على الباطن؛ و قد زالت مقدار شعرة من هذه المحبة! ينبغي أن لا يعتقد ذلك غير الخذلان. انتهى من "الدرر المكنونات" في 217.
فانظر أيها الأخ إلى ما يثمر محبة الصالحين و لو لمن لا يعمل بعملهم!
و رأيت في "الإحياء" ما حاصله: مَن أحب الخير للمسلمين كان شريكاً في الخير، و من فاته اللحاق بدرجة الأكابر في الدين لم يفته ثواب الحب لهم مهما أحب ذلك.
و فيه بُعَيد هذا: و قد قال أعرابي للنبي (ص): يا رسول الله؛ الرجل يحب القوم و لماَّ يلحق بهم! فقال النبي (ص): "المرء مع من أحب". و قام أعرابي إلى رسول الله (ص) و هو يخطب فقال: يا رسول الله متى الساعة؟ فقال: "ما أعددت لها؟" قال: ما أعددت لها من كثير صلاة و لا صيام إلا أني أحب الله و رسوله، فقال (ص): أنت مع من أحببت" قال أنس: فما فرح المسلمون كفرحهم يومئذ. إشارة إلى أن أكثر بغيتهم كانت حبَّ الله و رسوله.
قال أنس: فنحن نحبُّ رسول الله و أبا بكر و عمر و لا نعمل مثل عملهم، و نرجو أن نكون معهم.
و قال أبو موسى: قلت: يا رسول الله! الرجل يحب المصلين و لا يصلي، و يحب الصُّوَّامَ و لا يصوم حتى عدَّ أشياء، فقال النبي (ص): "هو مع من أحب"[1]. و قال رجل لعمر بن عبد العزيز: إنه كان يقول : إن استطعت أن تكون عالماً؛ فكن عالماً؛ فإن لم تستطع أن تكون عالماً فكن متعلِّماً؛ فإن لم تستطع أن تكون متعلِّماً! فأحبهم، فإن لم تستطع فلا تبغضهم، فقال: سبحان الله! لقد جعل الله لنا مخرجاً. انتهى 136 ج 3.
فضيلة مجالسة العالم
و في "نوادر" العالم العلاَّمة الشيخ أحمد القليوبي (رحمه الله تعالى): إن كعب الأحبار – رضي الله عنه – قال: إن الله تعالى يحاسب العبد، فإذا رجحت سيئاته على حسناته يؤمر به إلى النار، فإذا ذهبوا به إليها يقول الله تعالى لجبريل: "أدرِك عبدي و اسأله: هل جلس في مجلس عالم في الدنيا؟ فاغفر له بشفاعته. فيسأله جبريل، فيقول: لا. فيقول جبريل: يا رب! إنك عالم بحال عبدك أنه قال: لا. فيقول: سَلهُ: هل أحبَّ عالما؟ فيقول: لا. فيقول: سَلهُ: هل جلس على مائدة مع عالم؟ فيقول: لا. فيقول: سَله: هل سكن في سِكَّةٍ فيها عالمٌ؟ فيقول: لا. فيقول سَله هل وافق اسمه اسم عالم؛ أو نسبُه نسب عالم؟ فيقول: لا. فيقول: سَله هل يحب رجلاً يحب عالماً؟ فيقول: نعم. فيقول الله لجبريل: خذ بيده وأدخله الجنة، فإني قد غفرت له بذلك. انتهى 35.
و قال شيخنا السيد الأمير سيف الله الحسيني – قدس سره – في "كنز المعارف": ثم اعلم أيها الصادق أن التشبه بالأخيار و الصالحين بحسن الظن بهم يورث المحبة، و أن مَن أحب يكون مع المحبين، ألا ترى أن الله لما أرسل موسى – على نبينا و عليه الصلاة و الصلام – إلى فرعون كان السامري يتشبَّه بموسى بين يدي فرعون ليضحكه؛ استهزاءًا منه و استهانة، فبسبب هذا التشبه على هذا الوجه نجَّاه الله تعالى من الغرق؛ فلم يغرق مع فرعون و أصحابه!! هذا بمجرد التشبه و الحال على وجه الاستهانة و الاستهزاء، فكيف إذا كان على غير هذا الوجه؟! و كيف إذا كان بحسن نية و لو لم يَقمْ بالعمل؟! قال الشاعر:
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلَهم إن التشبه بالكرام فلاحٌ
وقد ورد: "المرء مع من أحب". فكم موضع ذكرنا هذا! لما أنهم "قوم لا يشقى جليسهم" ذكره السيد أحمد بن إدريس في "عقد النفيس" انتهى. من خطه رحمه الله تعالى.
و رأيت في "الصاوي شرح الجلال" في شرح قوله تعالى: "و كلبهم باسِطٌ" ما نصه: و هو من جملة الحيوانات التي تدخل الجنة، و بهذا تعلم أن حبّ الصالحين و التعلُّق بهم يورث الخير العظيم و الفوز بجنات النعيم , فراجعه من سورة الكهف.
و أيضاً أنَّ التضَلُّعَ مِن هذا العِلم[2] يقي صاحبه من سوء الخاتمة ، و يحمله على التوبة و الإنابة، و سلوك ما يوجب الفوز بالسعادة، فقد نقل الشيخ أبو طالب المكيُّ في كتاب "قوت القلوب"، و الإمام أبو حامد في كتابه "الإحياء" عن بعض العارفين أنه قال: من لم يكن له من هذا العلم (أي علم الباطن) نصيب أخاف عليه من سوء الخاتمة. و أدنى النصيب منه: التصديقُ به و تسليمُه لأهله.
وَ قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي (رضي الله عنه): مَنْ لم يَتَغَلْغَلْ في علمنا هذا مات مصرًّا على الكبائر و هو لا يشعر. كذا في "منية الفقير المتجرد".
و رأيت في "أذكار النووي" – رحمه الله تعالى – ما حاصله: أن تعلُّمَ مسألة واحدة من هذا العلم أفضل من عبادة سنة.
و كتبَ شَيْخُنا الأمير سيف الله – قدس سره – في بعض مكاتيبه: أن نظر كُتُب أهل السلوك جُندٌ من جنود الله. اه.
فعُلِمَ من هذه المنقولات من كتب الأكابر – رضي الله عنهم – أن محبة أهل الطريق و تسليمَهم و تصديقهم، و التشبُّه بهم و الاشتغال بعلمهم، من أسباب السعادة و حسن الخاتمة، وأن ضدها مما يوجب الشقاوة و العياذ بالله ، فالفرق بين مَن دخل في الطريقة و بين غيره ظاهر، و لعل الأخ السائل البرجي – رحمه الله – يرضى بهذا القدر من الجواب.
فصلٌ
في ذكر شيء مما يكون سبباً لحسن الخاتمة، أماتنا الله تعالى مع أهلينا و أولادنا و أحبابنا على دين الإسلام و الإيمان آمين.
قال صاحب "ذخيرة المعاد بشرح راتب الحداد" في 45 من هامش "عقد اليواقيت" ج 1 بعد ذكره كلاماً في شرح قول الراتب: "يا ذا الجلال و الإكرام أمِتنا على دين الإسلام" ما نصه: ثم اعلم أن سيدنا الشيخ عبد الله صاحب الراتب (رضي الله عنه)؛ من الأئمة العارفين بجلال الله تعالى ... الفعالُ لما يريد، و بيده الخير و الشر، والسعادة و الشقاوة، وأن القدر سرٌّ من أسرار الله تعالى؛ ضُربت دونه أستار اختص الله بها، و حجبها عن عقول خلقه، حتى الأنبياء و الملائكة و الاولياء ، و لا ينكشف ذلك إلا بعد الموت على الإسلام – اهتمّ بسؤال الموت على الإسلام؛ إذ العارفون أكثر خوفاً من سوء الخاتمة من غيرهم.
--------------------------------------------------------------------------------
1متفق عليه. كذا في "الإتحاف". راجعه. (منه).
2أي علم الباطن. (منه).
Mahdi ar-Rusi
19-04-2008, 07:24 PM
روي أن الإمام أحمد ابن حنبل – رضي الله عنه – أمَرهم أنْ يوضّئوه عند الاحتضار، ثم جعل يعرق، ثم يفيق فيقول: لا بَعد، لا بَعد. فقال له ابنه: يا أبت ما هذا الذي لَهجْتَ به؟! فقال: يا بني إبليس قائم بحذائي عاضٌ بيده يقول: يا أحمد فُتَّني[1]؟ فأقول: لا بَعد لا بَعْد حتى أموت. انتهى. فكانوا أعظم الناس خوفاً، وأكثرهم سؤالاً لحسن الخاتمة. كما بيّن ذلك في نصائحه.
و اعلم – رحمك الله تعالى – أنه كلما كان الإيمان أقوى و العملُ أصلحَ كان الخوف أكثر، و كلما كان الإيمان أضعف و العمل أسوأ كان الخوف أقلَّ، و الأمنُ و الاغترار أغلب، فاعتبر ذلك في نفسك و غيرها تجده بيَّناً.
و على الجملة: فإن المؤمن الصادق هو الذي يعمل الصالحات و يُخلِص فيها، و يرجو القبول و الثواب عليها من فضل الله تعالى، و يجانب السيئات و يبعد عنها و يخاف أن يبتلى بها، و يخشى العقاب على ما عمله منها، و يرجو المغفرة من الله تعالى بعد التوبة و الإنابة إلى الله تعالى؛ فمن كان من المؤمنين على غير هذه الأوصاف فهو من المُخلِّطين و أمره في غاية الخطر، فافهم هذه الجملة و طالب نفسك بها تنجُ و تفز إن شاء الله تعالى؛ إلى آخر ما ذكره، نفع الله به.
و كان قد قال قبل ذلك في مبحث "ذكر الإسلام": و لن يقدر الإنسان على أن يميت نفسه على الإسلام، و لكن قد جعل الله له سبباً إلى ذلك، إذا أخذ به كان قد أتى بالذي هو عليه، و امتثل ما أمر به؛ و هو أن يختار الموت على الإسلام و يحبه و يتمنَّاه و يعزم عليه، و يكره الموت على غيره من الأديان، و لا يزال داعياً و متضرِّعا و سائلاً من الله أن يتوفَّاه مسلما، و بذلك وصف الله أنبياءه و الصالحين من عباده فقال مخبراً عن يوسف بن يعقوب عليهما السلام: "أنت وليِّ في الدنيا و الآخرة توفّني مسلماً و ألحقني بالصالحين". قال و على الإنسان الاجتهاد في حفظ إسلامه و تقويته؛ بفعل ما أُمر به من طاعة الله تعالى، فإن المضيّع لأوامر الله تعالى متعرِّض للموت على غير الإسلام، فإن تركه لذلك دليلٌ على استهانته للدين و على الاستخفاف به، فليحذر المسلم من ذلك غاية الحذر، و عليه أيضاً أن يجانب المعاصي و الآثام، فإنها تضعف الإسلام و توهنه و تزلزل قواعده، و تعرِّضه للسلب عند الموت. كما وقع ذلك – والعياذ بالله – لكثير من الملابسين و المصرِّين عليها. و في قوله تعالى: "ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى أن كذبوا بآيات الله و كانوا بها يستهزؤون" ما يدل على ذلك. و خذ نفسك بامتثال أوامر الله تعالى واجتناب نواهيه، و إن وقعت في شيء فتب إلى الله منه، و احذر كل الحذر من الإصرار عليه؛ و لا تزل سائلاً من الله تعالى حسن الخاتمة، فقد بلغنا أن الشيطان – لعنه الله – يقول: قصم ظهري الذي يسأل الله حسن الخاتمة. أقول: متى يعجب هذا بعمله أخاف أن قد فطن. و أكثرْ من الحمد و الشكر على نعمة الإسلام، فإنها أعظم النعم و أكبرها، فإن الله تعالى لو أعطى الدنيا بحذافيرها عبداً و منعه عن الإسلام لكان ذلك وبالاً عليه، و لو أعطاه الإسلام و منعه الدنيا لم يضرَّه ذلك، لأن الأول يموت فيصير إلى النار، و هذا الثاني يموت فيصير إلى الجنة.
--------------------------------------------------------------------------------
و قال: تفلَّتَّ مني يا أحمد. فقلت: لا بعد؛ ما دام روحي في الجسد فلا أغترُّ بسلامتي منك. "شرح سلك العين" 190.[1]
و عليك أن لا تزال خائفاً وَجِلاً من سوء الخاتمة؛ فإن الله تعالى مقلب القلوب يهدي مَن يشاء، و يضل من يشاء.
قال: و قد كان السلف الصالح – رحمة الله عليهم – في غاية الحذر من سوء الخاتمة مع صلاح أعمالهم و قلَّة ذنوبهم.
الذين يختمون بخاتمة السوء كثير
و اعلم أن كثيراً ما يختم بخاتمة السوء للذين يتهاونون بالصلاة المفروضة و الزكاة الواجبة، و الذين يتتبعون عورات المسلمين، و الذين ينقصون المكيال و الميزان، و الذين يخدعون المسلمين و يغشونهم و يلبسون عليهم في أمور الدين و الدنيا، و الذين يكذبون أولياء الله و ينكرون عليهم بغير حق، و الذين يدّعون أحوال الأولياء و مقاماتهم من غير صدق، و أشباه ذلك من الأمور الشنيعة.
و من أخوف ما يُخاف على صاحبه سوءُ الخاتمة، البدعةُ في الدين، و كذلك إضمار الشك في الله و رسوله و اليوم الآخر، فليحذر المسلم من ذلك غاية الحذر، و لا عاصم من أمر الله إلا من رحم، اللهم يا أرحم الراحمين نسألك بنور وجهك الكريم أن تتوفَّانا مسلمين، و أن تلحقنا بالصالحين في عافية يا رب العالمين.
أسباب حسن الخاتمة
و اعلم أن العلماء نصوا على أن: كل ما ورد فيه من الأخبار دخول الجنة أو النجاة من النار، أو الموت على الإسلام، أو الجواز على الصراط، أو شفاعة النبي (ص) أو مرافقته أو الورود على حوضه (ص)، فكل ذلك من أسباب حسن الخاتمة، و كذا الشهادة الأخروية، و الموت على الإسلام، و الاستظلال بظل العرش يوم القيامة، و تفريج كربة من كرباته، و كل ما تضمن كرامة أخروية.
قال السيد الإمام أحمد بن علوي باحسن باعلوي – نفع الله به – في كتابه المقدم ذكره: و كذا ما يضاهي ذلك من المبشرات بحسن الخاتمة لمن وُفِّق للعمل بموجبه، كما نص عليه النووي و غيره من الأئمة؛ إذ الكرامة ثمة إنما ينالها من مات على الإسلام دون غيره. انتهى.
و ذكر من أسباب ذلك هو و غيره: الملازمة بعد كل صلاة قراءة الفاتحة و "الم" إلى "المفلحون" و "إلهكم إله واحد" الآية و آية الكرسي و "آمن الرسول" إلى آخر السورة، و "شهد الله" إلى "العزيز الحكيم" و يقول بعده: و أنا أشهد بما شهد الله به، و أستودع الله هذه الشهادة، و هي لي عند الله وديعة. "إنَّ الدين عند الله الإسلام قل اللهم مالك الملك" إلى "بغير حساب" و الإخلاص عشراً و المعوِّذتين مرة مرة. و ذكر ذلك أيضاً السيد العارف بالله تعالى عبد الله ميرغني فإنه ذكر أن هذه الأذكار من الأسباب الخاتمة بحصول حسن الخاتمة.
و منها: أذكار الوضوء، و من ذلك: صدقة السرِّ فإنها تطفئ غضب الرب، و تدفع ميتة السوء.
و منه: سبحان الله ملء الميزان و منتهى العلم و مبلغ الرضا و زِنَة العرش صباحاً و مساءً – ثلاث مرات.
و منه: زيارة رسول الله (ص) و سؤال الوسيلة.
و منه: السلام في يوم أو ليلة على عشرة أو عشرين مسلماً مجموعين أو فرادى، و إطعام اليتيم، و سؤال الجنة ثلاثاً، و الأذان اثني عشر سنة،
و إخراج الأذى من المسجد، و إسباغ الوضوء في الليلة الباردة، و الإهلال بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى، و الإتيان بسيد الاستغفار[1] صباحاً و مساءً، و إنفاق زوجين في سبيل الله؛ أي شيئين من كل شيء، و التحميد و الترجيع عند موت الولد، و موتُ الطفل للإنسان، و صلاة مائة شخص، أو أربعين ثلاثة صفوف على الميت، و الصبر عند الصدمة الأولى، و صيام ثمانية من شهر رجب، و صلاة أربع ركعات في الجامعة يوم الجمعة بسورة "الإخلاص"؛ في كل ركعة خمسين مرة، و رمي سهم أو صنعته في سبيل الله تعالى، و تعلُّم كلمة أو كلمتين أو ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً مما فرض الله تعالى فيتعلّمهن أو يعلِّمهن.
و من ذلك: إحسان الوضوء ثم صلاة ركعتين؛ يقبل بقلبه و بوجهه عليهما و يقول: رضيت بالله رباً و بالإسلام ديناً و بمحمد نبياً، و الجلوس في مصلاه بعد صلاة الفجر ذاكراً حتى تطلع الشمس، و قراءة خواتيم سورة البقرة من ليل أو نهار و الموت من يومه أو ليلته، و قراءة "أسلمت نفسي إليك، و وجَّهت وجهي إليك، و فوَّضت أمري عليك، و ألجأت ظهري عليك؛ رغبة و رهبة إليك، لا ملجأ و لا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، و نبيك الذي أرسلت"، و في الرواية: "إذا أتيت مضجعك، فتوضأ ثم اضطجعْ على شقِّك الأيمن، ثم قل: اللهم ... إلى آخره، و يجعلهُن آخر ما يتكلم به. و في رواية أخرى بلا ذكر الوضوء، و منه: اللهم أعطِ محمداً الدرجة و الوسيلة، اللهم اجعل في المصطفين صحبته، و في العالمين درجته، و في المقربين ذكره، و عقب كل صلاة قراءة "قل هو الله أحد"، و الاستغفار في رجب سبعين بالغداة و سبعين بالعشي بصيغة: "اللهم الغفر لي و ارحمني و تُبْ علىّ)، و الأذان احتساباً سبعَ سنين، و عند ختم القرآن: "اللهم اختم لنا بخير و افتح لنا بخير"، و في السجود: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) إلى غير ذلك، و للإمام السيوطي – رحمه الله تعالى – في ذلك مؤلف سماه "أبواب السعادة في أسباب الشهادة" ختم الله لنا بذلك و لأحبابنا و المسلمين بلا محنة و لا فتنة آمين يا رب العالمين انتهى.
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
وهو ما رواه شدَّاد بن أوس – رضي الله عنه – عن النبي (ص) قال: "سيِّد الاستغفار أن يقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني و أنا عبدك، و أنا على عهدك و وعدك ما التطعت، اعوذ بك من شرِّ ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ، و أبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. مَن قالها في النهار موقناً فمات قبل أن يمسي، فهو من أله الجنة و مَن قالها من الليل و هو موقن، فمات قبل أن يصبح، فهو من أهل الجنة". رواه البخاري. كذا في "ذخيرة المعاد" فراجعه في 81 من هامش "عقد اليواقيت" ج 1. (منه).
Mahdi ar-Rusi
19-04-2008, 07:25 PM
و في "بغية المسترشدين" ما نصه: فائدة نقل عن القطب الحداد أن مما يوجب حسن الخاتمة عند الموت أن يقول بعد المغرب أربع مرات: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم الذي لا يموت و أتوب إليه، رب اغفر لي.
و عن بعض العارفين: مَن قال بعد صلاة المغرب أيضاً قبل أن يتكلم: اللهم صلِّ على سيدنا محمد و على آله و صحبه بعدد كل حرف جرى به القلم (عشر مرات) مات على الإيمان. اه. "حدائق الارواح" لباسودان، "بغية المسترشدين". انتهى. 45 و فيه في موضع آخر:
فائدة نقلت عن الإمام الشعراني: أن من واظب على هذين البيتين في كل يوم جمعة توفاه الله تعالى على الإسلام من غير شك و هما:
إلهي لَسْتُ لِلْفِرْدَوس أَهلاً و لا أقوى على نارِ الجَحِيم
فهَبْ لي توبةً و اغفرْ ذنوبي فَإِنَّك غافِرُ الذنب العَظِيم
و نُقل عن بعضهم أنهما يُقرآن خمس مرات بعد الجمعة (باجوري) فراجعه في سنن الجمعة في 77.
و فيه: فائدة: يُسنّ أن يقول بعد تكبيرة الإحرام: اللهم إني أعوذ بك أن تصدَّ عني وجهك يوم القيامة، اللهم أحيني مسلماً و أمتني مسلماً. و عند ختم القرآن: اللهم اختم لنا بخير. فكلا هذين ورد به الوعد لفاعلها بالموت على الإسلام. "حدائق الأرواح" فراجعه في 40.
و ذكر القطب أحمد ضياء الدين في مجموعة الأحزاب ما نصه: هذا حزب دعاء الفرج لأبي جعفر المنصور بتعليم الخضر عليه السلام، من دعى بهذا الدعاء صباحاً و مساءً هدمت ذنوبه و دام سروره، و محيت خطاياه، و استجيب دعاؤه، و بسط له في رزقه، و أُعطي أملَه، و أعين على عدوه ، و كتب عند الله صدِّيقا؛ و لا يموت إلا شهيداً: اللهمَّ كما لَطَفْتَ فيِ عَظَمَتِكَ دُونَ اللطفاء، و عَلَوْتَ بِقُدْرَتِكَ على العظماء، و علمت ما تحت أرضك كعلمك بما فوق عرشك، و كانت وساوس الصدر كالعَلانِيَةِ عندك، و علانيةُ القولِ كالسِّرِّ في علمك، فانقاد كل شي لِعَظَمَتِكَ، و خضع كل ذي سلطانٍ لسلطانك، و صار أمر الدنيا و الآخرة كلُهُ بيدك؛ اجعل لي من كل همٍّ و غمٍّ أصبحت و أمسيت فيه فرجاً و مخرجاً، اللهم إن عَفْوَكَ عن ذنوبي و تجاوزك عن خطيئتي و سترك على عملي أطمعتني أن أسألك ما لا أسْتَوْجِبُهُ مما قصرت فيه، أدعوك آمناً و أسألك مستأنساً، و إنك المحسن إليَّ و أني لمسيء إلى نفسي فيما مضى بيني و بينك، تتودد إليَّ بنعمتك و أتَبَغَّض إليك بالمعاصي، و لكنَّ الثِّقَةَ بك حَمَلْتَني على الجُرْأًةِ عليك، فَعُد اللهم بفضلك و إحسانك عليَّ إنك أنت الرَّؤُوْفُ الرحيمُ. اه. 37 ج 1.
و من الأسباب التي تسهل بها سكرات الموت و لا يذوق مرارته ما ذكره مؤلف "رماح حزب الرحيم" بما لفظه: و أما "السلام عليك أيها النبي ورحمتالله و بركاته" فمن بعض فضائله: أن مَن داوم على قراءته في كل يوم مائة مرة لا يذوق سكرات الموت.
و قد أخبرني سيدي محمد الغالي رضي الله عنه؛ و أنا معه في المدينة المنورة، على ساكنها أفضل الصلاة و السلام: أن الشيخ – رضي الله عنه و أرضاه عنا به – كان يحضّ على ذلك و الدوام عليه و يقول: إن المداوم عليه لا يذوق مرارة الموت أصلاً.
قلت: قد رأيت في بعض الكتب أن بعض الصالحين داوم عليه فمات و هو ساجد في الصلاة. اه. 106 ج 2.
و في "المشرع الروي" نقلاً عن القطب سيدي عبد الله العيدروس – رضي الله عنه - :من قرأ آية الكرسي يثبِّت الله بها القلب لا سيما عند الموت. "تقريب الأصول".
Mahdi ar-Rusi
19-04-2008, 07:26 PM
فائدة: ذكر الشيخ الإمام برهان الدين إبراهيم بن حسن الكوراني - رحمه الله – في كتابٍ ذَكَر فيه جملة من الأذكار و الدعات، قال: و من حديث ابن عباس – رضي الله عنهما – عن الحكيم الترمذي عن جبريل عليه السلام: "إن ربك يقول: مَن قال دُبُر كل صلاة مكتوبة مرة واحدة: (اللهم إني أُقدِّم إليك بين يدي كل نَفَسٍ و لحظةٍ و لمحةٍ و طرفةٍ يطرف بها أهل السماوات و أهل الأرض و كل شيء هو في علمك كائن أو قد كان أُقدِّم إليك بين يدي ذلك كله "ألله لا إله إلا هو الحي القيوم..." إلى "العلي العظيم"، فإن الليل و النهار أربعة و عشرون ساعة ليس فيها ساعة إلا يصعد إليَّ فيها سبعون ألف ألف حسنة حتى ينفخ في الصور، و تشتغل الملائكة بذلك؛ و هذا ما أوصى به الشيخ محيي الدين – قدس سره – في الباب السادس و الخمسين من "الفتوحات"؛ قال: و كذلك تقول في إثر كل صلاة فريضة قبل الكلام: اللهم إني إقدم إليك بين يدي كل نَفَس ... إلى آخر ما مرَّ. انتهى ذَكَرَهُ الكوراني[1].
و قد وقع السؤال عن قوله: اللهم إني أقدم إليك بين يدي كل نَفَس. إلى آخره. ما المراد منه؟
فأجبت: إن المراد تكثيرُ المضاعفة و التحصين؛ بأن يكون ما ورد في هذه الآية الكريمة من الأجور التي يتعذَّر حصرها، و من الثواب الجزيل و الكرامة لقارئها في الدنيا و الآخرة كائن و واقع بين يدي تلك الأزمنة التي لا يكاد يظهر لها تقدير في الزمن، فتستغرق تلك اللحظات جميعَ الأوقات في الحفظ، و ما فيها من الثواب من كل ما ورد، و اختصت به مما عُلم، و مما لم يعلم، يكون مقدماً بين يدي تلك الدقائق من الزمن لتشمل الإحاطة و التحصن و الحفظ و الثواب العظيم، فيكون ذلك معدوداً و معدّا له بين يدي تلك الآنات و السيئات.
و يؤيد هذا المفهوم ما ذكره أحمد السجاعي المصري في شرحه على "حزب الإمام النووي" على قوله: و أقدم بين يدي و أيديهم بسم الله الرحمن الرحيم "قل هو الله أحد..." إلى آخرها، أي : اجعل ذلك مقدماً في التحصين و الإحاطة انتهى. "ذخيرة المعاد" 84 راجعه من هامش عقد
اليواقيت ففيه كلام آخر في ذِكر معنى ما ذُكر.
و في "تنوير الصدر شرح حزب البر": قال الترمذي: خلصنا حساب ليلة ثمانمائة ألف ألف و أربعين ألفاً و بالنهار مثله، فذلك ألفُ ألفِ ألفِ و ست مائة ألف ألف؛ هذا في اليوم و الليلة، فحقيق أن يشتغل الملائكة بذلك. 123 من هامش "مجموعة الأحزاب" ج 1.
و ما قاله الشاذلي في حزب البر هكذا: (و كل شيء هو في علمك ... إلخ)، بدل من (كل شيء) في الحديث المذكور، و فسر لذلك صاحب "تنوير الصدر" هكذا، و أقِّدم إليك قبل كلِّ – بالجر عطف على "كلّ" الأولى – شيء هو في علمك. انتهى. فراحعه و تدبره في 119 من هامش "مجموعة الأحزاب".
هذه فائدة عظيمة:
باسم ربي و الصلاة و السلام للنبي ثم للآل الكريم
بعد هذا، فاستمعنا يا همام نذكر تسبيح ربي باهتمام
قد أتينا بالنقول عن إمام رحمة الله عليه و السلام
قد رأى اللهَ تعالى في المنام بعد تسعين و تسع بالتمام
قال فيه: مَن يسبح يا إمام بالغداة و العشي بالدوام
خالصاً تسبيح آتٍ في الكلام فهو ناج من عذاب بالسلام
فهو تاج رأس حقي و المرام ذكر تسبيح الإله في الختام
هذه هي التسبيحات المنجية: بسم الله الرحمن الرحيم سبحان الأبدي الأبد، سبحان الواحد الأحد، سبحان الفرد الصمد، سبحان رافع السماء بغير عمد، سبحان من بسط الأرض على ماء جمد،سبحان من خلق الخلق و أحصاهم عدد[2]، سبحانه من قسم الرزق و لم ينس أحداً، سبحان الذي لميتخذ صاحبة؛ و لا ولداً، سبحان الذي لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفواً أحد. انتهى. من كتاب ألفه سليمان حقي 44. (راجعه).
حكى إبراهيم بن أدهم عن بعض الأبدال أنه قام ذات ليلة يصلي على شاطئ البحر، فسمع صوتاً عالياً بالتسبيح و لم ير أحداً فقال: من أنت؟ أسمع صوتك و لا أرى شخصك، فقال: أنا ملك من الملائكة موكَّل بهاذا البحر، اسبِّح الله تعالى بهذا التسبيح مذ خلق. فسأله عن ثواب مَن قال هذا التسبيح، فقال: مَن قاله مائة مرة لم يمت حتى يرى مقعده في الجنة أو يُرى له؛ و هو هذا: سبحان الله العليِّ الديّان الشديد الأركان، سبحان من يذهب بالليل و يأتى بالنهار، سبحان من لا يشغله شأن عن شأن، سبحان الله الحنّان المنّان، سبحان الله المسبَّح في كل مكان. كذا في "مصباح الظلام" فراجعه في 32.
البرج الرّابع
في بيان درجات شوائب الرياء و الآفات المكدرات للإخلاص
فلما كان معرفتها للسالك و لغيره من المهمّات، و كان ذكر الرياء في مسألة السائل؛ اردت أن أورد هنا نبذة يسيرة لا بدَّ لكل أحد من اطِّلاعها و التدبر لما فيها، فالكتب، وإن كانت مشحونة بذكر الرياء و غيره من الآفات المحبطة للعمل، لكنها لا يظفر عليها كل أحد، و أرجو الله تعالى أن يوصل إلى هذا الكتاب نظرة موفق فيعمل بما فيها و لو بأدنى شيء، و الله الموفِّق لكل خير، و المحوِّل عن كل شر.
قال حجة الإسلام الغزالي – رحمه الله – في "الإحياء": اعلم ان الآفات المشوشة للإخلاص بعضها جليٌّ و بعضها خفيٌّ، و بعضها ضعيف مع الجلاء، و بعضها قوي مع الخفاء، و لا يفهم اختلاف درجاتها في الخفاء و الجلاء إلا بمثال، و أظهر مشوشات الإخلاص الرياء، فلنذكر منه مثالاً فنقول:
درجات الرياء
الشيطان يدخل الآفة على المصلي مهما كان مخلصاً في صلاته، ثم نظر إليه جماعة او دخل عليه داخل، فيقول له: حسّن صلاتك حتى ينظر إليك هذا الحاضر بعين الوقار و الصلاح و لا يزدريك و لا يغتابك، فتخشع جوارحه، و تسكن أطرافه، و تحسن صلاته، و هذا هو الرياء الظاهر، و لا يخفى ذلك على المبتدئين من المريدين.
الدرجة الثانية: يكون المريد قد فهم هذه الآفة و أخذ منها حذره، فصار لا يطيع الشيطان فيها و لا يلتفت عليه و يستمر في صلاته كما كان، فيأتيه في معرض الخير و يقول: أنت متبوع و مقتدى بك و منظورٌ إليك، و ما تفعله يؤثر عنك و يتأثر بك غيرك، فيكون لك ثواب اعمالهم إن أحسنت، و عليك الوزر إن أسأت، فأحسن عملك بين يديه فعاساه يقتدي بك في الخشوع و تحسين العبادة؛ و هذا أغمض من الأول، و قد ينخدع به من لا ينخدع بالأول، وهو أيضاً عين الرياء و مبطل للإخلاص، فإنه إن كان يرى الخشوع و حسن العبادة خيراً لا يرضى لغيره تركه، فَلِمَ يرضَ لنفسه ذلك في الخلوة؟! و لا يمكن أن تكون نفس غيره أعزَّ عليه من نفسه، فهذا محض التلبيس، بل المقتدى به هو الذي استقام في نفسه و استنار قلبه فانتشر نوره على غيره، فيكون له ثواب عمله، فأما هذا! فمحض النفاق و التلبيس فمن اقتدى به أثيب عليه، و أما هو فيطلب بتلبيسه و يُعاقَب على إظهاره من نفسه ما ليس متصفاًبه.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] قاله صاحب "ذخيرة المعاد" في صحيفة 84. "هامش الاصل".
[2] كذا في الأصل؛ فافهم (منه). وجه الفهم: علَّه يحذف الحركة و التنوين لضرورة الفاصلة و السجع؛ إذ الفاصلة في النثر بمنزلة القافية في الشعر. كذا في كتب العروض.
Mahdi ar-Rusi
19-04-2008, 07:27 PM
الدرجة الثالثة؛ و هي أدقُّ مما قبلها: أن يجرِّب العبد نفسه في ذلك، و يتنبَّه لكيد الشيطان، و يعلم ان مخالفته بين الخلوة و المشاهدة للغير محضُ الرياء، و يعلم أن الإخلاص في أن تكون صلاته في الخلوة مثل صلاته في الملأ، و يستحي من نفسه و من ربه ان يتخشع لمشاهدة خلقه تخشعاً زائدا على عادته، فيقبل على نفسه في الخلوة و يحسن صلاته على الوجه الذي يرتضيه في الملأ، و يصلي في الملأ أيضاً كذلك، فهذا أيضاً من الرياء الغامض، لأنه حسَّن صلاته في الخلوة لتحسن في الملأ؛ فلا يكون قد فرق بينهما، فالتفاته في الخلوة و الملأ إلى الخلق، بل الإخلاص أن تكون مشاهدة البهائم لصلاته و مشاهدة الخلق على وتيرة واحدة، فكأن نفس هذا ليست تسمح بإساءة الصلاة بين أظهر الناس، ثم يستحي من نفسه أن يكون في صورة المرائين، و يظن أن ذلك يزول بأن تستوي صلاته في الخلاء و الملأ و هيهات!! بل زوال ذلك بأن لا يلتفتَ إلى الخلق كما لا يلتفتُ إلى الجمادات في الخلاء و الملأ جميعاً، و هذا من شخص مشغولِ الهمِّ بالخلق في الملأ والخلاء جميعاً، و هذا من المكائد الخفية للشيطان.
الدرجة الرابعة؛ و هي أدقُّ و أخفى: أن ينظر عليه الناس و هو في صلاته فيعجز الشيطان عن أن يقول له: أخشع لأجلهم. فإنه يعرف أنه قد تفطَّن لهذا، فيقول له الشيطان: تفكَّر في عظمة الله تعالى و جلاله و من أنت واقف بين يديه، و استح من أن ينظر الله إلى قلبك وهو غافل عنه، فيحضر لذلك قلبه و تخشع جوارحه، و يظن أن ذلك عين الإخلاص، و هو عين المكر و الخداع، فإن خشوعه لو كان لنظره إلى جلاله لكانت هذه الخطرة تلازمه في الخلوة، و لكان لا يختص حضورها بحالة حضور غيره، و علامة الأمن من هذه الآفة: أن يكون هذا الخاطر مما يألفه في الخلوة كما يألفه في الجلوة، و لا يكون حضور الغير هو السبَبَ في حضور الخاطر، كما لا يكون حضور البهيمة سبباً، فما دام يفرِّق في أحواله بين مشاهدة إنسان و مشاهدة بهيمة؛ فهو بعدُ خارجٌ عن صفو الإخلاص، مدنّسُ الباطنِ بالشرك الخفي من الرياء، و هذا الشرك أخفى في قلب (ابن) آدم من دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء؛ كما ورد به الخبر، و لا يسلم من الشيطان إلا من دقَّ نظره، و سعد بعصمة الله تعالى و توفيقه و هدايته، و إلا! فالشيطان ملازم للمتشمرين بعبادة الله تعالى، لا يغفل عنهم لحظة حتى يحملهم على الرياء في كل حركة من الحركات؛ حتى في كحل العين، و قص الشارب، و طيب يوم الجمعة، و لبس الثياب، فإن هذه سُننٌ في أوقات مخصوصة و للنفس فيها حظ خفي، لارتباط نظر الخلق بها، و الستئناس الطبع بها، فيدعوه الشيطان إلى فعل ذلك؛ و يقول: هذه سنة لا ينبغي أن تتركها. و يكون انبعاث القلب باطناً فيها لأجل تلك الشهوة الخفية، أو مشوبة بها شوباً يخرج عن حد الإخلاص بسببه، و ما لا يسلم عن هذه الآفات كلها ليس بخالص، بل يعتكف في مسجد معمور نظيف حسن العمارة يأنس به الطبع، فالشيطان يرغبه فيه و يكثر عليه من فضائل الاعتكاف، و قد يكون المحرِّك الخفي في سره و هو الأنس بحسن صورة المسجد و استراحة الطبع إليه، و يتبين ذلك في ميله إلى أحد المسجدين أو أحد الموضعين إذا كان أحسن من الآخر، و كل ذلك امتزاج بشوائب الطبع و كدورات النفس، و مبطل حقيقة الإخلاص. لعمري الغشّ الذي يمزج بخالص الذهب له درجات متفاوتة! فمنها ما يغلب، و منها ما يقل، لكن يسهل دركه، و منها ما يدق بحيث لا يدركه إلا الناقد البصير، و غش القلب، و دَغَل[1] الشيطان، و خبث النفس، أغمض من ذلك و أرق كثيراً.
ركعتان من عالم أفضل من عبادة سنة من جاهل
و لهذا قيل: ركعتان من عالم أفضل من عبادة سنة من جاهل. و أريد به العالم البصير بدقائق آفات الأعمال حتى يخلص عنها، فإن الجاهل نظره إلى ظاهر العبادة و اغتراره بها كنظر السوادي إلى حمرة الدينار المموّه و استدارته؛ و هو مغشوش زائف في نفسه، و قيراط من الخالص الذي يرتضيه الناقد البصير خير من دينار يرتضيه الغِرُّ الغبيّ، فهكذا يتفاوت أمر العبادات، بل أشد و أعظم، و مداخل الآفات المتطرقة إلى فنون الأعمال لا يمكن حصرها و إحضاؤها، فالينتفع بما ذكرناه مثالاً، و الفطن يغنيه القليل عن الكثير، و البليد لا يغنيه التطويل أيضاً؛ فلا فائدة في التفصيل انتهى 298 ج 4.
كيفية امتزاج الحظوظ
و قال الغزالي أيضاً قبيل هذا: و أقل أموره ما ورد في الخبر: أن المرائي يُدعى يوم القيامة بأربع أسامٍ: يا مرائي ... يا مخادع ... يا مشرك ... يا كافر ... و إنما نتكلم الآن فيمن انبعث لقصد التقرب، و لكن امتزج بهذا الباعث باعث آخر، إمّا من الرياء، أو من غيره من حظوظ النفس، و مثال ذلك: أن يصوم لينتفع بالحمية الحاصلة بالصوم مع قصد التقرب، أو يعتق عبداً ليتخلص من مؤنته و سوء خلقه، أو يحج ليصلح مزاجه بحركة السفر، أو يتخلص من شرّ يعرض له في بلده، أو ليهرب عن عدو من منزله، أو يتبرّم بأهله و ولده أو بشغل هو فيه، فأراد أن يستريح منه أياماً، أو يغزو ليمارس الحرب و يتعلم أسبابه و يقدر به على تهيئة العساكر و جرّها، أو يصلي بالليل و له غرض في دفع النعاس عن نفسه به ليراقب أهله أو رحله، أو يتعلم العلم ليسهل عليه طلب ما يكفيه من المال، أو ليكون عزيزاً بين العشيرة، أو ليكون عقاره و ماله محروساً بعزّ العلم عن الأطماع، أو اشتغل بالدرس و الوعظ ليتخلَّص عن كرب الصمت و يتفرَّج بلذة الحديث، أو تكفل بخدمة العلماء أو الصوفية لتكون حرمته وافرة عندهم و عند الناس، أو لينال به رفقاً في الدنيا، أو كتب مصحفاً ليجوِّد بالمواظبة على الكتابة خطه، أو حج ماشياً ليخفف عن نفسه الكراء، أو توضأ ليتنظف أو يتبرَّد، أو اغتسل لتطيب رائحته، أو روى الحديث ليُعرف بعلوّ الإسناد، أو اعتكف في المسجد ليخفف عليه الكراء المسكن، أو صام ليخفف عن نفسه التردد في طبخ الطعام، أو ليتفرغ لأشغاله فلا يشغله الأكل عنها، أو تصدَّق على السائل ليقطع إبرامه في السؤال عن نفسه، أو يعود مريضاً ليُعاد إذا مَرِض، أو يشيع جنازة ليشيع جنائز أهله، أو يفعل شيئاً من ذلك ليعرف بالخير و يذكر به؛ و ينظر إليه بعين الصلاح و الوقار، و مهما كان باعثه هو التقرب إلى الله تعالى؛ و لكن انضاف إليه خطر من هذه الخطرات حتى صار العمل أخف إليه بسبب هذه الأمور، فقد خرج عمله عن حد الإخلاص، و خرج عن أن يكون خالصاً لله تعالى، و تطرَّق إليه الشرك؛ و قد قال تعالى "أنا أغني الشركاء عن الشركة" انتهى 276 ج 4.
فانظر يا أخي إلى دقائق الرياء، و اعلم أن أهم ما يرشد الشيوخ أتباعهم إليه هو الاجتنابُ عن ملاحظة الخلق، و عن طلب الحظوظ النفسانية بأعمالهم دنيا و أخرى، بل مقصودهم بجميع ما يعالجونهم؛ دلالتهم إلى أسباب الخلوص منها طلباً لحظ التلذُّذ بمجرد المعرفة و المناجاة و النظر إلى وجه الله تعالى، فهذا حظ هؤلاء القوم؛ لا يلتفتون إلى غيرها من الحظوظات النفسانية في الدنيا و الآخرة، حتى يرون طلب الشهوات الموصوفة في الجنة عين طلب حظ البطن و الفرج، و لكن أكثر الناس لا يعدُّون التلذُّذ المذكور حظاً؛ لعدم علمهم بما هنالك.
و أما أهل الطريق أرباب الوصلة و المشاهدة؛ لو عُوّضوا عما هم فيه من لذة الطاعة و المناجاة و الملازمة الشهود للحضرة الإلهية سرا و جهراً جميع نعيم
الجنة لاستحقروه و لم يلتفتوا إليه؛ كما أشار إليه الغزالي في "الإحياء". فقد أخبرني بعض مريدي شيخنا العسوي (قدس سره): أنه كان عنده فطرأ عليه حال بتوجُّهه، و صار في لذة الحضور بحيث ينسى جميعَ اللذات، فقال له: يا أستاذي هل يكون في الجنة لذة ألذّ من هذا؟! فقال له الشيخ: لا و لو دخلت في الجنان الثمانية. اه.
و أما هذا الحقير الفقير المفلس فقد ذاق من هذا المقام طعماً، فحين كان في السلوك طرأ عليه لذة الحضور وقت المراقبة، فظن أنه لا يكون في الدنيا و لا في الآخرة لذة أشرف من هذا و لا ألذ، و ظن أنه لا يدخل الجنة لو أمره بالدخول إليها بدل هذه، و لله الحمد و المنة، و له الشكر على هذه النعمة الجليلة التي يسمونها ب"الجنة المعجلة".
أيها الأخ العالم السائل المرغوب؛ رزقك الله تعالى أعلى مراتب الإخلاص، و خلَّصك من أدنى درجات الرياء، ينبغي لك أن تعلم أن مَن اتخذ له شيخاً يهديه إلى معرفة مراتب الإخلاص و الرياء، و من لا يعرف شيئاً منها لا يستويان في هذا الأمر كما لا يخفى على عاقل، فإن غالب الخلق نراهم كأنهم معجونون بطين الرياء و السمعة، فإذا نظر المشايخ بعيون أفئدتهم إلى أهل الظلام المنقطعين عن الله سلكوا طريق العلاج لإزالة ظلماتهم؛ بتلقين الذكر مع نوره الحاجب من الشيطان، و يأمرونهم بتكراره ليدركوا بذلك النور ما في قلوبهم من الآفات القادحة للإخلاص، فيطَّلعون تدريجاً إلى دقائق الرياء و أخفاه، فيجتهدون بعد ذلك في تركه و إخلاص العمل لله تعالى؛ فإن وقعوا فيه يبادرون إلى التوبة، بخلاف العوام كالأنعام.
و يشهد لذلك ما في "السير و السلوك" بهذا اللفظ:
و اعلم أن أعظم أسباب الندم المداومة على الذكر بكلمة (لا إله إلا الله)، لأنه إذا داوم عليها أوقد الله في قلبه مصباحاً ملكوتياً؛ فتزول به ظلمة الباطن فيظهر على ما فيه من النجاسات و الآفات القادحة عن نيل السعادات، و هو و إن كان يعلمها من قبل ذلك، لكن ذلك العلم ليس معه نور فلا يفيد، و أما مع تلاوة الاسم فيحصل النور؛ فيحصل الندم الذي هو التوبة.
--------------------------------------------------------------------------------
الدقل: الفساد. "مختار" (هامش الأصل).[1]
Mahdi ar-Rusi
19-04-2008, 07:28 PM
و قد روي عن سلطان الأولياء و قدوة الأصفياء، القطب الرّبّاني و الغوث الصمداني، سيدي عبد القادر الجيلاني – قدس سره – أنه كان يأتيه الرجل فيَشْكُو ترك الصلاة و التهاون في أدائها، فيقول له: أكثرْ من ذكر لا إله إلا الله. و يأتيه آخر فَيَشْكو له الزنا؛ مثلاً، أو شرب الخمر، أو غيرهما من القبائح، فيأمره بالذكر المذكور، فما جاءه أحد يشتكي من ترك مأمور أو فعل شيء منهي عنه إلا أمره بالذكر. انتهى.
و يؤكد هذا ما ورد في الحديث: "ذكر الله شفاء القلوب"[1].
و مما ينبغي أن يُعلم: أن العارفين من أهل الطريقة محفوظون من آفة العجب و الرياء؛ لشهودهم بأن أعمالهم و عباداتهم من فعل الله، كما قال تعالى: "و الله خلقكم و ما تفعلون".
و يؤيده ما قاله الغزالي في "الإحياء" بما نصه:
مهم و العارفون يبتلون بالشهوات؛ بل بالمعاصي، و لا يُبْتَلون بالرياء و الغش[2] و الإخفاء. اه 112 ج 3.
فإذا نظرنا فيما ذكر ظهر الفرق بين السالك و بين غيره، لا يستوي الذين يذكرون الله قياماً و قعوداً و على جنوبهم، و الذين هم في غفلة عنه ساهون؛ فبين جلساء الله سبحانه و بين الذين هم عنه مبعدون بونٌ عظيم، و قد ورد في الحديث القدسي: "أنا جليس من ذكرني" فافهم و كن من الشاكرين، و اعبد ربك حتى يأتيك اليقين.
البُرج الخامس
في بيان وجوب اتخاذ الشيخ على كل مَن ليس له قلب سليم
قد سألني الأخ المرجو لحوز السلامة في أثناء أسئلته ببيان حقيقة هذه المسألة؛ فأردتُ أن أُجيب بما عندي بما علّمني ربّي سبحانه و تعالى، فنقول و بالله الإعانة:
قال الغوث الصمداني أحمد ضياء الدين في "المتممات": و أما اتخاذ الشيخ و أخذ الطريق و لزوم السلوك، فقالوا: قد جرت العادة و جرِّبت بأن التطهير من النجاسات المعنوية و أدناس الطوية و الحضور و الخشوع في الصلاة و سائر العبادات بمشهد "أن تعبد الله كأنك تراه"، المعبر عنه ب"مقام الإحسان"، لا يتيسر إلا بالسلوك على يد شيخ كامل؛ عالم بعلاج هذه الأمراض و حكمة معاملاتها علماً وذوقاً و تجربة، بل لو حفظ المبتلى بالأخلاق الذميمة السابقة كتباً متعددة لا يستغني بها عن تربية مثل تربية الشيخ، ليخرجه عن رعونات نفسه الأمارة و دسائسها الخفية، كما تشهده في كثير من المتفقهة المبتلين بها، و التجريبات و المشاهدات تلتحق باليقينيات القطعيات، و قد قال تعالى: "بل الإنسان على نفسه بصيرة".
وقال الشعراني في "الانوار القدسية": و قد أجمع أهل الطريق على وجوب اتخاذ الإنسان له شيخاً يرشده إلى زوال تلك الصفات التي تمنعه من حضرة الله بقلبه لتصح صلاته، من باب: ما لا يتم الواجب إلا به؛ فهو واجب. و لا شك أن علاج أمراض الباطن كله واجب، كما تشهد به الآيات و الأحاديث الواردة في تحريمها و الوعيد بالعقاب عليها، فعلم أن كل مَن لم يتخذ له شيخاً يرشده إلى الخروج من هذه الصفات فهو عاصٍ لله و لرسوله، لأنه لا يهتدي لطريق العلاج، و لو تكلف لا ينتفع بغير شيخ؛ و لو حفظ ألف كتاب، فهو كمن يحفظ كتاباً في الطب و لا يعرف تنزّل الدواء على الداء، فكل مَن سمعه و هو يدرس في الكتاب يقول: إنه طبيب عظيم. و مَن رآه حين يُسأل عن اسم المرض و كيفية إزالته قال: إنه جاهل. فاتخذ لك شيخاً[3] و لا تعصِ، و تفكَّر أبدية الآخرة، و إياك أن تقول: طريق الصوفية لم يأت بها كتاب و لا سنة، فإنه كفر، فإنها كلها أخلاق محمدية، و سيرة أحمدية، و سنن إلهية. انتهى 155.
و في "المتممات" أيضاً: و قال الشعراني أيضاً في "الأجوبة المرضية": و قد كان عز الدين بن عبد السلام يقول قبل أن يجتمع بالشيخ أبي الحسن الشاذلي: و هل ثَمَّ طريق يقرب إلى الله تعالى غير ما بأيدينا من الفقه؟ فلما اجتمع بالشيخ اقرَّ طريق القوم بقوله: من أدل دليل على صحّة طريق القوم، و أن أهلها قعَّدوا على القواعد، و قعَّد غيرهم على الرسوم: ما يقع على أيدي القوم من الكرامات و الخوارق، و لم يقع على يد فقيه كرامة، و لو بلغ في العلم ما بلغ ما لم يتبع طريقهم. انتهى.
و قال فيه أيضاً: و كان الإمام أحمد بن حنبل – رضي الله عنه – يقول لولده عبد الله: يا ولدي عليك بالحديث، و إياك و مجالسة هؤلاء الذين سمُّوا أنفسهم صوفية، فإنهم ربما كان أحدهم جاهلاً بأحكام دينه. فلما صحب ابا حمزة البغدادي، و عَرَفَ أحوال القوم كان يقول لولده: يا ولدي عليك بمجالسة هؤلاء القوم؛ فإنهم زادوا علينا بكثرة العلم و المراقبة و الخشية و الزهد و علوّ الهمة.
و قال فيه ايضاً: و بلغنا أن الإمام الشافعي – رضي الله عنه – كان يجالس الصوفية و يقول: يحتاج الفقيه إلى معرفة اصطلاح الصوفية ليفيدوه من العلم ما لم يكن عنده.
و قال فيه أيضاً: فلا يقال: (لو كان علاج هذه الأمراض الباطنة واجباً؛ لوضع الأئمة من الصحابة و التابعين و المجتهدين في ذلك كتاباً فيه)؛ لأناَّ نقول: إن هذه الأمراض التي حدثت فينا لم تكن في عصرهم، و لو كانت فيهم لاستنبط المجتهدين في ذلك أدوية و كتباً، و خلَّصوا الناس من الرياء و النفاق و العجب و غيرها؛ كما فعلوا ذلك في مسائل الفقه.
و لا يقول عاقل قط: إن أحداً من الأئمة يرى في احد كبراً أو عجباً او رياءً أو حسداً أو نفاقاً و يقرَّه عليه أبداً، بل كان يستنبط له الدواء من الكتاب و السنة ليخرجه من إثم ذلك الداء، فقد بان لك أنه يجب على كل من غلب عليه مرض الباطن أن يطلب شيخاً يخرجه من تلك الورطة، و إن لم يجد في بلده و إقليمه! وجب السفر إليه، و إن من رزقه الله سلامة الباطن من الأمراض كالمجتهدين و كُمَّل أتباعهم لا يحتاج إلى الشيخ، و إن احتاج لزيادة الكمال إلى أهل السلوك، لأن هذا قد عمل بما علم على وجه الإخلاص؛ و ذلك هو حقيقة الصوفي.
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
ثم قال – أي النبي (ص) - :"و لا تدعْ أن تقول: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم و أتوب إليه. و اسأله التوبة و المغفرة؛ إنه هو التواب الرحيم؛ مهما رأيت عملك، أو وقع خلل في كلامك". هذا منقول من لفظه يعني: أبا المواهب الشاذلي – رضي الله عنه. "الطبقات الكبرى" 66.
[2]غشَّه غشاًّ: لم ينصحه، و زيّن له غير المصلحة. "مصباح". (هامش الأصل).
[3]
و يجب على مَن يرزق قلباً سليماُ أن يتعلّم أدوية أمراض القلب؛ من كبر و عجْبٍ و رياء و نحوها، كما يجب كفايةً تعلُّم علم الطب. (ابن حجر من السير). (هامش الأصل).
Mahdi ar-Rusi
19-04-2008, 07:28 PM
أول ظهور الأمراض الباطنة
و قال القشيري: أول ما حدث ظهور الأمراض الباطنة أواخر المائة الثالثة، لقوله عليه السلام: "خَيرُ القرونِ قرني، ثم الذين يلُونهم، ثم الذين يَلُونهم" فمن شهد له رسول الله (ص) بالخيرية فقد حاز رتبة الكمال كله. انتهى 156.
قلت: ومن هنا سألني العالم محمد دبر البرجي[1] بما نصه: "ما يقوله أهل المشيخة: إن اتخاذ شيخ التربية واجب لعلاج الأمراض الباطنة؛ من حب الدنيا ... و الخ و الخ. و إنما لم يضع الأئمة كتاباً في ذلك كما وضعوا مسائل الفقه مع كون هذا من أهم المهمات، لأن هذه الأمراض لم تكن في عصرهم، بل حدثت بعدهم" - خبر عجيبٌ يبطله ما وقع بين كبراء الصحابة – رضوان الله عليهم – في قصة عليّ و معاوية و غيرهم؛ من التحاسد و التقاتل بسبب أمر الخلافة، و إن سلَّمنا أنه و قع منهم بالاجتهاد، فلا مجال لترك الأئمة أن يضعوا في ذلك كتاباً و مسائل؛ نظراً إلى أن تلك الأمراض الباطنة ستقع في
العوام، كما وضعوا مسائل الفقه لأجل أمور ستحدث في الناس، فالجواب بمأخذ كتاب انتهى. من خطه.
أقول بالاستعانة بالله تعالى قائلاً: "و أفوِّض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد" عدُّ ما قاله السادات و الأكابر و الأقطاب خبراً عجيباً (يبطله شيء ما) أراه من سوء الأدب معهم، فحاشاهم أن يقولوا ما لم يتيقَّنوا عندهم، و لا يخفى أنهم أعلم بأحوال من قبلهم من الأئمة و التابعين، و من عادة مَن خلص باطنه من السوء أن يرى الغير كأنه مثله خالص منه، كما أن من في باطنه سريرة سيئة يظن غيره متصف بها مثله؛ فالأئمة و إن لم يضعوا كتاباً في الأخلاق و علاجها؛ قالكتاب و السنة مشحونتان بذم الذمائم منها، و مدح المدائح و المحامد و المحاسن، و قد كانت الصحابة – رضي الله عنهم – من أخوف الناس من الله تعالى، يحترزون من الأقل من ذمائم الأخلاق، و قد دَلَّهم النبي عليه السلام على العلاج بقوله (ص): "جالسوا العلماء، و زاحموهم بركبكم، فإن الله يحي القلوب الميتة بنور الحكمة كما يحي الأرض بوابل السماء".
و روي عنه (ص): "ما صبّ الله في صدري شيئاً إلا و صببته في صدر أبي بكر"[2].
نور قلب العارف
و بقوله عليه الصلاة و السلام: "خير جلسائكم من ذكَّركم اللهَ رؤيتهُ، و زاد في علمكم منطقه، و ذَكَّركم الآخرة عمله" يعني أن نور قلب العارف يشرق على وجهه، فمن رآه رأى نور الحق الساطع من قلبه على وجهه، فينعكس عليه ما في باطنه. فافهم.
و رأيت في شرح "عين العلم" ما نصه: و قالت صفية: إن امرأة شكتْ عائشة قساوة قلبها. فقالت: أكثري ذكر الموت يرقُّ قلبك. ففعلت، فرقَّ قلبها، فجاءت تشكر عائشة رضي الله عنها. اه 88 ج 2.
و في الحديث: "الذكر سيف الله"، و فيه أيضاً: "الذكر شفاء القلوب".
و رأيت في "الفتاوي العمرية" ما نصه: و لقد كان عمر رضي الله عنه – مع جلالة قدره – يجلس بين يدي أنس بن مالك رضي الله عنه و يقول: يا أنس كنت خادم رسول الله (ص) و من آل بيته، و الله تعالى أعلمكم شأن المنافقين، كما قال الله تعالى: "أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم، و لو نشأ لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم" ... الآية. فانظر يا أنس هل تجد في قلبي أثر النفاق؟ فبكي أنس من شدة خوف عمر من النفاق، فبكي معه عمر أيضاً، ظناًّ منه أن بكاء أنس لرؤيته النفاق في قلبه، ثم قال أنس: يا عمر لا تبكِ، و إنما بكيت أنا من شدة خوفك من النفاق و عدم أمنك منه، فقال عمر: يا أنس، مَنْ أمِنَ مِنَ النفاق فهو منافق، فلا يأمن مَكر الله إلا القوم الخاسرون.
و معلوم أن هذا نفاق رياء؛ لا نفاق شرك.
و في "هدية الذاكرين": و قيل: إن هذه القصة مع حذيفة بن اليمان صاحب سرِّ رسول الله (ص). انتهى.
و في الأثر أن جبرائيل عليه السلام توجّه النبي (ص) في غار جبل حراء و النبي (ص) توجّه أبا بكر – رضي الله عنه – في غار جبل ثور، و هذا هو التوجُّه المعنعن من النبي (ص) إلى الصديق الأكبر، و منه إلى المشايخ الكرام – قدس الله أسرارهم – و هو سحاب الفيوضات، و قلوبهم ميزابها.
مطلب مهم
و المراد من التوجُّه هو إلقاء الجذبة من القلب إلى القلب؛ و إخراج الظُّلمة منه. و تلقين الذكر قد تسلسل سنده إلى رسول الله (ص) بإسناد صحيح كما هو مذكور في كتب متعددة، و قد تعنعن أيضاً توجههم المعروف؛ كما ذكره الزهدي في هامش "نهجة السالكين" في: 77. و جميع علاجات أمراض الباطن – كما لا يخفى على عالم عاقل – مأخوذة من الكتاب و السنة، و في القرآن آيات كثيرة تصرح الأمر بالاقتداء و الاتِّباع بأهل الخير؛ من ذلك قوله تعالى: "اتبع سبيل من أناب إليّ"، و منها قوله تعالى: "هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا"، و منها: "أولئك الذين هداهم الله فبهداهم اقتده" و منها: "قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة انا و من اتبعنِ" ... و أمثالها.
و قد يُصرِّح كونَ الذكر من العلاجات قولُه تعالى: "إن الصلاة تنهى عن الفحشاء و النكر و لذكر الله أكبر" فتدبَّره.
و قد مرَّ مراراً ما يُعلم الفرق بين الذكر الملقَّن و بين غيره مما يفعله الإنسان بنفسه.
و يؤيد ذلك ما ذكره صاحب "مزكي النفوس" من أن الذكر على نوعين: ذكر التعليم و ذكر التلقين.
فذكر التلقين: هو الذي يفيد الطالب، و يذهب الحجاب من القلب، و يخرج منه الظلمة و الخيالات و الوسوسة الشيطانية، و هو مثل مطر النيسان.
و أما ذكر التعليم: فهو الذي يذكره العوام، و يعلِّمه الآباء بلسانهم، و لا يدخل ذلك الذكر إلى القلب و لا إلى الروح.
و قال في "المتممات" ما معناه: لا يحصل تصفية القلب و تزكية النفس من ذكر الأسماء الإلهية إلا إذا تلقَّنها الذاكر من شيخ كامل. انتهى ملخصاً فراجعه و راجع "الإبريز" في 216.
--------------------------------------------------------------------------------
و هو الذي وقع سبباً للتأليف 1
راجع "تقريب الأصول" في 64، و "الرحمة الهابطة" في 65 منه من هامش "الدرر المكنونات" من الجزء الأول، و "نور الهداية". (منه؛ رحمه الله تعالى). [2]
Mahdi ar-Rusi
19-04-2008, 07:29 PM
و في " بيان الأسرار" للإمام السهروردي (رحمه الله تعالى): اعلم أن المراتب المذكورة لا تحصل إلا بالتوبة النصوح، و بالتلقين من أهله، كما قال الله تعالى: "و ألزمهم كلمة التقوى" أي: لا إله إلا الله. بشرط أخذه من قلب تقي نقي مما سوى الله؛ لا كل كلمة تسمع من أفواه العامة، و إن كان اللفظ واحداً، لكن في المعنى تفاوت، لأن القلب إنما يحيى إذا أخذ بذر التوحيد من قلب حي، فيكون بذراً كاملاً، و بذر غير البالغ الكامل لا ينبت، و لذلك نزلت كلمة التوحيد في القرآن في موضعين: أحدهما مقارن بالقول الظاهر كما قال الله تعالى: "وإذا قيلَ لَهم لا إله إلا الله يَستكبرون" هذا في حق العوام.
و الثاني مقارن بالعلم الحقيقي؛ قال الله تعالى: "فاعلم أنه لا إله إلا الله و استغفر لذنبك" و هذا التلقين سبب نزول هذه الآية لأجل التلقين[1]. انتهى فراجعه في الفصل الخامس ففيه البسط.
و قال القطب أحمد ضياء الدين "في متمماته": ثم اعلم أن النفس شأنها عظيم، و أمرها خطير، و قد جاءت في التحذير منها الآيات و الأحاديث، و الحث على تزكيتها و التبري منها و الخلاص عنها.
فمن الآيات: قوله تعالى: "يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله و لتنظر نفسٌ ما قدمت لغد"، و قوله: "قد أفلح من زكاها و قد خاب من دساها"[2]، و قوله: "و ما أُبَرِّيءُ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي" و قوله: "يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم و أهليكم ناراً".
و من الأحاديث: قوله عليه السلام: "أعدى اعدائك نفسك التي بين جنبيك" و قوله: "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب" و على جميع المسلمين وجوب مراقبة الله، و تهذيب النفس و تزكية أخلاقها على كل من لم يرزق قلباً سليماً.
و هذه النفس مذمومة عند كل شخص، و في كل زمان، بل جميع الملل متفقون على ذم النفس و التحذير من مكرها و خداعها، و عدم الميل إلى غرورها؛ فلذلك جعل أئمة الطرق اول اشتغال المريد بقهر النفس و رياضتها و مخالفة هواها، و قطع مألوفاتها و شهواتها و امروه بالحذر منها و من مكرها، و ألزموه بمحاسبتها، قال عليه السلام: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا" و قال البوصيري:
وَ رَاعها و هي في الأعمال سائمة و إن هِيَ اسْتَحْلَتْ المرعى فلا تُسِمِ
كم حسَّنتْ لذةً للمرء قاتلة من حيثُ لم يدْرِ أن السُّمَّ في الدَّسَمِ
و إذا تدبرت فيما ذكرته تعلم أن السنة و الكتاب مشحونان بذكر العلاج لمرض الباطن، و لو تتبعنا جميع ما فيها ليطول الكلام و يؤول الأمر إلى الملال.
و أما الأئمة، و إن لم يضعوا كتاباً خاصاً في ذم الأخلاق و وجوب علاجها لبراءتهم منها، و ظنهم أن أكثر الناس و أغلبهم مثلهم بريئون منها، لحسن ظنهم بالخلق و اشتغالهم بما هُو أهمّ في وقتهم و زمنهم، لكن كتب مذاهبهم مشحونة بذكرها و كيفية العلاج و وجوبه بالتصريح و التلويج؛ أليس كلهم ذمُّوا الدنيا و أهلها، و مدحوا الزهد و مَن تركوها، و ذكروا الرياء و الكبر و العجب و غيرها، و أرشدوا إلى كيفية علاجها و أدويتها؟! فعدم تدوينهم كتاباً خاصاً بذكرها لا يلزم منه خلوُّ كتبهم من جميعها، و عدم تصديقهم ما يفعله أطباء القلوب الذين كانوا في عصرهم، فكيف و قد قال في "الفتاوى العمرية" ما نصه:
اعلم أن أبا حنيفة – رحمه الله تعالى – أخذ الطريق عن تلميذه قبل وفاته بسنتين، فقال حين وفاته: لولا السنتان لهلك النعمان. كذا في "مكتوبات" الإمام الرباني.
و قد كان الإمام أبو حنيفة يرى بكشفه نجاسة الذنوب تسيل مع ماء الوضوء، كما ورد في الحديث، فلأجل ذلك قال بنجاسة الماء المستعمل. كذا في "ميزان" الشعراني.
و رأيت في "نزهة المجالس" ما نصه: و قال الإمام الشافعي: و أنا حُبِّبَ إليّ من دنياكم ثلاث: عِشرةُ الخلق بالتلطف، و ترك ما يؤيدي إلى التكلف، و الاقتداء بطريق التصوُّف. اه 67 ج 1.
و قال الشعراني في "طبقات": كان الإمام الشافعي و أحمد ابن حنبل يترددان إلى مجلس الصوفية، و يحضران معهم في مجالس ذكرهم، فقيل لهما
في ذلك: مالكما تترددان إلى مثل هؤلاء الجهَّال؟! فقالا: إن هؤلاء عندهم رأس المال، و هو تقوى الله عز و جل و محبته و معرفته.
و قد كان الشافعي يجلس بين يدي شيبان الراعي كالصبي بين يدي المرضعة.
مسألة الإمام أحمد مع شيبان
و كان الإمام أحمد ابن حنبل جالساً عند الشافعي – رحمهما الله – فجاء شيبان الراعي، فقال أحمد: إن هذا مع نقصان علمه يشتغل بتحصيل علم الباطن، فإني أسأله من بعض مسائل الفقه، فقال الشافعي: لا تفعل. و قال لشيبان: ما تقول فيمن نسي صلاة من الخمس في ليلة و يوم و لا يدري أي الخمس هي، ماذا يصنع؟! فقال الشيبان: قلبٌ غفلَ عن الله فينبغي أن يؤدَّب حتى لا يعود. فغشي على أحمد، فلما أفاق قال له الشافعي: ألم أقل لك لا تتعرض له؟!
و سئل ايضاً يوماً عن زكاة الإبل، فقال: أما عندكم! فشاة عن كل خمسة إبل، و أما عندنا! فالجميع. قيل له: فمن إمامك و دليلك فيه؟! قال: إمامي أبو بكر الصديق حين أتى بجميع ما مَلَكَ إلى رسول الله (ص)، فإذا قيل: هل بقي لك و لعيالك شيء؟! قال نعم؛ الله و رسوله. فتعجب السائل من جوابه.
و شيبان الراعي كان أميًّا، فإذا كان حال الأمي هكذا، فما ظنك بأئمتهم؟! اه.
فقد سلك هذا الطريق كثير من العلماء، كالغزالي، و ألف فيه كتاب "إحياء علوم الدين" فراجعه، و كابن الهمام، و السيوطي، و ابن حجر، و غيرهم.
و قالوا: علمُ الباطن كالعلم بأمراض القلب من الرياء و العجب و الحسد و الحرص و سائر الأخلاق الذميمة و ما يتولد منها، و العلم بحدودها و أسبابها و علاجها، و العلم بتحصيل أضدادها من قهر النفس و تحقيرها، و الرضاء بالقَدَر، و سائر الأخلاق الحميدة فرض عين و حتم لازم على كل مَن لم يرزق قلباً سليماً؛ و قليلٌ ما هم.
[1] و سيأتي في البرج السابع. فقلبه. (منه).
[2] أخفاها بالمعصية. "جلال" (هامش الأصل).
Mahdi ar-Rusi
19-04-2008, 07:29 PM
و قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري: كل فقيه لا يجتمع بالصوفية فهو كالخبز الجاف بلا إدام، لأن العلم رياسة عظيمة، و للنفس فيها دسائس، فربما خفيت على العلماء، فضلاً عن الطلبة.
و قال ابن حجر: فليتخذ ثقة و حجة، و لا يلتفت إلى مَن يتعصب، فليتحرّ أورع المشايخ و أعرفهم بقوانين الشريعة و الحقيقة، و ليترك رسومه، و ليدخل تحت إشارته.
و من ظفر شيخاً بهذا الوصف فحرام عليه أن يتركه، و يدلّك عليه الأدلة الأربعة؛ بل يشهد لذلك الكتب السماوية كلها.
و بالجملة: إنه طريق و عرفان لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، و جميع العالم لو اجتهدوا في تغيير و تبديل شيئ من أوضاعه لم يجدوا إليه سبيلاً. انتهى كلام ابن حجر معتمد الشافعية في الفقه. إلى هنا كلام "الفتاوى العمرية" بعبارته، فراجعه.
و فيه بُعيد هذا: و لم يكن في عصر من الأعصار شيخ من الشيوخ من هذه الطائفة إلا و أئمة العصر يتواضعون له، و يتبرَّكون به، و يقدِّمونه على أنفسهم، و لو لا مزية الطريق و أهله! لكان ألأمر بالعكس، كما تقدم حرمة الإمام الشافعي لشيبان الراعي الأمي. انتهى من عينه.
و أيضاً: إن سبب ترك وضع أبعاض من الأئمة كتاباًخاصاً في الأخلاق هو عدم فراغهم لذلك؛ لاشتغالهم بما هو الأهم من ذلك؛ من الأحكام الظاهرة التي لا بدَّ من جمعها و تأليفها؛ نظراً إلى ما يشتدُّ إليه الحاجة في زمنهم، و عدم سعة عمرهم لجمع الأحكام الباطنية، و ذكر العلاج للأمراض القلبية تصريحاً، التي قيل: إنها لم تكن في عصرهم، و إنما حدثت بعده. بناء على ما قيل: (إن ترك الأهم و الاشتغال بغيره تعطيل).
لم يدوِّن الإمام أحمد في الفقه
و الأئمة لم يضع جميعهم كتباً في الفقه، بل كان فيهم مَن لم يدوّن كلاماً فيه، كالإمام أحمد رضي الله عنه، و كان يقول: أوَ لأحدٍ كلامٌ مع الله و رسول الله (ص)!؟ و جميع مذهبه ملفَّق من صدور أصحابه. كماهو مذكور في "لواقح الأنوار"، فراجعه في 60 ج 2.
فيحتمل أن يترك بعض الأئمة وضع كتاب خاص في التصوف، كما ترك هذا الإمام تدوين كلام في الفقه؛ اعتماداً على ما في كلام الله و كلام رسوله عليه السلام.
و معلوم أنه لا يلزم من تركهم التأليفَ في الأخلاق الذميمة و علاجها عدمُ كونها في الكتاب و السنة، مع أنه و إن ترك بعض الأئمة ذلك النصنيف، فقد ألّف كثيرٌ منهم كتباً كثيرة! و بيَّنوا من الكتاب و السنة حججاً و دلائل لتأييد مذهبهم في حق التصوف؛ ألا ترى أن الأمام الغزالي قد صنف كتاب "الإحياء" و "جواهر القرآن" و غيرهما، و ألَّف الشيخ أبو طالب المكي كتابه "قوت القلوب"، و قد صنَّف الإمام الشعراني فيها كتباً كثيرة، و ألَّف الإمام القشيري "رسالته"، و ألَّف الإمام اليافعي كتاب "روض الرياحين" و "نشر المحاسن"، و بسَّط الكلام فيهما بحيث يقرُّ عين الناظر، و قد ذكر الشعراني في "العهود المحمدية": و إنما شيدت كل عهد منه بالأحاديث الشريفة، إعلاماً لك يا أخي بأن عهود الكتاب مأخوذة من الكتاب و السنة نصاً و استنباطاً، لئلا يطعن طاعن فيها، و سدًّا لباب الدَّسّ[1] من الحسدة في هذا الكتاب، كما وقع لي ذلك في كتاب "البحر المورود في المواثيق و العهود".
و قال في "الطبقات الكبرى": إن طريق القوم مُشيّدة بالكتاب و السنة، و إنها مبنية على سلوك أخلاق الأنبياء و الأصفياء. انتهى 3 ج 1.
و قال أيضاً: إن علم التصوف عبارة عن علم انقدح في قلوب الأولياء حين استنارت بالعمل بالكتاب و السنة، فكل مَن عمل بها انقدح له من ذلك علوم و أسرار و حقائق تعجز الألسن عنها، نظير ما انقدح لعلماء الشريعة من الأحكام حين عملوا بما علموه من أحكامها، فالتصوف إنما هو زبدة عمل العبد بأحكام الشريعة إذا خلا عمله من العلل و حظوظ النفس. انتهى.
و قال أيضاً بُعيده: ثم إن العبد إذا دخل طريق القوم و تبحَّر فيه، أعطاه الله هناك قوة الاستنباط؛ نظير الأحكام الظاهرة على حدٍّ سواء، فيستنبط في الطريق واجبات و مندوبات، و آداباً و محرمات و مكروهات و خلاف الأولى، نظير ما فعله المجتهدون، و ليس إيجاب مجتهد باجتهاده شيئاً لم تصرِّح الشريعة بوجوبه أولى من إيجاب وليّ الله تعالى حكماً في الطريق لم تصرِّح الشريعة بوجوبه، كما صرح بذلك اليافعي و غيره؛ و إيضاح ذلك: أنهم كلهم عدول في الشرع، اختارهم الله عز و جل لدينه، فمن دقَّق النظر علم أنه لا يخرج شيء من علوم أهل الله تعالى عن الشريعة، و كيف يخرج علومهم عن الشريعة، و الشريعة هي وصلتهم إلى الله عز و جل في كل لحظة؟! و لكن أصل استغراب مَن لا له إلمام[2] باهل الطريق أن علم التصوف من عين الشريعة، كونُه لم يتبحَّر في علم الشريعة، و لذلك قال الجنيد (رحمه الله تعالى): علمنا هذا مشيَّد بالكتاب و السنة. ردًّا على مَن توهَّم خروجه عنهما في ذلك الزمان أو غيره. انتهى 4 ج 1.
و مما يدل على عدم خلوّ زمن الصحابة و التابعين من ارباب التصوف: ما قاله الغزالي في "الإحياء" في 58 ج 1: و لقد كان الحسن البصري – رحمه الله – اشبه الناس كلاماً بكلام الانبياء عليهم الصلاة و السلام، و أقربهم هدياً من الصحابة (رضي الله عنهم)، اتفقت الكلمة في حقه على ذلك، و كان أكثر كلامه في خواطر القلوب، و فساد الأعمال، و وساوس النفوس، و الصفات الخفية الغامضة من شهوات النفس. و قد قيل له: يا أبا سعيد إنك تتكلم بكلام لا يُسمع من غيرك، فمن أين أخذته؟! قال: من حذيفة بن اليمان. و قيل لحذيفة: نراك تتكلم بكلام لا يُسمعُ من غيرك من الصحابة، فمن أين أخذته؟! قال: خصَّني به رسول الله (ص)، كان الناس يسألونه عن الخير، و كنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه، و علمت أن الخير لا يسبقني علمه.
و قال مرة: فعلمت أن مَن لا يعرف الشر لا يعرف الخير. و في لفظ آخر: كانوا يقولون: يا رسول الله ما لِمَنْ عمل كذا و كذا؟! يسألون عن فضائل الأعمال. و كنت أقول: يا رسول الله ما يفسد كذا و كذا؟! فلما رآني أسأله عن آفات الأعمال خصَّني بهذا العلم.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] اي الطعن
[2] ألمَّ الرجل بالقوم إلماماً: أتاهم فنزل بهم. و منه قيل: ألمَّ بالمعنى، إذا عرفه، و ألمَّ بالذنب: فعله. و ألمَّ الشيء: قرب. "مصباح". (هامش الأصل).
Mahdi ar-Rusi
19-04-2008, 07:30 PM
كان حذيفة يعلم النفاق و أسبابه
و كان حذيفة – رضي الله عنه – قد خُصَّ بعلم المنافقين، و أُفرد بمعرفة علم النفاق و أسبابه، و دقائق الفتن، فكان عمر و عثمان و أكابر الصحابة يسألونه عن الفتن العامة و الخاصة، و كان يُسأل عن المنافقين فيخبر بعدد مَن بقي منهم، و لا يخبر أسماءهم.
و كان عمر – رضي الله عنه – يسأله عن نفسه، هل يعلم منه شيئاً من النفاق؟! فبرَّأه من ذلك.
و كان عمر – رضي الله عنه – إذا دعي إلى جنازة ليصلي عليها نظر، فإن حضر حذيفة! صلى عليها، و إلا! ترك. و كان يسمى "صاحب السر".
فالعناية بمقامات القلب و أحواله دأب علماء الآخرة، لأن القلب هو الساعي إلى قرب الله تعالى، و قد صار هذا الفن غريباً مُنْدَرِساً ... إلى آخر ما فيه.
فضائل الحسن البصري و حذيفة رضي الله عنهما
و قال صاحب "القوت": و الحسن البصري – رحمه الله تعالى – إمامنا في هذا الفن الذي نتكلم به؛ إثْرَهُ نَقفو، و سَبيلَه نتبع، و من مشكاته نستضيء، أخذنا ذلك بإذن الله تعالى إماماً عن إمام، إلى أن ينتهي ذلك إليه، و كان من خيار التابعين بإحسان.
قيل: ما زال يعي الحكمة أربعين سنة حتى نطق بها، و قد لقي سبعين بدريًّا، و لقي ثلاث مئة صحابي، و كانوا يقولون: كنا نشبِّهَه بهدي إبراهيم الخليل صلوات الله عليه في حلمه و خشوعه و شمائله.
و كان أول مَن انهج سبيل هذا العلم، و فتق الألسنة به، و نطق بمعانيه، و أظهر أنواره، و كشف به قناعه، و كان يتكلم فيه بكلام لم يسمعوه من أحد من إخوانه. انتهى "إتحاف شرح الإحياء" 432.
و في "الإتحاف" أيضاً: و لقد كان الحسن – هو ابن أبي الحسن و اسمه يسار – البصري أبو سعيد رحمه الله تعالى مولى الأنصار[1]، و أمه خيرة مولاة أم سلمة زوجِ النبي (ص) (ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر)، فيذكرون أن أمه كانت ربما غابت فيبكي، فتعطيه أم سلمة ثديها تُعَلّلُه به إلى أن تجيء أمه، فدرَّ عليه ثديُها فشربه، فلذا كان أشبه الناس كلاماً بكلام الأنبياء في الحكمة و الفصاحة.
و يُرْوى أن ذلك من بركة تلك الشربة.
و نشأ الحسن بوادي القرى، و رأى علياً و طلحة و عائشة، و لا يصح له سماع من أحد منهم، و كان أقربهم هدياً من الصحابة.
يُرْوى أن أم سلمة كانت تخرجه إلى أصحاب رسول الله (ص) و هو صغيرٌ، و كانوا يَدْعون له، فأخرجته على عمر، فدعا له فقال: اللهم فقِّهه في الدين و حبِّبه إلى الناس. انتهى.
و لقد رأيت في "الحدائق الوردية" ما حاصله: أن هذه النسبة قد تلقى عالم كثير من كبار التابعين من الإمام عليّ (كرَّم الله وجهه)، و أعظم مَن سرى إليهم سرُّها شيخ هذه السلسلة السنية سيدنا الحسن البصري[2] رضوان الله عليهم.
و فيه أيضاً: و نشأ بوادي القرى، و كان من أجمل أهل البصرة، و رأى طلحةَ بن عبد الله و عائشة، و لقي علياً بن أبي طالب، و سمع ابن عمر و أنساً و أبا بكر و جماعة من الصحابة، و سمع خلائق من كبار التابعين، و سيجيء – إن شاء الله تعالى – اتصال نسبة الطريقة به (كرَّم الله وجهه)، و بالصِّدِّيق أبي بكر (رضي الله عنه)، و تفريع جميع الطرق من هاتين النسبتين.
و قال الشعراني في "طبقاته": ويكفينا مدحاً للقوم إذعان الإمام الشافعي لشَيْبان الراعي.
وقال فيه أيضاً: و كذلك يكفينا إذعان الإمام أحمد ابن حنبل – رضي الله عنه – لأبي حمزة البغدادي الصوفي.
وقال فيه أيضاً: و حكى الشيخ قطب الدين بن أيمن: أن الإمام أحمد ابن حنبل – رضي الله عنه – كان يحث ولده على الاجتماع بصوفية زمانه.
و قال: و قد أشبع الكلام في مدح القوم و طريقهم الإمام القشيري في "رسالته"، و الإمام عبد الله بن أسعد اليافعي[3] في "روض الرياحين"، و غيرهما من أهل الطريق، و كتبهم كلهم طافحة بذلك.
و قال الشعراني – قدس سره – في "اليواقيت" ما نصه: فإن القوم لما عملوا بما علموا أعطاهم الله علماً من لدنه بإعلام رباني أنزله في قلوبهم مطابقاً لما جاءت به الشريعة، لا يخرج عنها ذرة. انتهى 20 ج 1.
و ذكر الشعراني في "الكبريت الأحمر" أن الشيخ الأكبر قال في "الفتوحات" بما نصه: و ليس عندنا بحمد الله تقليد إلا للشارع (ص)، و أنه قال: إني لم أقرّر ب+-حمد الله في كتابي هذا قط أمراً غير مشروع، و ما خرجت عن الكتاب و السنة في شيء منه. انتهى.
و في "الحدائق الوردية" في ترجمة الإمام الرباني مجدِّد الألف الثاني[4] - رزقنا الله فيضه آمين – ما لفظه: و قال (قدس سره): اعلم أن الشريعة و الحقيقة متَّحدان في الحقيقة لا تغاير بينهما و لا فرق، إلا بالإجمال و التفصيل[5] و قد حصل الجواب بمفهوم و مضمون ما ذكر لمسألة السائل، و علم أن ما يفعله أهل الطريقة ليس بخارج من عين الشريعة المطهرة. و الحمد لله رب العالمين.
ثم إن السائل لما ذكر في كلامه أكابر الصحابة، و نسب إليهم أن ما وقع بينهم من التقاتل إنما و قع من التحاسد، احتيج إلى الجواب لهذه المسألة فنقول:
البرج السادس
في بيان أن الصحابة رضي الله عنهم هم السادات القادات، و أنهم هم النجوم، و من اقتدى بهم اهتدى، و من خرج عن سبيلهم ارتدى، و أن ما وقع بينهم إنما وقع بالاجتهاد، لا حقداً و لا حسداً و لا حباً للرياسة ولا علواً في الدرجة.
اعلم أيها الأخ أن هذا الحقير المفلس يرى الخير في حفظ اللسان من ذكر خير الناس في القرون الماضية – رضي الله عنهم – لئلا يقع في سوء الأدب معهم، فإنهم هم الذين شهد النبي عليه السلام على كونهم على الهدى بقوله: "أصحابِي كالنُّجُومِ، بِأَيّهم اقتديتم اهتديتم".
و قال الإمام الرباني – قدس سره – في المكتوبات 151 ج1: و اعلم أن أصحاب النبي عليه و عليهم الصلاة و السلام كلهم كبراء عظماء ينبغي أن يُذكر كلُّهم بالتعظيم.
روى الخطيب عن أنس – رضي الله عنه – قال: قال: رسول الله (ص): "إن الله اختارني و اختار لي أصحاباً، و اختار لي منهم أصهاراً و أنصاراً، فمن حفظني فيهم حفظه الله، و من آذاني فيهم آذاه الله" و روى الطبراني عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أن رسول الله (ص) قال: "من سبّ أصحابي فعليه لَعْنَةُ الله و الملائكةِ و النَّاس أجمَعِين".
--------------------------------------------------------------------------------
[1] و كان مولى زيد بن ثابت. (منه).
[2]و كلامه في التصوُّف أكثر من أن يحصى، كما هو معلوم لدى كل من لديه اهتمام بعلوم الدين، و إن كان علماء الدنيا غافلين عن تفحُّص أقوال علماء الآخرة، و سيأتي الكلام في حق الحسن البصري بأبسط من هذا في آخر الكتاب. (منه؛ رحمه الله تعالى).
وقد فدم البصرة من المدينة المنوَّرة بعد قتل عثمان (رضي الله عنه)، و سكن فيها، و توفي في زمن كحومة هشام، و دفن فيها. (هامش الأصل).
[3] و قلت: و كذا أشبع اليافعي الكلام في "نشر المحاسن" فراجعه. (منه؛ رحمه الله تعالى).
[4] في 30 من هامش "اليواقيت". (منه).
[5] و راجع "البهجة السنية"، و "الدرر المكنونات". (منه).
Mahdi ar-Rusi
19-04-2008, 07:31 PM
و روى ابن عدي عن عائشة – رضي الله عنها – قال رسول الله (ص): "شرار أمتي أجرأهم على أصحابي".
و ما وقع بينهم من المنازعات ينبغي صرفها و حملها على محامل حسنة، و إبعادهم عن الهوى و التعصُّب، فإن تلك المخالفات كانت مبنية على الاجتهاد و التأويل، لا على الهوى و الهَوَس[1] كما أن جمهور أهل السنة على ذلك[2]، و لكن ينبغي أن يعلم أن مُخالفي الإمام علي – رضي الله عنه – كانوا على الخطأ، و كان الحق في جانبه، و لكن لما كان هذا الخطأ خطأً اجتهادياً كان صاحبه بعيداً عن الملامة[3] و مرفوعاً عنه المؤاخذة، كما نقل شارح "المواقف" عن الآمدي أن وقعة الجمل و الصَّفين كانت على وجه الإجتهاد.
و صرح أبو شكور السَّالمي في "التمهيدات": أن أهل السنة و الجماعة ذاهبون على أن معاوية مع طائفة من الصحابة الذين كانوا معه كانوا على الخطأ، و كان خطأهم اجتهادياً.
مطلب
و قال الشيخ ابن حجر في "الصواعق": إن منازعة معاوية لعليّ كانت على وجه الاجتهاد، و جعل هذا القول من معتقدات أهل السنة، و ما قاله شارح "المواقف" من أن كثيراً من أصحابنا ذهبوا إلى أن تلك المنازعة لم تكن على وجه الاجتهاد، فمراده من الأصحاب أيّ طائفة هو، فإن أهل السنة حاكمون بخلاف ذلك كما مرَّ، و كتب القوم مشحونة بالقول بالخطأ الاجتهادي، كما صرح به الغزالي و القاضي أبو بكر و غيرهما، فلا يجوز تفسيق مخالفي الإمام علي و تضليلهم.
قال القاضي في "الشفاء": قال مالك (رضي الله عنه): من شتم أحداً من أصحاب النبي (ص)، أبا بكر و عمر و عثمان، أو معاوية، أو عمرو بن العاص رضي الله عنهم، فإن قال: كانوا على ضلال و كفر! قتل، و إن سبَّهم بغير هذا من مشاتمة الناس! نُكِّلَ نكالاً شديداً، فلا يكون محاربوا على كفرة! كما زعمت الغُلاةُ من الرافضة، و لا فسقة! كما زعم البعض، و نَسَبَهُ شارحُ "المواقف" إلى كثير من أصحابه؛ كيف و قد كانت الصديقة عائشة – رضي الله عنها – و طلحة و الزبير من الصحابة منهم؟! و قد قُتل طلحةُ و الزبير في قتال الجمل مع ثلاثة عشر الفاً من القتلى فبل خروج معاوية، فتضليلهم و تفسيقهم مما لا يجترئ عليه مسلم، إلا أن يكون في قلبه مرض، و في باطنه خبث.
و ما وقع في عبارة بعض الفقهاء من إطلاق لفظ الجَوْر في حق معاوية؛ حيث قال: كان معاوية إماماً جائراً. فمراده بالجور عدم حَقِّية خلافته في زمن خلافت علي، لا الجور الذي مآله فسق و ضلالة! ليكون موافقاً لأقوال أهل السنة و الجماعة، و مع ذلك يجتنب أرباب الاستقامة إتيان الألفاظ الموهمة خلاف المقصود، و لا يجوز الزيادة على القول بالخطأ، كيف يكون جائراً و قد صح أنه كان إماماً عادلاً في حقوق الله سبحانه و حقوق المسلمين؟! كما في "الصواعق".
و قد زاد مولانا عبد الرحمن الجامي – قدس سره – في قوله: خطأ منكراً. يعني: زاد على ما عليه الجمهور، و كلما زاد على لفظ الخطأ خطأ. و ما قال بعده: فإن كان هو مستحقاً للعن الخ حينئذ فهو أيضاً غير مناسب له، أين محل الترديد؟! و أين محل الاشتباه؟! فإن قال هذا الكلام في حق يزيد! فله وجه و مساغ، و أما قوله ذلك في حق معاوية! فشنيع، و قد ورد في الأحاديث النبوية بأسانيد الثقات أن النبي (ص) دعا لمعاوية: "اللهم علِّمه الكتاب و الحساب و قِهِ العذاب".
و قال في محلٍّ آخر من دعائه: "اللهم اجعله هادياً مَهدِيَّا. و دعاؤه – عليه الصلاة و السلام – مقبول. و الظاهر أن هذا الكلام صدر عن مولانا[4]
بطريق السهو و النسيان، و أيضاً أنه لم يصرِّح باسم أحد في تلك الأبيات، بل قال: و صحابي آخر. و هذه العبارة أيضاً تنبىء عن الشناعة "ربَّنَا لا تُؤاخِذْنَا إنْ نَسِينا أو أخطأنا".
و مانقل عن الإمام الشعبي من ذمِّ معاوية، و أنه بالغ في مذمَّته و أوصلها إلى ما فوق الفسق، لم يبلغ مرتبة الثبوت، و الإمام الأعظم من تلامذته، فعلى تقدير صدق هذا القول لكان هو أحق بنقله!
و حكى الإمام مالك – الذي هو من تبع التابعين و معاصره – بقتل شاتم معاوية و عمرو بن العاص كما مرَّ آنفاً، فإن كان هو مستحقاً للشتم فَلِمَ حَكَمَ بقتل شاتمه؟! فَعُلِمَ أنه اعتقد شتمه من الكبائر، فحكم بقتل شاتمه[5]. و أيضاً أنه جعل شتمه كشتم أبي بكر و عمر و عثمان، كما مرَّ سابقاً، فلا يكون معاوية مستحقاً للشتم و الذم.
أيها الأخ إن معاوية ليس وحده في هذه المعاملة، بل كان نصف الأصحاب الكرام تخميناً شريكاً له فيها، فإن كان محاربو علي كفرةً أو فسفة زال الاعتقاد عن شطر الدين الذي بلغنا من طريق تبليغهم، و لا يُجَوِّز ذلك إلا زنديق مقصودهُ إبطال الدين.
أيها الأخ إن منشأ إثارة هذه الفتنة هو قتل عثمان – رضي الله عنه – و طلب القصاص من قتلته، فإن طلحة و زبيراً إنما خرجا أولاً من المدينة بسبب تأخير القصاص، و وافقتهم الصِّدِّيقة في هذا الأمر، فوقع حرب الجمل التي قتل فيها ثلاثة عشر ألفاً من الصحابة، و قتل فيها طلحة و الزبير اللذان هما من العشرة المبشرة، ثم خرج معاوية من الشام، و صار شريكاً لهم، فوقع حرب الصَّفين.
صرَّح الإمام الغزالي أن تلك المنازعة لم تكن لأمر الخلافة، بل كانت لاستيفاء القصاص في بدء خلافة عليّ.
و عدَّ ابن حجر هذا القول من معتقدات أهل السنة.
و قال الشيخ أبو شكور السالمي الذي هو من أكابر علماء الحنفية: إن منازعة معاوية لعليّ كانت في أمر الخلافة، فإن النبي (ص) قال لمعاوية: "إذا مَلَكْتَ النَّاس فَارفِق بهم"[6] فحصل لمعاوية الطمع في الخلافة من هذا الكلام، و لكن كان هو مخطئاً في هذا الاجتهاد، و علي محقّاً فيه، فإن الوقت كان و قت خلافة علي. و التوفيق بين هذين القولين هو أن منشأ المنازعة يمكن أن يكون أولاً تأخير القصاص، ثم بعد ذلك يقع في طمع الخلافة، و على كلٍّ الاجتهادُ واقعٌ في محله، فإن مخطئاً فدرجة واحدة من الثواب، و للمُحِقِّ درجتان، بل عشر درجات.
أيها الأخ؛ الطريق الأسلم في هذا الموطن السكوت عن ذكر مشاجرات أصحاب النبي (ص) و على آله الصلاة و السلام، و الإعراض عن ذكر منازعتهم، قال النبي (ص): "إياكم و ما شجر بين أصحابي"[7]، و قال أيضاً: "إذا ذكر أصحابي فامسكوا"[8]، و قال أيضاً عليه الصلاة و السلام: "الله ... الله في أصحابي! لا تتخذوهم غرضاً"[9] يعني: احذروا الله و اتقوه في حق أصحابي و لا تجعلوهم هدفاً لسهم ملامتكم و طعنكم.
قال الإمام الشافعي، وهو منقول عن عمر بن عبد العزيز أيضاً: تلك دماء طهَّر الله تعالى عنها أيدينا، فَلْنُطَهِّر عنها ألسنتنا. و يفهم من هذه العبارة أنه لا ينبغي إجراء خطأهم على اللسان أيضاً، و أن يذكرهم بغير الخير[10]
--------------------------------------------------------------------------------
[1] الهوس: طرف من الجنون. "مختار". (هامش الأصل).
[2] و قد قال الإمام البوصيري في "الهمزية":
كلهم في أحكامِهِ ذو اجتهادٍ و صوابٍ، و كُلُهُمْ أكفاءُ
رضي الله عنهم و رضوا عنه، فأنَّى يخطوا إلى خطأ. اه . (منه).
فللمصيب من المجتهدين أجران، و للمخطئ أجر واحد، فعلى هذا: لعلي أجران لأنه المصيب. (منه)، و لمعاوية أجر واحد لأنه مخطئ. (منه). "الحل اللطيف على الهمزية". (هامش الأصل). [3]
[4] أي الجامي.
[5]و يؤيِّد ذلك أن ابن المبارك – و ناهيك به إمامة و علماً و معرفة – سُئل: أيُّهما أفضل؛ معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟! فقال: و الله لَلغبار الذي دخل أنف فرس معاوية مع رسول الله (ص) خير من مئة واحد مثل عمر بن عبد العزيز. يريد بذلك: أن شرف الصحبة و الرؤية لرسول الله (ص)، و حلولَ نظره الكريم، لا يعادله عمل، و لا يوازيه شرف. "الفتاوي الحديثية" لابن حجر من صحيفة 223 فراجعه. (منه).
[6] رواه مسلم، و ابن أبي شيبة في "المصنف"، و الطبراني في "الكبير" بهذا اللفظ، و أحمد عن أبي هريرة بلفظ: "إن وَليتَ أمراً قاتق الله و اعدل". (منه فدس سره).
[7] اورده ابن الأثير في "النهاية". (منه).
[8] رواه الطبراني عن ابن مسعود و ثوبان، و ابن عدي عن عمر (رضي الله عنه). (منه)
[9] رواه الترمذي عن عبد الله بن مغفل (رضي الله عنه). (منه).
[10] و تكفُّ عن ذكر الصحابة إلا بخير، لما ورد من الأحاديث الصحيحة في مناقبهم، و وجوب
Mahdi ar-Rusi
19-04-2008, 07:31 PM
البرج السابع
في بيان ما ورد في التلقين، و ما يترتب عليه من الفوائد المُهمَّة
اعلم أيها الأخ إذا نظرت إلى هذه المنقولات من كتب أكابر السادات لا يليق بجنابكم العالي الشأن أن تذكروا ما يفهم منه وقوع التحاسد بين الأصحاب الكرام، ولا ينبغي لكم أيضاً أن تظنوا أن ما يفعله مشايخ الطريق هو ما لم يكن عليه الصحابة و التابعون، فإن المشايخ إنما أخذوا أمور طرقهم من الكتاب و السنة، و ما يلقِّنون من مراتب الذكر فقد وصل إليهم معنعناً مسلسلاً إلى النبي (ص)، و قد علمت مما مرَّ أن الذكر شفاء القلوب، و أنه سيف الله يقاتلون به أعداء السالكين؛ من النفس و الهوى و الشيطان، فلم يبق لأحد مجال لان يقول: إن استعمال أمور الطريقة لم يكن في زمن الصحابة و لا في زمن الأئمة؛ أما كونها في زمن الأئمة! فقد علم مما مرَّ مراراً.
و أما كونها مما ورد عنه عليه السلام! فقد روى أحمد و الطبراني و غيرهما أن رسول الله (ص) لقَّن أصحاب جماعة و فرادى؛ فأما تلقينهم جماعة؛ فقد قال شداد بن أوس: كما عند النبي (ص)، فقال عليه السلام: "هل فيكم غريبٌ؟" يعني من أهل الكتاب، فقلت: لا. فأمر بغلق الباب و قال: "ارفعوا أيديكم و قولوا لا إله إلا الله، ثم قال: الحمد لله، اللهم إنَّك بعثتني بهذه الكلمة، و أمرتني بها، و وعدتني عليها الجنة، و إنك لا تخلف الميعاد، ثم قال: ألا أبشروا فإن الله قد غفر لكم".
و أما تلقينهم فرادى فرادى! فروى يوسف الكوراني و غيره بسند صحيح أن عليا – رضي الله عنه – سأل النبي (ص) فقال: دُلَّني على أقرب الطرق إلى الله و أسهلها على عِباده و أفضلها عند الله تعالى، فقال عيه السلام: "أفضلُ ما قلتُ أنا و النبيون من قبلي: لا إله إلا الله، و لو أن السماوات السبع و الأرضين السبع في كفةٍ، و لا إله إلا الله في كفة، لرجحت بهم، ثم قال عليه السلام: لا تقوم الساعة و على وجه الأرض من يقول الله" فقال علي: كيف اذكر يا رسول الله؟ فقال عليه السلام: "غَمِّضْ عَيْنَيْكَ و اسمع عني ثلاث مرات، ثم قل أنت ثلاث مرات، و أنا أسمع، فقال: لا إله إلا الله ثلاث مرات؛ مغمضاً عينيه، رافعاً صوته، و علي يسمع، ثم قال عليّ: لا إله إلا الله كذلك، و النبي عليه السلام يسمع". فهذه نسبةُ عليٍّ في تلقين الذكر.
نسبة الصِّدِّيق الأعظم في التلقين
و أما النسبة الباطنية في تلقين الاذكار القلبية! فذلك بإثبات من غير نفي بلفظ اسم الذات؛ لقوله تعالى لرسول الله (ص): "قُلْ الله ثمّ ذَرْهُمْ" و هذه نسبة الصديق الاعظم الذي أخذها باطناً عن النبي (ص)، و هذا هو الذكر الذي وقر في قلبه – رضي الله عنه – و عني به لقول النبي عليه السلام عن ربه: "مافضلكم ابو بكر بكثرة صوم و لا صلاة، بل بشئ وَقَرَ في قلبه" و قد تفرعت نسبة جميع الطرق من هاتين النسبتين؛ فهما اصلان، وَ مَعهما عوْنُ الرّحمن. كذا في "جامع أصول الأولياء" 22.
مطلب
و في رسالة أحمد الزركراني (رحمه الله تعالى): قال الله تعالى في حق اصحاب الصُّفَّة: "و ألزمهم كلمة التقوى و كانوا أحق بها و أهلَها"، و قوله تعالى: "فاعلم أنه لا إله إلا الله و استغفر لذنك" سبب نزوله روي في "بستان الشريعة" أن علياً – رضي الله عنه – جاء إلى النبي (ص) و التمس منه اقرب الطرق و افضلها و أسهلها سلوكاً، فتوجَّه النبي (ص)، فنزل الوحي بقوله تعالى: "فاعلم أنه لا إله إلا الله و اسغفر لذنبك" مقارناً بالعلم اللدني، تنبيهاً أن هذه الكلمة مفتاح خزائن الله و علم الله، ثم قعد جبريل متربِّعاً كالمعلم، فلقَّن النبي (ص) ثلاث مرات، ثم أمره أن يلقِّن علياً، لانه أول من التمس التلقين، ثم حضره أربع مئة من الصحابة فلقَّنهم جميعاً، ثم قال (ص): "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر". و قال (ص): "لا تقوم الساعة على وجه الارض حتى نفي من قال: الله الله". يعني: بالقلب الحي، و ينبغي أن يغمض عينيه و ينصت حين التلقين و الذكر، فجميع المشايخ اخذوا أصولهم من النبي (ص) ظاهراً و باطناً. انتهى. فراجعه في الفصل الثاني.
و من المشايخ مَن يجهر في الذكر و يذكر لجوازه، و أفضليته تحسب حال المريد في بعض المواضع أدلّة.
و منهم من يختار السرَّ، و يمنع الجهر على كل حال و في كل موضع؛ كالنقشبنديين، و طريقتهم هي أفضل الطرق التي أثنى عليها خاتمة المحققين ابن حجر في "الفتاوى الحديثية" بأنها هي الطريقة السالمة من كدورات جهلة الصوفية، كما هو مذكور في آخره.
و قد قال الإمام الرباني (قدس سره): اعلم ان الطريق الذي هو أقرب و أسبق و أوثق، و أسلم و أحكم و أصدق، و أدل و أعلى، وأجل و أرفع و أكمل، هو الطريقة النقشبندية قدس الله أرواح اهاليها وأسرار مواليها، و كل عظمة هذه الطريق و علو شأن هؤلاء الاكابر بواسطة متابعة السنة السنية على صاحبها الصلاة و السلام و التحية، و اجتناب البدعة غير المرضية. من "الدرر المكنونات" في 333 ج 1.
و قال أحمد ضياء الدين: إنها سلطان الطرق.
و في موضع آخر: إنها أم الطرق.
ذكر الجهر
فأرباب هذه الطريقة يعدُّون الذكر الجهري بدعة، أي محدثة، فيها على ما وصل إليهم من الصديق الأكبر، كما صرح الإمام الرباني في "المكتوبات". و قال في مكتوب آخر ما حاصله: إن ذكر الجهر لا يتصور فيه ما فوق الرخصة. اه من ا"الدرر المكنونات" في 325 ج 1.
و قال أيصاً: إن إحداث شيء في الطريقة ليس هو عند الفقير بأقل من إحداث بدعة في الدين، و بركات الطريقة إنما تُفاض و تعود على أهلها، ما لم يحدث فيها محدث، فإذا حدث فيه محدث! ينسدُّ طريق الفيوض و البركات. اه من "الدرر" 271 ج 1.
سبب تسمية ذكر الجهر بدعة
و قال أيضاً في مكتوب آخر بعد كلام: و من ههنا لم يجوِّزوا الرقص و السماع، و لم يقبلوا الأحوال المترتبة عليه باتفاق منهم و إجماع، بل اعتقدوا ذكر الجهر بدعة، و منعوا أصحابهم عنه، و لم يلتفتوا إلى ثمرات تترتب عليه. اه من "الدرر" 279 ج 1.
و قد كتبتُ في " تلخيص المعارف في ترغيب محمد عارف" ما نصه: فإن قلت: فقد قيل: إن للذكر الجهري خاصية ليست في غيره، و من المجرَّب أنه يحصل به الشوق و الذوق و الوجد، فلمَ منع النقشبنديون أصحابهم عن الجهر؟! أقول: إن أئمة الطرق كأئمة المذاهب في الشرع،فكما اختلفت مذاهبهم باختلاف أدلتهم! فكذلك أئمة الطرق اختلفوا فيما يستعملونه في طرقهم، و لكل منهم وِجهة مقبولة، و لهم دلائل من الكتاب و السنة، و كلهم على الحق لما أنهم لم يخرجوا من دائرة الاتباع، فإذا فهمت هذا! علمت أن لهم مذاهب يستندون إليها؛ فمذهب النقشبنديين الإخفاء في الذكر، و قد تسلسل إليهم من منبعها هذا الإخفاء، و عدُّوا ما حدث فيها من البدع غير المرضية، و إن كان مستحسناً من وجه آخر، و لذلك اعتقدوا ذكر الجهر بدعة، و منعوا أصحابهم عنه، و لم يلتفتوا إلى ثمراتٍ تترب عليه، لما أنه لم يَرِدْ في طريقتهم الخاصة، و إن ورد في طريقة غيرهم الخاصة بهم، و هذا سبب تسميتهم ذكر الجهر بدعة، و الله أعلم.
و أيضاً إنهم لم ينظروا إلى تلك الثمرات المترتبة على ذكر الجهر؛ لاحتمال أن تتطرق إليه الظلمة بالرياء و السمعة، و يحبط ثوابه بسببهما بالكلية، فأخذوا حبل الاحتياط، و تمسَّكوا عرى الإخلاص، و لازموا إخفاء الذكر الذي لا تسمعه الحفظة، فيكتب و لا يطلع عليه الناس فيرائي و يحبط، و مع ذلك إن لهم ما يقوم مَقام الذكر الجهري الذي يقول أرباب الجهر أنه – أي ذكر اللسان – مبدأ الذكر الخفي و أنه و سيلة إليه، ألا و هو التوجُّه المعروف عندهم؛ المعنعن المسلسل من معدن الرسالة (ص)، فقد قال الإمام الرباني: فإن توجّههم الواحد يعمل ما لا يعمله المجاهدة في سنين عديدة. راجعه قبيل الترغيب التاسع تجد فيه ما يقرّ العين.
و إن أردت أن تعلم تقصيل ما يفعله النقشبنديون فارجع إلى مكتوبات الإمام الرباني، و "البهجة السنية"، و "الرشحات"، و "الحدائق الوردية"، فهذه الكتب مشحونة بالمنافع و الفوائد لا بد للسالك من مطالعتها، رزقنا الله تعالى من فيوضات مؤلفيها، و أذاقنا حلاوة ما ذاقوه من لذة المعرفة، و هو على ذلك قدير.
Mahdi ar-Rusi
19-04-2008, 07:32 PM
فضائل لا إله إلا الله
فائدة مهمة؛ في الكلام على كلمة الإخلاص لا إله إلا الله: قد كنا ذكرنا في "الخلاصة" و "التلخيص" و "التنبيه" فضائل لفظة الجلالة و النفي و الإثبات و اردنا أن نذكر هنا ما فات فيها من فضائل كلمة التوحيد، قال الشيخ الإمام العالم العلاَّمة و الحبر الفهَّامة، الشيخ أحمد بن الشيخ حجازي الفشني – قدس سره – في "المجالس السنية": اعلم أن الله سبحانه و تعالى أمر عباده أن يعتقدوها و يقولوها، فقال سبحانه: "فاعلم انه لا إله إلا الله"، و ذمّ مشركي العرب بقوله: "إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون".
و قال (ص) لعمه ابي طالب: "قل لا إله إلا الله أشهد لك يوم القيامة" فقال: لو لا أن يُعَيّرني قريش لأقررتُ بها عينَك.
ف(لا إله إلا الله) كلمة التقوى كما فسرها (ص).
ثواب (لا إله إلا الله)
و في حديث عثمان – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: "إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقاً من قلبه إلا حرّمه الله تعالى على النار"، فقال عمر (رضي الله عنه): أنا أحدثكم ما هي؛ هي كلمة الإخلاص التي أُلزِمَها محمد و أصحابه.
قال سهل التستري: ليس لقول لا إله إلا الله ثواب إلا النظر إلى وجه الله عز و جل، و الجنة ثواب الأعمال.
و قيل: إن كلمة التوحيد إذا قالها الكافر تنفي عنه ظلمة الكفر، وتثبت في قلبه نور التوحيد، و إذا قالها المؤمن في كل يوم الف مرة في كل مرة تنفي عنه شيئاً لم تنفه المرة الأولى، و هي أفضل الذكر كما قال النبي (ص)، و هي دأب الناسكين، و عمدة السالكين، و عدة السائرين، و تحفة السابقين، و مفتاح الجنة، و مفتاح العلوم والمعارف.
و عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: يفتح الله تعالى ابواب الجنة، و ينادي مناد من تحت العرش: أيتها الجنة و كل ما فيك من النِعَم لمن أنت؟! فتنادي الجنة و كل ما فيها: نحن لأهل (لا إله إلا الله)، و لا نطلب إلا أهل (لا إله إلا الله)، و لا يدخل علينا إلا أهل (لا إله إلا الله)، و نحن محرَّمون على مَن لم يقل: (لا إله إلا الله). و عند هذا تقول النار و كل ما فيها من العذاب: لا يدخلني إلا من أنكر (لا إله إلا الله)، و لا أطلب إلا من كذب ب(لا إله إلا الله)، و أنا حرام على من قال: (لا إله إلا الله)، و لا أمتلئ إلا بمن جحد (لا إله إلا الله)، و ليس غيظي و زفيري إلا {على} من أنكر (لا إله إلا الله).
ثم قال: فتجيء رحمة الله و مغفرته فتقول: أنا لأهل لا إله إلا الله، و ناصرة لمن قال لا إله إلا الله، و المغفرة من كل ذنب لأهل لا إله إلا الله.
و الجنة مباحة، و الرحمة غير محجوبة عن أهل (لا إله إلا الله).
و قال بعضهم: الحكمة في قوله تعالى: "إذا الشمس كورت و إذا النجوم انكدرت" أن يوم القيامة يتجلّى نور كلمة (لا إله إلا الله) فيضمحل في ذلك نور الشمس و القمر، لأن أنوار تلك أنوار مجازية، و نور (لا إله إلا الله) نور حقيقي ذاتي واجب الوجود لذاته تعالى؛ و المجاز يبطل في مقابلة الحقيقة.
و جاء في الآثار: أن العبد إذا قال (لا إله إلا الله) أعطاه الله تعالى من الثواب بعدد كل كافر و كافرة. قيل: و السبب أنه لما قال هذه الكلمة، فكأنه قد ردّ على كل كافر و كافرة؛ فلا جرم يستحق الثواب بعددهم.
و سُئل بعض العلماء عن معنى قوله تعالى: "بئر مُعَطَّلَة و قصر مَشيد". فقال: البئر المعطلة قلب الكافر معطَّل من قول: (لا إله إلا الله). و القصر المشيد قلب المؤمن معمور بشهادة (لا إله إلا الله).
و قيل: في قوله تعالى: "اتقوا الله و قولوا قولاً سديداً" يعني: قولوا: (لا إله إلا الله).
و روي أن النبي (ص) كان يمشي في الطرق، و يقول: "قولوا لا إله إلا الله تُفْلِحوا".
و قال سفيان بن عيينة: ما أنعم الله على العباد نعمة أفضل من أن عرَّفهم (لا إله إلا الله)، و إن (لا إله إلا الله) لهم في الآخرة كالماء في الدنيا.
و قال سفيان الثوري (رحمه الله تعالى): إن لذة قول (لا إله إلا الله) في الآخرة كلذة شرب الماء البارد في الدنيا.
و ذكر مجاهدة في تفسير قوله تعالى: "و أسبغ عليكم نعمه ظاهرة و باطنة" أنه (لا إله إلا الله).
و قيل: إن كل كلمة يصعد الملك بها، إلا قول (لا إله إلا الله)! فإنها تصعد بنفسها، دليله قوله تعالى: "إليه يصعد الكَلِمُ الطيب" أي قول (لا إله إلا الله) "و العمل الصالح يرفعه" أي الملك يرفعه" أي الملك يرفعه إلى الله تعالى، حكاه الرازي.
و حكي أيضاً: أنه إذا كان آخر الزمان فليس لشيء من الطاعات فضل كفضل (لا إله إلا الله)، لأن صلاتهم و صيامهم يشوبهما الرياء و السمعة، و صدقاتهم يشوبها حرام، و لا إخلاص في شيء منها، أما كلمة (لا إله إلا الله) فهي ذكر الله، و المؤمن لا يذكر إلا عن صميم قلبه.
و في الخبر: يقول الله تعالى: "لا إله إلا الله حِصْني، فَمَن دخل حِصْني أَمِنَ من عذابي".
و يقال: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) سبع كلمات، و للعبد سبعة أعضاء، وللنار سبعة أبواب، فكل كلمة من هذه الكلمات السبع تغلق باباً من ابواب النار السبعة؛ عن كل عضو من الأعضاء السبعة.
حكاية
حكى الإمام الرازي (رحمه الله تعالى): أن رجلاً كان واقفاً بعرفات، و كان في يده سبعة أحجار، فقال: يا أيتها الأحجار أشهدوا لي أني أشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أن محمداً رسول الله، فنام فرأى في المنام كأن القيامة قد قامت، و حوسب ذلك الرجل فوجبت له النار، فلما ساقوا به إلى باب من أبواب جهنم جاء حجر من تلك الأحجار السبعة و ألقى نفسه على ذلك الباب، فاجتمعت ملائكة العذاب على رَفْعِهِ فما قدروا، ثم سيق به إلى الباب الثاني فكان الأمر كذلك، و هكذا الأبواب السبعة، فسيق به إلى العرش، فقال الله تعالى: عبدي أشهدتَ الأحجار فلم تُضِع حقك، و أنا شاهد على شهادتك على توحيدي، ادخل الجنة، فلما قرب من أبواب الجنان فإذا أبوابها مغلقة، فجاءت شهادة أن لا إله إلا الله و فتحت الأبواب و دخل الرجل.
و روى الطبراني بسنده أن النبي (ص) قال: "حضر ملكُ الموت عليه السلام رجلاً، فنظر في كل عضو من اعضائه فلم يجد فيه حسنة، ثم شقَّ عن قلبه فلم يجد فيه شيئاً، ثم فكَّ عن لحييه فوجد طرف لسانه لا صقاً بحنكه يقول: لا إله إلا الله، فقال: وجبت لك الجنة بقول كلمة الإخلاص؛ يعني لا إله إلا الله".
و في الحديث: "من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة".
و فيه ايضاً: "ليس على أهل (لا إله إلا الله) وحشة في قبورهم، و لا في نشورهم، و كأني {بهم} ينفضون التراب عن رؤوسهم و يقولون الحمد الله الذي اذهب عنَّا الحزن". و الآثار في فضلها كثيرة شهيرة، و في هذا القدر كفاية. انتهى 31.
فينبغي للعاقل أن يلازم هذا الذكر و يواظبه إلى أن يفتح الله له، بعد اخذه من الشيخ الكامل بالتلقين، فلقد ذكروا في كتبهم بأن تصفية القلب و تزكية النفس لا تحصل بذكر الأسماء الإلهية إلا إذا تلقَّنها من شيخ كامل؛ كما هو معلوم.
البرج الثامن
في بيان أفضلية علماء الباطن على غيرهم
فلما كان كاتب المسائل من علماء الظاهر، و كان الغالب على أمثاله أن يقولوا: هل ثَمَّ علمٌ أجلّ و أفضل مما عندنا؟! و هل ثَمَّ طريق غير ما بأيدينا!؟ أردت أن أوردها هنا قدراً يسيراً مما ذكر العلماء في جلالة علم الباطن و أهله.
اعلم أيها الأخ؛ أن الله تعالى قد قال في كتابه: "و اتَّقُوا اللهَ وَ يُعَلِّمْكُمْ الله" الآية. و بالتقوى دخلوا في دائرة قوله تعالى: "و عَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلماً"؛ و بذا زاد أهل الله شرفاً على غيرهم، فلما صفت قلوبهم عن دنس السوء، و تزكَّت نفوسهم عن وسخ الهوى، انعكست في قلوبهم علوم اللوح، و أوحي إلى أسرارهم أسرار العلم اللدنِّي، فحينئذ جاز أن يقال: أخذنا علمنا من الحي الذي لا يموت، و حصل لهم التمييز ممن يأخذ من إنسان يموت.
إذا دخل النور في القلب عاين الغيب
قال في "الفتاوى العمرية"؛ نقلاً عن الخادمي: علم الباطن علم المكاشفة الذي يظهر في القلب نوره و يُشَاهَدُ به الغيب، و هو المعنيُّ و المقصود من قوله عليه السلام (على ما في الجامع الصغير): "علم الباطن سرّ من أسرار الله تعالى، و حكم من أحكام الله يقذفه في قلب من يشاء من عباده"، و من قوله عليه السلام (على ما في "عين العلم"): "إذا دخل النور في القلب انشرح" أي: عاين الغيب. و قال تعالى: "أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ للإسلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّه فَوَيْلٌ للقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ الله" و قال في "التتارخانية": و أما علم المكاشفة فلا يحصل بالتعليم و التعلُّم و التدريس، و إنما يحصل بالمجاهدة التي جعلها الله تعالى مقدمة للهداية؛ أي في آية: "و الَّذِينَ جاهدوا فينا لنهدِيَنَّهم سُبُلَنَا و إن الله لمََعَ المُحْسِنِينَ".
و قال أبو هريرة (رضي الله عنه): "حفظت عن رسول الله (ص) وِعَائَيْنِ فاماَّ أحدهما فبثثته (أي نشرته)، و أما الآخر فلو بثثته قُطِعَ هذا البلعوم" أي الحلقوم؛ كذا في " صحيح البخاري".
Mahdi ar-Rusi
19-04-2008, 07:33 PM
علماء الظاهر و علماء الباطن
و في "الفتاوى الحديثية" لابن حجر (رضي الله عنه): و سئل (رضي الله عنه و نفع به): أيهما أفضل؛ علماء الباطن أم علماء الظاهر؟! فأجاب بقوله:إن أردت بعلماء الباطن ما هو المتبادر منه عند أهله؛ و هم العارفون بالله الذين و فَّقهم الله لأفضل الأعمال، و حفظهم من سائر المخالفات في كل الأحوال ثم كشف لهم الغطاء فعبدوه كأنهم يرونه، و اشتغلوا بمحبته عما سواه، و أطلعهم على عجائب ملكه و غرائب حكمه، و قرَّبهم من حضرة قدسه، و أجلسهم على بساط أنسه، و ملأ قلوبهم بصفات جماله و جلاله، و جعلها مطالع أنواره و معادن أسراره، و خزائن معارفه و كنوز لطائفه، و أحيا بهم الدين و نفع بهم المريدين، و أغاث بهم العباد، و أصلح بهم البلاد. و بعلماء الظاهر الذين عرفوا رسوم العلوم الكسبية، و عويصات الوقائع الفعلية و القولية، و غرائب البراهين العقلية و النقلية، حتى حفظوا سياج الشرع من أن يُلِمَّ[1] به طارق، أو يخرقه مبتدع مارق[2] فالأولون أفضل، و إن كان للآخرين فضل عظيم، بل ربما كانوا أفضل من حيثية، لا مطلقاً! و مع ذلك فأفضلية الأولين على حالها إذ قد يكون في المفضول مزيَّة بل مزايا، هذا إن وجدتَ في هؤلاء صفة العدالة، و إلا! فلا مفاضلة، إذ لا مشاركة بينهم و بين الأولين في شيء من صفات الكمال، لأن رسوم العلوم الخالية من الأعمال الصالحة في الحقيقة مقت أي مقت! و غضب أي غضب! و مِن ثَمَّ جاء في الأخبار الصحيحة من عقاب العلماء الذين لم يعملوا تعلمهم ما يدهش اللّب و يحيِّر الفكر.
هذا هو الحق في هذه المسألة خلافاً لمن أطلق الكلام في تفضيل أحد الشقين. و لم يَبُح[3] هذا التفضيل الذي أيدته، و لا يَرِدُ على ذلك ما وقع لموسى مع الخضر – صلى الله على نبينا و عليه و سلم – بناء على ما عليه الجمهور من الصوفية: أنَّ الخضر و ليٌّ، لأنَّ موسى أفضل منه إجماعاً، لأنه امتاز على
الخضر بخصوصيات لا تحصى، و إنما غاية ما يتميز به الخضر أنه اطلع على جزئيات من عالم الغيب لم يطَّلع عليها موسى فتلمذ له لأجلها، و تأديباً من الله له إذا سئل: من أعلم الناس؟! فقال: أنا. و لم يردَّ العلم إلى الله، فليست قضيتهما مما نحن فيه بوجه خلافاً لليافعي – رحمه الله – حيث جعلها دليلاً لتفضيل الأولين.
و مما يدلُّ على أفضلية الأولين: ما هو مقرَّر أن العلماء إنما يشرفون على قدر شرف معلوماتهم، و شرف العلوم تابع لشرف غايتها، فعلوم المعارف المتعلقة بالله و أسمائه و صفاته أشرف العلوم، و أصحابها أشرف العلماء، و يليها في الشرف علم الفقه، لأن غايته معرفة أحكام الله و شرعه الذي تعبَّد به عباده.
مطلب
و جميع العلوم وسيلة إلى هذين العلمين المشتملين على معرفة الله و معرفة عبادته، لأن الخلق لم يخلقوا إلا لذلك "و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون" و العبادة تفتقر إلى معرفة! و مَن فسَّرها بالمعرفة؛ فهي مستلزمة للعبادة، إذ من عَرف الله عرف وجوب عبادته و طاعته.
و مما يوضِّحُ لك أن العلوم وسيلة لذينك العلمين أنها وسيلة لمعرفة الفقه؛ الوسيلة لمعرفة العمل وسيلة للعمل، الوسيلة لطاعة الله و قربه، الوسيلة لمعرفته، فمن استعمل هذه الوسائل على وجهها وصل بها إلى المقصود الأعظم، و إلا! فهو الخاسر الهالك؛ و إن كان بصورة عالم.
و مما يدلُّ على أفضلية علم المعرفة على الفقه و غيره أمور؛
منها: أن العلوم و المعارف اللدنية يختصُّ بها الأولياء و الصدِّيقون، و العلوم الظاهرة ينالها حتى الفسقة و الزنادقة، و مِن ثَمَّ قال السهْرَوردي في "عوارفه": و يُنبئك على شرف علم الصوفية و زُهَّاد العلماء أن العلوم كلها لا يبعد تحصيلها مع محبة الدنيا و الإخلال بحقائق التقوى، و ربما كانت محبة الدنيا عوناً على اكتسابها لأن الاشتغال بها شاقٌّ على النفوس فجبلت على محبة الجاه و الرفعة، حتى إذا استشعرت حصول ذلك بحصول العلم اجابت إلى تحمل التكلف و سهر الليل، و الصبر عَلَى الغربة و الأسفار، و فقد الملاذ و الشهوات و علوم هؤلاء القوم - يعني الصوفية – لا تحصل بمحبة الدنيا، و لا تنكشف إلا بمجانبة الهوى، و لا تُدرس إلا في مدرسة التقوى، قال الله تعالى:"و اتقوا الله و يعلِّمكم الله".
و منها: أن شرف العلم على قدر شرف انتفاع صاحبه و نفعه الغير به، و العارفون هم الذين انتفعوا و نفعوا حقاً، و يكفي في انتفاعهم تطهيرُ قولبهم مما سوى الله، و امتلاؤه بمحبته و معرفته.
و من نفعهم للخلق أنَّ بركتهم تغيث العباد، و يُدفع بها الفساد، و إلا لفسدت الارض، و يقام بهم الدين، و يرشد بهم المريدون إلى التطهير من كل خُلُق دنيء، و الترقي إلى التجلي بكل وصف عليّ.
حكايات
و من ثَمَّ وقع لعارف أن تلميذه أراد الزنا، فلما هَمَّ سمع صوت شيخه من بلاد بعيدة يقول: هكذا تفعل يا فلان؟! ففرّ هارباً[4].
ووقع لآخر من تلميذه نظير ذلك: أنه ما شعر إذ همَّ إلا و الشيخ قد لطمه لطمة أذهبت بصره، فخرج و أمر من جاء به إلى الشيخ فقال: ادع الله بردِّ بصري، فإني تائب إلى الله تعالى، فقال: نعم، و لكن لا تموت إلا أعمى، فدعى له فرُدَّ عليه بصرُه، ثم عمي قبل موته بثلاثة أيام.
و كذلك وقع للشيخ ابي الغيث بن جميل اليمني (رحمه الله تعالى) : أنه كان له تلميذ بالعجم همَّ بالزِّنا بامرأة، فضربه الشيخ بقبقابه[5] مع زجر و غضب بحضرة الفقراء، فلم يدروا ما الخبر! حتى قدم التلميذ العجمي بقبقاب الشيخ بعد شهر تائباً.
و كذلك وقع للجيلاني أنه رمى بفردَتَيْ قبقابه إثر وضوئه مع صرختين عظيمتين، فلم تدرِ الفقراء ما الخبر، حتى قدمت قافلة بعد ثلاثة و عشرين يوماً فأخبروا أن عرباً نهبوا أموالهم و اقتسموها؛ وهم يَنْظُرُونَ، فنذروا للشيخ بشيء إنْ نجوا منهم، فسمعوا الصرختين، و جاءهم العرب بأموالهم، و أخبروهم أن فردتي القبقاب جاءتا إلى كبيريهم فقتلتاهما، فأخذوهما و هما مبلولتان و قدموا بهما.
و منها: ما ورد في فضل أويس القرني (رضي الله عنه و نفعنا به)، و كونه أفضل التابعين في بعض روايات "صحيح مسلم" مع ما في التابعين من العلماء الكبار الذين لا يحصون.
و منها: أن ابن عبد السلام صرَّح بتفضيل العارفين بالله تعالى، و من ثم لما سمع إملاء القطب أبي الحسن الشاذلي – رحمه الله تعالى – على "رسالة القشيري" صار يقول: اسمعوا إلى هذا الكلام العجيب الغريب القريب العهد بربه.
و منها: قول الأستاذ أبي القاسم الجنيد، نفع الله به: لو علمت تحت أديم السماء عِلْماً أشرَفَ من علمنا هذا لسعيتُ إليه و قصدته.
و قال الشهاب السهروردي: الإشارة في خبر "فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم" إلى هذا العلم الذي هو العلم بالله و قوة اليقين؛ دون علم نحو البيع و الطلاق و العتاق.
قال: قد يكون الإنسان عالماً بالله ذا يقين؛ و ليس عنده علم من فروض الكفايات.
و قد كانت الصحابة – رضي الله عنهم – أعلمَ من علماء التابعين بحقائق اليقين و دقائق المعرفة، مع أن مِن علماء التابعين مَن هو أقوم بعلم الفقه من بعض الصحابة.
قال: و العلماء الزاهدون بعد الأخذ مما لا بد منه؛ أقبلوا على الله و انقطعوا إليه، و خلصت أرواحهم إلى مقام القرب، و أفاضت على قلوبهم أنوار الهبات؛ تهيأت بها لإدراك العلوم الربانية و المعارف الإلهية، و الله تعالى أعلم. انتهى كلام ابن حجر.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] أي ينزل به. "مصباح" (هامش الأصل).
[2] مرق من الدين: إذا خرج منه. "مصباح". (هامش الأصل).
[3] أي لم يظهره. و باح بسرِّه: أظره، و بابه قال. "مختار". (هامش الأصل).
[4] و "الرشاحات": و يلزم أن يكون اعتقاد المريد في شيخه بأن جميع احواله ظاهرة لديه، غير خافية عليه، و إنما لا يظهر له بعض أحواله لعدم المصلحة في إظهاره، بل بجد المريد جواباً من غير وساطة القول و اللسان. و قال كيف يكون الشيخ شيخاً و هو مثلاً في الشرق، و له مريد في الغرب – و لا يكون له خبر عن جميع أحوال مريده؟! انتهى. فراجعه في 49، (منه؛ رحمه الله تعالى).
[5] أي: نعلان من خشب. "تفريج الخاطر". (هامش الأصل).
vBulletin® v3.8.1, Copyright ©2000-2012, Jelsoft Enterprises Ltd.