مشاهدة النسخة كاملة : كتاب "تنبيه السالكين إلى غرور المتشيخين" للشيخ حسن بن محمد حلمي القَحِيُّ النقشبندي
Mahdi ar-Rusi
19-04-2008, 07:48 PM
كتاب "تنبيه السالكين إلى غرور المتشيخين" للشيخ حسن بن محمد حلمي القَحِيُّ النقشبندي الشاذلي المجدِّدي الداغستاني رضي الله تعالى عنه
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الطبع
الحمد لله الذي لا تأخذه سنة و لا نوم و لا يخفى عليه شيء في الأرض و لا في السماء و هو الرحيم الغفور، أحمده تعالى أن سترنا في الدنيا و الآخرة و لم يحاسبنا بما في الصدور، و أشكره أن جعل وعده حقاً لئلا تغرنا الحياة الدنيا ولا يغرنا بالله الغرور.
و صلى الله و سلم على سيدنا محمد الذي بالصلاة عليه تنشرح الصدور و تتيسَّر الأمور و على آله و أصحابه و أتباعهم ممن سلك طريق الهداية و الرشاد و النور.
أما بعد؛ فإن هذا الكتاب المفيد الذي جمعه و ألفه العلامة الكبير و العارف بالله الشهير مرشد الطريقة النقشبندية الجليلة و المربي في نهج الطريقة الشاذلية النبيلة الشيخ حسن بن محمد حلمي القَحِيُّ النقشبندي الشاذلي المجدِّدي ذي التصانيف الوافرة المهذبة للنفوس بين يدي الآخرة جمعه ليكون تنبيهاً لإخوانه السالكين و تحذيراً للعُبُّاد المتشيخين و نصيحة لعموم المسلمين ليتبينوا أن طريق الصوفية قد كثر فيه الأدعياء و اختلط فيه الفاسدون بالأتقياء فلا بد من منهج طاهر و ميزان ظاهر يعرف به الأصيل من الدعي و يعرف من خلاله الكادر من الصفي ليحسن الطالب و المريد اختيار المرشد السديد و المربي العتيد و النصيحة في هذا المضمار، أحوج من الشمس و الأمطار، لأنه الدين الذي أمرنا بالبحث فيه عن الدليل و التحاشي عن كل مخادعة و تدجيل ...
و دونك أحد أفراده و المضيئين في أعداده الإمام الحبر الجليل الحجة الكبير عبد الله بن المبارك رضي الله عنه حيث يقول: فانظروا عمن تأخذون دينكم.
لما لم يكن بين أيديهم – كما للمحدثين – ضوابط و موازين للرجال و الأعمال فقد أصبح لزاماً أن يكتب مثل هذا الكتاب ليكون كشفاً للمدعين و تمحيصاً للمغترين بل قبل ذلك كله
"تنبيهاً للسابكين إلى غرور المتشيخين"
لهذا أُلِّف هذا الكتاب و جُمع – حسب المطالب و الأبواب و تكميلاً للمسيرة الناصحة و تبليغاً للأمانة الواضحة أقدمنا على طباعته و نشره وفاءً للمشرب الذي ينبغي تصفيته، و تنقية للمنهل الذي يطلب وروده.
فدونك أيها القارئ الكريم هذه التحفة الفريدة و الجامعة الخريدة لما وعيُك ظرفٌ له و فهمك ناضج به، راجياً أن لا تنساني من دعوة صالحة يؤمن لك عليها ملك مقرب من فم لم يُعصَ به الله و يدعو لك بمثلها. و الله يتولى هداك. و هو الهادي إلى سواء السبيل. و الحمد لله رب العالمين.
و صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين
دمشق الشام عبد الجليل العطا البكري
Mahdi ar-Rusi
19-04-2008, 07:49 PM
مقدمة التحقيق
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي يعلم السر و أخفى و لا يكشف ما في الصدور، يحاسبنا على ما ظهر منا دون أن يؤاخذنا بما نخفي من الشرور، و صلى الله على سيدنا محمد و عد الله الحق و منهاج الهدى و السرور، المبعوث للناس هداية و رحمة و تنبيهاً بالبشر و الحبور.
و بعد؛ فإن هذا الكتاب "تنبيه السالكين إلى غرور المتشيخين" الذي نطبعه اليوم و لأول مرَّة عن نسخة خطية مفردة قدم إلينا بها الأخ عبد الله نائب مفتي الداغستان بتكليف من المرشد الكبير فضيلة المربي الشهير مرشد الطريقة الشاذلية رئيس علماء الداغستان الشيخ أرسلان علي أفندي حفظه الله و رعاه ...
و لم يكن بين أيدينا خيار لمقابلة هذه النسخة أو ضبطها على نسخة أخرى فاستعنا بالله تعالى على إخراجه موشىً بما وجد على هامش هذه النسخة من هوامش نافعة أثبتناها في مكانها.
وهذه النسخة التي تمت كتابتها بخط مؤلفها في السابعَ عشر من شهر رجب سنة ثلاثين و ثلاث مئة و ألف للهجرة الشريفة و حظيت بتقريظات عديدة من شيوخ العصر آنذاك أثبتت في آخرها شغلت قرابة عشر صفحات ما بين نثر و نظم. انظر ص 432 فما بعد. تقع في ثلاث مئة و ثلاث عشرة صحيفة مشغولة بأبحاث غزيرة قد لا توجد مجموعة في غير هذا الكتاب و موزعة على تسعةٍ و عشرين باباً حسب فهرسة المؤلف (انظر ص 32) إضافة إلى كثير من المطالب النادرة و الأبحاث المهمة المتفرقة في ثناياه.
و بعد استعراض أبحاث هذا الكتاب و أبوابه و فصوله لا نبالغ إذا قلنا إنه كتاب تفرد بالكثير مما هو لائق به مما يعزُّ وجوده مجتمعاً في غيره كما يعز أكثر ألا يكون موجوداً بين أيدي الشيوخ و المريدين مما يجعل طبعه ونشره حاجة ملحَّة تتلخص في أنه أحد الجمهرات (الجمهرة: دائرة معارف "بلغة العصر") الضرورية التي لا بد من التصنيف في مضمارها فإذا بهذا الكتاب قد شدَّ هذه الهوَّة الفسيحة في موضوعه ومضماره.
و قد وزعت مادة الكتاب بين صفحاته المذكورة على أربع و عشرين سطراً في كل صحيفة، و في كل سطر خمسة عشر كلمة تقريبا.
و حرفه عادي (انظر نماذجه ص 11-12) و قياسه: 27-21سم.
هذا و لا أظن أنه فاتنا شيء مما هو ضروري فيما أراده المؤلف رحمه الله تعالى على أن وجود نسخة أخرى أدعى إلى التثبُّت و مزيد الطمأنينة، فإن هيَّأ ها الله تعالى يوماً ما عدنا إليه بمزيد من الضبط و المقابلة و التحقيق ...
سائلين المولى تعالى أن يكرمنا بما فيه رضاه، إنه أكرم مسؤول و خير مأمول و هو حسبنا و نعم الوكيل.
و صلى الله على سيدنا و نبينا محمد المبعوث رحمة للعالمين و هداية للخلق أجمعين و على آله و صحبه و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين و علينا و على آبائنا و ذرياتنا و محبينا أجمعين.
Mahdi ar-Rusi
19-04-2008, 07:49 PM
ترجمة المؤلف
بسم الله الرحمن الحيم
الحمد لله و صلى الله على سيدنا رسول الله و على آله و صحبه و من والاه.
و بعد؛ فمن دواعي أسفي أنه لم يقع بين يدي من ترجمة هذا المؤلف الفاضل إلا شذرات يسيرة لا تروى عليلاً و لا تشفى غليلاً. على أني أدَّخر إن شاء الله تعالى ترجمة وافية لتقديم كتابه "سراج السعادات في سِيَر السادات" المعد للتحقيق لمناسبة ظاهرة بينهما، فأسأل الله تعالى أن يحقِّق ذلك.
و الحق أنه كان أحد أعلام الطريقة على مر الدهور و الأزمان فهو: العالم الفاضل و المرشد المربي الكامل، نبراس عصره و سراج دهره الفقيه الشيخ حسن حلمي ابن العالم الحاج محمد القحي الهدلي النقشبندي الشاذلي القادري.
و قد وصفه الفاضل الجليل الشيخ حجيوب يونس الحسيني البقاجي بقوله: أخونا التقي النقي حسن القحي فخر العلماء العاملين، مرجع الفضلاء الشامخين، مربي المريدين، و مرشد السالكين، منبع المحاسن السنية خليفة السيد المختار في الطريقة المجددية الشاذلية.
و قد قال فيه أيضاً العلامة الكبير محمد بن جبريل الكراخي الأشمنخي: شيخنا و روح أجسادنا و حياة قلوبنا.
مصنفاته: بلغنا من مصنفاته ثلاثة حشر مصنفاً.
منها هذا الكتاب: تم تأليفه سنة ثلاثين و ثلاث مئة وألف.
و "البروج المشيدة بالنصوص المؤيدة" ألفه جواباً على أسئلة وجهت اليه من عالم برجي فاضل. طبع بتحقيقنا أيضاً.
و "تلخيص المعارف في ترغيب محمد عارف" جعله مسلكاً تربوياً و تسليكاً حقيقياً لولده القطب محمد عارف و من بعده لسائر أبناء الطريقة و هو أيضاً أحد الأسس المتينة لطريقة السادة النقشبندية و يعتبر من الضروريات في الإرشاد و التوجيه و التسليك. طبع بتحقيقنا أيضاً.
و له في التراجم "سراج السعادات في سِيَر السادات" تحت الطبع بتحقيقنا.
له: "المكتوبات".
"السفر الأسنى في الرابطة الحسنى".
"الدرة البيضاء".
"خلاصة الأدب".
"سير السلوك إلى ملك الملوك"
و له غير ذلك مما ينبغي الحرص على اقتنائه.
توفي رحمه الله تعالى سنة: ست و خمسين و ثلاث مئة و ألف من الهجرة الشريفة رحمه الله رحمة واسعة و إيانا و آبائنا و شيوخنا و ذرياتنا و المسلمين أجمعين.
Mahdi ar-Rusi
19-04-2008, 07:50 PM
بسم الله الرحمن ارحيم
الحمد الله الذي بيده مقاليد الأمور، و بقدرته مفاتيح الخيرات و السرور، مخرج أوليائه من الظلمات إلى النور، و مورد أعدائه وَرَكات الغرور، و الصلاة و السلام على محمد مخرج الخلائق من الديجور، و على آله و أصحابه الذين لم تغرّهم الحياة و لم يغرّهم بالله الغرور؛ صلاة تتوالى على ممرّ الدهور، و مكرّ الساعات و الشهور.
أمَّا بعد؛
فيقول الحقير حسن ابن العالم الحاج محمد القحيّ الهدلي النقشبندي الخالدي الشاذلي: لمَّا كان ابناء هذه الطريقة النقشبندية العلية و قعوا في هذه الديار الداغستانية غرباء بواسطة شيوع البدعة، فمن ذلك اخترع أبعاض أهالي هذه السلسلة بواسطة قصور نظرهم بدعات، و جذبوا قلوب الناس إلى جوانبهم بعلاقات ارتكاب تلك البدعات، و ظنوا هذا العمل منهم تكميلا لهذه الطريقة، حاشا و كلا! بل هؤلاء الجماعة يجتهدون في تخريب هذه الطريقة، و أكثرهم يجرّون مريدي الأغيار إلى جوانبهم بالأقوال المموّهات، و الحيل الباطلات، عياذاً بالله من هذه الغرورات، بل هم يسعون خصوصاً لجرّ الأغنياء لمجرّد غناهم (قَلِّب إلى آخر الباب الثالث لتعلم مايترقب على من يصحب الأغنياء) و لتكثير سواد مريديهم، ليشتهر بهم اسمهم بين الناس، و كثير منهم يزعمون بالمشيخة مع عدم سلوكهم في الطريقة من شيخ كامل، و ليس في أيديهم صكُّ الإجازة، بل ليس أشياخهم في دعواهم سالكين و مأذونين من شيخهم بيقين، لكنهم تصدّروا للإرشاد بأنفسهم، و اشتهروا على طبقات شتّى، و ادّعوا على أمور ليس لها لديهم فتوى، و تفرّقوا في البلاد ليأخذ كل صنف منهم فرقةً من العباد. فمنهم من يزعم أن روحانية الكامل أَذِنَ له في المنام.
و منهم من يقول إن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر واجب على كل أحدٍ و أنَّ ما يفعله من تلقين الأذكار و تعليم أمور الشرع جائز و لا مانع منه، و إن لم يكن منه بيده إذنٌ من المشايخ.
ومنهم من يقول: إن تلقين الذكر على قاعدة النقشبنديين للعوام حرام، و لا يجوِّز ذلك إلا لمن له نفس مطمئنة، و يلقِّن الذكر اللساني للعوام قائل إنه من الشريعة، و ذا من الطريقة.
و منهم من يلقِّن الذكر اللساني أيضا، و إذا أنكر عليه الطائفة النقشبندية يقول إنَّ تلقينه هذا لمجرد حصول الإستعداد، ولا يزعم على أصل الطريقة و على جواز تلقين الذكر القلبي.
و منهم من يزعم بأن في يده إذنٌ من السادات القادرية، مع أن شيخه في زعمه نقشبنديُّ يلقن طريقة النقشبندية.
و منهم من يرسل الأوراد إلى البعداء و يلقِّن الأذكار التي ليست في طريقته التي ينتسب إليها.
و سمع واحد منهم خبر موت شيخه فذهب إلى قريته للتعزية، فتفحص عن مأذونه فلم يوجد، لكن قيل له إنّا سمعنا أن في ناحيتكم مَنْ أذن له من طرفه و لم يعينوا، فظنّ هذا المسكين غفر الله له أن هذا الذي أذن له شخصه و نفسه، ثم شاور مع عالم من علماء ناحيته في حقِّه فمنعه ذلك العالم من ذلك، فلم يستمع قوله، فتصدّر لإرشاد الناس و لقَّن من الأذكار ما أراده، و اختاره على خلاف ما كان عليه شيخه النقشبندي.
و كان بعض منهم عالماً متبحّراً مشهوراً بأنه شيخ نقشبندي، لكن لم يمش على ما مشى عليه شيخه، و تبدّل الأذكار و غيّر قواعد الأوراد قائلاً إنه لا يستطيع أن يتوجَّه إلى كل مَن جاء لديه من المريدين كما هو شرط في الطريقة النقشبندية فلو منعهم رجعوا آيسين، و إن لقن لهم ذكر اللسان رجعوا طامعين مسرورين ظانّين أنهم مقبولون و صاروا بذلك مريدين، فيتركون المعاصي و يلازمون الأوامر(وقد جهل هذا البعض رحمه الله تعالى قول شيخ الطائفة خالد البغدادي "مَن غيّر أصول طريقتنا فليس منا"، و قول الإمام الرّباني "فإن لتقليد شيخ الطريقة ثمرات، و في الخلاء خطرات" وإلا فلا مجال لأحد أن يغيِّر الأصول كما هو معلوم فتدبّر).
و أوصى واحد من المشايخ رحمه الله تعالى حين موته لولد شيخه عصاهُ و عباءَهُ، ثم قيل إنه أذن له للتلقين و الإرشاد، و تلك الوصية أمارة على ذلك، و لم يكن هذا الولد المذكور وقتئذٍ داخلاً في الطريقة و لا عارفاً كيفيّة التلقين، فاهتمّ حينئذ و اغتمّ، ثم اعتزل عن الناس و راض نفسه و جوّع بطنه، و تهيّأ للإرشاد، ثم بعد زمان جاء واحد لديه ليطلب منه الورد فتحيّر و تردّد، و لم يدر ما يلقًّن و جهل ما يفعله، فسأل أخاً له في الدين أيّ شيء أعلِّمه و أي ورد ألازمه؟ فقال: قل له اذكر لا إله إلا الله كذا مرة، و استغفر الله كذا، و صلِّ على النبيّ عليه السلام كذا. و عوّل هذا المسكين – هداه الله تعالى إلى ما يرضاه – أمر تلقين التوبة إلى ذلك الأخ المذكور، و لقن لهذا الجائي شيئاً مما دلّه عليه، و ذهب هو إلى مكانه مسروراً، و بعد ذلك اشتهر مشيخته في النواحي، و التجأ إليه الأبعاض من أطرف النواحي، و اعتقدوا فيه و ظنّوا أنّ ليس على وجه الأرض شيخ مثله رحمه الله تعالى.
و بهذا الواقعة أخبرني من كان معه حين إعطاء العصا و العباءة إلى يده، و هو الذي شاوره في حقِّ التلقين و عوّل إليه أمر تعليم التوبة. انتهى، و لقَّن – رحمه الله تعالى – أوراداً و أسماءاً برأيه، فقال له واحدٌ: لقِّن الأذكار السلوكية على قاعدة النقشبنديين. فقال لا إذن لي في ذلك و لا رخصة، و لا يجوز أن أفعل ما لا رخصة لى! أحسنهم قولاً و إن كان في صنعه شيناً هداه الله إلى الحق. آمين.
Mahdi ar-Rusi
19-04-2008, 07:51 PM
و تصدّر آخر بلا إذن من الكمَّل و أظهر من نفسه صورة الكشف و الكرامة ليتوجَّه إليه وجوه الناس بالوقارة، و يعتقدوا فيه بالخصوصيَّة، مع أنه في الحقيقة لم يشمَّ رائحة من الخلوصية! حتى قال لي بعض من الثقات في هذا الزّمان: إنَّ زوجتَه كانت تخرج من البيت إذا جاء لديه مريد أو غيره فتمنعه من الدخول عليه فجأة قائلة: "إنه على ورده فيجب الإمهال إلى فراغه، ثم تقول له: ما اسمك؟ و من أيّ قريةٍ أنت؟ و هل أنت عالم أو جاهل؟!" فلما علمت منه ما هو مقصودها كانت تدخل إلى بيت في جانب حجرته و تخبره مطّلعة من الكوّة كل ما قال لها ذلك الجائي، و بعد ذلك كان يأذن للدخول و يقول له: مرحباً يا فلان من قرية فلانية، و يلاقيه بوجهٍ طلق، فيظنّ أنّ ذلك علم بكشفه، لأنه لم يعرف ما فعَلتْ زوجته! فصار ذلك الرجل يعتقده و يذكره في المحافل و المجامع.
و أسوأهم حالاً، و أغرّهم ناساً إنا لله و إنا إليه راجعون فما أعظم ما حل بهذه الأمة المحمديّة في هذه الديار الداغستانية بانتشار هذه البدعات و الاختراعات! فالعياذ بالله من أمثال هذه التمويهات و التلبيسات، و هي عين الكذب على الله، و لا يخفى عليه شيء في الأرض و لا في السماوات. قال تعالى: " فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا" الآية، و قال: "و يوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودَّة" الآية و في تفسير سلمي من هذه الآية قال يوسف بن حسين: أشدُّ الناس عذاباً يوما القيامة مَن ادّعى في الله ما لم يكن له ذلك، أو أظهر من أحواله ما هو خال عنها.
وورد: "من غشنا فليس منا" فبظهور هذه الدعوى من هؤلاء المتشبِّهين في هذه النواحي مع أن أكثرهم في العلوم متبحِّرون، و في العبادة مجتهدون، و على الرياضة مطيقون امتنع الصلحاء الأبرار من أخذ الطريق الحقِّ من السادات النقشبندية الأخيار، و انقطعوا على المنافع الحاصلة لمريديهم من طرد الغفلة من قلوبهم، و دوام الحضور مع مولاهم، ظانين أنّ ما أخذوه من هؤلاء المتشيخين هو عين الطريقة، و أن مَن أخذ من شيخ لا يجوز له الأخذ من آخر، مع أنه لم تحصل لهم النتيجة مما أخذوه منهم، و لو كانوا يذكرون الله ليلاً و نهاراً! و إذا كان الحال هكذا أردت أن اؤلف كتاباً يعين لإزالة هذه البدعات و المنكرات، ببيان نصوص أئمة الطرقات، ليكون نصيحة لمحدثي البدع في دين رب العالمين لكي لا يدوموا على منهاج الشيطان الغرّار، و يخرجوا عن طريق الأئمة الأخيار، ما لم يكونوا على ذلك الوصف في لوح الملك الجبار.
نظمت لؤلؤة بها الهداة لهم بالاقتباس من النصوص و الحج
إن حافظوا ضوأها قعر الصماخ فهم في رحبة ليس فيها الشوك و العوج
و داوموا نفعها بها العروج لهم إلى المقام العُلى من جُمَع النهج
فالفكر فيها لهم رَغَمٌ لأنوفهم لازمْ على خزنها إن كنت ذا عَلَج
و سميته:
"تنبيه السالكين إلى غرور المتشيخين"
و قصدت أن أنقل لإبطال أقوال و أفعال و مستنداتِ كلٍّ من أولئك المذكورين، و لإزالة البدعات و المنكرات عن أمثالهم المغرورين، مآخذ صريحة، و أقوالاً صحيحة، متفحِّصاً من كتب المعتمدين و أقوال المرشدين، لعل الله تعالى يرفع بها الإنكار عن قلوب المعاصرين، بحيث لا يقع بعدها الإشكال في ظنون الناظرين.
و قد أكثرت فيه النقول و النسخ لردِّ جميع ما ذكر من البدعات، نصحاً للعباد أهل الريبات، لأن كثرة القائلين يشعر كون المقول معتمداً، و كثرة النسخ تقوم مقام التواتر، فعلى الناظر أن ينظر إليه بعين الإنصاف، متجنّباً عن الاعتساف، و يعتبر المقول لا القائل، و المرجوّ من الله تعالى أن يحمله إذن أن يقول إنه زبدة نصوص الأئمة الأخيار، و حاصل محصول أقوال المجتهدين الأبرار، جعله الله سبحانه نافعاً للعباد، و هاديا للحقِّ بلا عناد، إنه الموفق للصواب، و إليه المرجع و المآب.
فان قيل قائل: إن مطالعة كتابنا هذا تكشف عورات الفقراء من أهل العصر، فهلا أسلبت ذيل الستر على إخوانك فإنه لا يدع أحداً يعتقد في أحد من مشايخ هذا العصر؟! فنقول له كما قال الشعراني في "تنبيه المغترين": إن جمهور العلماء و الصوفية من السلف قد سبقونا إلى التأليف في مثل ذلك، و بيَّنوا أخلاق الصالحين من الطالحين، و الصادقين من الكاذبين و المتفعلين، و لم يلتفتوا إلى كون ذلك يلزم منه كشف سوأة مَن كان بخلاف الصفة من أخلاق السلف الصالح. قال الله تعالى "و قل الحق من ربكم فمَن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر" فهو و إن لزم من بيان صفات الصالحين هتك أستار الكاذبين، فلا حرج عليهم في ذلك لقصدهم بالأصالة الخير للمسلمين، و معلوم أن الإثم تابع للقصد، نظير ما قاله العلماء في الجُنُبِ بقراءة القرآن لا بقصد القرآن أنه لا يأثم، لأنه لا يكون قرآناً إلاّ بالقصد.
و يؤيّد ذلك ما ذهب إليه جمهور علماء الأصول أنَّ لازم المذهب ليس بمذهب، و لعل القائل المصنف المتدبّر يعلم أن مقصودي من ذكر سوأة مشايخ العصر و إظهار ما ارتكبوا عليه إنما هو رفع همّة الإخوان إلى أرفع ممّا هم عليه من الحقِّ الذي كان عليه السلف الصالح، و إحياء الطريقة المندرسة، لا التشفِّي للنفس منهم! و لا طلب الرياسة و انتشار الصيت عليهم، حاشا ذلك و كلا! فالحمد لله رب العالمين.
و يجوز ذكر سوأة الغير لو ناط به فائدة دينيّة بقصد الاحتساب و إرادة النصيحة للمسلمين. كذا في "البريقة" في (282) من الجلد الثاني.
و قال الشعراني في "الأنوار القدسية في بيان آداب العبوديّة": و اعلم أنه لا بأس بتبيين بعض عيوب أهل الدعوى لينزجر مَن يريد أن يتبع طربقهم كغالب تلامذة هذا الزمان،لغلبة الهلاك فيمن ينسب إلى الطريق، مع أن أهل الطريق كلهم يلعنونه لتصنّعه. انتهى راجعهُ في (35).
و أرجو من الله تعالى أن يحشرني في زمرة المحبين لسُنَّت نبيّه و المحبّين له عليه الصلاة و السلام، فقد قال الشعراني في "لواقح الأنوار" في (94): إنه (ص) يحبّ مَن يبلِّغُ سنته التي اندرست إلى مَن يجهلها من أمته، و مَن أحبّه (ص) حشر معه لقوله (ص) "يحشر المرء مع مَن أحبّ" و من حشر مع النبي (ص) لا يلحقه في مواقف القيامة كربٌ. انتهى. ثم اعلم يا أخي أنه لا يصحُّ أن يسكت عن إظهار العلم إذا ظهر له مَن يخالف أصول الطريقة و أساسها، و يدُسُّ فيها شيئاً من البدع و الإختراع بنبذ ميزان الشريعة و الحقيقة وراء ظهره، لأن السكوت عنه مداهنته! و هي حرام. و لقد ورد في الخبر أن "الساكت عن الحق شيطان أخرس".
و ورد: "إذا لعن آخرُ هذه الأمة أوَّلََها فمَن كان عنده علم فليظهره، فإنَّ كاتم العلم يومئذ ككاتم ما أنزل الله على محمد". رواه جابر.
قال الخادمي في "البريقة": إن المداهنة في الشرع عدم تغيير المنكر مع القدرة عليه رعاية لجانب مرتكبه، أو لجانب غيره، أو لقلّة المبالاة بالدين. انتهى.
و في "المتممات" ما حاصله أنّ العمل على طريقة البدعة مبعّدة عن الجذبة، و لذا قبّحت البدعة و زاد قبحها على فعل المعصية. انتهى.
روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: "ما آتى الله عالماً علماً إلا أخذ عليه من الميثاق ما أخذ من النبيين، مَن عَلِم علماً فكتمه أُلجم يوم القيامة بلجام من النار". و قد قال تعالى: "و اتقوا فتنة لا تصيبنَّ الذين ظلموا منكم خاصّة" الآية.
و عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: إن الله لا يعذِّب العامَّة بعمل الخاصَّة، و لكن إذا ظهرت المعاصي فلم ينكروا فقد استحقَّ القوم جميعاً العقوبة.
و عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: "أوقلت يا رسول الله تخسف الأرض و فيها الصّالحون؟ قال: نعم! بإدهانهم و سكوتهم عن أهل المعاصي.
و عنه عليه السلام :أن ناساً من أمتي يحشرون من قبورهم على صورة القردة و الخنازير بما داهنوا و آكلوهم و شاربوهم و جالسوهم" انتهى من "الريقة" من الجزء الثاني في (212).
Mahdi ar-Rusi
19-04-2008, 07:51 PM
قال الإمام الرباني قدس سره: إن ترويج البدعة موجب لتخريب الدين، و تعظيم المبتدع باعث على تهدُّم الدين. انتهى من "الدرر المكنونات" في (34) من الجزء الثاني.
و فيه في الجزء الأول في (178) إن فساد صحبة المبتدع أزيد من فساد صحبة الكافر. انتهى.
وروى البيهقيّ في "شعب الإيمان" عن إبراهيم بن ميسرة: مَن وَقَّر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الأسلام. انتهى.
و أورد ابن حجر في "خاتمة الفتاوى" حديث" مَن أعرض عن صاحب بدعة بغضاً له في الله ملأ الله قلبه أمناً و إيماناً، و مَن انتهر صاحب بدعة أمّمنه الله يوم الفزع الأكبر، و مَن أهان صاحب بدعة رفعه الله تعالى في الجنة مائة درجة، و مَن سلَّم على صاحب بدعة أو لقيه بالبشر أو استقبله بما يسّره فقد استخفَّ بما أنزل الله على محمد (ص)" انتهى.
و قال فيه: إن البدعة الشرعية ضلالة. انتهى.
و قال ابن حجر في "الصواعق": قال (ص) "إذا ظهرت الفتن – أو قال البدع – و سبَّ أصحابي فعليه لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين، لا يقبل الله صرفاً و لا عدلاً". انتهى. و قال الإمام البركوي في "الطريقة المحمدية": إن البدعة في العبادة و إن كانت دون الاعتقاد لكنها منكر و ضلالة. انتهى مع تصرف، بل هي فوق سائر المعاصي. انتهى "بريقة".
و قال الإمام الرباني قدس سره: و لا أرى في فرد واحد من أفراد البدعة حسناً، و لا أحسُّ فيه شيئاً من الظلمة و الكدورة.
قال عليه و على آله الصلاة و السلام: "كل بدعة ضلالة" و أجد السلامة في هذه الغربة، و ضُعَفُ الإسلام منوطة بإتيان السُّنَّة، و الهلاك مربوطٌ بتحصيل البدعة أيَّة بعة كانت، و أرى البدعة كمعول يهدّ به الإسلام، و أجد السنة مثل كوكب مشرق يهتدي به في ديجور الضلالة، انتهى من "الدرر المكنونات" (34).
و إذا كان الأمر هكذا وجب علينا أن نتوجَّه بجميع الهمّة و تمام النهمة لترويج هذه الطريقة المندرسة في هذه الأوقات، رجاء أن ندخل في أثناء دائرة حديث "من أحيا سنة ميتة فله ثواب مائة شهيد" و من المعلوم أن التقرُّب إليه سبحانه إنما يكون بما شرع من الدين بواسطة الرسول عليه السلام، و اللازم على مَنْ انتسب إلى و ليٍّ من أولياء الله تعالى أن يتشبّه في أصول طريقته و فروعه المهمَّة، و أنّ مَن لم تتصل سلسلته إلى الحضرة النبويّة فإنه مقطوع الفيض، و لا يكون وارثاً لرسول الله عليه السلام، و لا تؤخذ عنه المبايعة و الإجازة، و أن الإسناد من الدين، و لولا الإسناد لقال مَن شاء ما شاء، و أن إسناد الحال كإسناد الأحكام، فعلى السالك أن يزن أعمال و أحوال و أقوال و تلقينات شيخه بميزان الشريعة و الطريقة، فإن وافقت بهما فذا، و إلا! فليفرّ منه فراره من الأسد، و ليطلب مَنْ يدلّه على الله متمسّكا بذلك الميزان. قال الله تعالى "فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله و رسوله إن كنتم تؤمنوان بالله" الآية و قال تعالى "و ما آتاكم الرسول فخذوه" الآية و لا حجّة لأحد مع قول رسول الله (ص) و إن كثروا، لا في قياس و لا في شيء، فإن الله تعالى لم يجعل لأحد معه كلاماً، و جعل قوله يقطع كل قول، و إذا ثبت عنه عليه السلام شيء لم يحلّ لنا تركه. كذا في "لواقح الأوار" في (120) راجعه.
فبناء على هذه المذكورات لم يبق لأحد وجهٌ ليترك الطريقة الصديقية المعنعنة السالمة الباقية إلى الآن على أصلها، من غير زيادة و لا نقصان مطروحة وراء ظهره، و يحدث طريقة جديدة برأيه و اختياره.
و قال عليه الصلاتان ما دامت النَيِّران تدوران "مَن استغنى برأيه ضل".
و روى الإمام مالك بلاغاً أن رسول الله (ص) قال"تركت فيكم أمرين لن تضلّوا ما تمسّكتم بهما: كتاب الله و سنَّة رسوله".
و روى الترمذيّ مرفوعاً "إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله ، و عترتي أهل بيتي" زاد في رواية "فأنظر كيف تخلفوني فيهما".
و في حديث أبي داود و غيره مرفوعا "فعليكم بسُنَّتي و سنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسّكوا بها و عضُّوا عليها بالنواجذ، و إياكم و محدثات الأمور! فإن كل محدثةٍ بدعة، و كل بدعة ضلالة".
و روى البخاري عن ابن مسعود أن رسول الله (ص) قال: "إنَّ أحسن الحديث كتاب الله، و أحسن الهدي هدي محمد (ص)، و شرّ الأمور محدثاتها".
و روى أبو داود مرفوعاً "مَن فارق الجماعة شبراً فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه". و قال الإمام الرباني (قدس سره و رزقنا نصيبا من فيوضاته و حظاً من معارفه آمين): إن إحداث شيء في الطريقة ليس هو عند الفقير بأقلّ من إحداث بدعة في الدين، و بركات الطريقة إنما تفاض و تعود على أهلها ما لم يحدث فيها محدث، فإذا حدث فيه مُحدَث ينسدّ طريق الفيوض و البركات، فحفظ الطريقة من المحدثات من أهمِّ المهمات، و الا جتناب عن مخالفة الطريقة من الضروريَّات، فكلُّ موضع رأيت فيه مخالفة الطريقة ينبغي زجره، و منعه بالمبالغة و الاجتهاد في ترويج الطريقة و تقويتها و السلام. انتهى من "الدرر المكنونات" النفيسة من صحيفة 281 من الجزء الأول.
و فيه آخر المكتوب السادس و الثمانين و المئتين في صحيفة 314: فكل طريق مخالفة النفس أكثر فهو أقرب الطرق و لا شكّ أن رعاية مخالفة النفس في طريقة النقشبندية أكثر منها في سائر الطرق، فإن هؤلاء الأكابر اختاروا العمل بالعزيمة، و الاجتناب عن الرخصة، و من المعلوم أن كلاً من اجتناب المحرّم و الفضول موجود في العزيمة و مرعي فيها، بخلاف الرخصة فإن فيها اجتناب المحرّم فقط.
فإن قيل: يمكن أن يكون المختار عند أرباب سائر الطرق أيضاً العزيمة!
قلت: إن في أكثر الطرق سماعاً و رقصاً، و قد يبلغ الأمر فيه حد الرخصة بعد تمحُّل كثير، و أين فيه المجال للعزيمة؟! و كذلك ذكر الجهر لا يتصوَّر فيه ما فوق الرخصة، و قد أحدث مشايخ الطرق أموراً محدثة في طرقهم لبعض نيّات صحيحة، نهاية التصحيح في تلك الأمور الحكم بالرخصة! بخلاف أكابر هذه السلسلة العلية فإنهم لا يجوّزون مقدار شعرة في مخالفة السنة، فتكون مخالفة النفس في هذا الطريق أتمّ، فيكون أقرب الطرق، فيكون اختيار هذه الطريق للطالب أولى و أنسب ، لأن الطريقة في نهاية الأقربيّة و المطب في كمال الرفعة.
و قد ترك جماعة من متأخري خلفائهم أوضاع هؤلاء الأكابر، و أحدثوا في هذا الطريق بعض الأمور، و اختاروا السماع و الرقص و الجهر في الذكر، و منشأ ذلك عدم الوصول إلى حقيقة نيّات أكابر هذه الطريقة العليّة، فخالوا أنهم يكمّلون و يتمّمون هذه الطريقة بهذه المحدثات و المبتدعات، و لم يدروا أنهم يسعون بهذا في تخريبها، و يجتهدون في إضاعتها، و الله يحقُّ الحقَّ و هو يهدي السبيل. انتهى.
و فيه في صحيفة 278 قبيل المكتوب السابع و الستين و المئتين: و اختيار الطريقة النقشبندية من بين سائر طرق الصوفية أولى و أنسب. لأن هؤلاء الأكابر قد التزموا متابعة السنة السَّنيَّة، واجتناب البدعة الشنيعة، و لهذا تراهم يفرحون و يستبشرون إذا كان فيهم دولة المتابعة، و إن لم يكن لهم شيء من الأحوال! و متى أحسّوا فتوراً في المتابعة مع وجود الأحوال لا يقبلون تلك الأحوال و لا يبغونها، و من هاهنا لم يجوّزوا الرقص و السماع، و لم يقبلوا الأحوال المترتبة عليه باتفاق منهم و إجماع، بل اعتقدوا ذكر الجهر بدعة و منعوا أصحابهم عنه، و لم يلتفتوا إلى ثمرات تترتّب عليه. كنت في مجلس الطعام مع حضرة شيخنا فقال الشيخ كمال – الذي هو من مخلصي حضرة شيخنا – بسم الله الرحمن الرحيم جهراً حين شرع في الأكل، فلم يناسب ذلك حضرة شيخنا، حتى قال بالزجر البليغ: امنعوه! لا يحضر مجلس طعامنا.
Mahdi ar-Rusi
19-04-2008, 07:54 PM
و سمعت حضرة شيخنا يقول: إن الخواجه النقشبندي – قدس سره – جمع علماء بخارا و جاء بهم إلى خانقاه شيخه الأمير كلال ليمنعوهم من ذكر الجهر، فقال العلماء للأمير: إن ذكر الجهر بدعة فلا تفعلوه. فقال في جوابهم: لا أفعل. فإذا صدر من أكابر هذه الطريقة مثل هذه المبالغة في المنع عن ذكر الجهر، فما تقول في السماع و الرقص، و الوجد و التواجد، و الأحوال و المواجيد التي تترتب على أسباب غير مشروعة؟! فهي من قبيل الاستدراجات عند الفقير، فإن الأحوال و الأذواق قد تحصل لأهل الاستدراج أيضاً. انتهى.
و فيه في صفحة 382 في آخر المتوب الثالث عشر و الثلاث مائة: إن النفي و الإثبات في هذا الطريق بالتخيّل لا دخل فيه للّسان و الحنك أصلا. انتهى.
و فيه في ذلك المكتوب: إن كلَّ ذكر يستعمل في هذا الطريق يستعمله المبتدؤن في هذا الطريق بالطريق بالقلب. انتهى.
و فيه في صحيفة 89 في المكتوب الرابع و الخمسين من الجزء الثاني في أثناء بيان درجات المتابعة: و هذا الطريق الآخر – بزعم الفقير- هو التزام السُّنيَّة على صاحبها الصلاة و السلام و التحية، و الاجتناب عن اسم البدعة و رسمها، و مَن لم يحترز عن البدعة الحسنة احترازه عن البدعة السيئة لا تصل إلى مشامِّ روحه رائحة من هذه الدولة. و هذا المعنى متعسِّر في هذا اليوم، فإن العالم مستغرق اليوم في لُجَّة بحر البدعة، و مطمئنٌّ بظلماتها لّمِنَ المُحال في التكلّم في رفع البدعة و إحياء السُّنة، أكثر علماء هذا الوقت يروّجون البدعة و يمحون السنة، و يفتون بجواز بدعات واسعة، باستحسانها بعلّة تعامل الخلق، يدلون الناس عليها، ليت شعري ماذا يقولون لو شاعت الضلالة و صار الباطل متعارفاً؟! تكون تعاملاً! أما يعلمون أنَّ كل تعامل ليس هو دليل الاستحسان، و التعامل المعتبر إنما هو ما جاء في الصدر الأول و حصل بإجماع جميع الناس. كما ذكر في "الفتاوى الغياثية".
قال شيخ الإسلام الشهير رحمه الله سبحانه: لا يأخذ باستحسان مشايخ بلخ، و إنما نأخذ بقول أصحابنا المتقدمين رحمهم الله سبحانه، لأن التعامل في بلدة لا يدل على الجواز، و إنما يدل على الجواز ما يكون على الاستمرار من الصدر الأول، ليكون دليلا على تقرير النبي عليه الصلاة و السلام إياهم على ذلك، فيكون شرعاً له عليه الصلاة و السلام، و أما إذا لم يكن كذلك! لا يكون فعلهم حجة إلاّ إذا كان ذلك من الناس كافة في البلدان كلها ليكون إجماعاً، و الإجماع حجة. ألا ترى أنه لو تعاملوا على بيع الخمر و على الرّبا لا يفتى بالحلّ؟! و لا شكَّ أن العلم بتعامل كافة الأنام و الوقوف على عمل جميع القرى خارج عن حيطة قوّة البشر، بقي تعامل الصدر الأول الذي هو في الحقيقة تقريره (ص) و راجع إلى سنّته فأين البدعة و أين حسنها؟!
وكانت صحبة خير البشر – عليه الصلاة و السلام – كافية في حصول جميع الكمالات للأصحاب الكرام عليهم الرضوان، و كل مَنْ تشرَّف من علماء السلف بدولة الرسوخ بدون اختيار طريق الصوفية و بلا قطع مسافة بالسلوك و الجذبة كان ذلك بواسطة التزام متابعة السُّنة السنية – على صاحبها الصّلاة و السلام و التحية – و الاجتناب عن بدعة غير مرضية. اللهم ثبتنا على متابعة السنة، و جنبنا عن ارتكاب البدعة بحرمة صاحب السنة عليه و على آله الصلاة و السلام، انتهى.
و فيه أيضا في صحيفة (95) الجزء الثاني في المكتوب الخامس و الخمسين: إنَّ المعتبر في إثبات الأحكام الشرعية هو الكتاب و السنة، و قياس المجتهدين و إجماع الأمّة أيضا مثبتان للأحكام، و بعد هذه الأدلّة الأربعة الشرقية لا يكون شيء من الدليل مثبتاً للأحكام أصلاً، لا يكون الإلهام مثبتاً للحلّ و الحرمة، و لا كشف أرباب الباطن للفرض و السنة.
و أرباب الولاية الخاصة مساوية لعامة المؤمنين في تقليد المجتهدين، لا يوجبهم الكشوف و الإلهامات مزيّة على غيرهم في ذلك، و لا يخرجهم عن ربقة التقليد فيما هنالك، و ذو النون و البسطامي و الجنيد و الشبلي مساوون لزيدٍ و عَمْرٍ و بكر و خالد الذين هم من عوام المؤمنين في تقليد المجتهدين في الأحكام الاجتهادية، نعم! إن مزيّة هؤلاء الأكابر في أمورٍ أخرى. انتهى.
فعُلم من هذه المذكورات التي قرّرها الإمام الربّاني و الغوث الصمداني مجدّد الألف الثاني – قدس سره – في مكاتيبه عدمُ جواز إحداث بدعة مّا في الطريقة، كما لا يجوز في الدين، و عدم جواز اتخاذ تعامل الخلق في البدع – و لو كان على طول زمان – دليلاً، و إنما التعامل المعتبر ما جاء من الصدر الأول و حصل بإجماع، و كذا المعتبر في إثبات الاحكام إنما هو الكتاب و السنة و القياس و الإجماع، و ليس بعدها شيء مّا يثبت الأحكام أصلاً لا الكشف و لا الإلهام. فردّ بها قول مَن يقول من متشيخي ديارنا (إن مشايخه غيّروا اصطلاح النقشبندية) و لذا أثبت الأذكار الجهريّة فيها و الصياحات.
و قد قال الشيخ العارف بالله سيف الله الحسيني النقشبنديّ – قدس سره من الالتفات إلى ما سواه تعالى - : إنَّ واحداً منهم قال في محضره: إن السفهاء لعنهم الله يقولون إن الذكر في الطريقة النقشبندية سرِّيّ و ذلك منهم كذب! بل الذكر فيها جهريّ. اه من خطّه. فانظر إلى قوله بلعنهِ على الناس بهذا الكلام المفترى!! و لا يخفى أن قائل هذا الكلام هو المعرض عن هذه الطريقة على التحقيق، فينبغي أن يعلم أن المعرض عنها على خطر من الدين، لقول إمام الطائفة و سيّد الصّوفية الشاه النقشبندي قدس سره: المعرض عن طريقتنا على خطر من دينه.
Mahdi ar-Rusi
19-04-2008, 07:55 PM
و قد حدثت أمثال هذه الأقوال في ديارنا الداغستانية من الذين يزعمون أنهم مأذونون من طرف الشيخ عبد الرحمن الثغري قدس سره و رزقنا فيضه و بركته، مع أنهم على التحقيق ليسوا بمأذونين منه قدس سره، بل هم انتحلوا و تصدّروا بأنفسهم، و افتروا عليه و غيّروا طريقة مشايخه القائمين على جادة الاستقامة فيها.
و معلوم أن الشاه النقشبندي بهاء الدين البخاري الأويسيّ – قدس سره – و مَن بعده من أكابر هذه الطريقة إلى يومنا هذا أعرف بالله و بالطريق من هؤلاء بيقين، فما بالهم لا يمتثولنهم! بل يغيّرون أصولهم و أوضاعهم!! فوالله إنهم حقيق على الطّرد و الإبعاد! فكيف يعدّون أنفسهم من جملة مشايخ الطريقة السنيّة؟!
و قد قال الغوث الأعظم خالد البغدادي (قدس سره): من غيّر أصول طريقتنا ليس منّا.
و قال الإمام الربَّاني: إن إنكار هذه الطائفة سمّ قاتل، و الاعتراض على أفعال هؤلاء الأكابر و أقوالهم سمّ الأفعلى يؤدي إلى الموت الأبدي، و يفضي إلى الهلاك السرمدي. من "الدرر المكنونات" (382) من الحزء الأول.
و حيث إن أهل هذه السلسلة العلية عزيز الوجود في هذه الديار، بل صارت تلك الطريقة النقشبندية السالمة من الكدورات البقية على أصلها بلا زيادة و لا نقصان كأنها لم تكن في أكثر بلاد هذا الداغستان، و ذا لتطاول الأزمنة من فقدان مَن يشيّدها، ينبغي لمريدي هذه السلسلة و محبّيهم إمداد هؤلاء الأكابر و طلبة هذه الطريق إعانتهم، فإن الإنسان مدنيُّ بالطبع، مجبول على التمدُّن، محتاج في تعيّشه إلى بني نوعه. قال الله تعالى: "يا أيها النبي حسبك الله و من اتبعك من المؤ منين" فإذا كان في كفاية خير البشر – عليه الصلوات و التسليمات – دخلٌ للمؤمنين فما المضايقة على الآخرين. جعلنا الله سبحانه من الممدّين و المعينين لإحياء هذه الطريقة العلية، و خلّصنا و المنكرين من ورطة الدعوى و الشكوى، و لا حول و لا قوت إلا بالله العلي العظيم و هو حسبنا و نعم الوكيل.
و لقد أخبرني بعض العلماء العارفين أنه لقي واحداً يتشيّخ باسم الطريقة النقشبندية بدعوى باطل، فقال: إن ذكر القلب لم يحصل مع أني في الرياضات و المجاهدات من منذ سبع سنين في حجرتي! فكيف يحصل ذلك لأحد غيري؟! اه.
و قال بعضٌ آخر من العلماء: إنه قال إن شيخه قال: إن الشيخ الحاج عبد الرحمن العسلي – قدس سره – لم يصل إلى درجة نفوذ الذكر في قلبه، فكيف يصل إلى درجة الإرشاد؟! اه.
فأقول: لو قام هذا الرجل غفر الله ذنبه قبالة الشيخ المذكور العسلي – قدس سره – ليتوجّه إليه مرة واحدة و ترك الرياضة الشاقة في تلك السنين العديدة لعلم حياة قلبه، بل يرتعش بالذكر ارتعاشاً عجيباً، فإنه – قدس سره - توجه إلى هذا الفقير مع عدم الاستعداد أول يوم وصل لديه بتوجُّهٍ واحدٍ فصار القلب حيًّا يتحرك بحركات لا يثق بها غير من ذاقه و رآه.
و له – قدس سره – مريدون كثيرون وصلوا إلى مرتبة الولاية الذين ربّاهم من الابتداء بتلقين الذكر على جميع اللطائف، الأمرية، و النفي و الإثبات، و المراقبات.
و قد كان هو أتمَّ الطريقة النقشبندية بالسلوك إلى أن يصل إلى الانتهاء، و لا أدري شيئاً أعجب من نسبة هذا القائل إليه – قدس سره – عدم نفوذ الذكر في قلبه! مع كونه قطب الإرشاد على التحقيق في هذا الإقليم! و من تصدّره هو للإرشاد و التلقين مع اعترافه أنه لم يصل إلى مرتبة ذكر القلب و لا يدري ما هي؟! فهذان القولان من هذا البعض – هداه الله إلى سواء الصراط – ناشئان من عدم إدراك حقيقة معاملة أكابر السادات النقشبندية، بل هما منبئان من عدم خروجه من دائرة الجهل المركب إلى حيطان العلم المفصّل.
فها أنا أفصّل لك كيفيّة معاملة النقشبندية.
مبحث مهم في طريق النقشبندية
قال الإمام الرباني قدس سره: إن هذا الطريق الذي نحن في صدده قطعه كلّه سبعة أقدام بعدد اللطائف السبع الإنسانية، قدمان منها في عالم الخلق يتعلَّقان بالقالب – أعني البدن العنصري و النفس - ، و خمسة منها في عالم الأمر مربوطة بالقلب و الروح و السر و الخفيّ و الأخفى، و في كل قدم من هذه الأقدام السبعة ترتفع عشرة آلاف حجاب نورانية كانت تلك الحجب أو ظلمانية! "إن لله سبعين ألف حجاب من نور و ظلمة" ففي القدم الأولى التي توضع في عالم الأمر يظهر التجلِّي الأفعالي، و في الثانية التجلي الصفاتي، و يقع الشروع في التجليات الذاتية في الثالثة، ثم، و ثم على تفاوت درجاتها كما لا يخفى على أربابها، و في كل خطوة من الخطوات السبع يبعد السالك عن نفسه و يقرب من ربِّه سبحانه، حتى يتم القرب بتمام هذه الأقدام، فحينئذ يتشرَّف بالفناء و البقاء، و يبلغ درجة الولاية الخاصّة. و اختار مشايخ النقشبندية العلية قدس الله أسرارهم السنية ابتداء السير من عالم الأمر، و هم يقطعون مسافة عالم الخلق أيضاً في ضمن هذا السير، بخلاف مشايخ سلاسل آخر قدس الله أسرارهم، و لهذا كان طريق النقشبندية أقرب الطرق، فلا جرم صارت نهاية غيرهم مندرجة في بدايتهم، "يدل على حسن الزمان ربيعه".
و طريق هؤلاء الأكابر هو بعينه طريق الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، فإنّ ما حصل للاصحاب في أول صحبة خير البشر – عليه و على آله الصلاة و السلام – بطريق اندراج النهاية في البداية قلّما يحصل لكُمَّل الأولياء في النهاية و لهذا كان الوحشيّ قاتل حمزة – رضي الله عنه – أفضل من أويس القرني الذي هو خير التابعين لنيله صحبة النبي (ص) مرّة واحدة.
سئل عبد الله بن المبارك: أيهما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟
فقال: و الله للغبار الذي دخل أنف فرس معاوية مع رسول الله (ص) خير من عمر بن عبد العزيز كذا مرة.
فينبغي أن يتأمل في أنه إذا كان بداية جماعة بحيث اندرجت فيها نهاية غيرهم ماذا تكون نهايتهم؟ و كيف يسعها إدراك الآخرين؟! "و ما يعلم جنود ربك إلا هو". انتهى من "الدرر المكنونات" (70) من الجزء الاول في المكتوب الثامن و الخمسين.
و فيه أيضاً في (304) في المكتوب الحادي و الثمانين و المائتين: إن الخطوة الواحدة في هذه الطريق أفضل من سبع خطوات في طريق آخر. اه. و في "الحديقة النديّة" في 11 من هامش " أصفى الموارد": إن التزكية – يعني تزكية النفس- باستعمال الخدمات و الرياضات الشاقات التي تنكسر بها النفس مقدمة على التصفية – يعني تصفية القلب مما سوى الله – عند أكثر المشايخ، بخلاف النقشبندية! فإن طريقهم على العكس قالوا بعدما يتوجَّه الإنسان إلى التصفية، و التوجهِ الحقِ بالصدق يحصل له من التزكية بإمداد جذبة من جذبات الرحمن في ساعة ما لا يحصل لغيره من الرياضات و السياسات في سنين، بناء على تقديم الجذبة عندهم على السلوك، فإن سلوكهم مستدير لا مستطيل، و إنّ أول قدمهم في الحيرة و الفناء.
كما قال بهاء الدين النقشبند (قدس سره): بدايتنا نهاية الطرق الأخر.
و قال أيضاً: معرفة الحق حرام على بهاء الدين لو لم تكن بدايتُه نهايةَ أبي يزيد البسطامي.
و فيه أيضاً: إن صحبة الحق تعالى بالقلب إذا تحقق لا تنافي خلوتك و لا جلوتك، بل تكون مع الناس في الظاهر، و قلبك مع مولاك بصحبته ظافر، و هذا هو مبني الطريقة النقشبندية – رضي الله عنهم في ابتدائهم و انتهائهم، خلوتهم في جلوتهم، يتم سلوك السالك منهم وهو مع الناس يعتزلهم بقلبه و يجالسهم بجسمه[1] "رجال لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر الله"، "ذلك فضل الله يؤتيه مَنْ يشاء" انتهى.
فهذه هذه، من تمسّك بمضمونها فقد تمسّك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، و من خالفها و أنكرها فسوف يردَى في الهاوية بحيث لا رجاء للخلاص منها، عياذاً بالله من مخالفة الله و رسوله و أوليائه آمين.
لأجل وجدان البدعة في هذه الطريقة النقشبندية في هذه الديار الجبلية – كما بيّنت لك أصنافاً من المرتكبين بها – قد صارت كأنها سُنَّة، و صارت أصولها الموافقة بالسُّنَّة كأنها بدعة، لتطاول زمن العمل بالبدع و فقدان مَن يظهرها من العلماء، و لا شكَّ أن هذا زمان قرب القيامة بدليل حديث "لا تقوم الساعة حتى تصير السنة بدعة" فإذا تُرِكَتْ يقول الناس تركت السنة بسبب إحداث أبعاض أهالي سلسلة هذه الطريقة من عند أنفسهم بوهميّاتهم الفاسدة مخترعات، ظانِّين أنهم على النهج القويم و الطريق المستقيم، بسبب تخيُّلهم الهوى و الشيطان أنهم الأئمّة العظام. و أّزِمَّة الإسلام، مع أنَّ أمرهم معكوس لدى ذوي العلم و العرفان من الأنام، و قصور نظرهم في نصوص أئمة الطرق باستنادهم على ماهيات الأوهام و سواقط الأعذار، و لعدم مَنْ ينبِّههم على نقصهم و لو واحداً من العلماء الأخيار، ألجأتني الغيرة الإلهيّة إلى تأليف هذا الكتاب، مع علمي عدم أهليّتي لذلك رجاء أن يكون عوناً بجانب أكابر الطريقة، و سبباً لإحياء السنة السنية.
--------------------------------------------------------------------------------
[1]
و قد ذكر صاحب "الحدائق الوردية" في ترجمة بهاء الدين النقشبندي – قدس سره – أنه قال له ملك من الملوك و أنكر: هل في طريقتكم ذكر الجهر و الخلوة و السماع؟ قال: لا؟ قال: فماذا طريقكم: قال: هو كما قال سيّدنا الشيخ عبد الخالق الغجدواني (قدس الله سره العزيز): الخلوة في الجلوة. قال: ما معناه؟ قال: هو أن يكون العبد في الظاهر مع الخلق، و في الباطن مع الحق.
و أنشد بالفارسية بيتاً عرّ به في "المناقب" فقال:
ففي باطن كن صاحباً غير غافل و في ظاهر خالط كبعض الاجانب
قال الملك: أو يمكن هذا؟ قال: نعم فإن الله تعالى يقول :"رجال لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر الله". انتهى فراجعه في 136.
Mahdi ar-Rusi
19-04-2008, 07:56 PM
و قد قال الإما الربَّاني في بعض مكاتبه: لا بدَّ من ملاحظة جانب الأكابر فإنها ضروريّة، فإن تتكلَّموا في محدثات المدَِّعين و مخترعاتهم فله مساغ. انتهى.
و ما تكلَّمت في حق مَنْ ذكرتهم في هذا الكتاب طعناً في ولايتهم، فكيف و قد قال تعالى: "أوليائي تحت قَبائي لا يعرفهم غيري"؟! فأعاذنا الله من ذلك، بل نعتقد في جميعهم أنهم أولياء أبرار، و صلحاء أخيار، و لكن الولاية لا تورث العصمة، و هي من خصائص النبوَّة لا من خصائص الولاية! و قد يخطأ الوليُّ و الصالح، فالواجب على مَنْ اطّلع على خطأ أخيه المسلم أن ينبِّهه على خطئه، و يقيمه عن عوجه، كما هو المرجو من كل أحد في حقِّنا.
و إنما مرادي من ذكر أصناف المشيخين إعلامُ أهل الله أنهم ليسوا من أهل التربية و الإرشاد، و إن جاز أن يكونوا من المجاذيب الذين يُعتَقدون و لا يؤخذ عنهم! و لم أقل في حقهم قولا ما سبّاً لهم و عتاباً، بل إنما ذكرتهم تنبيهاً و تحذيراً لهم و لمن تبعهم، و من هذه الحيثيّة يجوز ذكر أوصاف الناس فلا يصدق عليه تعريف الغيبة، بل قد يجب ذلك على كل أحد إذا تطرَّق الخلل في ظاهر الشرع، فإذا رأينا في واحد شيئاً يخالف ميزان الشريعة يجوز لنا أن ننكره و نردَّه؛ نصرة للشريعة الغراء، فإن كان صاحبَ حال صحيح و ردّدناه فما علينا من ردّه بحكم الشرع، كذا في "شرح تائية السلوك". و يدلّ عليه إنكار موسى على الخضر – عليهما السلام – فيما فعله شريعته في الظاهر. في (542) من الجلد الأول.
و في "المنن الكبرى" ما حاصله: يجب الردّ على مَن خالف كلامه صريح السنة المحمدية أو قواعد علمائها. اه.
و نقل الشيخ محيي الدين العربي في " الفتوحات المكيّة" إجماع المحققين على أن من شرط الكامل أن لا يكون عنده شطح عن ظاهر الشريعة. انتهى. (منه) (242) و لا أقول قطُّ في حق المشايخ الصّادقين شيئاً مَّا فيه رائحة ترك أدبهم تعصّبا بشيخي أو تفاخراً به، بل أنا أقبّل التراب من تحت أقدامهم، و لا أميّز بين أولياء الله، بيد أنه لما كان لتقديم تفريد الشيخ حقّ على المريد، بل كان الأمر كله مبنياً على إعتقاده فيه! مال الأمر إلى تصديق ما يفعله شيخي و تكثير ما يقوله، و لو وجدنا و لو واحداً قام على نهج الاستقامة في تلك الطريقة النقشبندية غيره فنحن في إعانته قائمون، و على تصديقه مائلون، و الله يهدي من يشاء، و هو يتولّى الصالحين. جعلنا الله و جميع من ذكرناهم من الدين فنوا فبقوا، و نظروا فتحققوا، و اجتهدوا فغابوا في الوجود، و نالوا بالشهود. آمين يا مجيب السائلين و يا أرحم الراحمين.
و بالنظر إلى شطحات أهل هذا العصر و اختراعاتهم سنح أن أُرتِّب هذا الكتاب على أبواب، مبيّناً فيها خراقات أهل القصور، و خزعبلات أهل الفتور، مع ردّ ما يفعلونه بمجرَّد الرأي و الظنون، بسيوف الدلائل و النصوص، و قد أوضحت فيها كيفية الطريقة النقشبندية و مبناها، و بسطت فيها كلاً ما يشعر مطابقتها على الكتاب و السُّنَّة و تلك منتهاها، و عدم كون شيء من أصولها و فروعها يخالف قواعد أهل الإرشاد من الأئمة و ما اصطلحوا عليها، و أوقعت في أثناء الأبواب أموراً غامضة و مهماتٍ نفيسةً لا بدَّ لسالكي طريق الله من التطلع إليها و التمسك بمضمونها، فصار مجموع الأبواب تسعاً و عشرين:
ألباب الأول: في بيان عدم جواز التصدّر للإرشاد لمن ليس لهم إذن صريح من الشيخ الكامل، و وجوب الاعتراض على حاله.
الباب الثاني: في عدم جواز كون المجذوب شيخاً مرشداً.
الباب الثالث: في بيان إقامة الناقص على مقام الإرشاد لو أذن له الكامل.
الباب الرابع: في بيان أن مقام الأخذ عن النبي عليه السلام مقامٌ عزيزٌ قلّ مَن يقع له في هذا الزمان الفاسد.
الباب الخامس: في بيان كيفية الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و عدم جواز القيام بأمر التلقين بقول إنه آمر بالمعروف.
الباب السادس: في بيان بطلان دعوى مَن يدّعي أن تلقين أذكار السلوك للعوام حرام للشيخ النقشبندي. و هو بابٌ جامع للمطالب التي أكثر الخلق عنها غافلون.
الباب السابع: في ردّ دعوة مًَن يقول لا يجوز للشيخ النقشبندي تلقين الذكر إلا لمريد له نفس مطمئنة، فهذا الباب و إن كان مآله داخلا في الباب السابق! لكن جعلته باباً على حدة نظراً إلى انفراد مَنْ يزعم بخصوص التلقين بمن له نفس مطمئنة.
الباب الثامن: في بيان جواز تلقين الذكر للتبرّك و الانتساب لا للسّلوك و التّربية، و هذا و إن كان مفهوماً مما ذكر في الباب السادس! جعلته باباً منفرداً ليتطرَّق إليه ردّ من يزعم أن تلقين ذكر التبرّك يجوز لعالم أو صالح أو وليّ و إن كانوا غير مأذونين من المشايخ.
الباب التاسع: في بيان فوائد الانتساب إلى النسبة العلية و لو كان للتبرّك و التشبّه.
الباب العاشر: في بيان كيفية تلقين الأذكار على قاعدة القادريين.
الباب الحادي عشر: في بيان جواز انقطاع المريد عن شيخ و دخوله في عهد شيخ آخر حين غاب الشيخ الأول أو مات أو كان حيّاً و حاضراً و فيه من المطالب ما ينبغي أن يقف عليها كل من له اهتمام بالدين.
الباب الثاني عشر: في بيان أن الطريقة النقشبندية سالمة من البدع باقية على أصلها و أنها أقرب الطرق و أسهلها و أفضلها و فيه فَصْلٌ في بيان خصائصها و لطائفها و محاسنها و فيه أمور نفيسة لا بد للسالك من الاغتراف مما فيها و الاكتراع من شراب زلالها.
Mahdi ar-Rusi
19-04-2008, 07:57 PM
الباب الثالث عشر: في بيان أفضلية الذكر الخفي على الذكر الجهري و أفضلية الأعمال الباطنة على الأعمال الظاهرة و فيه من المهمّات ما ينحلّ به الإشكال عن قلوب علماء الظاهر فعليهم الاحتظاظ من غنائم ما فيه.
الباب الرابع عشر: في بيان فضيلة لفظة الجلالة و خواصه و بيان الاختلافات في أن الذكر القلبي هل يثاب عليه أم لا؟ و هو باب طويل فيه عدّة منافع ينبغي التّفطّن لها و العلم بها.
الباب الخامس عشر: في بيان عدم جواز الإرشاد في بلدة مثلاً إلاّ للشيخ السابق فهذا الباب ممّا غفل عنه أكثر الخلق في هذا العصر فلا بد لكل ناظر إلى هذا الكتاب أن يطَّلع عليه و يوزن أحوال متشيخة ديارنا بميزان ما فيه.
الباب السادس عشر: في بيان أنّ أخذ الطريقة و الذكر من المتشيّخ الغير المأذون يضرّ للآخذ و المأخوذ منه كليهما.
الباب السابع عشر: في بيان جواز الذكر بلا انتساب إلى شيخ مرشد و بيان أن شرط الذكر النافع أخذه من أهله.
الباب الثامن عشر: في ذكر المواعيد الواردة من السلف لمن جلس في مقام المشيخة بالدعوى و في بيان من يصلح للإرشاد و من لا.
الباب التاسع عشر: في بيان سبب اعتقاد الناس في المتشيّخ الناقص و عدم اعتقادهم في الشيخ الكامل و في بيان أن الأمور كلها تابعة للاعتقاد لا للمشايخ! و لو كانوا من أقرب المقربين.
الباب العشرون: في بيان غرور الشيطان في إظهار التواجد من حيث يظن الناس أنهم على شيء.
الباب الحادي و العشرون: في بيان قاعدة التلقين و كيفية أخذ الذكر.
الباب الثاني و العشرون: في بيان أن الكرامة ليست بشرط في كون الإنسان وليّاً مرشداً و في بيان أن ظهورها محلّ الفتنة و الانقطاع عياذاً بالله.
الباب الثالث و العشرون: في بيان ردّ دعوى من يقول لا يجوز اتخاذ الشيخ و أخذ الطريقة منه. و يطعن على المريدين و يستهزئ بهم. و في هذا الباب
أشياء نافعة لا غنى عنها لكل من له اهتمام في الدين.
الباب الرابع و العشرون: في وجوب ملازمة المريد على ما أمر به شيخه من الذكر.
الباب الخامس و العشرون: في بيان من يجوز أن يرابط به و من لا.
الباب السادس و العشرون: في بيان عدم جواز كون الجاهل داعياً إلى الله و بيان بعض أوصاف الشيخ المرشد.
الباب السابع و العشرون: في مسائل متفرقة متعلقة بأحوال المتشيّخة من عدم جواز طلب الحظوظات بشيء من أعمال الآخرة و وجوب كون الدعوة خالصة لوجه الله.
الباب الثامن و العشرون: في ذكر الطرائف المجتمعة في هذه الطريقة النقشبنديّة و فيه من الأمور المهمّة ما لا بدّ للسّالك الحقيقي من المراجعة إليها.
الباب التاسع و العشرون: في بيان كون ما يفعله النقشبنديون في طريقتهم من الآداب و غيرها موافقا بالأدلّة من الكتاب و السنّة أو آثار السلف من أهل السنة و الجماعة.
فوفق ما مر في الفهرسة من الترتيب أقول في التفصيل، و الله ولي التوفيق:
الباب الأول
في بيان عدم جواز التصدّر للإرشاد لمن ليس له إجازة صحيحة و إذن صريح من طرف الشيخ الكامل و في بيان وجوب الإعتراض على حاله
قد كتب واحدٌ من العلماء العارفين – رزقه الله التوفيق و الاستقامة و نفع الله تعالى به العباد إنه وليّ الهداية – حين ظهر له في واحدٍ كونه من أهل الدعوى ما حاصله: إني اجتمعت بهذا الرجل و سألته عن أشياء فلم يعلمها بل أجاب بأكاذيب مختلفة يناقض بعضها بعضاً و قال: إنه شيطان الدين و إنه خليفة مسيلمة الكذاب و كل ما يقوله من قبيل الخرافات و الخزعبلات. و قد هممت مرة أن أكتم أمره لولا تذكرت حديث رسول الله (ص) الذي مضمونه: "أنه ستظهر أهواء و بدع فعلى العالم الذي سكت عن إنكارها لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين". فأظهرت إنكاره على رؤوس الأشهاد لأخرج عن عهدة السكوت على البدعة والضلالة فالواجب أولاً استتابته فإن أصرّ على ما ادّعاه و لم يتب عن أساطيره المخالفة أكثرها للشرع فيجب تقديم قتله على الوثنيّ و المجوسيّ، إذ ضرره للدين أعظم من ضررهما. انتهى في اختصار.
و كتب أيضاً لرد قول من يصدّقه أنه بَوٌّ لا عقل له و هو والحمار في المعرفة سواء فلا عبرة بقوله، فلعنة الله على الكاذبين. انتهى.
و قد كان الحقير – مؤلف هذا الكتاب- ثقل عليه هذا الكلام أوّلاً من هذا العالم المذكور لكنه وجد كلامه حقاً صادقاً و قبوله واجباً مطابقاً للنقل، لما أن أكثر الفتنة في هذه الديار من جهة أهل الدعوى و من أقوالهم و هم قطاع طريق الله، و نوّاب الدّجّال أخلى الله البلاد عن أمثالهم. آمين.
و قد نقل ابن حجر في "الفتاوى الحديثية" (راجع في 27) عن الغزالي قال: و قد قال الغزالي رحمه الله تعالى في نحو هؤلاء الفرقة: إن قتل الواحد منهم أفضل من قتل مائة كافر. أي: لأن ضررهم بالدين اعظم و أشدّ إذ الكافر تجتنب عنه العامة لعلمهم بقبح حاله، فلا يقدر على غواية أحد منهم، و أما هؤلاء فيظهرون للناس بزيّ الفقراء والصالحين مع انطوائهم على العقائد الفاسدة و البدع القبيحة، فليس للعامة إلا ظاهرهم الذي بالغوا في تحسينه و أما باطنهم المملوء من تلك القبائح و الخبائث! فلا يحيطون به و لا يطَّلعون عليه لقصورهم عن إدراك المخايل الدالّة عليه فيقترون بظواهرهم و يعتقدون بسببها فيهم الخير فيقبلون ما يسمعون منهم من البدع و الكفر الخفي و نحوهما، و يعتقدونه ظانِّين أنه الحقّ فيكون ذلك سبباً لإضلالهم و غوايتهم فلهذه المفسدة قال الغزالي ما قال من أنّ قتل الواحد من أمثال هؤلاء أفضل من قتل مائة كافر، لأن المفاسد و المصالح تتفاوت الأعمال بتفاوتهما و تتزايد الأجور بحسبهما. انتهى.
فتفكّر الآن فيما يترتب على أهل الدعوى و قد فشى بسببهم البلوى و عمّت بهم الشكوى و خرّبوا طريقة الإمام النقشبندي بالكلية و قالوا: إنّ العامي لا يطيق حملها، و لا يجوز أخذها إلاّ لمن له حضور تام، و إنّ الذكر القلبي حرام إلا لمن له نفس مطمئنة كما صرح به بعضهم لدى الفقير مراراً و كتب إليه بعضهم بعينه فبسبب أقوالهم اجتنب الأكثرون من أخذها و فاتت منهم المنافع الحاصلة للداخل فيها من الحضور و الجمعية و حياة القلب وطرد الغفلة، فأيّ فتنة أشد من هذا و أيّ ضرر أعظم من طرد الناس عن السلوك في طريق الله!! فإنا لله و إنا إليه راجعون.
قال بعض العارفين – و هو محمود أفندي قدس سره في مكتوباته في الفصل السادس- قالوا: المشايخ – أي ما يطلق عليه اسم الشيخ – ثلاثة؛ منهم من ليس في يده تصرّف في المريد و تأثير فيه ؛ فهم كالعوام بل هم أضل من الأنعام ليس فيهم المشيخة إلا اسمه و رسمه كما هو حال أكثر مشايخ الزمان.
و قال مولانا خالد السليماني مجدد المائة السابعة: و يجب الاعتراض على حالهم و الإنكار عليهم لأنهم ضاعوا و أضاعوا الناس لحبس الناس عن ذهاب باب أهل الكمال و منعهم عنه، و لكونهم سبب حرمانهم عن الكمال، و فيهم الوعيد خصوصاً إذا كانوا جاهلين بأمر الدين انتهى. و قال الشيخ سليمان الزهدي قدس سره: إنهم يحسبون أن الطريقة وضع رسم و تصاوير، و أنّ المشيخة تصنُّعٌ و تدابر، بكمال جهلهم عن أسرارا المشيخة و حكم الإله، و قلة عقلهم بما يعينهم إلى الصّلاح، و هم قُطَّعُ طريق الأوّاب، و مفرِّقوا جمع الأحباب، بل هم أضرُّ على الإخوان من المنكِر المغتاب، و وقع شباكهم بعض الحدأة و الغراب.
عن ابن عمر رضي الله عنه: "إنما أهلك من قبلكم الفرق"، عن عرفجة بن شريح: ستكون هنَّات و هنَّات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة فاضربوه بالسيف كائناً من كان. و هو شاملٌ مثل هذه الفتن و التفريق عصمنا الله بالتوفيق. انتهى من مجموعة الرسائل.
و قال خاتمة المرشدين محمد بن عبد الله الخاني في "البهجة السنية": قال الرازي رحمه الله تعالى: و لا يخفى أن مَن تصدَّر للمشيخة من غير إذن فما يفسده أكثرُ مما يصلحه، و عليه إثم قاطع الطريق، فإنه بمعزل عن رتبة المريدين الصادقين؛ فضلاً عن المشايخ العارفين.
قال: و إياك أن تصحب أحداً من المدّعين للطريق بلبس الزيّ، أو تدعهم يأخذون عليك العهد، فإنه آذى من الثعبان، و ذلك أنك تشهد الاذى من
الثعبان فتأخذ منه حذرك، و لا هكذا من ظهر مظهر الصّلاح وهو في الباطن شيطان في زيّ إنسان. انتهى.
و في كتاب "رماح حزب الرحيم" قبيل الفصل الخامس عشر قلت: و التصدر للشيخوخة بغير إذن شيخ كامل خطر جداً لأنه يكون سبباً لسوء الخاتمة، و إنْ لم يتب فاعله فلا يموت إلا كافراً.
و في "جواهر المعاني": ذكر أهل الكشف أموراً مَن فعل واحدة منها ولم يتب منها يموت على سوء الخاتمة و العياذ بالله تعالى، و هي دعوى الولاية بالكذب و ادعاء المشيخة، و هي التصدّر لإعطاء الورد من غير إذن، و الله تعالى الموفق بمنّه للصواب، و لله سبحانه المرجع و المآب، راجعه في صحيفة 110 من هامش "جواهر المعاني" من الجزء الأول.
و ورد إليَّ كتاب من طرف أخينا المعنوي العالم الأوحدي الأمير سيف الله الحسيني النقشبندي القادري الأويسي الغازي الغموقيّ رحمه الله تعالى؛ و من جملة ما كان فيه من النصائح هذه العبارات: و أوصيكم أيها الأخ، و أوصيكم أيها الأخ و إن لم أكن أهلاً لذلك فأنت له أهل: أن لا تعاشر أكثر مشايخ هذا العصر و مريدهم، و إياّك و المجادلة معهم، و لقد سافرت أقصى البلاد، و عاشرت أصناف العباد، فما رأت عيني، و لا سمعت أذني، أشرّ و لا أقبح و لا أبعد من جناب الله تعالى من طائفة يزعمون المشيخة مع عدم سلوكهم من شيخ كامل، زاعمين أنهم أخذوا الإذن من الروحانية، أو في النوم و ليس هذا إلا افتراءً منهم لعن الله جميعهم، فالله الله يا أخي أن لا تسكن في قرية واحد منهم لقوله تعالى: "و اتقوا فتنة لا تصيبنَّ الذين ظلموا منكم خاصّة" و ليس لهم فيها همّة و اعتناء إلا جمع الحطام لأجل هذه الفانية عياذاً بالله منهم. انتهى من خطه. و مثله في "البهجة".
و ورد إليّ رسالة أخرى من طرفه رحمه الله تعالى و فيها هذه العبارات: و إيّاك إياك النظر إلى مشايخ هذا العصر و مريدي الدهر، و الحذر من الجلوس معهم، فذلك و الله هو الفتنة الظاهرة، و ملاقاة الشيطان أسلم من ملاقاتهم. انتهى من خطه.
Mahdi ar-Rusi
19-04-2008, 07:59 PM
و في "البهجة": قال الرازي: و يجب على الطالب الصادق في بدايته أن لا يصحب أكثر مدّعي المشيخة في هذا العصر إلا بظهور أمارات الصّدق، بإلهام من الله، أو بشهادة الصادقين من أهل الطريق لذلك الشيخ. انتهى.
فمضمون هذه المذكورات مما يوجب الاعتراض على كثير من متشيّخي هذا العصر تصريحاً أو تلويحاً. فليتدبر المنصف فيها.
و أما التصدُّر للإرشاد بغير إذن و السلوكُ بغير شيخ!! فمما لا يخفى فساده، و قد قال أحمد ضياء الدين قدس سره في "جامع الأصول": إن السالك مبتلى بنفسه، فإذا عمل وحده ربما ظفر منه الشيطان بخيالات و أوهام، و عقائد فاسدة، و أفكار كاسدة، و كسل و مكر و حيل و زندقة و استدراج و غيرها، و يوهمه أن ذلك من الأحوال و الأصول، و هو لا يدري لا سيما المبتدء، فإنه يشوّش عليه هذه الحالة، فلا بدّ من شيخ بشروطه السابقة لينجوَ من هذه الورطة و عقبات الطريق و توقّفه.
و أما التلقين و سنده!! فلما كانت الصحبة من لوازمه و شروطه، و كان الانتساب إلى شيخ إنما يحصل بالتلقين و التعليم من شيخ مأذون إجازته صحيحة – مستندة إلى شيخ صاحب طريق، و هو إلى النبيّ عليه السلام – و كان الذكر لا يفيد فائدة تامة إلا بالتلقين و الإذن، بل جعله الأكثر شرطاً، و كان الشيخ في الدين مقدّمَ النسب على الأب في الطّين كما قال بعضهم:
نسب أقرب في شرع الهوى بيننا من نسبٍ من أبويْ
و كان السالك لا بدّ له من مرشدٍ حسّيّ كالشيخ، أو معنوي كالإلهام، و حسن التفقُّه في الكتاب و السنة و إجماع الأمة، مع التّيقظ و الإعتبار و التفكر بمساعدة التوفيق و اللطف و العناية، أو يغنيه الله عن ذلك كله منح من فضله، و جذبة بها يصل من غير مضقة، وجب ذكر الأسانيد في كل طرق إلى رسول الله عليه السلام.
و اعلم أن من لا يعرف أباه و أجداده في الطريق فهو مطرود و كلامه دعوى غير مقبولة، و ربما انتسب إلى غير أبيه فيدخل في قوله عليه السلام "لعن الله من انتسب إلى غير أبيه".
و قد أجمع السلف كلهم على أنّ من لم يصح له نسب القوم و لا أُذِن له في أن يجلس للناس لا يجوز له التصدّر إلى إرشاد الناس و لا أن يأخذ عليهم عهداً، و لا أن يلقنهم ذكراً و لا شيئاً من الطريق، إذ السرّ في التلقين إنما هو ارتباط القلوب بعضها ببعض إلى الرسول عليه السلام إلى حضرة الحق جل جلاله، فمن لم يدخل سلسلة القوم فهو غير معدودٍ منهم. انتهى (21) و هكذا في "المدارج" و "تحفة السالكين".
و قد أشكل واحدٌ من العلماء رحمه الله تعالى بما في سلسلة الخواجكان بهذه العبارات، و من تخلّق بمجموع هذه الأخلاق. اه. فصحّ له دعوة الخلق إلى الشريعة و هداية السالكين إلى الحقيقة. انتهى و بما في "سلك العين" من بيت:
و الإذن فَتْحٌ ببسط القلب يفهم ما يلقي عليه من اسرار السنيّات.
انتهى
فقال ذلك العالم: لو سلك واحد في سلسلة الشيخ النقشبندي و سعى بما أمره الشيخ و فتح عليه من الرحمن اه و لم يأذن له الشيخ على قصد إعطاء الإذن ففاجأه الموت فمات الشيخ قبل إعطاء الإذن له مع كاغذ الإجازة ألا يمكن له إرشاد الخلق و اتخاذ المريدين و تعليم الأوراد لهم أم لا؟ و إن لم يكن فما معنى قول خواجكان المذكور!! اه. هذا حاصل ما كتبه مستجيباً منّا.
فأردت أن أجيب عنه و أدخله في هذا الموضع تتميماً للفائدة و تعليماً للحقيقة، بإذهاب الإشكال في تلك الدّقيقة.
فأقول و الله أعلم: لا يجوز إرشاد الخلق و تعليم الأوراد و تلقين الأذكار لمن لم يأذن له الشيخ الكامل، و لو مشى على جميع مقامات الطريق بالتفصيل، و فتح له فيه بلا ترديد، و تخلّق بالأخلاق المحمودات بلا تعطيل، لأن الله تعالى أجرى عادته في كشف أسرار أسمائه أن سكون بتلقين عارف يعرف أسرارها، مأذون له من قبل شيخه، و هكذا إلى أن يتصل إلى النبي عليه السلام، و السّر في ذلك ارتباط القلوب بعضها ببعض إلى رسول الله (ص) كما مر آنفاً. فلو جلس واحد للإرشاد بغير إذن شيخه لا يجاوبه أرواح المشايخ، و لا يجذبونه إلى الله و لا يحفظونه من وساوس الشيطان، بل يقطعون عنه المدد بالكليّة، و لا يفيضون عليه شيئاً من الفيوض، و يطردونه طرداً بليغاً، فكيف يصل الفيض و المدد منه لمن تبعه من مريديه؟! حاشا ذلك و كلا، لأن الشيخ واسطة بين الله و بين المريد و (متى طرد الواسطة ذهب الموسوط) مثلٌ مشهورٌ، أي هذا القول.
فحاصل محصول كلام أئمة الطرق أن اسم الولاية يطلق على مَنْ تخلى عن الأخلاق المذمومات، و تحلّى بالمحمودات، و يطلق في اصطلاحهم على مَن حصلت له التخلية و التحلية إنه فانٍ و باقٍ، و لا يحصل الفناء و البقاء إلا بالسّير الآفاقي[1] و السير الأنفسي[2]، و بحصولهما يحصل نفس الولاية و الكمال و الاسترشاد، ثم إن حصل للسالك بعد ذينك السّيرين سيرٌ رجوعيّ و هو السير على الله بالله، و كذا السير الذي يقال له في اصطلاحهم سيرٌ في الأشياء بالله!! فذا لأجل التكميل و الإرشاد، و يقال لمن حصل السّيران الأولان "واصلٌ واقفٌ"، و لمن حصل له السّيران الأخيران "واصلٌ راجعٌ"، أي راجع إلى دعوة الخلق إلى الله.
و هكذا الفتح اثنان: ظلمانيٌّ و نورانيٌ، و في الظلماني يشترك أهل الحق و أهل الباطل، و أكثره شيطانيّ ، كما وقع ذلك لكثير من الاولياء.
و لا يخفى أن الوصول و الوقوف أو الرجوع و كذا الفتح بالفتح النوراني الرباني الخاص بأهل الحق أو الظلماني الشيطاني المشترك بينهم و بين أهل الباطل لا مجال لمعرفتها إلا من شيخ كامل مكمّل قد خبر الطريق – اي أبصر و علم – و عرف المهالك و المقاطع، شيطانية كانت أو نفسانية، فلا بد أن يشهد له بحصول الكمال و أنه بلغ مبلغ الرجال أهل الفضل و العيان، كشيخه و مرشده الكامل، و يأمره بالإرشاد و التلقين، ليس له إلا بشهادته نصيب من مقام الإرشاد، بإجماع القوم كما مر؛ فعلم مما ذكر أن الإطلاقات على نحو سلسلة الخواجكان و غيره محمولة إلى هذه المقيدات، و إلا فيخرج بها الإجماع كما هو معلومٌ لدى كلّ من مارس كتبهم، و تقييد البعض مقدّم على إطلاق البعض إذا فرع عليه أو كان له دليل، كما هو مفهوم ما في الشهاب من أوّله في (13).
و يجب العمل بإطلاقهم حتى يوجد صارف عنه. انتهى. و في ابن حجر من الأيْمان: العام يجري على عمومه ما لم يخصّص. انتهى. و لقد وجدنا دليلاً يصرف تلك الإطلاقات إلى ذلك المقيّد، بل ظهر لنا ما يخصص ذلك العام بالإجماع. راجع "المدارج" و "البريقة" و "المتمّمات" و "درر الغواص" و "البهجة" و "الحدائق الوردية". و التقليد في هذا الذي كلامنا فيه من المجمع عليه فيما بين القوم؛ لا من بعضهم.
قال في "الأنوار" و "شرح الروض": و يرجّح أيضاً بالكثرة، فلو جزم مصنفان بشيء و ثالثٌ مساوٍ لأحدهما بخلافه رجّحنا هما عليه. انتهى.
و في " القليوبي على شرح التحرير": و كثرة النّقَلة تفيد الترجيح، فلا يعارض تصحيح الأقل لمقابله. انتهى.
و في حاشية زكريّا على "الجوامع" من بحث التواتر: إن ما عليه الاكثر هو الحق. انتهى. و في ابن حجر من أوائله: الخطأ إلى القليل أقرب منه إلى الكثير. انتهى.
فهذا و السلام و الاوصيّة بالدعاء لهذا المُلام، و اللّسان يقصر عن البيان لمن لم يسلك الطريق إذ مِن لازمه استشكال الأحكام بعضها بعضاً، و لو أنه سلك الطريق لم يجد حديثاً و لا أثراً و لا قولاً للأئمة يناقض آخر، و كذا قال الشعراني قدس سره.
و في " خزينة الأسرار" في (166): فمن لم تتصل سلسلته إلى الحضرة النبوية فإنه مقطوع الفيض، و لم يكن وارثاً لرسول الله (ص)، و لا تؤخذ منه المبايعة و الإجازة، لما ورد في الحديث: "العلماء ورثة الأنبياء" بأسانيد صحيحة، و لما أخرجه الطبراني عن عبد الله بن بسرى رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله (ص): "طوبى لمن رآني و آمن بي، و طوبى لمن رأى من رآني، و لمن رآى من رآى من رآني و آمن بي، و طوبى لهم و حسن مآب" قال الشيخ عبد الله السلّمي قدس الله سره: قوله "طوبى لمن رآني و طوبى لمن رآى من رآني"!! أي طوبى لمن أثّر فيه بركات نظري و مشاهدتي، و لمن أثّر فيه مشاهدة أصحابي.. و هكذا حالاً بعد حال إلى أن بلغ حكماء الأمة و أولياء الله تعالى في أزمنته، فكل من أثّر فيه نظر حكيم أو مشاهدة و ليٌّ فإنما ذلك التأثير من نظر النبيّ (ص) إلى أصحاب على اختلاف أحوالهم فأثّر كل واحد بحسب حاله، ولهاذا جرت التأثيرات من المشايخ للمريدين و يجري إلى آخر الدهر، لأن إسناد الحال كإسناد الأحكام. انتهى.
و في الطبقات: مَنْ لم يأخذ آدابه عن المأدبين أفسد كل مَن تبعه، و مَن كان فيه أدنى بدعة فاحذروا مجالسته لئلا يعود إليك شؤمها و لو بعد حين. انتهى كذا في "سلم المريد".
و قال الإمام الربّاني قدس سره في بعض مكاتبه: و أقوى أسباب وقوع الفتور على طلب الطالب هو الإنابة إلى الشخص الناقص، و هو الذي جلس على مسند المشيخة بدون إتمام أمره بالسلوك و الجذبة، فصحبته سمّ قاتل للطالب، و الإنابة إليه مرضٌ مهلك، و مثل هذه الصحبة تورث الانحطاط و التنزل للاستعداد العالي، بل ترميه من الذروة إلى الحضيض. انتهى. كذا في " الدرر المكنونات" في (73) من الجلد الأول. و قد نقل القشيري رحمه الله تعالى في ترجمة أبي علي الثقفي رضي الله تعالى عنه و أرضاه الله أنه قال: لو أن رجلاً جمع العلوم كلها، و صحب طوائف الناس كلهم، لا يبلغ مبلغ الرجال إلا بالرياضة من شيخ أو إمام أو مؤدّب ناصح، و مَن لم يأخذ أدبه من أستاذٍ يريه عيوب أعماله و رعونات نفسه لا يحلُّ الاقتداء في تصحيح المعاملات. انتهى من "المنن" و في " المواهب البريقة" ما معناه: أن شيخ هذه الطريقة النقشبندية يجب أن يكون متحققاً بمقامات الطريق، بمروره عليها بالسلوك على يد شيخ صادق، حتى ينكشف له حجابه بأن يتشرّف باتصافه بالولاية الكبرى، لأن من خصائصها اندراجَ النهاية في البداية، و ذا لا يحصل إلا من تصرّف الشيخ للطالب بالتوجُّه إليه، ليذيق الشيخ من نهاية حاله شيئاً للمريد المبتدئ حتى يكون على جدّ، و هو شرط فيها، و أن مَن ليس على تلك الولاية لا يقدر على التصرّف و من لا يقدر عليه لا يصلح أن يكون شيخاً في هذه الطّريقة لكونه مما لا بد منه فحينئذ لم يبق وجهٌ للتصدّر فيها لتوجُّه المريدين الذي لا بدَّ منه فيها إلا ارتكاب الفساد من المخادعة و الطمع و الشهرة و الجاه و أخذ الدنيا بالدين و غير ذلك، لعدم القدرة له على التصرّف به فيهم بعدم تشرّفه بتلك المرتبة. فتأمّله و تدقق و راجعه.
Mahdi ar-Rusi
19-04-2008, 08:00 PM
و رأيت في "سلسلة الخواجكان" ما يؤخذ منه أن مَنْ كان على المراقبة يصحّ له التربية و التلقين و يقدر على إرشاد الناس. راجعه قبيل الفصل الثاني: أي لو أذن له شيخه و إلا فلا. و الله أعلم.
و في "الباقيات الصالحات" ما يؤخذ منه أن مَن بلغ مرتبة لا يكون الخلق حجاباً[3] عن الحق يمكن في هذا الوقت أن يتصرّف في الآخر بصفة الجذبة. و يجوز الإجازة للإرشاد و دعوة الخلق إلى الحق لمن بلغ هذه المرتبة. انتهى (8) من فصل في طريق التوجه.
و قال شيخنا قدس سره: إن من بلغ مرتبة المراقبة المعيّة لو حصل له الفناء يجوز للشيخ أن يأذن له. انتهى. أي: لو كان في سائر الشروط الواجبة في الشيخ المرشد، و إلا فلا؛ كما صرّح قدس سره بذلك في وقت آخر، فبالنظر إلى هذه المنقولات يبطل ما يفعله ابعاض من المشايخ من إعطاء الإذن لمن أرادوه مع تلقين الذكر كما هو مشهور.
و سيأتي ما يرده مبسوطا في الباب الخامس عشر. و سأل واحد بعض العارفين ان واحدا من المكيين قد أذن لواحد من الداغستانيين وقت تلقين الذكر بلامهلة و قال: "أنت خليفتي في الداغستان"، فهل وقع مثله في اصطلاح السادات أم لا، و هل يصير هذا الرجل بمجرد هذا الخبر مرشدا أم لا؟ فأجاب رضي الله عنه: نعم يصير بمثل ذلك مرشداً إلى طريق الشيطان لا إلى الطريقة و الحقيقة و طريق الهادي إلى الرحمن، و لا تنال ايدي هؤلاء المتشيخين بهذه الخزعبلات إلى مقام الإرشاد الذي هو أعلى المقامات. و ان من المكيين لشدة حرصهم و قلة امنيتهم يفعلون مع جهلة الداغستانيين امثال هذه علماً منهم همة رجالنا و شدة حرصهم للوثبة على المشيخة و ذلك لحرصهم على الدنيا ليكون الإجازة سبباً لجمعها و كثير امثالهم هناك من معارفنا، اه مع بعض اختصار. و أخبرني بعض العلماء عن بعض التقات ان واحدا من المتشيخين قد أخذ من واحد ستين تومانا ليحترزها و حين طلب تسليمها إلى يده لم يسلمها و الح تضرّم فحين آيس من الإعطاء قال له كيف أعيش و أي شيء أفعل و أنت لم تسلم فضتي فوقتئذ كتب له صك الإجازة و قال له يكفيك هذا و هذا فضّتك. فأخذ ذلك المسكين كاغذ الإجازة و ترك تلك الفضة إلى يده و سعى في البلدان باسم المشيخة. و الحال أنه يمدح ذلك الشيخ فوق الحد و لا يصدق غيره و لو كان على الحق فهذا من أعجب ما سمع غفر الله لنا و لهم آمين.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] السير الآفاقي – السير في ترك الالتفات إلى جميع ما في الكون و تجريد القلب عما سواه تعالى.
2] السير الأنفسي – السعي في ترك الحظوظ و المخالفة لشهوات و نفس.
[3] فإن قيل: الذهن بسيط لا يتعلق في زمان واحد بأكثر من شيء واحد كما استدل عليه بقوله تعالى: "ماجعل الله لرجل من قلبين في جوفه"؟!
قلنا: قالوا يتيسّر التوجّه التام دُفعةً إلى شيئين للمجرَّدين عن العوائق البشرية – و من هذا الكلام يؤخذ أن الآية المذكورة إنما نزلت في حق غير المجرّدين عن العوائق. فتدبره (منه). و لذوي النفوس القدسية القويّة، و لهذا كان (ص) يدبِّر أمر الجيش و هو في الصلاة مع حضور الصلاة و خشوعها. كذا في "البريقة" في (209) من المجلد الأول فراجعه. و فيه أيضاً ما حاصله أن عدم المنع عن توجُّه القلب إلى عالم القدس و النور بشيء من العوائق الجسمية و الشواغل البشرية المادية هو الدرجة العليا من الكمال. فراجعه و السلام (منه سامحه الله من فرطاته آمين).
Mahdi ar-Rusi
19-04-2008, 08:01 PM
فيهم مَن لا يعلم محالّ اللطائف، و لقيت واحداً منهم ينكر على ذكر القلب مع أنهما يزعمان أنهما شيخان في الطريقة النقشبندية.
و يعلم بما ذكرنا بطلان قول من قال (لا نعطي طريقة التربية بل إنما نعطي طريقة التبرّك، و هي ليست مختصّة بشيخ، بل يصحّ أن تؤخذ من عالم أو وليّ أو شيخ)، هكذا كتبه واحدٌ منهم بهذه العبارات لتصديق ما يفعله من تلقين الأذكار مع فقد الإجازة بيده! و لا يخفى على من له أدنى إدراك بقواعد هذه الطائفة السنيّة و ممارسةٍ مّا بعلوم هؤلاء الأئمة أنّ ما قاله هذا البعض قول بالرأي، و حكم مخالف لاصطلاح ائمة الطرق، فكيف لا و قد قالوا إنّ من شرط الذكر النافع أن يكون بتلقين شيخ مقبول مأذون! كذا في "النور الساطع".
و أما الذين يزعمون أنهم مجازون للإرشاد و التلقين من الشيخ الكامل النقشبندي لكن لا يلقِّنون أذكار السلوك كما كان شيخهم يلقِّنها؛ قائللين إنّ إعطاء الطريقة لا يجوز في هذا الزمان الفاسد، بيد أنهم يلقِّنون أذكاراً جهرية و أوراداً لسانية قائلين إنها للتبرّك، فخطؤهم أظهر، و فساد دعواهم أشهر، لأنهم خالفوا أصول طريقة أشياخهم، و بدّلوا أذكارها و أورادها، و بذلك صاروا مطرودين من الانتساب إلى السلسلة المعنعنة، لما قال سليمان الزهديّ قدس سره: إن المخالفين لأصول الطريقة خارجون منها، بل هم معدودون من المبعدين. انتهى من مجموعة الرسائل، و لما قال أحمد ضياء الدين في "جامع الأصول" من أنّه ينبغي لمن انتسب إلى وليّ من أولياء الله تعالى أن يتشبّه به في أصول طريقته و فروعه المهمّة. انتهى، و لما قال رئيس الطريقة خالد البغدادي قدس سره: مَنْ غيّر اصول طريقتنا فليس منا. انتهى، و لما في "هدية الذاكرين و حجة الواصلين": ليس لاحدنا تبديل طريقتهم. انتهى، فما بال إماتة الطريقة السالمة المسلسلة المباركة و اختراع الأوراد الغير الواردة في تلك الطريقة الصدّيقيّة قائلين إنه للتبرّك!! كلا و كلا بل البركة فيما ورد عنه عليه السلام، و هو أعرف بأسرار الأسماء و منافعها و بركاتها من هؤلاء المدّعين. إنا لله و إنا إليه راجعون فالحكم لله العلي العظيم. و مر ما قاله الإمام الرباني قدس سره من أن بركات الطريقة إنما تفاض إذا لم يحدث فيها محدث و إذا احدث فيها محدث ينسد طريق الفيوض فتذكره هنا.
فائدة: قال صاحب "الحديقة النديّة": و المرشد بعد تأهله للإرشاد، و تبحّره في علوم الشريعة و الحقيقة، و أمر أشياخه له بنشر فوائد الطريقة، و دعوة الخلق إلى الحق على بصيرة باتباع سبيل المبعوث رحمة للخليقة، يحرم عليه الإخفاء، و كتم ما عنده من الفوائد و الآلاء، إذ قال (ص): إذا ظهرت البدع أو الفتن فليظهر العالم علمه". الحديث، و قال: "مَن كتم علماً ألجم بلجام من نار يوم القيامة" فالظّهور في حق مثل هذا امتثال المأمور، و الإخفاء عين القصور، فسبحان من جعل المحاسن مساوئ، و المساوئ محاسن في اعين المنكرين أهل الغرور. انتهى (102) من هامش "أصفى الموارد".
و فيه ايضاً في (103) ما حاصله أن ملخص باب المشيخة هو نصح المسليمن و محبة الخير لهم لا غير، فالتارك لهذه الأمور مع كونه عارفاً بالطريق و مأذوناً من الشيخ الكامل عاصٍ لله تعالى. انتهى.
و نقل صاحب "البهجة السنية" راحعه في (37) عن المجدد للألف الثاني قدس الله أسرارهما ما كتبه في بعض مكاتيبه مجيباً لمن كتب إليه من بعض خلفائه: أُعلِّم الطريقة امتثالاً لأمركم العالي، و لم يظهر في الطالبين أحد لم يتأثَّر بالتوجُّه، بل الأكثرون يتأثّرون في أول الهمّة و الإقبال، اِحْمَدِ الله سبحانه على ذلك، وجب عليك الشكر لهذه النعمة العظمى و الاجتناب و التحرز عن الغرور و الخيلاء، و الاعتراف عن القصور، و الإقرار بالفتور، و عليك أن لا تتساهل في تفقد الطالبين و التوجُّه إليهم، فإن كثرة إخوان الدين سبب لمزيد القرب بتحصيل لكثرة الثواب لان ثواب اعمالهم يصل إلى المرشد كذا في مناقب الاحمدية تقيس احوال الصادقين على أحوال غيرهم فما يكون مذموما عند غيرهم يكون ممدوحاً لديهم بل يكون ما يعده الناس رياء محضا عين الإخلاص في حقهم. فافهم. فإن ذلك من أعظم العبادات، و إذا فرغتم من هذا التعليم و التبليغ فافرغوا إلى وظائف العبادات من الأذكار و التدريس لله سبحانه و تعالى، فإن أحب عباد الله إلى الله من حبّب الله إلى عباده. قال العبد الراجي رحمه الله إفلاسه: و هذا من آداب النبي (ص) التي أدّبه بها ربه جلّ ذكره و عظم شأنه حيث قال: "فإذا فرغت فانصب و إلى ربك فارغب" انتهى و قد نبّهتك على هذه الفائدة في آخر الباب لئلا تظن السوء بمن يسعى لإرشاد الناس من أهل الحق و الصدق بالجدّ و الجهد، كأمثال أشياخنا قدس الله أسرارهم العلية.
الباب الثاني
في بيان أنّ المجذوب المجرد لا يجوز له أن يتشيّخ و لا أن يكون مربياً للخلق
قال القطب الأعظم أحمد ضياء الدين في "جامع الأصول" في (5): و معنى الوليّ وجهين؛ الأول: مَن ثبت له تصرّف ولاية على مصلحة دينية. و الثاني: مَن ليس له ولاية التصرُّف بالفعل بل ثبت له ولاية التصرّف بالقوة.
فإن قيل: كيف يكون ولياً و ليس له ولاية التصرف؟!
الجواب يجوز أن يكون ولياً على معنى أن الله تعالى قد تولّى و تصرّف بجميع أموره، و هذا الولي – وليّ بالقوة، إن سمع فبالحق يسمع، وإن أبصر فبالحق يبصر، و إن نطق فبالحق ينطق، فهو في عالم المحبوبية، و إلى هذا أشار بقوله تعالى "كنت له سمعاً و بصراً"، و هذا الوليّ لا يصلح أن يكون مربياً للخلق، لأنه في قبضة الله تعالى مسلوب الإختيار عن نفسه و إذا كان مسلوب الإختيار عن نفسه فلا يصلح إن يكون مربياً للغير، لأن التصرف في غيره يستدعي ولاية التصُّرف في نفسه، و هذا الوليّ مجذوب في نفسه، مسلوب التصرُّف في نفسه، فكان مسلوب التصرُّف في غيره، ألا ترى في عرف الشرع أن مَن ثبتت له الولاية على نفسه ثبتت له الولاية على غيره، و من لا فلا؟! فالعاقل البالغ لما ثبتت له الولاية على نفسه ثبتت له الولاية على غيره، و المجذوب في قبضته تعالى بمنزلة الصبيّ الرَّضيع تتصرّف فيه يد القدرة كتصرّف الوالدة في ولدها، فهو في حجر تربية المحبوبية يرضع بلبن كرم الرّبوبية و هم أطفال، و يقول فيهم قد يربُّون في حجر تربية إرادتنا يرضعون بلبن كرمنا.
و أما الولي السالك فيصح أن يكون مربِّياً، فهو تام التصرّف و التدبير على نفسه و غيره و هذا وليٌّ بالفعل؛ لأنه بمنزلة البالغ الذي ثبتت له الولاية على نفسه، و مَن له الولاية على نفسه جاز له الولاية على غيره، و إذا جاز ذلك في عرف الشرع جاز في عرف الحقيقة، فإن الحقيقة على وزن الشريعة و التفرقة بينهما كفرٌ، فمثال المجذوب في مقام المحبوبية كمثل مَن سلك به طريقاً مشدود العين، فهو لا يرى موضع قدمه و لا يدري أين يذهب، فإن هذا الرجل إذا قطع المسافة و وصل إلى مراده و سئل عن منزلة من المنازل لم يكن عنده علم و لا خبر، و كما أنّ هذا الرجل لا يصلح أن يكون دليلاً في البادية فكذلك المجذوب لا يصلح أن يكون دليلاً في طريق الآخرة. انتهى.
وفي "المواهب البريقة": إن المجذوب لا يصلح أن يكون مسلّكاً للمريدين لجهله بتحقيق مقامات الطريقة، فحكمه كمن خطف من مصرَ في الهواء فوجد نفسه بمكة، فإذا سئل عن مناهل الطريقة و ماحلها ربما جهل شيئاً منها، بخلاف من سافر مع دليل الحجاج، فافهم انتهى.
وفي مكوبات محمود الفعال: إن المجذوب الغير السالك ليس من أهل الكمال، ولا يطمع منهم التربية – أي من المجاذيب – و إن باشروا إلى التربية يفسدون الطالب بسراية أحوالهم و أخلاقهم الغير المتممة بقوة إخلاص الطالب. انتهى.
و قال الإمام الرباني في بعض مكاتيبه ما حاصله: لا يجوز لشيخ مقتدى به أن يأذن لمثل هذا المجذوب المتمكِّن بالإجازة العامة، و أن يجلسه في مقام التكميل و المشيخة، فإنّ بعض الطالبين يكون استعدادهم عالياً جداً، و تكون قابليتهم للكمال و التكميل على الوجه الأتمّ، فإن وقع مثل هذا الطالب في صحبة ذلك المجذوب يحتمل أن يضيع ذلك الاستعداد فيها، و أن تزول عنه تلك القابلية، كما إذا كانت للأرض مثلاً قابلية تامة لزراعة البرّ فيها فإن يزرعوا فيها بذراً جيداً من الحنطة تنبت زرعاً جيّداً على قدر استعدادها، و إن زرعوا فيها بذر قمح أو بذر حمص تكون مسلوب القابلية، فضلاً عن الإنبات. انتهى كذا في "الدرر المكنونات" في (319) في الجلد الأول.
الباب الثالث
في بيان جواز إقامة المأذون الناقص على
مقام الإرشاد و لو لم يبلغ درجة الكمال
قال في "الرسالة المدنية": لا يبلغ المريد درجة الكمال إلى أن يرى في جميع عباداته عيباً، و أنها لا يليق إهداؤها إلى جناب الحق جلّ جلاله، فحينئذ يجد معنى قوله تعالى: "من عرف نفسه عز و رجّ"، و هذا بعد اطمئنان النفس و تشرّفها بالإسلام الحقيقيّ، فلا يصل السالك إلى هذه المرتبة إلا بعد الصّحبة الصادقة مع الشيخ الكامل، و بعد هذه المرتبة يستعدّ لتربية الطالبين و للتوجّه،
و أما قبل هذا فمن قبيل خَرَط القتاد، ومن قبيل جذب الألم إلى نفسه، كما في أكثر مشايخ الوقت، و ليس هذا إلاّ إيلام النفس، نعم إذا كان بإذن الشيخ الكامل فإنه حينئذ تربية الشيخ لا تربيته، إذا كان فانياً في شيخه حيث يدوم له نسبة حضوره.
ثم قال فيها أيضاً: و اعلم أنه يعطي الكامل للناقص الإجازة لتعليم الطريقة، و هذا ليس بمناف للإفادة و الإستفادة، لأن يد الناقص يدا الكامل، لأنه واسطة في الجملة في ارتباط السالك له، فمجرّد المحبّة له يحصل له تربية النفس، فلذا يلزم عليه رعاية الامرين فيه: أحدهما: محبة الشيخ المقتدى، و الآخر: الاستقامة في الشريعة، و التمسّك بالسنّة السنية، فإذا لم يكن تقصيره في هذين الأمرين لا يحصل الضرر إليه. انتهى.
لكن الإمام الرّباني في مكتوباته شَرَط في إذن الناقص تأثير المريد في صحبته، و قسّم الإذن على أقسام، و بيّن نفع الإذن للناقص أيضاً. انتهى.
و في "البهجة السنية": و أما الإذن لهم من جناب حضرة شيخنا خالد شاه قدس سره بالإرشاد مع نقصانهم!! فهو جائز من الكامل المكمل كما صرح به الغوث الصمداني قدس سره في بعض مكتوباته أيضاً بقوله: و ربما يجيز الكامل ناقصاً بتعليم الطريقة للطالبين، و غرضه من ذلك أن يبلغ كتابه الأجل باجتماع أهل الذكر عليه، كما أجاز خواجه بهاء الدين النقشبندي ليعقوب الجرخي قدس سره قبل الوصول لدرجة الكمال، و قال: يا يعقوب ما وصل مني إليك فليصل منك إلى الناس، ثم تكمّل بعد ذلك على يد حضرة الشيخ علاء الدين. اه.
و ينبغي أن يعلم أن النقص و إن كان ينافي الإجازة – لما فيه من ضرر الطالبين – لكن لَمَّا صدر من كامل مكمّل يكون هذا نائباً منابه، و يكون يدُه يدَه فلا يتعدّى ضرره. و الله سبحانه و تعالى أعلم. انتهى.
بديع الزمان
21-04-2008, 06:48 PM
نرجو ممن يدل الاخوة على كتاب ان يضعه فى ملف وورد اوفر له ولنا
واسرع فى التنزيل عليه وعلينا
وجزى الله خيرا اخينا
الأعرجي
21-04-2008, 11:35 PM
أخي العزيز حبذا لو تجعلها على صيغة وورد وتنزلها منظمة ومرتبة
بارك الله فيكم
خالد عبد الكريم
12-07-2008, 04:14 PM
جزاك الله خيرا
vBulletin® v3.8.1, Copyright ©2000-2012, Jelsoft Enterprises Ltd.