ميثاق
25-03-2008, 05:00 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و على آله و صحبه و حزبه
تصحيح الحديث وتضعيفه في العصور المتأخرة
بقلم : الدكتور محمد أبو الليث القاسمي الخيرآبادي(*)
إن قضية تصحيح الحديث وتضعيفه، أو قضية الحكم على الحديث بالصحة أو الحسن أو الضعف أو الوضع ليست قضية جديدة، ولا هي قضية نائمة أثيرت من جديد، وإنما هي قضية قديمة منذ قدم الحديث، بل التثبت من صدق الخبر - أيِّ خبر ، والتأكد من صحته مطلب إنساني اجتماعي، قامت ولا تزال تقوم عليه جميع تعاملات الحياة؛ إذ لو لا ذلك لما قال الله تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ[(1)، ولَمَا قال الرسول r: Mمن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النارL(2)، ولَمَا قال أيضاً: Mإن كذباً عليَّ ليس ككذب على أحدL(3)، ولَمَا حذرنا الرسول r عن دجال آخر الزمان، فيقول: Mيكون في آخر الزمان دجالون كذابون، يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم، لا يضلونكم، ولا يفتنونكم ...L(4)، ولَمَا شدَّد الخلفاء الراشدون على الإقلال من التحديث في بداية الأمر بعد وفاة الرسول r، وذلك تعليماً لإخوانهم الصحابة خطورة أمر حديث رسول الله r، وعدم قبولهم الحديث إلا بعد التثبت من صحته، ولَمَا وضع علماء المسلمين من قواعد لتصحيح الحديث وتحسينه وتضعيفه وتوضيعه، ومن قواعد وأصول لتوثيق الرواة وتضعيفهم؛ فيقولون: هذا صحيح، وذاك ضعيف، وذلك موضوع، وكذلك يقولون: الراوي الفلان ضعيف، والفلان كذاب، وما إلى ذلك من أقوال الجرح والتعديل في الرواة.
حقيقة الحكم على الحديث:
حقيقة الحكم على الحديث بالصحة أو الحسن أو الضعف أو الوضع، هي أن من يتصدى للحكم على الحديث يحاول من خلال اجتهاده الوصول إلى نتيجةٍ قريبةٍ من الحق والحقيقة، لا إلى نتيجةٍ حتميةٍ لا تحتمل الخطأ أو الغلط أو الوهم، فهو ليس عملية رياضة لا تحتمل الخطأ، وإنما هو عملية اجتهادية، تحتمل الصواب والخطأ، ولكن احتمال الصواب فيها أكثر، واحتمال الخطأ قليلٌ ونادرٌ، إذا قارنَّا بين صواب المجتهد وخطئه في أعماله العلمية الكثيرة.
يعمل الحاكم على الحديث في عملية الاجتهاد هذه أنه ينظر هل تتوافر في الحديث شروط القبول أم لا، فإذا وجدها متوافرةً فيه يحكم عليه بالصحة أو الحسن بقسميهما، وإلا فيحكم عليه بالضعف أو الوضع حسب أحوال رواة ذلك الحديث ومتنه. وشروط قبول الحديث معروفة، وهي ستة:
1- اتصال السند. 2- وعدالة الرواة. 3- وكمال ضبط الرواة، أو تفرُّد مَنْ ضبطُه أخف قليلاً من ضبط رواة الصحيح، أو مجيء حديث من ضبطه أخف قليلاً من ضبط رواة الصحيح من طريق آخر مثله أو أفضل منه. 4- والسلامة من الشذوذ. 5- والسلامة من العلة القادحة. 6- وضعف الحديث بالانقطاع في السند أو سوء ضبط أو جهالة أحد رواته أو جميعهم، واعتضاده بأحد طرق الترقية التي تحدثت عنها في كتابي Mعلوم الحديث أصيلها ومعاصرهاL بالتفصيل.
شروط الحاكم على الحديث:
ويجب على من يتصدى للحكم على الحديث أن تتوافر فيه صفات أو شروط الحاكم على الحديث.
وهذه الشروط لم أجدها بهذا العنوان في الكتب، ولكن لما كان مدار الحكم على الحديث على أحوال الرواة في أكثر الأحيان، فأرى أن شروط الجارح والمعدل تصلح أن تكون شروطاً للحاكم على الحديث أيضاً، وهي مذكورة في الكتب.
فقال ابن كثير (ت774ﻫ: Mأما كلام هؤلاء الأئمة المنتصبين لهذا الشأن فينبغي أن يؤخذ مسلَّماً من غير ذكر أسباب، وذلك للعلم بمعرفتهم واطلاعهم، واضطلاعهم في هذا الشأن، واتصفوا بالإنصاف والديانة، والخبرة والنصح، لاسيما إذا أطبقوا على تضعيف الرجل، أو كونه متروكاً أو كذاباً، أو نحو ذلك، فالمحدث الماهر لا يتخالجه في مثل هذا وقفة في موافقتهم، لصدقهم وأمانتهم ونصحهمL(5).
وقال الذهبي (ت748ﻫ في الميزان: Mوالكلام في الرجال لا يجوز إلا لتام المعرفة، تام الورعL(6)، وقال في الموقظة: Mوالكلام في الرواة محتاج إلى ورع تام، وبراءة من الهوى والميل، وخبرة كاملة بالحديث وعلله ورجالهL(7). وقال في موضع آخر(8): Mلا سبيل إلى أن يصير العارف الذي يزكي نقلة الأخبار ويجرحهم جِهْبَذاً إلا بإدمان الطلب، والفحص عن هذا الشأن، وكثرة المذاكرة والسهر والتيقظ والفهم، مع التقوى والدين المتين والإنصاف، والتردد إلى مجالس العلماء، والتحري والإتقان، وإلا تفعل:
فدع عنك الكتابة لستَ منها ولو سوَّدتَ وجهَك بالمِداد
ولخص الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي (ت842ﻫ هذه الشروط، فقال: Mوالكلام في الرجال ونقدهم يستدعي أموراً في تعديلهم وردهم، منها: أن يكون المتكلم عارفاً بمراتب الرجال وأحوالهم في الانحراف والاعتدال، ومراتبهم من الأقوال والأفعال، وأن يكون من أهل الورع والتقوى، مجانباً للعصبية والهوى، خالياً من التساهل، عارياً عن غرض النفس بالتحامل، مع العدالة في نفسه والإتقان، والمعرفة بالأسباب التي يُجْرَح بمثلها الإنسان، وإلا لم يقبل قوله فيمن تكلم، وكان ممن اغتاب وفاه بمحرمL(9).
يمكن أن تتلخص شروط الحاكم على الحديث فيما يلي:
1- أن يكون عالماً بأكبر قدر ممكن من الأحاديث وطرقها وشواهدها وألفاظها.
2- وأن يكون متصفاً بالعدالة بشهادة الآخرين؛ فيكون مسلماً عاقلاً بالغاً سليماً من أسباب الفسق وخوارم المروءة.
3- وأن يكون عالماً بأسباب الجرح والتعديل، وطريقة القوم فيه.
4- وأن يكون مخلصاً في حكمه على الحديث، وتعديله وتجريحه للرواة، فلا يكون حكمه على الحديث أو الراوي تطويعاً لفكرة مبيتة أو رأي مسبق.
5- وأن لا يكون الجرح أو التعديل قد صدر عنه عداءً ومنافرةً، أو محاباةً ومجاملةً، أو غير ذلك من الدواعي العاطفية.
6- وأن تكون لديه ملكة حديثية، أو ذوق حديثي يتمكن به من معرفة ما يصحح به الحديث، أو يحسنه، أو يضعفه، أو يحكم عليه بالوضع.
تنبيه: غير أنه لما كان العهد قد بَعُدَ برجال الأسانيد، فإنه يجب الاحتياط الشديد في هذا الأمر، ولا يظن ظانّ أنه من السهولة، بحيث يكتفي فيه بتقليب كتب في الرجال، كما يتوهم بعض الناس، بل يجب أن يوضع في الحسبان كافة احتمالات الوهم والنقد في السند والمتن، ثم لا يكون الحكم جازماً، بل هو حكم على الظاهر الذي تبدَّى لنا، لذلك قال السيوطي (ت911ﻫ: Mوالأحوط في مثل ذلك أن يعبّر عنه ﺑ Mصحيح الإسنادL، ولا يطلق التصحيح، لاحتمال علةٍ للحديث خفيت عليه، وقد رأيتُ من يعبر خشية من ذلك بقوله: Mصحيح الإسنادL(10).
الحكم على الحديث عبر التأريخ:
بناءً على ما سبق من شروط الحديث المقبول، وشروط الحاكم على الحديث، قام أئمة الحديث منذ العصور الأولى بنقد الأحاديث، وتمييز مقبولها من مردودها، وتكلموا في عللها، وأتوا بأبحاث دقيقة تكشف خبايا الأسانيد والمتون، كأنما يطوفون مع الرواة، وينتقلون مع المتون خلال حلقات الإسناد، فكانت أبحاثهم وأحكامهم حجة تلقاها العلماء بالقبول، واحتجوا بأحكامهم في صحتها وحسنها، وضعفها ووضعها، وعملوا بمقتضاها، واستمرت الحال على هذا الوضع إلى أن جاء الإمام ابن الصلاح.
ابن الصلاح أول من عارض الحكم
على الحديث في عصره وما يليه: لم يسمح ابن الصلاح (ت643ﻫ لعلماء عصره وما يليه من العصور أن يحكموا بالصحة على حديث لم يحكم عليه من قبل، قال: Mإذا وجدنا فيما يُرْوَى من أجزاء الحديث وغيرها، حديثاً صحيح الإسناد، ولم نجده في أحد الصحيحين، ولا منصوصاً على صحته في شيء من مصنفات أئمة الحديث المشهورة، فإنا لا نتجاسر على جزم الحكم بصحتهL. ثم استدل عليه بقوله: "فقد تعذر في هذه الأعصار الاستقلال بإدراك الصحيح بمجرد اعتبار الأسانيد، لأنه ما من إسناد من ذلك إلا وتجد في رجاله من اعْتَمَدَ في روايته على ما في كتابه، عرياً عما يشترط في الصحيح من الحفظ والضبط والإتقان، فآل الأمر إذاً في معرفة الصحيح والحسن إلى الاعتماد على ما نصَّ عليه أئمة الحديث في تصانيفهم المعتمدة المشهورة التي يؤمن فيها لشهرتها، من التغيير والتحريف، وصار معظم المقصود بما يُتَدَاول من أسانيد خارجاً عن ذلك، إبقاءَ سلسلة الإسناد التي خصت بها هذه الأمةL(11
و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و على آله و صحبه و حزبه
تصحيح الحديث وتضعيفه في العصور المتأخرة
بقلم : الدكتور محمد أبو الليث القاسمي الخيرآبادي(*)
إن قضية تصحيح الحديث وتضعيفه، أو قضية الحكم على الحديث بالصحة أو الحسن أو الضعف أو الوضع ليست قضية جديدة، ولا هي قضية نائمة أثيرت من جديد، وإنما هي قضية قديمة منذ قدم الحديث، بل التثبت من صدق الخبر - أيِّ خبر ، والتأكد من صحته مطلب إنساني اجتماعي، قامت ولا تزال تقوم عليه جميع تعاملات الحياة؛ إذ لو لا ذلك لما قال الله تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ[(1)، ولَمَا قال الرسول r: Mمن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النارL(2)، ولَمَا قال أيضاً: Mإن كذباً عليَّ ليس ككذب على أحدL(3)، ولَمَا حذرنا الرسول r عن دجال آخر الزمان، فيقول: Mيكون في آخر الزمان دجالون كذابون، يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم، لا يضلونكم، ولا يفتنونكم ...L(4)، ولَمَا شدَّد الخلفاء الراشدون على الإقلال من التحديث في بداية الأمر بعد وفاة الرسول r، وذلك تعليماً لإخوانهم الصحابة خطورة أمر حديث رسول الله r، وعدم قبولهم الحديث إلا بعد التثبت من صحته، ولَمَا وضع علماء المسلمين من قواعد لتصحيح الحديث وتحسينه وتضعيفه وتوضيعه، ومن قواعد وأصول لتوثيق الرواة وتضعيفهم؛ فيقولون: هذا صحيح، وذاك ضعيف، وذلك موضوع، وكذلك يقولون: الراوي الفلان ضعيف، والفلان كذاب، وما إلى ذلك من أقوال الجرح والتعديل في الرواة.
حقيقة الحكم على الحديث:
حقيقة الحكم على الحديث بالصحة أو الحسن أو الضعف أو الوضع، هي أن من يتصدى للحكم على الحديث يحاول من خلال اجتهاده الوصول إلى نتيجةٍ قريبةٍ من الحق والحقيقة، لا إلى نتيجةٍ حتميةٍ لا تحتمل الخطأ أو الغلط أو الوهم، فهو ليس عملية رياضة لا تحتمل الخطأ، وإنما هو عملية اجتهادية، تحتمل الصواب والخطأ، ولكن احتمال الصواب فيها أكثر، واحتمال الخطأ قليلٌ ونادرٌ، إذا قارنَّا بين صواب المجتهد وخطئه في أعماله العلمية الكثيرة.
يعمل الحاكم على الحديث في عملية الاجتهاد هذه أنه ينظر هل تتوافر في الحديث شروط القبول أم لا، فإذا وجدها متوافرةً فيه يحكم عليه بالصحة أو الحسن بقسميهما، وإلا فيحكم عليه بالضعف أو الوضع حسب أحوال رواة ذلك الحديث ومتنه. وشروط قبول الحديث معروفة، وهي ستة:
1- اتصال السند. 2- وعدالة الرواة. 3- وكمال ضبط الرواة، أو تفرُّد مَنْ ضبطُه أخف قليلاً من ضبط رواة الصحيح، أو مجيء حديث من ضبطه أخف قليلاً من ضبط رواة الصحيح من طريق آخر مثله أو أفضل منه. 4- والسلامة من الشذوذ. 5- والسلامة من العلة القادحة. 6- وضعف الحديث بالانقطاع في السند أو سوء ضبط أو جهالة أحد رواته أو جميعهم، واعتضاده بأحد طرق الترقية التي تحدثت عنها في كتابي Mعلوم الحديث أصيلها ومعاصرهاL بالتفصيل.
شروط الحاكم على الحديث:
ويجب على من يتصدى للحكم على الحديث أن تتوافر فيه صفات أو شروط الحاكم على الحديث.
وهذه الشروط لم أجدها بهذا العنوان في الكتب، ولكن لما كان مدار الحكم على الحديث على أحوال الرواة في أكثر الأحيان، فأرى أن شروط الجارح والمعدل تصلح أن تكون شروطاً للحاكم على الحديث أيضاً، وهي مذكورة في الكتب.
فقال ابن كثير (ت774ﻫ: Mأما كلام هؤلاء الأئمة المنتصبين لهذا الشأن فينبغي أن يؤخذ مسلَّماً من غير ذكر أسباب، وذلك للعلم بمعرفتهم واطلاعهم، واضطلاعهم في هذا الشأن، واتصفوا بالإنصاف والديانة، والخبرة والنصح، لاسيما إذا أطبقوا على تضعيف الرجل، أو كونه متروكاً أو كذاباً، أو نحو ذلك، فالمحدث الماهر لا يتخالجه في مثل هذا وقفة في موافقتهم، لصدقهم وأمانتهم ونصحهمL(5).
وقال الذهبي (ت748ﻫ في الميزان: Mوالكلام في الرجال لا يجوز إلا لتام المعرفة، تام الورعL(6)، وقال في الموقظة: Mوالكلام في الرواة محتاج إلى ورع تام، وبراءة من الهوى والميل، وخبرة كاملة بالحديث وعلله ورجالهL(7). وقال في موضع آخر(8): Mلا سبيل إلى أن يصير العارف الذي يزكي نقلة الأخبار ويجرحهم جِهْبَذاً إلا بإدمان الطلب، والفحص عن هذا الشأن، وكثرة المذاكرة والسهر والتيقظ والفهم، مع التقوى والدين المتين والإنصاف، والتردد إلى مجالس العلماء، والتحري والإتقان، وإلا تفعل:
فدع عنك الكتابة لستَ منها ولو سوَّدتَ وجهَك بالمِداد
ولخص الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي (ت842ﻫ هذه الشروط، فقال: Mوالكلام في الرجال ونقدهم يستدعي أموراً في تعديلهم وردهم، منها: أن يكون المتكلم عارفاً بمراتب الرجال وأحوالهم في الانحراف والاعتدال، ومراتبهم من الأقوال والأفعال، وأن يكون من أهل الورع والتقوى، مجانباً للعصبية والهوى، خالياً من التساهل، عارياً عن غرض النفس بالتحامل، مع العدالة في نفسه والإتقان، والمعرفة بالأسباب التي يُجْرَح بمثلها الإنسان، وإلا لم يقبل قوله فيمن تكلم، وكان ممن اغتاب وفاه بمحرمL(9).
يمكن أن تتلخص شروط الحاكم على الحديث فيما يلي:
1- أن يكون عالماً بأكبر قدر ممكن من الأحاديث وطرقها وشواهدها وألفاظها.
2- وأن يكون متصفاً بالعدالة بشهادة الآخرين؛ فيكون مسلماً عاقلاً بالغاً سليماً من أسباب الفسق وخوارم المروءة.
3- وأن يكون عالماً بأسباب الجرح والتعديل، وطريقة القوم فيه.
4- وأن يكون مخلصاً في حكمه على الحديث، وتعديله وتجريحه للرواة، فلا يكون حكمه على الحديث أو الراوي تطويعاً لفكرة مبيتة أو رأي مسبق.
5- وأن لا يكون الجرح أو التعديل قد صدر عنه عداءً ومنافرةً، أو محاباةً ومجاملةً، أو غير ذلك من الدواعي العاطفية.
6- وأن تكون لديه ملكة حديثية، أو ذوق حديثي يتمكن به من معرفة ما يصحح به الحديث، أو يحسنه، أو يضعفه، أو يحكم عليه بالوضع.
تنبيه: غير أنه لما كان العهد قد بَعُدَ برجال الأسانيد، فإنه يجب الاحتياط الشديد في هذا الأمر، ولا يظن ظانّ أنه من السهولة، بحيث يكتفي فيه بتقليب كتب في الرجال، كما يتوهم بعض الناس، بل يجب أن يوضع في الحسبان كافة احتمالات الوهم والنقد في السند والمتن، ثم لا يكون الحكم جازماً، بل هو حكم على الظاهر الذي تبدَّى لنا، لذلك قال السيوطي (ت911ﻫ: Mوالأحوط في مثل ذلك أن يعبّر عنه ﺑ Mصحيح الإسنادL، ولا يطلق التصحيح، لاحتمال علةٍ للحديث خفيت عليه، وقد رأيتُ من يعبر خشية من ذلك بقوله: Mصحيح الإسنادL(10).
الحكم على الحديث عبر التأريخ:
بناءً على ما سبق من شروط الحديث المقبول، وشروط الحاكم على الحديث، قام أئمة الحديث منذ العصور الأولى بنقد الأحاديث، وتمييز مقبولها من مردودها، وتكلموا في عللها، وأتوا بأبحاث دقيقة تكشف خبايا الأسانيد والمتون، كأنما يطوفون مع الرواة، وينتقلون مع المتون خلال حلقات الإسناد، فكانت أبحاثهم وأحكامهم حجة تلقاها العلماء بالقبول، واحتجوا بأحكامهم في صحتها وحسنها، وضعفها ووضعها، وعملوا بمقتضاها، واستمرت الحال على هذا الوضع إلى أن جاء الإمام ابن الصلاح.
ابن الصلاح أول من عارض الحكم
على الحديث في عصره وما يليه: لم يسمح ابن الصلاح (ت643ﻫ لعلماء عصره وما يليه من العصور أن يحكموا بالصحة على حديث لم يحكم عليه من قبل، قال: Mإذا وجدنا فيما يُرْوَى من أجزاء الحديث وغيرها، حديثاً صحيح الإسناد، ولم نجده في أحد الصحيحين، ولا منصوصاً على صحته في شيء من مصنفات أئمة الحديث المشهورة، فإنا لا نتجاسر على جزم الحكم بصحتهL. ثم استدل عليه بقوله: "فقد تعذر في هذه الأعصار الاستقلال بإدراك الصحيح بمجرد اعتبار الأسانيد، لأنه ما من إسناد من ذلك إلا وتجد في رجاله من اعْتَمَدَ في روايته على ما في كتابه، عرياً عما يشترط في الصحيح من الحفظ والضبط والإتقان، فآل الأمر إذاً في معرفة الصحيح والحسن إلى الاعتماد على ما نصَّ عليه أئمة الحديث في تصانيفهم المعتمدة المشهورة التي يؤمن فيها لشهرتها، من التغيير والتحريف، وصار معظم المقصود بما يُتَدَاول من أسانيد خارجاً عن ذلك، إبقاءَ سلسلة الإسناد التي خصت بها هذه الأمةL(11