ميثاق
25-03-2008, 05:04 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و على آله و صحبه و حزبه
علوم ومصنفات صاحبت تدوين السُنة في القرن الثالث
بقلم : أ. د / أحمد عمر هاشم
العلوم التي صاحبت تدوين السنة في هذا القرن :
كان القرن الثالث الهجري أزهى وأسعد عصور السنة النبوية ، في كثرة المحدثين ومصنفاتهم النفيسة الخالدة ، وقد تمخضت بحوث الأئمة وتدوينهم للسنة إلى علوم كانت قمة ما وصل إليه الفكر البشري السوي وأصح ما عرف في التاريخ من القواعد العلمية السليمة للرواية والأخبار، ليس بعدها مجال للتثبت والتوثيق ، وقد نسج على منوال علماء الحديث كثيرون من علماء السلف في سائر مجالاتهم العلمية الأخرى كالتاريخ ، والفقه ، والتفسير والأدب وغير ذلك .
وهذه العلوم هي ما تسمى : "بعلم أصول الحديث" أو علم الحديث "دراية" ذلك علم الحديث ينقسم إلى قسمين :
الأول : علم الحديث رواية ، وهو علم يعرف به ما أضيف إلى النبي صلي الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة ، ونقل ما أضيف من ذلك إلى الصحابة والتابعين على الرأي المختار .
الثاني : علم الحديث دراية وهو علم بقوانين يعرف بها أحوال السند والمتن ، كما قال الشيخ عز الدين بن جماعة : وقال شيخ الإسلام أبو الفضل ابن حجر ، أولى التعاريف له أن يقال : "معرفة القواعد المعرفة بحال الراوي والمروي" (1) والتعريفان يتفقان في البحث عن الراوي والمروي من حيث القبول أو الرد .
وقد نشأت أصول هذا العلم مع نشأة الحديث، إذ كانوا يطلبون من الراوي التثبت وينقدون المرويات ، وقد ازداد الحرص على هذا منذ وقوع الفتن ، فكانوا يقولون : سموا لنا رجالكم ، كما زاد الطلب أيضا عندما قام ابن شهاب الزهري بجمع الحديث من حامليه في الدفاتر والصحف ، ثم بعد ذلك كتب الإمام الشافعي بعض المسائل في كتابيه : "الرسالة" ، و "الأم"، وكان أول من ألف في بعض بحوث هذا العلم هو الإمام علي بن المديني ، كما تكلم في مسائله البخاري ومسلم والترمذي من علماء القرن الثالث، وقام الترمذي فأشاع مسائل هذا العلم وجمع بعضها في خاتمة جامعة .
فتدوين علوم الحديث إذاً ابتدأ في أبواب ، وفي بعض أنواع منه أثناء المائة الثالثة ، وكانت مؤلفات علماء القرن الثالث في هذا العلم غير جامعة لكل أنواعه في كتب خاصة ، ولا مستقلة قائمة بذاتها ، وإنما تعرضوا لبحث هذه العلوم أثناء تأليفهم وجمعهم للمرويات ، فمنهم من جعلها مقدمة لمؤلفه كما فعل الإمام مسلم ، ومنهم من جعلها خاتمة تبين مراده من المصطلحات كما صنع الترمذي في آخر جامعه ، وعنى الإمام البخاري فألف كتبه في التواريخ الثلاثة ، الكبير والأوسط والصغير، كما ألف أيضًا في تواريخ الرواة الإمام محمد بن سعد (كتاب الطبقات الكبرى) ، وخصص البعض مؤلفات في الضعفاء والعلل ككتاب الضعفاء للبخاري ، وكتاب الضعفاء للنسائي ، ورأى بعض العلماء أن هذه الكتب قد تضمنت اصطلاحات خاصة بأهل الحديث وقواعد كثيرة لهم ، يعرف بها المقبول والمردود ، ففكروا في تخليصها في هذه الكتب وجمعها في علم خاص وتدوينها في كتب مستقلة ، وكان ذلك في القرن الرابع . حيث نضجت العلوم واستقر الاصطلاح ، فألف القاضي أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي المتوفى سنة 360هـ كتاب "المحدث الفاصل بين الراوي والواعي"، فجمع كثيرًا من أنواع هذا العلم ، وكان أول من وضع كتاباً مستقلاً في علوم الحديث ، ولكنه لم يستوعب جميع بحوثه ، ثم صنف الحاكم أبو عبد الله النيسابوري المتوفى سنة 405هـ كتابه : "معرفة علوم الحديث"، ولكنه لم يهذب ولم يرتب ، ثم ألف الحافظ الخطيب أبو بكر البغدادي المتوفى سنة 463هـ كتابا في أصول الحديث سماه (الجامع لآداب الشيخ والسامع) ، ثم كثر التصنيف بعد ذلك وتتابع .
وقد تنوعت الدراسة في هذا الفن إلى علوم كثيرة من أهمها : 1-
علم الجرح والتعديل : وقد أدى حرص العلماء على معرفة أحوال الرواة لتمييز الصحيح من غيره إلى نشأة علم الجرح والتعديل ، أو علم ميزان الرجال ، وهو علم يبحث عن الرواة من حيث ما ورد في شأنهم من تعديل يزينهم ، أو تجريح يشينهم، وتكلم في هذا العلم كثيرون من عهد الصحابة إلى المتأخرين من العلماء ، فمن الصحابة: ابن عباس 68هـ ، وعبادة بن الصامت 34هـ ، ومن التابعين سعيد بن المسيب 63هـ ، والشعبي 104هـ .
أما ابتداء التصنيف ووضع الكتب في الجرح والتعديل ، فلم يكن إلا في القرن الثالث ، وكان من أوائل الذين ألفوا في هذا العلم : يحيى بن معين 233هـ ، وأحمد بن حنبل 241هـ ، ومحمد بن سعد كاتب الواقدي ، والبخاري ومسلم وأبو داود السجستاني والنسائي ، ثم تتابع التأليف بعد ذلك .. وألف كذلك أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم بن سعد بن البرقي الزهري مولاهم المصري الحافظ المتوفى سنة تسع وأربعين ومائتين.
وممن كتب في الثقات والضعفاء : أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق السعدي الجوزجاني المتوفى سنة تسع وخمسين ومائتين ، ومن نماذج التأليف في هذا النوع كتاب الضعفاء للإمام البخاري .
كتاب الضعفاء الصغير للإمام البخاري
وقد نهج البخاري في كتابه على ترتيب الأسماء حسب حروف الهجاء مبتدئًا بحرف الألف حتى إذا ما استوعب من اسمه إبراهيم ، جاء بباب من اسمه إسماعيل ثم بباب من اسمه إسحاق ، ثم أيوب ، حتى إذا ما انتهى من حرف الألف ، جاء بباب "الباء" وهكذا إلى باب الياء مثال ذلك قوله:
"إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع بن جارية الأنصاري" يروى عنه وهو كثير الوهم يروى عن الزهري وعمروبن دينار يكتب حديثه .
إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة المدني الأنصاري الأشهلي عن داؤد بن الحصين – منكر الحديث – وهكذا إلى أن انتهى من الأسماء جاء في آخر الكتاب بالكنى من الضعفاء مثال ذلك :
أبو الرجال : سمع النضر بن النضر عن أنس عن أبيه عن النبي صلي الله عليه وسلم "منكر الحديث عنده عجائب".
أبو ماجد الحنفي عن ابن مسعود ، ويقال العجلي ، قال الحميدي عن ابن عيينة عن يحيى هو منكر الحديث .
أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة المدني ، وكان في غالب الأحيان يراعي الترتيب في أسماء الآباء .
وقد جعل لكل حرف بابا ، وتحت كل باب أبواب فرعية كل منها خاص باسم ومعنون به، لكنه لم يلتزم بترتيب أبواب الأسماء على حروف المعجم فقدم من اسمه إسماعيل على من اسمه إسحاق ، وطبع الكتاب بالهند سنة 1325هـ .
كتاب الضعفاء والمتروكين للنسائي
رتب النسائي هذا الكتاب على حروف المعجم ، وقسمه إلى أبواب جاعلاً كل حرف من الحروف الهجائية بابًا ، فبدأ بالألف فالباء .. إلخ .
مثل : باب "إبراهيم" وذكر قائلاً :
"إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع ضعيف مدني"، "إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة ضعيف مدني"، "وإبراهيم بن عطية متروك الحديث واسطى"، "إبراهيم بن الفضل متروك الحديث مدني" ، فإذا ما انتهى ممن اسمه إبراهيم انتقل إلى باب من اسمه "أبان" . ثم إلى باب من اسمه "أبى" . فقال : "أبى بن العباس بن سهل بن سعد الساعدي ليس بالقوي ثم باب من اسمه "أيوب" ثم باب إسماعيل ثم باب إسحاق ، ثم باب أسامة وغيره ، ثم تتبع الحروف "بابا" "بابا" حسب ترتيبها الهجائي وهكذا .
وبعد حرف الياء وهو الحرف الأخير أتى بباب الكنى فقال : "أبو مطيع الخراساني ضعيف".. وفي آخر الكتاب ذكر اسم أم الأسود يروى عنها أحمد ابن يونس غير ثقة . فالإمام النسائي حين يقدم في هذا الكتاب الضعفاء والمتروكين لا يقدمهم أسماء مجردة وإنما يردفها بالرواة الذين أخذوا عنهم حتى يقف الباحث على مصدر الأخذ أثقة هو أم لا ؟ أمنكر هو؟ أمتروك ؟ وهكذا فيبين من روى عنه ويذكر حكمه عليه بالنكارة أو عدم الثقة وهكذا .. ويلاحظ أنه في ترتيب الأسماء رتبها حسب الحرف الأول منها فقط دون نظر إلى بقية الحروف وجعل لكل اسم بابًا كصنيع البخاري . ولم يراع في الترتيب أسماء الآباء إلا قليلاً . ومع ذلك فإن الباحث لا يلقى صعوبة في الكشف فيه ، لأن اسم الراوي يذكر بخط كبير أول السطر ثم يتبعه ببيان حاله كما في الطبعة الهندية سنة 1325هـ .
2- معرفة الصحابة : وهو من العلوم التي تناولها علماء القرن الثالث الهجري بالدراسة والتصنيف ، وتعتبر معرفة الصحابة "فنا هاما من أجلِّ فنون علوم الحديث" .
وقد عنى به العلماء ، في القديم والحديث ، ولهذا العلم ثمرته العظيمة وهي : معرفة الحديث المتصل والمرسل .
قال الحاكم(2): ومن تبحر في معرفة الصحابة فهو حافظ كامل الحفظ فقد رأيت جماعة من مشايخنا يروون الحديث المرسل عن تابعي عن رسول الله صلي الله عليه وسلم يتوهمونه صحابيا . وربما رووا المسند عن صحابي يتوهمونه تابعيًا .
وقد ألفت في معرفة الصحابة كتب ، مرتبة على الحروف أو على القبائل وغير ذلك منها :
1- كتاب أبي بكر أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم بن سعيد بن البرقي الحافظ الثقة المتوفى سنة سبعين ومائتين .
2- "كتاب المعرفة" لأبي محمد عبد الله بن محمد بن عيسى المروزي الشافعي الحافظ المعروف بعبدان المتوفى سنة ثلاث وتسعين ومائتين .
3- معرفة الصحابة لأبي بكر أحمد بن عبد الله ابن عبد الرحيم بن سعيد بن البرقي الحافظ المتوفى سنة سبعين ومائتين .
4- كما ألف في معرفة الصحابة أبو منصور محمد بن سعيد الباروذي المتوفى سنة إحدى وثلاثمائة .
ومن أشهر الكتب في معرفة الصحابة (الاستيعاب في معرفة الأصحاب) لابن عبد البر و (أسد الغابة) لابن الأثير و (الإصابة) لابن حجر.
3- "علم الرواة" وهو علم يعرف به تاريخ رواة الحديث ورحلاتهم ومواطنهم وموالديهم ووفياتهم وكثير من أحوالهم مما له أثر في توهينهم أو تقويتهم ، وأول من عرف عنه الاشتغال بذلك الإمام البخاري ، وابن سعد في طبقاته(3)، ومن ألف في هذا : أبو الوليد أحمد بن محمد بن الوليد بن عتبة ابن الأزرق بن عمرو بن الحارث الأزرقي المتوفى سنة ثلاث وعشرين ومائتين وقيل سنة سبع عشرة ومائتين ونقدم هنا كتاب : "التاريخ الكبير" للإمام البخاري كنموذج حى ، ومثال صحيح للتصنيف في هذا القرن بالنسبة لعلم الرواة
و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و على آله و صحبه و حزبه
علوم ومصنفات صاحبت تدوين السُنة في القرن الثالث
بقلم : أ. د / أحمد عمر هاشم
العلوم التي صاحبت تدوين السنة في هذا القرن :
كان القرن الثالث الهجري أزهى وأسعد عصور السنة النبوية ، في كثرة المحدثين ومصنفاتهم النفيسة الخالدة ، وقد تمخضت بحوث الأئمة وتدوينهم للسنة إلى علوم كانت قمة ما وصل إليه الفكر البشري السوي وأصح ما عرف في التاريخ من القواعد العلمية السليمة للرواية والأخبار، ليس بعدها مجال للتثبت والتوثيق ، وقد نسج على منوال علماء الحديث كثيرون من علماء السلف في سائر مجالاتهم العلمية الأخرى كالتاريخ ، والفقه ، والتفسير والأدب وغير ذلك .
وهذه العلوم هي ما تسمى : "بعلم أصول الحديث" أو علم الحديث "دراية" ذلك علم الحديث ينقسم إلى قسمين :
الأول : علم الحديث رواية ، وهو علم يعرف به ما أضيف إلى النبي صلي الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة ، ونقل ما أضيف من ذلك إلى الصحابة والتابعين على الرأي المختار .
الثاني : علم الحديث دراية وهو علم بقوانين يعرف بها أحوال السند والمتن ، كما قال الشيخ عز الدين بن جماعة : وقال شيخ الإسلام أبو الفضل ابن حجر ، أولى التعاريف له أن يقال : "معرفة القواعد المعرفة بحال الراوي والمروي" (1) والتعريفان يتفقان في البحث عن الراوي والمروي من حيث القبول أو الرد .
وقد نشأت أصول هذا العلم مع نشأة الحديث، إذ كانوا يطلبون من الراوي التثبت وينقدون المرويات ، وقد ازداد الحرص على هذا منذ وقوع الفتن ، فكانوا يقولون : سموا لنا رجالكم ، كما زاد الطلب أيضا عندما قام ابن شهاب الزهري بجمع الحديث من حامليه في الدفاتر والصحف ، ثم بعد ذلك كتب الإمام الشافعي بعض المسائل في كتابيه : "الرسالة" ، و "الأم"، وكان أول من ألف في بعض بحوث هذا العلم هو الإمام علي بن المديني ، كما تكلم في مسائله البخاري ومسلم والترمذي من علماء القرن الثالث، وقام الترمذي فأشاع مسائل هذا العلم وجمع بعضها في خاتمة جامعة .
فتدوين علوم الحديث إذاً ابتدأ في أبواب ، وفي بعض أنواع منه أثناء المائة الثالثة ، وكانت مؤلفات علماء القرن الثالث في هذا العلم غير جامعة لكل أنواعه في كتب خاصة ، ولا مستقلة قائمة بذاتها ، وإنما تعرضوا لبحث هذه العلوم أثناء تأليفهم وجمعهم للمرويات ، فمنهم من جعلها مقدمة لمؤلفه كما فعل الإمام مسلم ، ومنهم من جعلها خاتمة تبين مراده من المصطلحات كما صنع الترمذي في آخر جامعه ، وعنى الإمام البخاري فألف كتبه في التواريخ الثلاثة ، الكبير والأوسط والصغير، كما ألف أيضًا في تواريخ الرواة الإمام محمد بن سعد (كتاب الطبقات الكبرى) ، وخصص البعض مؤلفات في الضعفاء والعلل ككتاب الضعفاء للبخاري ، وكتاب الضعفاء للنسائي ، ورأى بعض العلماء أن هذه الكتب قد تضمنت اصطلاحات خاصة بأهل الحديث وقواعد كثيرة لهم ، يعرف بها المقبول والمردود ، ففكروا في تخليصها في هذه الكتب وجمعها في علم خاص وتدوينها في كتب مستقلة ، وكان ذلك في القرن الرابع . حيث نضجت العلوم واستقر الاصطلاح ، فألف القاضي أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي المتوفى سنة 360هـ كتاب "المحدث الفاصل بين الراوي والواعي"، فجمع كثيرًا من أنواع هذا العلم ، وكان أول من وضع كتاباً مستقلاً في علوم الحديث ، ولكنه لم يستوعب جميع بحوثه ، ثم صنف الحاكم أبو عبد الله النيسابوري المتوفى سنة 405هـ كتابه : "معرفة علوم الحديث"، ولكنه لم يهذب ولم يرتب ، ثم ألف الحافظ الخطيب أبو بكر البغدادي المتوفى سنة 463هـ كتابا في أصول الحديث سماه (الجامع لآداب الشيخ والسامع) ، ثم كثر التصنيف بعد ذلك وتتابع .
وقد تنوعت الدراسة في هذا الفن إلى علوم كثيرة من أهمها : 1-
علم الجرح والتعديل : وقد أدى حرص العلماء على معرفة أحوال الرواة لتمييز الصحيح من غيره إلى نشأة علم الجرح والتعديل ، أو علم ميزان الرجال ، وهو علم يبحث عن الرواة من حيث ما ورد في شأنهم من تعديل يزينهم ، أو تجريح يشينهم، وتكلم في هذا العلم كثيرون من عهد الصحابة إلى المتأخرين من العلماء ، فمن الصحابة: ابن عباس 68هـ ، وعبادة بن الصامت 34هـ ، ومن التابعين سعيد بن المسيب 63هـ ، والشعبي 104هـ .
أما ابتداء التصنيف ووضع الكتب في الجرح والتعديل ، فلم يكن إلا في القرن الثالث ، وكان من أوائل الذين ألفوا في هذا العلم : يحيى بن معين 233هـ ، وأحمد بن حنبل 241هـ ، ومحمد بن سعد كاتب الواقدي ، والبخاري ومسلم وأبو داود السجستاني والنسائي ، ثم تتابع التأليف بعد ذلك .. وألف كذلك أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم بن سعد بن البرقي الزهري مولاهم المصري الحافظ المتوفى سنة تسع وأربعين ومائتين.
وممن كتب في الثقات والضعفاء : أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق السعدي الجوزجاني المتوفى سنة تسع وخمسين ومائتين ، ومن نماذج التأليف في هذا النوع كتاب الضعفاء للإمام البخاري .
كتاب الضعفاء الصغير للإمام البخاري
وقد نهج البخاري في كتابه على ترتيب الأسماء حسب حروف الهجاء مبتدئًا بحرف الألف حتى إذا ما استوعب من اسمه إبراهيم ، جاء بباب من اسمه إسماعيل ثم بباب من اسمه إسحاق ، ثم أيوب ، حتى إذا ما انتهى من حرف الألف ، جاء بباب "الباء" وهكذا إلى باب الياء مثال ذلك قوله:
"إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع بن جارية الأنصاري" يروى عنه وهو كثير الوهم يروى عن الزهري وعمروبن دينار يكتب حديثه .
إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة المدني الأنصاري الأشهلي عن داؤد بن الحصين – منكر الحديث – وهكذا إلى أن انتهى من الأسماء جاء في آخر الكتاب بالكنى من الضعفاء مثال ذلك :
أبو الرجال : سمع النضر بن النضر عن أنس عن أبيه عن النبي صلي الله عليه وسلم "منكر الحديث عنده عجائب".
أبو ماجد الحنفي عن ابن مسعود ، ويقال العجلي ، قال الحميدي عن ابن عيينة عن يحيى هو منكر الحديث .
أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة المدني ، وكان في غالب الأحيان يراعي الترتيب في أسماء الآباء .
وقد جعل لكل حرف بابا ، وتحت كل باب أبواب فرعية كل منها خاص باسم ومعنون به، لكنه لم يلتزم بترتيب أبواب الأسماء على حروف المعجم فقدم من اسمه إسماعيل على من اسمه إسحاق ، وطبع الكتاب بالهند سنة 1325هـ .
كتاب الضعفاء والمتروكين للنسائي
رتب النسائي هذا الكتاب على حروف المعجم ، وقسمه إلى أبواب جاعلاً كل حرف من الحروف الهجائية بابًا ، فبدأ بالألف فالباء .. إلخ .
مثل : باب "إبراهيم" وذكر قائلاً :
"إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع ضعيف مدني"، "إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة ضعيف مدني"، "وإبراهيم بن عطية متروك الحديث واسطى"، "إبراهيم بن الفضل متروك الحديث مدني" ، فإذا ما انتهى ممن اسمه إبراهيم انتقل إلى باب من اسمه "أبان" . ثم إلى باب من اسمه "أبى" . فقال : "أبى بن العباس بن سهل بن سعد الساعدي ليس بالقوي ثم باب من اسمه "أيوب" ثم باب إسماعيل ثم باب إسحاق ، ثم باب أسامة وغيره ، ثم تتبع الحروف "بابا" "بابا" حسب ترتيبها الهجائي وهكذا .
وبعد حرف الياء وهو الحرف الأخير أتى بباب الكنى فقال : "أبو مطيع الخراساني ضعيف".. وفي آخر الكتاب ذكر اسم أم الأسود يروى عنها أحمد ابن يونس غير ثقة . فالإمام النسائي حين يقدم في هذا الكتاب الضعفاء والمتروكين لا يقدمهم أسماء مجردة وإنما يردفها بالرواة الذين أخذوا عنهم حتى يقف الباحث على مصدر الأخذ أثقة هو أم لا ؟ أمنكر هو؟ أمتروك ؟ وهكذا فيبين من روى عنه ويذكر حكمه عليه بالنكارة أو عدم الثقة وهكذا .. ويلاحظ أنه في ترتيب الأسماء رتبها حسب الحرف الأول منها فقط دون نظر إلى بقية الحروف وجعل لكل اسم بابًا كصنيع البخاري . ولم يراع في الترتيب أسماء الآباء إلا قليلاً . ومع ذلك فإن الباحث لا يلقى صعوبة في الكشف فيه ، لأن اسم الراوي يذكر بخط كبير أول السطر ثم يتبعه ببيان حاله كما في الطبعة الهندية سنة 1325هـ .
2- معرفة الصحابة : وهو من العلوم التي تناولها علماء القرن الثالث الهجري بالدراسة والتصنيف ، وتعتبر معرفة الصحابة "فنا هاما من أجلِّ فنون علوم الحديث" .
وقد عنى به العلماء ، في القديم والحديث ، ولهذا العلم ثمرته العظيمة وهي : معرفة الحديث المتصل والمرسل .
قال الحاكم(2): ومن تبحر في معرفة الصحابة فهو حافظ كامل الحفظ فقد رأيت جماعة من مشايخنا يروون الحديث المرسل عن تابعي عن رسول الله صلي الله عليه وسلم يتوهمونه صحابيا . وربما رووا المسند عن صحابي يتوهمونه تابعيًا .
وقد ألفت في معرفة الصحابة كتب ، مرتبة على الحروف أو على القبائل وغير ذلك منها :
1- كتاب أبي بكر أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم بن سعيد بن البرقي الحافظ الثقة المتوفى سنة سبعين ومائتين .
2- "كتاب المعرفة" لأبي محمد عبد الله بن محمد بن عيسى المروزي الشافعي الحافظ المعروف بعبدان المتوفى سنة ثلاث وتسعين ومائتين .
3- معرفة الصحابة لأبي بكر أحمد بن عبد الله ابن عبد الرحيم بن سعيد بن البرقي الحافظ المتوفى سنة سبعين ومائتين .
4- كما ألف في معرفة الصحابة أبو منصور محمد بن سعيد الباروذي المتوفى سنة إحدى وثلاثمائة .
ومن أشهر الكتب في معرفة الصحابة (الاستيعاب في معرفة الأصحاب) لابن عبد البر و (أسد الغابة) لابن الأثير و (الإصابة) لابن حجر.
3- "علم الرواة" وهو علم يعرف به تاريخ رواة الحديث ورحلاتهم ومواطنهم وموالديهم ووفياتهم وكثير من أحوالهم مما له أثر في توهينهم أو تقويتهم ، وأول من عرف عنه الاشتغال بذلك الإمام البخاري ، وابن سعد في طبقاته(3)، ومن ألف في هذا : أبو الوليد أحمد بن محمد بن الوليد بن عتبة ابن الأزرق بن عمرو بن الحارث الأزرقي المتوفى سنة ثلاث وعشرين ومائتين وقيل سنة سبع عشرة ومائتين ونقدم هنا كتاب : "التاريخ الكبير" للإمام البخاري كنموذج حى ، ومثال صحيح للتصنيف في هذا القرن بالنسبة لعلم الرواة