مشاهدة النسخة كاملة : القبح في حاصله عند التحقيق هو إعدام الوجود ...
Mahdi ar-Rusi
15-05-2008, 01:56 PM
يقول العلامة الشيخ سعيد فودة حفظه الله تعالى في شرحه لعقيدة ابن الحاجب رحمه الله تعالى:
"القبح في حاصله عند التحقيق هو إعدام الوجود أو التنقيص من رتبته، والله تعالى كل أفعاله تعالى هي إيجاد، وليس في أفعاله شيء من الإعدام، بل الانعدام يكون ويحصل لكونه من الصفات الذاتية للمكنات التي هي الموجودات غير الله تعالى..."
لا افهم كيف يكون القبح اعدام الوجود او تنقيصا من رتبته .
ارجو من مشايخنا توضيح هذه العبارة .
الزيتوني
15-05-2008, 11:39 PM
أخي الحبيب
أنا وأنت لولا أن الله يمدنا في كل لحظة بالوجود فإنه لا وجود لنا، أي لعُدِمنا، وعلى هذا لولا أنه يمدنا بكمال الوجود أيضا في كل لحظة لعُدِمنا كمال الوجود، أي لصرنا ناقصين، وهو ما يعنيه الشيخ سعيد فودة -كما في نقلك عنه- حينما قال:
القبح في حاصله عند التحقيق هو إعدام الوجود أو التنقيص من رتبته
ثم اعلم أن أصل هذه المسألة من أن "القبح حاصله...الخ" مبني على ما أصلوه في مسألة القدرة، فإذا فهمت ما قالوه فيها فهمت ما هنا، ودعني أوضح لك سريعا:
قولهم مثلا: "إن قدرة الله تعالى تتعلق بكل ممكن إيجادا وإعداما"، هو على معنين:
الأول: أن تفسر (الإيجاد) بأنه إمداد الخلق بالوجود، وتفسر (الإعدام) بأنه إمدادهم بالعدم، فيكون الإعدام كالإيجاد من جهة التعلق بالقدرة، لكن كلا منهما فعل مغاير للآخر من حيث ظهوره.
الثاني: أن تفسر (الإيجاد) بأنه إمداد الخلق بالوجود أيضا، غير أنك ستفسر (الإعدام) على أنه انقطاع إمداد الوجود. وهو الذي رجحه وأراده الشيخ فودة بقوله:
والله تعالى كل أفعاله تعالى هي إيجاد، وليس في أفعاله شيء من الإعدام
يريد أن يقول: ليس هناك انعدام، وإنما هناك سلب للوجود ينتج عنه انعدام نحن نراه ظاهرا في المخلوق، لكن لا تعلق له بذات الله، فـــ
الانعدام يكون ويحصل لكونه من الصفات الذاتية للمكنات التي هي الموجودات غير الله تعالى
واعلم أخي الحبيب أن ما رجحه الشيخ فودة هو رأي الإمام الأشعري؛ حيث يرى أن القدرة لا تتعلق بإعدامنا بعد وجودنا. قال الإمام الباجوري في تحفة المريد على جوهرة التوحيد: "وذهب الأشعري إلى أنها لا تتعلق بإعدامنا بعد وجودنا، بل إذا أراد الله عدم الممكن قطع عنه الإمدادات، فينعدم بنفسه كالفتيلة إذا انقطع عنها الزيت انطفأت بنفسها"اهـ
لكن المشهور الذي جرى عليه الأصحاب أن القدرة تتعلق بالإيجاد والإعدام معا، كما هو المعنى الأول الذي عرضته عليك آنفا، قال الصاوي في شرحه على الجوهرة: "وكما أن قدرة الله تتعلق بالإيجاد، تتعلق بالإعدام على المشهور، وقيل لا تتعلق بالإعدام؛ بل إذا أراد الله إعدام شيء أمسك عنه المدد" اهـ
لكن لتتنبه إلى أن مقصودهم بتعلق القدرة -من عدمه على الخلاف السابق- بالإعدام إنما يعنون به: الإعدام بعد الإيجاد الفعلي، لا أعدامنا الأزلية، فهذه لا تتعلق بها القدرة لأنها من قبيل الواجب، وقدرة الله تعالى لا تتعلق بالواجب بل بالجائز، فتنبه.
قال الصاوي في شرحه أيضا: "واعلم أن أعدامنا الأزلية لا تتعلق بها القدرة ولا الإرادة اتفاقا لوجوبها..."اهـ
أي لوجوب العدم أزلا علينا والقدرة لا تتعلق بالواجب كما علمت، وقال الباجوري في شرحه: "وأما العدم الأزلي فلا تتعلق به القدرة لأنه واجب"اهـ
إذا علمت ما سبق، علمت أن معنى القبح -عند الشيخ سعيد فودة وكما هو اختيار الإمام الأشعري- مجرد قطع إمداد الكمال أو نقصه بأن يمده بمدد أقل فيكون ناقصا عما كان عليه. أما على المشهور فإن القبح معناه إعدام الكمال أو إعدام جزء منه، فتأمل.
والله أعلم.
Mahdi ar-Rusi
17-05-2008, 06:14 AM
إذا علمت ما سبق، علمت أن معنى القبح -عند الشيخ سعيد فودة وكما هو اختيار الإمام الأشعري- مجرد قطع إمداد الكمال
و على هذا الرأي الكفر مثلا هو قطع إمداد الإيمان, أ ليس كذلك؟
الزيتوني
18-05-2008, 02:18 PM
هذا ما أفهمه، وهناك تفصيل، لكن قبل ذلك لو تنقل لي أخي، السابق من كلام الشيخ واللاحق، مع مراعاة الدقة في النقل، وشكرا لكم.
Mahdi ar-Rusi
18-05-2008, 05:18 PM
أفعال الله تعالى كلها حسنة وتقريب فهم ذلك
وجمهور أهل السنة على أن كل ما يفعله تعالى فهو حسن، وأن أفعاله تعالى كلها حسنة وهي غير قابلة لأن توصف بالقبح، بل القبح من صفات أفعال الإنسان، والله تعالى هو خالق أفعال الإنسان لا على ما هي قبيحة بل القبح هو نسبة اكتسبها الإنسان باختياره.
ولعلنا نستطيع تقريب ما ذكرناه هنا من أن أفعاله تعالى لا يمكن أن تتصف بالقبح كما يلي:
القبح في حاصله عند التحقيق هو إعدام الوجود أو التنقيص من رتبته، والله تعالى كل أفعاله تعالى هي إيجاد، وليس في أفعاله شيء من الإعدام، بل الانعدام يكون ويحصل لكونه من الصفات الذاتية للمكنات التي هي الموجودات غير الله تعالى.
فالله تعالى تتعلق إرادته بالممكنات على سبيل الإيجاد لا على سبيل الإعدام، وأما الإعدام فهو يحصل عندما يترك الله تعالى إيجاده للممكن، وهذا الترك ليس فعلاً من أفعال الله تعالى، لأن أفعاله تعالى كلها إيجاد كما مر.
ولذلك فإن كان هذا الانعدام قبيحاً فهو ليس منسوباً لله تعالى حتى يقال إنه يتصور أن تكون بعض أفعاله قبيحة، مما يمهد للقول بوجوب الحسن عليه تعالى عن ذلك.
وبهذا التقرير يتضح معنى قول أهل السنة كيف أن أفعال الله تعالى لا تتصف مطلقاً بأنها قبيحة، بل هي دائماً موصوفة بالحسن والجمال.
ويتضح أيضاً كيف أن أفعال العبيد التي يخلقها الله تعالى لهم وهي قبيحة لا ينسب قبحها إلى الله تعالى، فافهم هذا التوضيح فقد لا تجده هكذا في كتاب.
vBulletin® v3.8.1, Copyright ©2000-2012, Jelsoft Enterprises Ltd.