ميثاق
20-05-2008, 09:00 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
خصائص المدرسة المالكية بالغرب الإسلامي
الكاتب: د. صحراوي خلواتي
تمهيد:
لقد تميزت المدرسة المغربية بخصائص ومؤهلات هائلة رشحتها لتلك المكانة المرموقة ضمن المدارس الأخرى، ومنحتها ذلك النفس المتجدد الذي ظلت تنافح به قرونا طويلة من الزمن، ولم يصبها ما أصاب غيرها من المدارس من أنواع الانحسار والتلاشي الذي انتهى في أغلب الأحيان بالانقراض والانتهاء، فقد كانت هذه المدرسة تحمل بين طياتها بذور بقائها واستمرارها، ولم تزدها الضربات التي أصابتها إلاّ صلابة وقوة، ويرجع ذلك إلى جملة من الخصائص التي يعسر حصرها ويصعب تحديدها ولكن حسبي أن ألوِح على أهمها وأشير إلى أقربها.
1. مراعاة الخلاف العالي:
يعرف علم الخلاف بأنّه "علم يعرف به كيفية إيراد الحجج الشرعية ودفع الشبه وقوادح الأدلة الخلافية بإيراد البراهين القطعية، وهو الجدل الذي هو قسم من المنطق إلاّ أنّه خصّ بالمقاصد الدينية([1])".
وقد ألّف مالكية الغرب الإسلامي في هذا النوع من العلوم ما يعد كثرة، إلاّ أنّ تآليفهم لم تصل إلى الشهرة والكثرة التي تميز بها مالكية العراق الذين كانوا يعيشون في جو كثرت فيه المذاهب الفقهية، فقد كانوا يعاصرون الحنفية والشافعية وكان بينهم من المد والجزر ما كان، بالإضافة إلى أنّ البيئة العراقية كانت تزخر بنشاط عارم لكل التيارات العلمية بكل أطيافها السياسية والعقدية والفقهية والحديثية واللغوية والصوفية وغيرها، فكان من الطبيعي أن يكون ذلك الزخم الهائل من التصانيف في هذا الميدان، أمّا المدرسة المغاربية فكانت أقل احتضانا للصراعات الفقهية والعقدية لسلطان المذهب المالكي واستيعابه تقريبا لكل المنطقة اللهمّ إلاّ ما ندر وقلّ ممن كان لا يصدع بانتسابه لغير المذهب المالكي لاسيما بلاد الأندلس التي هدد أميرها كل خارج عن المذهب بالعقاب والنكال([2]).
ويقوم علم الخلاف على الرد على المخالفين واثبات الخلل في أقوالهم ونقض حججهم وبراهينهم، وفي المقابل الانتصار لآرائهم وإظهار ما تحتوي عليه من الحجية والغلبة، ورغم قلة باع المغاربة في هذا الميدان إلاّ أنّهم سبقوا غيرهم في هذا الفن بما ألّفه محمد بن سحنون من خلال كتابه الموسوم بكتاب الجوابات والذي يسمى أيضا بكتاب الرد على الشافعي وعلى أهل العراق ويقع في خمسة كتب([3])، وألّف أبو الوليد الباجي كتابه الشهير السراج في عمل الحجاج، وهو كتاب في مسائل الخلاف كبير لم يتمه صاحبه، ويرد هذا الكتاب بعنوان آخر هو كتاب المنهاج في ترتيب الحجاج([4]).
ولم يغفل كثير من علماء المغاربة عند شرحهم لمدونة سحنون مراعاة الخلاف في كثير من القضايا التي خالف فيها المالكية غيرهم، من ذلك كتاب التعليق على المدونة لابن الصائغ عبد الحميد القيرواني الذي كان يعرج على الخلاف خارج المذهب ولا يكتفي بسرد الآراء الواردة في المذهب فقط([5]).
أمّا أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد فقد ظهر الخلاف العالي في كتابه المقدمات الممهدات لبيان ما اقتضته رسوم المدونة من الأحكام الشرعيات جليا، فهو في هذا الكتاب ينظر في ميدان الخلاف العالي وينافح عن المذهب المالكي بالحجة والبرهان([6]).
وألّف محمد بن عبد الله بن العربي المعافري كتابه الشهير الإنصاف في مسائل الخلاف وهو كتاب ضخم يقع في عشرين مجلدا.
أمّا ابن رشد الحفيد فكتابه بداية المجتهد ونهاية المقتصد يعتبر أفضل ما ألّف في هذا الميدان في وقته فقد ذكر فيه أسباب الخلاف وعللّ فأفاد وبسط فأمتع.
2. الموسوعية وسعة الاطلاع:
لقد كان رجال هذه المدرسة موسوعيين بما تحمله هذه اللفظة من معاني، فلم يقتصروا على فن بعينه بل طارت هممهم أبعد من ذلك فعالجوا كلّ الفنون وطرقوا كلّ العلوم، وقد لا يكون غريبا أن يتخصص كل عالم في فن، بل الغريب أن يحوز عالم واحد فنونا متعددة ويحيط بعلوم مختلفة يعسر الواحد منها لتحصيلها على الواحد منا، وربما تطلب العلم الواحد من الزمن عمرا بأكمله، فقد أحاطوا بعلوم القرآن وتفسيره والحديث وعلومه ومصطلحاته وقواعده، والفقه ومذاهبه وأصوله، وعلم الكلام والفلسفة والسير والتاريخ، واللغة وقواعدها من نحو وصرف وبلاغة أدب وشعر، ومنطق وحساب وطب،كما كانوا يتقنون القراءات والتجويد وغيرها... وبالجملة فقد كانت كتبهم عبارة عن دائرة المعارف الإسلامية الكبرى.
فهذا ابن سحنون طرق أبوابا كثيرة من أبواب العلم فقد ألّف كتابه الكبير مائة جزء، عشرون في السير وخمسة وعشرون في الأمثال، وعشرة في آداب القضاة وخمسة في الفرائض وأربعة في الإقرار وأربعة في التاريخ في الطبقات والباقي في فنون العلم، وألّف في أحكام القرآن([7])، وألّف كتابه المسند في الحديث، وكتابه الكبير المشهور الجامع جمع فيه فنون العلم والفقه فيه عدة كتب نحو الستين، وكتاب السير عشرون كتابا وكتابه في المعلمين ورسالته في السنة وكتاب الإمامة وكتاب الرد على البكرية وكتاب الورع وكتاب الإيمان وكتاب الرد على أهل الشرك وكتاب الرد على أهل البدع ثلاثة كتب، وكتاب الجوابات خمسة كتب وكتاب التاريخ ستة أجزاء([8]).
لذلك لمّا نظر محمد بن عبد الحكم في كتاب الجامع قال "هذا كتاب رجل يسبح في العلم سبحا"([9]).
أمّا ابن أبي زيد القيرواني فقد كان آية في التأليف وقد طرق فنون عديدة أتقنها أيّما إتقان وأبدع فيها أيّما إبداع، وأشهرها كتاب الرسالة التي ألّفها وعمره لا يزيد عن سبع عشرة سنة([10])والتي طار ذكرها شرقا وغربا، وكتب لها القبول في قلوب النّاس على مدى الأزمان، وكتاب النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات في مائة جزء، وكتاب البيان عن إعجاز القرآن، وكتاب تهذيب العتبية، وكتاب الجامع في السنن والأداب والمغازي والتاريخ، وكتاب مختصر المدونة، وكتاب كشف التلبيس في الرد على البكرية، وكتاب الذب عن مذهب مالك، وكتاب إثبات كرامات الأولياء وغيرها([11]).
أمّا المازري فقد تفنن في التأليف وأبدع وترك للخزانة الإسلامية دررا متنوعة لا تزال تشهد له بالنبوغ والتفوق، ولعلّ أهم ما كتب شرح التلقين ليس للمالكية مثله، وشرح البرهان لأبي المعالي، والمعلم في شرح صحيح مسلم الذي وصفه ابن خلدون فقال "اشتمل على عيون من علم الحديث وفنون من الفقه"([12])، والكتاب الكبير وهو كتاب التعلقة على المدونة، وكتاب الرد على الإحياء للغزالي، والنكت القطعية في الرد على الحشوية، نظم الفرائد في علم العقائد، وله الفتاوى والرسائل الكثيرة، وألّف في الطب فكان يفزع إليه في الطب كما يفزع إليه في الفتوى([13]).
ومن أصحاب التواليف الكثيرة المفيدة ابن عبد البر يوسف بن عبد الله الذي طارت تآليفه بالأفاق وطرق بها ميادين مختلفة، فقد ألّف في الحديث والفقه والآثار والأنساب وغيرها، ومن أهم كتبه كتاب التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد وهو سبعون جزءا، وكتاب الاستذكار لمذاهب علماء الأمصار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والأثار، وكتاب الاستيعاب جمع فيه أسماء الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وكتاب الكافي في الفقه، وكتاب جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله، كتاب جمهرة الأنساب، وكتاب بهجة المجالس في ثلاثة أسفار([14]) وغيرها.
أمّا الحديث عن مؤلفات سليمان بن خلف الباجي فهو حديث عن التأليف الحسن المتفنن المشهور، فقد ألّف رحمه الله تصانيف مشهورة جليلة متنوعة، فقد كتب في الحديث والقرآن والرجال والعقائد إلاّ أنّه كان أبلغ في الفقه وإتقانه على طريقة النظار البغداديين وحذاق القرويين([15])، ومن أهم تآليفه المنتقى في شرح الموطأ، وقد اختصره من كتاب حافل جليل سماه الاستيفاء، ثم اختصر المنتقى في كتاب سمّاه الإيماء، ومنها كتاب السراج في علم الحجاج، وكتاب مسائل الخلاف وكتاب المقتبس من علم مالك بن أنس، وكتاب المهذب في اختصار المدونة، وكتاب شرح المدونة، وكتاب اختلاف الموطأ، وكتاب مختصر المختصر في مسائل المدونة، وكتاب أحكام الفصول في أحكام الأصول، وكتاب الحدود في أصول الفقه، وكتاب الإشارة في أصول الفقه، وكتاب تبيين المنهاج، وكتاب التشديد إلى معرفة طريق التوحيد، وكتاب تفسير القرآن، وكتاب فرق الفقهاء، وكتاب الناسخ والمنسوخ، وكتاب التعديل والتجريح، وكتاب فصول الأحكام وبيان ما مضى عليه العمل عند الفقهاء من الأحكام([16])، وغيرها من الكتب ....
أمّا عبد الملك بن حبيب فقد كان آية في التأليف والكتابة سئل يوما كم كتبك التي ألفت فقال: ألف كتاب وخمسون كتابا، فقد ألّف في الفقه والتاريخ والحديث والأدب والتراجم..، من أهم مؤلفاته الواضحة في السنن والفقه لم يألف مثلها، والجامع، وكتاب فضائل الصحابة، وكتاب غريب الحديث، وكتاب تفسير الموطأ، وكتاب حروب الإسلام، وكتاب المسجدين، وكتاب مصابيح الهدى، وكتاب طبقات الفقهاء والتابعين، وغيرها من الكتب...
هذا غيض من فيض وبعض من كل ممّا تميز به علماء هذه المدرسة.
3. الطول والأطناب في المصنفات:
لقد تميزت معظم مصنفات هذه المدرسة بالطول والأطناب سواء تلك التي عالجت علما واحدا أو علوما كثيرة، فقد غطّت دراساتهم مساحات واسعة من الورق اتسمت في معظمها بالدقة والإحاطة، وتميزت بالجدية والشمول، ولعلّ السبب من وراء هذا الأطناب هو بسط قضايا الدين وشرح أحكامه وتفريغ مسائله بما يروي غليل السائل ويزيل عنه اللّبس والإبهام ويكشف له أسرار العلوم ويفتح له مغلقاته.
لذلك جاءت مصنفاتهم واضحة بيّنة لا يتحرج المبتدئ في الأخذ منها والانتفاع بها، وهي كثيرة في كل الأطوار التي مرت بها المدرسة المغربية منها الأمهات والدواوين والشروح والحواشي، ولعلّ من أهمها المدونة التي ألّفها الإمام عبد السلام سحنون والتي هي في حقيقة الأمر "ثمرة مجهود ثلاثة من الأئمة مالك بإجاباته وابن القاسم بقياساته وزياداته وسحنون بتهذيبه وتنقيحه وتبويبه وبعض إضافاته"([17]).
"ولقد ضمت المدونة بين دفتيها حوالي ستة وثلاثين ألف مسألة إلى جانب الأحاديث والآثار"([18]) ولقد حظيت بالاهتمام والعناية ما لم يحظ به كتاب فقهي آخر، فبين شارح لها وبين معلق عليها ومختصر لمسائلها.
ومن الأمهات الواضحة في السنن والفقه لعبد الملك بن حبيب وهو كتاب ضخم حظي بمكانة متميزة في القرنين الثالث والرابع الهجري جمع بين دفتيه أراء المدارس المالكية التي تتلمذ عليها ابن حبيب "فهو كتاب شامل يضاهي المدونة في بنائه وتكوينه الداخلي"([19]).
ومن الأمهات العتبية أو المستخرجة لمحمد بن أحمد بن عبد العزيز العتبي القرطبي، وسميت بالمستخرجة لأنّه استخرجها من الأسمعة التي رويت عن الإمام مالك بواسطة تلاميذه وتلاميذهم([20])،وقد وصفها ابن حزم فقال :"إن لها القدر العالي والطيران الحثيث"([21])، ولقد اعتني بها كثير من العلماء بين شارح ومختصر ومن أهمهم ابن رشد الجد من خلال شرحه لها في كتابه المشهور البيان والتحصيل الذي كان سببا في حفظها وإلاّ ضاعت مع التراث الذي ضاع.
ومن الدواوين أيضا كتاب محمد بن سحنون الكبير الذي يقع في مائة جزء، وكتابه الجامع وهو كتاب كبير مشهور يقع في نحو ستين كتاب([22])، وألف ابن عبدوس كتابه المجموعة في نحو خمسين كتابا([23])، وألّف عيسى بن دينار كتاب الهداية في عشرة أجزاء وله سماعه المشهور على ابن القاسم في عشرين كتابا([24]).
ومن الموسوعات الفقهية نجد النوادر والزيادات لابن أبي زيد القيرواني، والجامع لابن يونس الصقلي، والتمهيد والاستذكار لابن عبد البر، والتبصرة للخمي، والبيان والتحصيل لأبي الوليد بن رشد، وشرح التلقين للمازري، والنهاية والتمام في معرفة الوثائق والأحكام للمتيطي، ومناهج التحصيل للرجراجي، والمختصر في الفقه المالكي لابن عرفة الورغمي، والمعيار المعرب للونشريسي، وأحكام البرزلي لأبي القاسم بن أحمد البرزلي، ونوازل التسولي لأبي الحسن علي بن عبد السلام التسولي، والمعيار الجديد لأبي عيسى المهدي بن محمد بن محمد بن الأخضر العمراني الوزاني، وغيرها من الموسوعات الكثيرة التي يصل عدد بعضها إلى خمسين مجلدا كما هو الشأن بالنسبة لكتاب الممهد للورياغلي([25]) وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدل على العلم الزاخر الذي حظي به هؤلاء.
خصائص المدرسة المالكية بالغرب الإسلامي
الكاتب: د. صحراوي خلواتي
تمهيد:
لقد تميزت المدرسة المغربية بخصائص ومؤهلات هائلة رشحتها لتلك المكانة المرموقة ضمن المدارس الأخرى، ومنحتها ذلك النفس المتجدد الذي ظلت تنافح به قرونا طويلة من الزمن، ولم يصبها ما أصاب غيرها من المدارس من أنواع الانحسار والتلاشي الذي انتهى في أغلب الأحيان بالانقراض والانتهاء، فقد كانت هذه المدرسة تحمل بين طياتها بذور بقائها واستمرارها، ولم تزدها الضربات التي أصابتها إلاّ صلابة وقوة، ويرجع ذلك إلى جملة من الخصائص التي يعسر حصرها ويصعب تحديدها ولكن حسبي أن ألوِح على أهمها وأشير إلى أقربها.
1. مراعاة الخلاف العالي:
يعرف علم الخلاف بأنّه "علم يعرف به كيفية إيراد الحجج الشرعية ودفع الشبه وقوادح الأدلة الخلافية بإيراد البراهين القطعية، وهو الجدل الذي هو قسم من المنطق إلاّ أنّه خصّ بالمقاصد الدينية([1])".
وقد ألّف مالكية الغرب الإسلامي في هذا النوع من العلوم ما يعد كثرة، إلاّ أنّ تآليفهم لم تصل إلى الشهرة والكثرة التي تميز بها مالكية العراق الذين كانوا يعيشون في جو كثرت فيه المذاهب الفقهية، فقد كانوا يعاصرون الحنفية والشافعية وكان بينهم من المد والجزر ما كان، بالإضافة إلى أنّ البيئة العراقية كانت تزخر بنشاط عارم لكل التيارات العلمية بكل أطيافها السياسية والعقدية والفقهية والحديثية واللغوية والصوفية وغيرها، فكان من الطبيعي أن يكون ذلك الزخم الهائل من التصانيف في هذا الميدان، أمّا المدرسة المغاربية فكانت أقل احتضانا للصراعات الفقهية والعقدية لسلطان المذهب المالكي واستيعابه تقريبا لكل المنطقة اللهمّ إلاّ ما ندر وقلّ ممن كان لا يصدع بانتسابه لغير المذهب المالكي لاسيما بلاد الأندلس التي هدد أميرها كل خارج عن المذهب بالعقاب والنكال([2]).
ويقوم علم الخلاف على الرد على المخالفين واثبات الخلل في أقوالهم ونقض حججهم وبراهينهم، وفي المقابل الانتصار لآرائهم وإظهار ما تحتوي عليه من الحجية والغلبة، ورغم قلة باع المغاربة في هذا الميدان إلاّ أنّهم سبقوا غيرهم في هذا الفن بما ألّفه محمد بن سحنون من خلال كتابه الموسوم بكتاب الجوابات والذي يسمى أيضا بكتاب الرد على الشافعي وعلى أهل العراق ويقع في خمسة كتب([3])، وألّف أبو الوليد الباجي كتابه الشهير السراج في عمل الحجاج، وهو كتاب في مسائل الخلاف كبير لم يتمه صاحبه، ويرد هذا الكتاب بعنوان آخر هو كتاب المنهاج في ترتيب الحجاج([4]).
ولم يغفل كثير من علماء المغاربة عند شرحهم لمدونة سحنون مراعاة الخلاف في كثير من القضايا التي خالف فيها المالكية غيرهم، من ذلك كتاب التعليق على المدونة لابن الصائغ عبد الحميد القيرواني الذي كان يعرج على الخلاف خارج المذهب ولا يكتفي بسرد الآراء الواردة في المذهب فقط([5]).
أمّا أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد فقد ظهر الخلاف العالي في كتابه المقدمات الممهدات لبيان ما اقتضته رسوم المدونة من الأحكام الشرعيات جليا، فهو في هذا الكتاب ينظر في ميدان الخلاف العالي وينافح عن المذهب المالكي بالحجة والبرهان([6]).
وألّف محمد بن عبد الله بن العربي المعافري كتابه الشهير الإنصاف في مسائل الخلاف وهو كتاب ضخم يقع في عشرين مجلدا.
أمّا ابن رشد الحفيد فكتابه بداية المجتهد ونهاية المقتصد يعتبر أفضل ما ألّف في هذا الميدان في وقته فقد ذكر فيه أسباب الخلاف وعللّ فأفاد وبسط فأمتع.
2. الموسوعية وسعة الاطلاع:
لقد كان رجال هذه المدرسة موسوعيين بما تحمله هذه اللفظة من معاني، فلم يقتصروا على فن بعينه بل طارت هممهم أبعد من ذلك فعالجوا كلّ الفنون وطرقوا كلّ العلوم، وقد لا يكون غريبا أن يتخصص كل عالم في فن، بل الغريب أن يحوز عالم واحد فنونا متعددة ويحيط بعلوم مختلفة يعسر الواحد منها لتحصيلها على الواحد منا، وربما تطلب العلم الواحد من الزمن عمرا بأكمله، فقد أحاطوا بعلوم القرآن وتفسيره والحديث وعلومه ومصطلحاته وقواعده، والفقه ومذاهبه وأصوله، وعلم الكلام والفلسفة والسير والتاريخ، واللغة وقواعدها من نحو وصرف وبلاغة أدب وشعر، ومنطق وحساب وطب،كما كانوا يتقنون القراءات والتجويد وغيرها... وبالجملة فقد كانت كتبهم عبارة عن دائرة المعارف الإسلامية الكبرى.
فهذا ابن سحنون طرق أبوابا كثيرة من أبواب العلم فقد ألّف كتابه الكبير مائة جزء، عشرون في السير وخمسة وعشرون في الأمثال، وعشرة في آداب القضاة وخمسة في الفرائض وأربعة في الإقرار وأربعة في التاريخ في الطبقات والباقي في فنون العلم، وألّف في أحكام القرآن([7])، وألّف كتابه المسند في الحديث، وكتابه الكبير المشهور الجامع جمع فيه فنون العلم والفقه فيه عدة كتب نحو الستين، وكتاب السير عشرون كتابا وكتابه في المعلمين ورسالته في السنة وكتاب الإمامة وكتاب الرد على البكرية وكتاب الورع وكتاب الإيمان وكتاب الرد على أهل الشرك وكتاب الرد على أهل البدع ثلاثة كتب، وكتاب الجوابات خمسة كتب وكتاب التاريخ ستة أجزاء([8]).
لذلك لمّا نظر محمد بن عبد الحكم في كتاب الجامع قال "هذا كتاب رجل يسبح في العلم سبحا"([9]).
أمّا ابن أبي زيد القيرواني فقد كان آية في التأليف وقد طرق فنون عديدة أتقنها أيّما إتقان وأبدع فيها أيّما إبداع، وأشهرها كتاب الرسالة التي ألّفها وعمره لا يزيد عن سبع عشرة سنة([10])والتي طار ذكرها شرقا وغربا، وكتب لها القبول في قلوب النّاس على مدى الأزمان، وكتاب النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات في مائة جزء، وكتاب البيان عن إعجاز القرآن، وكتاب تهذيب العتبية، وكتاب الجامع في السنن والأداب والمغازي والتاريخ، وكتاب مختصر المدونة، وكتاب كشف التلبيس في الرد على البكرية، وكتاب الذب عن مذهب مالك، وكتاب إثبات كرامات الأولياء وغيرها([11]).
أمّا المازري فقد تفنن في التأليف وأبدع وترك للخزانة الإسلامية دررا متنوعة لا تزال تشهد له بالنبوغ والتفوق، ولعلّ أهم ما كتب شرح التلقين ليس للمالكية مثله، وشرح البرهان لأبي المعالي، والمعلم في شرح صحيح مسلم الذي وصفه ابن خلدون فقال "اشتمل على عيون من علم الحديث وفنون من الفقه"([12])، والكتاب الكبير وهو كتاب التعلقة على المدونة، وكتاب الرد على الإحياء للغزالي، والنكت القطعية في الرد على الحشوية، نظم الفرائد في علم العقائد، وله الفتاوى والرسائل الكثيرة، وألّف في الطب فكان يفزع إليه في الطب كما يفزع إليه في الفتوى([13]).
ومن أصحاب التواليف الكثيرة المفيدة ابن عبد البر يوسف بن عبد الله الذي طارت تآليفه بالأفاق وطرق بها ميادين مختلفة، فقد ألّف في الحديث والفقه والآثار والأنساب وغيرها، ومن أهم كتبه كتاب التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد وهو سبعون جزءا، وكتاب الاستذكار لمذاهب علماء الأمصار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والأثار، وكتاب الاستيعاب جمع فيه أسماء الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وكتاب الكافي في الفقه، وكتاب جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله، كتاب جمهرة الأنساب، وكتاب بهجة المجالس في ثلاثة أسفار([14]) وغيرها.
أمّا الحديث عن مؤلفات سليمان بن خلف الباجي فهو حديث عن التأليف الحسن المتفنن المشهور، فقد ألّف رحمه الله تصانيف مشهورة جليلة متنوعة، فقد كتب في الحديث والقرآن والرجال والعقائد إلاّ أنّه كان أبلغ في الفقه وإتقانه على طريقة النظار البغداديين وحذاق القرويين([15])، ومن أهم تآليفه المنتقى في شرح الموطأ، وقد اختصره من كتاب حافل جليل سماه الاستيفاء، ثم اختصر المنتقى في كتاب سمّاه الإيماء، ومنها كتاب السراج في علم الحجاج، وكتاب مسائل الخلاف وكتاب المقتبس من علم مالك بن أنس، وكتاب المهذب في اختصار المدونة، وكتاب شرح المدونة، وكتاب اختلاف الموطأ، وكتاب مختصر المختصر في مسائل المدونة، وكتاب أحكام الفصول في أحكام الأصول، وكتاب الحدود في أصول الفقه، وكتاب الإشارة في أصول الفقه، وكتاب تبيين المنهاج، وكتاب التشديد إلى معرفة طريق التوحيد، وكتاب تفسير القرآن، وكتاب فرق الفقهاء، وكتاب الناسخ والمنسوخ، وكتاب التعديل والتجريح، وكتاب فصول الأحكام وبيان ما مضى عليه العمل عند الفقهاء من الأحكام([16])، وغيرها من الكتب ....
أمّا عبد الملك بن حبيب فقد كان آية في التأليف والكتابة سئل يوما كم كتبك التي ألفت فقال: ألف كتاب وخمسون كتابا، فقد ألّف في الفقه والتاريخ والحديث والأدب والتراجم..، من أهم مؤلفاته الواضحة في السنن والفقه لم يألف مثلها، والجامع، وكتاب فضائل الصحابة، وكتاب غريب الحديث، وكتاب تفسير الموطأ، وكتاب حروب الإسلام، وكتاب المسجدين، وكتاب مصابيح الهدى، وكتاب طبقات الفقهاء والتابعين، وغيرها من الكتب...
هذا غيض من فيض وبعض من كل ممّا تميز به علماء هذه المدرسة.
3. الطول والأطناب في المصنفات:
لقد تميزت معظم مصنفات هذه المدرسة بالطول والأطناب سواء تلك التي عالجت علما واحدا أو علوما كثيرة، فقد غطّت دراساتهم مساحات واسعة من الورق اتسمت في معظمها بالدقة والإحاطة، وتميزت بالجدية والشمول، ولعلّ السبب من وراء هذا الأطناب هو بسط قضايا الدين وشرح أحكامه وتفريغ مسائله بما يروي غليل السائل ويزيل عنه اللّبس والإبهام ويكشف له أسرار العلوم ويفتح له مغلقاته.
لذلك جاءت مصنفاتهم واضحة بيّنة لا يتحرج المبتدئ في الأخذ منها والانتفاع بها، وهي كثيرة في كل الأطوار التي مرت بها المدرسة المغربية منها الأمهات والدواوين والشروح والحواشي، ولعلّ من أهمها المدونة التي ألّفها الإمام عبد السلام سحنون والتي هي في حقيقة الأمر "ثمرة مجهود ثلاثة من الأئمة مالك بإجاباته وابن القاسم بقياساته وزياداته وسحنون بتهذيبه وتنقيحه وتبويبه وبعض إضافاته"([17]).
"ولقد ضمت المدونة بين دفتيها حوالي ستة وثلاثين ألف مسألة إلى جانب الأحاديث والآثار"([18]) ولقد حظيت بالاهتمام والعناية ما لم يحظ به كتاب فقهي آخر، فبين شارح لها وبين معلق عليها ومختصر لمسائلها.
ومن الأمهات الواضحة في السنن والفقه لعبد الملك بن حبيب وهو كتاب ضخم حظي بمكانة متميزة في القرنين الثالث والرابع الهجري جمع بين دفتيه أراء المدارس المالكية التي تتلمذ عليها ابن حبيب "فهو كتاب شامل يضاهي المدونة في بنائه وتكوينه الداخلي"([19]).
ومن الأمهات العتبية أو المستخرجة لمحمد بن أحمد بن عبد العزيز العتبي القرطبي، وسميت بالمستخرجة لأنّه استخرجها من الأسمعة التي رويت عن الإمام مالك بواسطة تلاميذه وتلاميذهم([20])،وقد وصفها ابن حزم فقال :"إن لها القدر العالي والطيران الحثيث"([21])، ولقد اعتني بها كثير من العلماء بين شارح ومختصر ومن أهمهم ابن رشد الجد من خلال شرحه لها في كتابه المشهور البيان والتحصيل الذي كان سببا في حفظها وإلاّ ضاعت مع التراث الذي ضاع.
ومن الدواوين أيضا كتاب محمد بن سحنون الكبير الذي يقع في مائة جزء، وكتابه الجامع وهو كتاب كبير مشهور يقع في نحو ستين كتاب([22])، وألف ابن عبدوس كتابه المجموعة في نحو خمسين كتابا([23])، وألّف عيسى بن دينار كتاب الهداية في عشرة أجزاء وله سماعه المشهور على ابن القاسم في عشرين كتابا([24]).
ومن الموسوعات الفقهية نجد النوادر والزيادات لابن أبي زيد القيرواني، والجامع لابن يونس الصقلي، والتمهيد والاستذكار لابن عبد البر، والتبصرة للخمي، والبيان والتحصيل لأبي الوليد بن رشد، وشرح التلقين للمازري، والنهاية والتمام في معرفة الوثائق والأحكام للمتيطي، ومناهج التحصيل للرجراجي، والمختصر في الفقه المالكي لابن عرفة الورغمي، والمعيار المعرب للونشريسي، وأحكام البرزلي لأبي القاسم بن أحمد البرزلي، ونوازل التسولي لأبي الحسن علي بن عبد السلام التسولي، والمعيار الجديد لأبي عيسى المهدي بن محمد بن محمد بن الأخضر العمراني الوزاني، وغيرها من الموسوعات الكثيرة التي يصل عدد بعضها إلى خمسين مجلدا كما هو الشأن بالنسبة لكتاب الممهد للورياغلي([25]) وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدل على العلم الزاخر الذي حظي به هؤلاء.