المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سؤال للشيخ فودة حفظه الله تعالى


فاروق العطاف
26-03-2008, 10:18 PM
سألت بعض العلماء الكرام عن بعض تقريراته لمسألة الفوقية
فأجابني بكلام أرغب من فضيلتكم التعليق عليه لأنه تعسر على عقلي قبوله فأرجو البيان الشافي ولكم فائق التقدير والمحبة .
مع العلم أنني لا أريد الدخول أبداً في ذكر شخص المجيب على سؤالي سابقاً وأرجو من الأخوة الأعضاء التفضل بعد التدخل في الإجابة لأن غرضي الفائدة العلمية فقط لنفسي ولمن شاء .وأرجو من الإدارة التعاون في تذليل ذلك .
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

سألت هذا الشيخ الفاضل فقلت :
تقريركم بارك الله بحياتكم للفوقية الحقيقية مع كون العالم حادثا فهو مشكل من جهتين:
الجهة الأولى: أين يكون العالم بالنسة لمن هو فوقهم؟
الجهة الثانية: لزوم حدوث هذه الصفة لله تعالى بعد حدوث العالم؟
فقال حفظه الله تعالى :أما الجواب على الإشكال الأول فنقول: قد حققنا في رسالتنا [.......] أن علو الله تعالى على خلقه، وفوقيته لهم تؤلان إلى بينونة الله تعالى للعالم وكونه بائنا عنهم الذي أثبته الإمام أبي الحسن الأشعري وغيره ممن تقدمه ومن متقدمي أصحابه لله تعالى، وذلك لأن الله تعالى لم يخلق العالم في ذاته، ولم يحل فيه بعد أن خلقه، فهو بائن عنه إذن.
وحققنا في هذه الرسالة أن الجهات الست إنما تتحقق في ضمن العالم، وتنته بانتهائه، والله تعالى ليس في ضمن العالم، بل هو بائن عنه، فالله إذن ليس في جهة من العالم كما أن العالم ليس في جهة منه تعالى.
وأما ما ورد في الكتاب والسنة من النصوص المصرحة بأن الله تعالى فوق خلقه، وبأنه عال عليهم، فإنما وردت على سبيل تشريف الله تعالى بوصفه بالعلو والفوقية لما فيهما من الشرف، دون صفة التحتية، فالمثبت لله تعالى بهذه النصوص هو صفة العلو والفوقية، لا جهة العلو والفوقية، لعدم تصور الجهة بالنسبة إليه تعالى لانتهائها بانتهاء العالم، والله تعالى بائن عن العالم وليس حالا فيه.
فإذا كان الله فوق العالم بهذا المعنى كان العالم تحته بضد هذا المعنى. هذا بحسب التحقيق من انقطاع الجهات بانقطاع العالم.
وأما بحسب العرف: فأهل العرف يعدون ما حاذى الرأس فوقا وعاليا، والكتاب والسنة قد وردا بحسب تخاطب العرب وعرفهم، وما وراء العالم محاذ لراس الإنسان، والله تعالى بائن عن خلقه وخارج عنه وورائه، فالله تعالى بحسب المعنى العرفي للفوقية والعلو عال على العالم وفوقه، وإذا كان الله تعالى فوق العالم فيعتبر العالم تحته بالنسبة إلى تصور الإنسان وعرفه، فالعلو بهذا المعنى لله تعالى أيضا عبارة عن البينونة وكونه تعالى بائنا عن العالم وخارجا عنه،فعلوه تعالى وفوقيته بالنسبة إلى العالم كله، وإلى كل أجزائه، لكونه تعالى بائنا عن العالم كله وعن كل أجزائه، والعلو كما قلنا راجع إلى البينونة، وليس علوه وفوقيته تعالى عبارة عن كونه تعالى في جهة معينة من العالم، حتى يكون تعالى عاليا بالنسبة إلى بعض أجزاء العالم دون بعض، وعاليا بالنسبة إلى أقوام دون أقوام، لأن بينونته تعالى بالنسبة إلى كل ذلك، لا بالنسبة إلى قسم منه.
وإن سمى بعض الناس هذه البينونة جهة فنسلم له المعنى، ونخطئه في التسمية وإطلاق الجهة، لأن الإطلاق يحتاج إلى التوقيف من الشارع، ولا توقيف عنه في اطلاق الجهة بالنسبة إليه تعالى، ومن أجل ذلك قال علماء الكلام: وإن كان من اطلق الجهة بالنسة إلى الله تعالى أراد لا ككون الأجسام في جهة فالنزاع أئل إلى اللفظ دون المعنى، والأمر في الاطلاق متوقف على ورود الشرع، فإذا لم يكن متحيزا، ولا مما تحيطه الأبعاد والإمتدادات، فلا معنى لكونه في الجهة إلا من جهة اللفظ فقط.

أما الجواب على الإشكال الثاني: وهو لزوم حدوث صفة الفوقية لله تعالى بعد حدوث العالمفنقول: الممتنع على الله تعالى هو قيام الحوادث بذاته لا اتصافه بالحوادث، وأما اتصاف الله تعالى بالحوادث بدون أن تقوم هذه الحوادث بذاته تعالى فهو جائز وواقع، فإن الله تعالى متصف بصفات الفعل مع أنها حادثة، وكذلك متصف ببعض صفات الإضافة مع حدوثها: مثل كون الله مع العالم بعد أن خلقه، فهذه صفة حادثة لله تعالى، لكنها ليست قائمة به تعالى، وكذلك كونه بعد العالم بعد أن يعدمه.
وتحقيق ذلك أن الممتنع على الله تعالى هو اتصافه بالصفات الحقيقية الحادثة القائمة بذاته تعالى: مثل أن يكون علمه تعالى أو قدرته أو إرادته حادثة، ومثل ذلك سائر الصفات السبع، وأما اتصافه تعالى بالصفات الحادثة الغير الحقيقية من صفات الفعل وصفات الإضافة فجائز وواقع، لأنها ليست صفات حقيقية ولا قائمة بذاته تعالى، حتى يلزم قيام الحوادث بذاته تعالى.
وقد فصلنا هذه المسألة في تعليقاتنا على شرح الباجوري لجوهرة التوحيد.
فما قاله الأخ السائل من لزوم حدوث صفة الفوقية للعالم لله سبحانه وتعالى صحيح، ولكن هذه الصفة من قبيل صفات الإضافة، فيجوز اتصاف الله تعالى بها مع حدوثها، وليست من قبيل الصفات الحقيقية القائمة بذاته تعالى، حتى يمتنع حدوثها لله تعالى

المسألة الثالثة: بيان وجه الضرورة في قولكم: (وإلا فمن الضروري أن الذي لا يكون داخل العالم يكون بائنا عنه وخارجا عنه) كما في "رسالة [.........] مع اعتقاد أنه قبل خلق العالم لا يوصف بأنه داخل العالم أو خارج العالم، فكيف يكون ضروريا؟!

أقول:من المقرر أن الأمور الضرورية لا يستدل عليها، وإلا لكانت نظرية لا ضرورية، والمفروض أنها ضرورية، ولكنها قد ينبه عليها، فنقول تنبيها على ضرورية ما قلناه: إن الله تعالى لم يخلق العالم في نفسه ولا حل فيه بعد أن خلقه، فمن الضروري إذن أنه ليس داخل العالم، وأنه تعالى بائن عنه، وخارج عنه.
ثم نقول –كما قال بعض المحققين-: إن بعض العقلاء قد ترسخ في عقولهم عقائد باطلة مخالفة للضرورة، وتتقرر في أذهانهم أخطاء مخالفة للبديهة، فإذا عرضت عليهم الأمور الضرورية المخالفة لما تقرر عندهم من العقائد و الأخطاء فإما أن يدعوا عدم الضرورة فيها ويردوها حفاظا على ما استقر في عقولهم من العقائد والأخطاء، وإما أن يتحيروا في الأمر ولا يجدوا إلى الحق سبيلا.
وهذاالأخ المستشكل قد تقرر عنده أنه قبل خلق العالم لا يوصف الله تعالى بأنه داخل العالم ولا بأنه خارج العالم، وهذا صحيح، وتقرر عنده أيضا أنه إذا اتصف الله تعالى بعد خلق العالم بأنه بائن عن العالم وخارج عنه فقد اتصف بصفة حادثة، وهذا أيضا صحيح، لكنه اعتقد مع ذلك أن اتصاف الله تعالى بالحوادث أي حادث كان ممتنع، وهذا هو الذي أخطأ فيه، لما قدمناه آنفا من أن الممتنع هو قيام الحوادث بذاته تعالى، وأما اتصافه تعالى بالصفات الحادثة بدون أن تقوم هذه الصفات بذاته تعالى فهذا جائز وواقع، وهذه الصفة من هذ القبيل، لأن هذه الصفة ليست من الصفات الحقيقية القائمة بذاته تعالى، بل هي من الصفات الإعتبارية الإضافية التى يتصف الله تعالى بها بدون أن تقوم بذاته، فلا بأس باتصاف الله تعالى بها مع كونها حاد ثة . والله تعالى أعلم.

سيدي الشيخ :سعيد الفودة أرجو أن تتكرم ببيان ما ذكر المجيب بياناً شافياً ؟والسلام عليكم .

حسين المازري
01-04-2008, 03:03 PM
حبذا لو نقل أحد الإخوة المسجلين في الأصلين هذا السؤال للشيخ ليجيب عليه مشكورا.

سعيد فودة
13-04-2008, 04:20 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد
فيا أيها الإخوة الأعزاء في هذا المنتدى الكريم
لقد أجبت عن هذا السؤال في منتدى الأصلين ونسيت أن أشر ذلك في منتداكم المبارك ، وها أنا أضع لكم الرابط
http://www.aslein.net/showthread.php?t=8123

الجواب:
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد
فلا بدَّ من أن أقول قبل الشروع في التعليق أنه لم يكن يوجد مانع من ذكر اسم الشيخ المجيب، فنحن وإن عرفنا اسمه، ولو عارضناه، فلا نعارضه لشخصه الكريم، بل نحترمه لعلمه وبذله ما يبذل في سبيل الإسلام، ولا يخفى أن معرفة القائل أحيانا يفيد في معرفة مراده في استعمالاته لبعض الألفاظ والأساليب. ومع ذلك فإننا نعلق على ما رأيناه من كلامه، مع احترامنا لشخصه الكريم.
أما الجواب عن القسم الأول من كلامه: فنقول
أولاً: يبدو أن الشيخ المجيب يستعمل عبارة (بان ،بينونة، مباينة)بمعنى المغايرة، وقد ورد استعمال ذلك عن بعض المتقدمين بهذا المعنى وقد أوردت ما يشير إلى ذلك في أجوبتي على أسئلة روض الرياحين، ولكني أرى أن اعتماد استعمال المغاير لإفادة المعنى المراد أفضل وأولى لعدم اشتراكه بخلاف لفظ المباينة، ولورده في النصوص الشرعية كما في قوله عليه الصلاة والسلام:"كان الله ولم يكن شيء غيره.
ثانياً: كان المفروض أن يأتي السائل بكلام الشيخ الأساسي الذي وضح فيه معنى الفوقية، وهو الذي أشار إليه بقوله:" تقريركم بارك الله بحياتكم للفوقية الحقيقية مع كون العالم حادثا"اهـ، ليكون كلامنا أتمَّ وأوفى في التعليق على ما ذكره هنا. ونعتمد على ما ذكره عن الشيخ هنا مما هو واضح الدلالة على المراد.
ثالثا: تصريح المجيب بأن الله تعالى ليس في جهة لا إشكال فيه بل هو صحيح، وجزمه بأن الفوقية ليست فوقية جهة لا غبار عليه.
رابعا: قول الشيخ المجيب:" وأما بحسب العرف: فأهل العرف يعدون ما حاذى الرأس فوقا وعاليا، والكتاب والسنة قد وردا بحسب تخاطب العرب وعرفهم، وما وراء العالم محاذ لراس الإنسان، والله تعالى بائن عن خلقه وخارج عنه وورائه، فالله تعالى بحسب المعنى العرفي للفوقية والعلو عال على العالم وفوقه، وإذا كان الله تعالى فوق العالم فيعتبر العالم تحته بالنسبة إلى تصور الإنسان وعرفه، فالعلو بهذا المعنى لله تعالى أيضا عبارة عن البينونة وكونه تعالى بائنا عن العالم وخارجا عنه،فعلوه تعالى وفوقيته بالنسبة إلى العالم كله، وإلى كل أجزائه، لكونه تعالى بائنا عن العالم كله وعن كل أجزائه، والعلو كما قلنا راجع إلى البينونة، وليس علوه وفوقيته تعالى عبارة عن كونه تعالى في جهة معينة من العالم، حتى يكون تعالى عاليا بالنسبة إلى بعض أجزاء العالم دون بعض، وعاليا بالنسبة إلى أقوام دون أقوام، لأن بينونته تعالى بالنسبة إلى كل ذلك، لا بالنسبة إلى قسم منه.
وإن سمى بعض الناس هذه البينونة جهة فنسلم له المعنى، ونخطئه في التسمية وإطلاق الجهة، لأن الإطلاق يحتاج إلى التوقيف من الشارع، ولا توقيف عنه في اطلاق الجهة بالنسبة إليه تعالى، ومن أجل ذلك قال علماء الكلام: وإن كان من اطلق الجهة بالنسة إلى الله تعالى أراد لا ككون الأجسام في جهة فالنزاع أئل إلى اللفظ دون المعنى، والأمر في الاطلاق متوقف على ورود الشرع، فإذا لم يكن متحيزا، ولا مما تحيطه الأبعاد والإمتدادات، فلا معنى لكونه في الجهة إلا من جهة اللفظ فقط."اهـ
ففيه نظر، من وجوه
قوله:" فأهل العرف يعدون ما حاذى الرأس فوقا وعاليا"، أقول: هذا المعنى ليس معنى عرفيا بل هو لغوي، ومع اعتبار المحاذاة يتحقق معنى الجهة اللازم من الامتداد قطعا، فلا يسلم أنه مع الانتباه لقيد المحاذاة الوارد في قوله، فالمعنى الناتج هو فقط مطلق الفوق، بل هو مساوٍ لجهة الفوق، وهذا كما قلنا ليس معنى عرفيا بل هو لغوي.
وأيضا، فلا بدَّ أن ينتبه إلى أنَّ ما حاذى رأس الإنسان يقولون عنه هو في جهة الفوق، وما حاذى قدميه يقولون عنه هو في جهة التحت السفل.
والمجيب ربما لا ينكر أن هذا المعنى لغوي بل أشار إليه في قوله:" والكتاب والسنة قد وردا بحسب تخاطب العرب وعرفهم."اهـ فجمع بين التخاطب (=اللغة) والعرف.
أما قوله:" وما وراء العالم محاذ لراس الإنسان"اهـ
ففيه إشكال، من جهتين
الأولى: فالمحاذاة فيها معنى الجهة، ولا يقال إن ما وراء العالم محاذٍ هكذا مطلقا! فإن ذلك يستلزم كون ما يحاذي في جهة قطعا. فالمحاذاة فيها نوع من المماثلة والمقاربة، ولذلك تقول:حذو النعل بالنعل، وتقول حذا فلان حذو فلان، أي فعل مثل ما يفعل...وتقول حاذاه محاذاةً وحِذاءً: صارَ بحذائه ووازاه، وداري بحِذاء دارِه أي بإزائها.
والمماثلة في هذا الإطلاق الذي نحن فيه، لا بدَّ أن يكون بالجهة، أي الامتداد والبعد. وهو ممنوع في حقِّ الله تعالى.
والثانية: إطلاق لفظ "وراء"، فكلمة وراء يمكن أن تستعمل استعمالا حقيقيا بمعنى الخلف، وهو يتضمن معنى الجهة، ويمكن أن تستعمل استعمالا مجازيا لتعني "غير" و"سوى"، وأنا أرى أن في كلام الشيخ المجيب نوع اضطراب هنا مع ملاحظة ما ذكرناه في المحاذاة.
وقوله:" والله تعالى بائن عن خلقه وخارج عنه وورائه"اهـ
فيه إشكالات، من جهة إطلاقه لفظ البائن، وقد نبهنا عليه، ومن جهة إطلاق لفظ الوراء، وقد نبهنا عليه، واستعمال لفظ آخر:وهو "الخارج" ففيه المحظور نفسه، فهو لم يرد أولا، وظاهر في المكان ولذلك قال علماء أهل السنة لا هو خارج العالم ولا داخل العالم حذرا من تسلل مفهوم الجهة والحد إذا استعمل مفهوم الخروج الدال عليهما.
وقد يقال: إنه استعمله هنا وأراد المغاير، فيقال: هو استعمال مجازي كما يبدو والأصل عدمه، خاصة مع كثرة التجوزات في هذا الكلام. وقد لا يسلم إرادة المجاز هنا بملاحظة إرادة المحاذاة وفيها معنى الجهة والاشتراك كما صرَّحنا!
والاقتصار على اللفظ الوارد عند الشارع أولى في هذا المقام، ولم يرد شيء من هذه الألفاظ كما هو معلوم، فماذا إذا أدرج في معانيها ما هو من خصائص المخلوقات كما نبهنا!
وأما قوله:" فالله تعالى بحسب المعنى العرفي للفوقية والعلو عال على العالم وفوقه، وإذا كان الله تعالى فوق العالم فيعتبر العالم تحته بالنسبة إلى تصور الإنسان وعرفه"اهـ
فبعد جميع ما مضى، فيه إشكال ظاهر، فهذا التصور للإنسان الذي يشير إليه المجيب ويعتمد عليه، فيه معنى الجهة، كما نبهنا، وإذا كان كذلك، فلا يصح أن يطلق الموافقة على القول إن الله فوق العالم والعالم تحته بهذا الاعتبار! فهو منافٍ لنفي الجهة السابق.
وقد عرفنا أن هذا التصور الحاصل للإنسان إنما هو نتيجة تمثيل حاصل في وهم الإنسان، وهو غير معتبر في العلم والمعرفة، فلو تصور الإنسان أن كل ما هو غيره فهو خارج عنه، فإما أن يكون تحته أو فوقه..الخ، فمجرد شيوع هذا التصور عند بعض الناس لا يبيح لنا اعتباره صحيحا.
وأما قوله:" فالعلو بهذا المعنى لله تعالى أيضا عبارة عن البينونة وكونه تعالى بائنا عن العالم وخارجا عنه،فعلوه تعالى وفوقيته بالنسبة إلى العالم كله، وإلى كل أجزائه، لكونه تعالى بائنا عن العالم كله وعن كل أجزائه، والعلو كما قلنا راجع إلى البينونة"اهـ
ففيه خلط باعتبار ما سبق التنبيه عليه، ولا نسلم أن العلو بهذا المعنى المذكور سابقا، هو المراد من قولنا إن الله تعالى غير العالم، وإن العالم ليس حالا فيه ولا متحدا به، بل يشتمل على قدر زائد عن ذلك.
وأما إرجاع العلو إلى البينونة بها المعنى الذي يشتمل على المحاذاة والخروج، فهو إرجاع لمعنى العلو إلى الجهة الحد، وإن أنكره المجيب من قبل ومن بعدُ.
وأما قوله بعد ذلك:" وليس علوه وفوقيته تعالى عبارة عن كونه تعالى في جهة معينة من العالم، حتى يكون تعالى عاليا بالنسبة إلى بعض أجزاء العالم دون بعض، وعاليا بالنسبة إلى أقوام دون أقوام، لأن بينونته تعالى بالنسبة إلى كل ذلك، لا بالنسبة إلى قسم منه."اهـ
فأنا لا أفهم وجها لتقييد قوله: "جهة" بقوله: "معينة" إلا إذا كانت تقبل التقييد، كما تقبل الإطلاق، فالإطلاق والتقييد واردان على محلٍّ قابل! والأصل أن لا يقبل الإله اتصافه بالجهة لا معينة ولا غير معينة..
وكأن الكاتب هنا تصور جهة أي محاذاة للعالم من طرف معين دون طرف آخر، فقال إن هذا التصور يستلزم أن يكون عاليا على أقوام دون أقوام، فنفى هذا التقييد، وأطلق قوله بأنه علوٌّ بالنسبة لجميع العالم، أي علوٌّ على جميع أجزاء العالم لا جزء معين منه.
وأنا أرى أن في هذا الكلام اضطرابا..ألا ترى كيف استعمل كلمة البينونة في آخر كلامه، مقابل استعماله لكلمة "الجهة" في أوله؟ فهذا يدلُّ على أنه استبطن في البينونة معنى الجهة كما قلنا من قبل، وهو ممنوع.
وأما باقي كلامه:" وإن سمى بعض الناس هذه البينونة جهة فنسلم له المعنى، ونخطئه في التسمية وإطلاق الجهة، لأن الإطلاق يحتاج إلى التوقيف من الشارع، ولا توقيف عنه في اطلاق الجهة بالنسبة إليه تعالى، ومن أجل ذلك قال علماء الكلام: وإن كان من اطلق الجهة بالنسة إلى الله تعالى أراد لا ككون الأجسام في جهة فالنزاع أئل إلى اللفظ دون المعنى، والأمر في الاطلاق متوقف على ورود الشرع، فإذا لم يكن متحيزا، ولا مما تحيطه الأبعاد والإمتدادات، فلا معنى لكونه في الجهة إلا من جهة اللفظ فقط."اهـ
فيظهر ما فيه مما ذكرناه آنفا. ولكن لاحظ أنه هنا سلم لمن يسمى هذه البينونة بالجهة، وليس ذلك تسليما من جهة اللفظ فقط مع التنزيه عن المعنى الحقيقي للجهة كما يتوهم، بل لأنه في كلامه السابق ضمَّن البينونة معنى الجهة وإن لم يلاحظ، فاضطر هنا إلى التسليم لمن أطلق على البينونة اسم الجهة.
فالحاصل أن طريقته اضطرته إلى التسليم بإطلاق لفظ التحت، والجهة والبينونة والخروج وغير ذلك مما نحن في غنى عنه، لما يستلزم من اشتراك واضطراب في المفاهيم وخلط كبير وتسليم للمخالفين لما يطلقونه من ألفاظ، والأصل أن نبتعد عن هذا الأسلوب الذي لا يسبب إلا زيادة اللبس على العوام واحتياجنا إلى عظيم جهد لتنقية المفاهيم العقدية، وفضلا عن ذلك كله، فلا شيء من هذه الألفاظ وارد أصلا، وفي كل منها محظور.
يتبع...

سعيد فودة
13-04-2008, 04:21 PM
وأما الكلام على القسم الثاني من كلامه فنقول:
قوله:" أما الجواب على الإشكال الثاني: وهو لزوم حدوث صفة الفوقية لله تعالى بعد حدوث العالمفنقول: الممتنع على الله تعالى هو قيام الحوادث بذاته لا اتصافه بالحوادث، وأما اتصاف الله تعالى بالحوادث بدون أن تقوم هذه الحوادث بذاته تعالى فهو جائز وواقع، فإن الله تعالى متصف بصفات الفعل مع أنها حادثة، وكذلك متصف ببعض صفات الإضافة مع حدوثها: مثل كون الله مع العالم بعد أن خلقه، فهذه صفة حادثة لله تعالى، لكنها ليست قائمة به تعالى، وكذلك كونه بعد العالم بعد أن يعدمه."اهـ
فيه احتراز، وهو أن مفهوم لفظ الحدوث قد استقرَّ عند العلماء بأن معناه:"الوجود بعد العدم"، ففي معنى الحدوث ومفهومه أمرا: الأول: وجود، والثاني: كون هذا الوجود مسبوقا بعدم نفسه" فلا يطلق الحدوث على غير ذلك من الأمور الاعتبارية التي ليست في نفسها موجودة، أي ذات وجود وتحقق باعتبار نفسها في الخارج، وذلك كالصفات الإضافية كتعلقات صفة القدرة من الخلق، إلا بملاحظة كونها اعتبارية وأن تسميتنا إياها حادثة مجرد تقريب لمن لم يتنبه بعد إلى الفرق بين الأمر الاعتباري والأمر الوجودي.
ومن الظاهر أن الشيخ لا يريد إلا ما ذكرناه، ويدلُّ عليه قوله:" وتحقيق ذلك أن الممتنع على الله تعالى هو اتصافه بالصفات الحقيقية الحادثة القائمة بذاته تعالى"اهـ
وبناء على ما قلناه فقد أطلق بعض العلماء أن كل مذهب يلزمه أن يتصف الله تعالى بالصفات الحادثة، مطلقا اسم الحدوث على ما يعم الاعتبارات والوجوديات، ولم يرد إلا أن جميع المذاهب يلزمها أن تقول بإثبات صفات لله تعالى طارئة، أي اعتبارات لم تكن ثم كانت.
والحقُّ في ذلك كلِّه أن الطارئ ليس بصفة لله تعالى إلا بناء على المعنى الأعم للصفة لا المعنى الأخص لها، فالأخص هو معنى قائم بالذات ذابت لها، والأعم يشمله ويشمل ما هو منشأ اشتقاق اسم أو وصف لله تعالى، وهو شامل للسلبيات والاعتبارات والمعاني. وبناء على ذلك صار الاختلاف بين الأشعري والماتريدي في إطلاق اسم الخالق أزلاً، فمن أجاز صار إلى أن منشأ الإطلاق إنما هو قدرة الله تعالى على الخلق، ومن منع لم ينف القدر على الخلق، بل قال إن منشأ الاشتقاق وهو الخلق بالفعل لم يتحقق في الأزل، بل يتحقق فيما لا يزال، فإطلاق اسم الخالق على الله تعالى أزلا مجاز. وكلا القولين جائز، والخلاف لفظي لا معنوي كما قد يتوهم البعض!
وعلى كل حال، فمن تنبه إلى ذلك فلا يضره ما قاله الشيخ المجيب هنا، إلا أننا نلفت النظر إلى أن ما ذكره من قبل في معنى الفوق والعلو لم يكن مجرد اعتبار محض بل فيه احتمال ظاهر لنسبة وجودية تستلتزم حقائق معينة كما قلنا.
ومن هنا أردنا التنبيه إلى هذا الفرق.
وكأن الشيخ أراد أن يجرد من الفوق معنى غير متقيد بالجهة، ليصحح إطلاق بعض الناس للفوق ويؤول إطلاق البعض للجهة، لكنه تقريره يحتاج إلى زيادة تحقيق كما أرى.
وبناء على ما ذكرناه، يتبين لنا قصور في كلام المجيب، فقوله مثلاً:" وتحقيق ذلك أن الممتنع على الله تعالى هو اتصافه بالصفات الحقيقية الحادثة القائمة بذاته تعالى: مثل أن يكون علمه تعالى أو قدرته أو إرادته حادثة، ومثل ذلك سائر الصفات السبع، وأما اتصافه تعالى بالصفات الحادثة الغير الحقيقية من صفات الفعل وصفات الإضافة فجائز وواقع، لأنها ليست صفات حقيقية ولا قائمة بذاته تعالى، حتى يلزم قيام الحوادث بذاته تعالى."اهـ، فيه إطلاق اسم الصفة الحقيقة على صفة المعنى، وهذا موهم أن إطلاق الصفات الأخرى على الله تعالى ليست حقيقة بل مجازاً، وفيه فتح إشكالات لا داعي لها، سببه عدم الالتزام بالمصطلح.
ولو فرَّق الشيخ بين الوصف والصفة كما نبهنا في حاشيتنا على الخريدة البهية، وفي غيرها، لكفاه، وكان أوجز وأقوم.
مع معرفتنا لما يريد من التفريق بين الصفات المعاني، الحقيقية، وبين غيرها من السلبية والإضافية، أي الاعتبارية. ولا يخفى أن السلب والإثبات المتعلق بالذات أزلي كالذات، بخلاف السلب والإثبات المتعلق بتعلقات الصفات أو بعضها، فهو قد يكون حادثا وقد يكون أزلياً، كقولك لم يخلق الله تعالى في الأزل، ويخلق الله فيما لا يزال، والشيخ يريد أن حدوث وصف نتيجة لطروء اعتبار ، جائزٌ. وهو المراد في قوله مثلاً:"فيجوز اتصاف الله تعالى بها مع حدوثها" ونحوه، مع أن تعبيرنا الذي نقترحه أوضح وأقرب إلى إيصال المعنى، وأضبط من الانتشار في المعاني واضطرابها في الأذهان.
وأما تعليقنا على القسم الثالث من كلامه:
فهو من وجوه سأحاول إيجازها فيما يأتي
ولارتباط تعليقنا بسءال السائل وبجواب المجيب عليه نوردهما جميعا ثم نعلق، فقد قال:" المسألة الثالثة: بيان وجه الضرورة في قولكم: (وإلا فمن الضروري أن الذي لا يكون داخل العالم يكون بائنا عنه وخارجا عنه) كما في "رسالة [.........] مع اعتقاد أنه قبل خلق العالم لا يوصف بأنه داخل العالم أو خارج العالم، فكيف يكون ضروريا؟!

أقول:من المقرر أن الأمور الضرورية لا يستدل عليها، وإلا لكانت نظرية لا ضرورية، والمفروض أنها ضرورية، ولكنها قد ينبه عليها، فنقول تنبيها على ضرورية ما قلناه: إن الله تعالى لم يخلق العالم في نفسه ولا حل فيه بعد أن خلقه، فمن الضروري إذن أنه ليس داخل العالم، وأنه تعالى بائن عنه، وخارج عنه."اهـ
أقول: الحقيقة أن ما سماه الشيخ تنبيها لا يفيد هنا مطلقا... لأنه ليس بذاك! فضلا عن وصفه بالضرورة!
ولا يستحق في نظري أن يسمى دليلا فضلا عن كونه تنبيها على ضروريٍّ.
من الظاهرهنا أن الشيخ يقول بأن التقابل بين الدخول والخروج يضبطهما امتناع الخلو، أي يستحيل أن يصحَّ نفيهما معا، فإما أن يكونا من قبيل المتناقضين أو المتضادين، فإن كانا من النقيضين، فواحد منهما عدم الآخر، كما تقول زيد، و "لا زيد"، بناء على إثبات التناقض في التصورات، أو لك أن تعبر بالتنافي بدل التناقض ليعمَّ ويصحَّ من دون قيدٍ.
ولكن الناظر جيداً في المعنى لكل من كلمتي الداخل والخارج، يعلم قطعا أنهما ليسا نقيضين بهذا المعنى، بل هما ضدان، لاشتراكهما في جنس وجودي أعلى وهو القياس إلى حيزٍ ما. فعندما تقول: زيد داخل الدار، فأنت تعني إن حيز زيد كائن في حيز الدار، أو جزء منه، فهما صارا مشتركين في أصل التحيز، ولذلك صحَّ إطلاق الدخول على زيد، ووصفه بأنه في الدار. ومقابل هذا، فإذا قلتَ، خج زيد من الدار، فليس معنى قولك هذا مساوياً لقولك :انعدم زيدٌ، حتى يكون الخروج نقيضا للدخول. بل معناه أن حيز زيد انتقل من كونه جزءا من حيز الدار، إلى كونه غير مشمول بحيز الدار بل له حيز واعتبار آخر، إما بالنظر لذاته بل قياس إلى حيز غيره مما هو أشمل منه أو باعتبار ذلك، ككونه ليس في الدار (شقته مثلاً) لكنه في العمارة التي تحتوي على الدار.
فالدخول والخروج لا يصحان إلا باعتبار التحيز.
ولذلك قلنا غير مرة بأن التقابل بين الدخول والخروج تقابل أضداد لا نقائض.
ولذلك فالشيخ يستلزم من مجرد امتناع الدخول، وجوب إثبات الخروج، ويسوي بعد ذلك بين الخروج والبينونة، وهذا كله باطل، فإن الخروج والدخول وصفان ثبوتيان، وليس واحد منها عدم الآخر مطلقا حتى يكون التقابل بينهما تقابل نقيضين.
وقد لاحظت أن الشيخ يكثر من الاعتماد على الحجة التي تقول :"إن الله تعالى لم يخلق العالم في نفسه ولا حل فيه بعد أن خلقه، فمن الضروري إذن أنه ليس داخل العالم، وأنه تعالى بائن عنه، وخارج عنه."اهـ
وقوله :"إن الله تعالى لم يخلق العالم في نفسه ولا حلَّ فيه بعد أن خلقه، إذن إنه ليس داخل العالم" مسلم، ولكنه لا يستلزم مطلقاً كونه خارجا عنه كما قلنا.
لكن علينا أن نلاحظ أن الشيخ إن لم يوافقنا على أن التقابل بين الخروج والدخول تقابل الضدين، أي فيهما نوع تضايف، قريبا من تضايف العدم والملكة، بناء على اشتراك الضدين في جنس أعلى، وأصرَّ على أنهما نقيضان، فعليه أن يحتاط كثيرا في إطلاق تلك الألفاظ إن أراد التخريج على مذهب أهل السنة لأنه يلزمه عند ذلك خلافه المشار إليه، أن يجوِّز إطلاق جميع الألفاظ التي فيها إشكال وفي بعضها منع من بعض العلماء، نحو:"حذاء أو محاذاة، أو خارج، وجهة، وبينونة، وتحت..الخ"،ولا يخفى أن بعض المحققين قد من العلماء قد أطلق القولَ بأنَّ الله تعالى لا داخل العالم ولا خارجه، والشيخ هنا يجوز القول بأن الله تعالى خارج العالم، بل هو يدعي الضرورة في ذلك، فيلزمه أن علماءنا الذين أطلقوا نفي الخروج والدخول، خالفوا الضرورة! وهذا فيه ما فيه مما لا ينبغي لأحد من المتبعين لأهل الحق الوقوع فيه. مع ملاحظة أن إطلاق الشيخ المجيب هنا لهذه الكلمات لا يدعمه الشرع والنقل، إذ لم تردْ هذه الألفاظ فيه، حتى يجاهر بمثل هذا الحكم القاطع، ولا هو مؤّيَّدٌ بالوضع اللغوي كما بينَّا.
وأما التعليق والتنبه إلى ما بقي من كلامه فظاهر بما قلناه. مع عدم مخالفتنا له من حيث العموم في عدم لزوم حدوث صفة معنى وجودية لله تعالى بناء على خلقه للعالم بعد أن لم يكن خالقا له بالفعل، أي بعد عدم العالم.
والله تعالى أعلم وأجل،وهو الموفق لا ربَّ سواه.


يتبع...

فاروق العطاف
18-04-2008, 07:40 PM
جزاكم الله خير الجزاء ونفع بكم الأمة الإسلامية وختم لكم بأحسن خاتمة.

الأعرجي
11-05-2008, 11:10 PM
جزاكم الله خيرا