مشاهدة النسخة كاملة : محـنـة المــدونــة الكــبـرى وتفــريط مــالكية العصر فيها
ابن نصر
29-05-2008, 09:54 AM
المدونة في المذهب المالكي
منقول
- نشر بنشرة المجلس العلمي بتازة -
الحمد لله الذي أنقدنا بنور العلم من ظلمات الجهالة ، وهدانا بالاستبصار به عن الوقوع في عماية الضلالة ، ونصيب لنا من شريعة سيدنا محمد أعلى علم واوضح دلالة ، والصلاة والسلام عليه وعلى آله أصحاب الهداية ، وبعد ،
إن التعريف والتقديم لمدونة الإمام مالك ، أو المدونة برواية سحنون هي فكرة قديمة جديدة ، فهي قراءة قمت بها سابقا حول مكانة ومنزلة المدونة في الفقه المالكي ، وهي أيضا هذه المحاضرة التكميلية للندوة التي قدمتها مع المجلس العلمي بتازة حول أصل " الموطأ في المذهب المالكي " ، وهذا المعطى الأخير يرتب علي أمرا وهو الشكر والتقدير للمجلس العلمي الذي يحرص على توسيع أفق المعرفة الفكرية لتشمل قراءة التراث في إطار الواقع ، وكذا الاهتمام بالمستجدات بصيغ ملائمة لتطورات وظروف المجتمع .
والتساؤل الذي أطرحه في البداية هو ، لماذا المدونة في المذهب المالكي ، على اعتبار أنه يمكن التقديم والتعريف لأحد أمهات المذهب كالواضحة مثلا أو الموازية أو العتبية .... الخ .
الجواب ستكشفه محاور هذه المحاضرة التي سأتناولها في ثلاثة محاور :
الأول لقصة تدوين المدونة
الثاني لبيان منزلة المدونة في المذهب المالكي
الثالث للحديث عن محنة المدونة عبر تاريخها الطويل .
فأقول وبالله التوفيق ومنه نستمد الرشد والهداية
1- قصة تدوين المدونة :
ليس في المذهب المالكي كتاب نال من الاهتمام والتقدير ما نالته مدونة الإمام مالك ـ أو المدونة برواية سحنون ـ سواء على ألسنة المتقدمين أو المتأخرين فهي أصل علم المالكية ـ بعد الموطأ ـ فقد ضمت بين دفتيها أفكار أربعة مجتهدين أسٌسوا عليها قواعد المذهب ولم يبخلوا عليها بما أتاهم الله من علم وفهم للنصوص وهم مالك (ت 179 هـ) وسحنون (ت 240 هـ) وابن القاسم (191 هـ ) وأسد ابن الفراث ( ت 213 هـ)(1)
وهذه هي الخاصية الأقوى في هذا الكتاب المعروف بالمدونة و بالمختلطة أو مدونة سحنون .
قصت تأليف هذا الكتاب تبدأ حين سئل الإمام مالك عن أسئلة كثيرة ، فأجاب عنها ودونها تلاميذه ، وأول من كتب ذلك أسد بن الفراث القاضي القيرواني عن عبد الرحمان بن القاسم ، وقد كان أسد حين التقى بالإمام مالك حاول الدخول عليه بالأسئلة الافتراضية فأوصاه الإمام بالرحيل إلى العراق ، وهناك التقى محمد بن الحسن الشيباني وبعض أصحاب أبي حنيفة وأخذ يتدارس معهم بعض المسائل ويضيفها في مصنفه ، فاصّل فقه العراق ، بعد ذلك بلغه نبأ وفاة الإمام مالك سنة 179 هـ ، فتأثر لذلك شديد التأثر وقويت عزيمته للقاء أصحاب مالك للتدارس معهم وذلك بمصر سنة 188 هـ ، فوجدهم مختلفين في مناهجهم الفقهية فسأل عبد الله بن وهب (191هـ) فأجابه بالرواية ، فلما أراد أن يدخل عليه ( الافتر اضات ) قال له : " حسبك إذا أدينا لك الرواية " ، ثم اتجه إلى أشهب (204هـ) وكان يجتهد ويخالف مالك ، فقد قال له في مسألة من يقول هذا قال أشهب : " هذا قولي " ، فاهتدى بعد ذلك إلى ابن القاسم ، لكنه لم يسايره في البداية فيما يريد ، غير أن الله شرح صدره فقال له : " زد يا مغربي " فقام أسد في المسجد يهتف ، " يا معاشر الناس إن كان مات مالك فهذا مالك " لأنه حقق مراده في تأصيل فقه العراقيين ، والتقريب بين مذهب مالك وأبي حنيفة ، قال أسد : " فكنت أكتب الأسئلة بالليل في فنداق ( صحيفة) من أسئلة العرقيين على قياس قول مالك ، وأغدو عليه فأسأله عنها فربما اختلفنا فتناظرنا على قياس قول مالك فيها ، فأرجع إلى قوله أو يرجع إلى قولي " ، وما يؤكد كثرة المناظرات الدائرة بينهما ما رواه أسد أيضا قال : " قال لي ابن القاسم ، كنت أختم في اليوم والليلة ختمتين فقد نزلت لك عن واحدة رغبة في إحياء العلم " .
وكان ابن القاسم يجيب أسد بما حفظه عن مالك ، وما شك فيه يجيب بأخال وأحسب وأظن ، فاجتمع من تلك الأجوبة كتاب يسمى " الأسدية " ، رجع به أسد إلى بلده إفريقية يدرسه وينشره بين الناس ، ولكنه كان يميل في تدريسه إلى فقه أهل العراق ويقدمه في ذكر المسائل الفقهية ، لهذا كان الطلبة ينبهونه إذا أغفل فقه مالك قائلين " أوقد القنديل الثاني " .
بعد ذلك ، تلطف سحنون في نسخها منه وحاول ذلك ابتداء هو ومحمد بن رشيد ، فلما سمع بذلك أسد شح ولم يعطها لهم ، ولكن سحنون تحيل حتى أتم نسخها ، ويحكى في نور البصر لأحمد بن عبد العزيز الهلالي ، أن سحنون بات عند أسد في ليلة هو وأصحابه ، فلم يبزغ صباح ذلك اليوم حتى كان قد أتم نسخها ، ثم قصد ابن القاسم سنة 191 هـ ، وقد تفقه في علم مالك ومعه الأسدية ، فلما كاشف بها ابن القاسم ، أسقط هذا الأخير منها أشياء كثيرة ، ومنها ما انتقده أهل القيروان من أخال وأحسب وأظن ، ونحو ذلك ، كما أن سحنون هذبها وبوبها بعد أن كانت مختلطة الأبواب ، وألحق فيها من خلاف أصحاب مالك ما اختاره وذيل أبوابها بالآي والأحاديث والآثار إما من روايته أو من موطأ ابن وهب أو غيره ، بينما بقية لم يتم سحنون عمله فبقيت على أصل اختلاطها في السماع ، ثم إن ابن القاسم كتب لأسد بأن يعرض كتابه على ما عند سحنون ليراجع ما روي عنه ويعدل ما تغير ، لكن أسد رفض ذلك ، قال الحطاب (954هـ) : " فيقال أن ابن القاسم دعى أن لايبارك له فيها فهي مرفوضة إلى اليوم " ،
وهكذا اشتهرت المدونة وخفى أثر المختلطة أو الأسدية ولم يبق لها ذكر إلا في روايات تدوين كتاب المدونة .
ابن نصر
29-05-2008, 09:55 AM
2- منزلة المدونة في المذهب المالكي :
إذا كانت المدونة هي أصل المذهب المالكي وعمدة الفقهاء في القضاء والإفتاء المرجح روايتها على سائر الأمهات ، فلا غرابة أن يتقبلها الناس بقبول حسن ، بل وأنزلوها منزلة أم القرآن في الصلاة ، بمعنى لا يغني عنها أي كتاب ، وقد. روي في هذا المعنى " ما بعد كتاب الله أصح من موطأ مالك ، ولا بعد الموطأ في الفقه أفيد من المدونة " ، واعتقد أن السبب في هذه المنزلة التي حظي بهت هذا المؤلف المالكي هو الأشواط التي قطعها والظروف التي مر بها حتى صار على ما هو عليه ، مرتب الأبواب مطعم بالآي والأحاديث والآثار يختزن في أحشائه أربعة آلاف حديث وستة وثلاثين ألفا من الآثار وأربعين ألف مسألة .
وهكذا تلقى السلف والخلف المدونة بحماس باهر وشغف بالغ ، فتناقلتها أيدي أهل الاختصاص بالشرح والاختصار والإيضاح مشيرين إلى علو قدرها وإلى مزية سبقها ، قال ابو محمد الحطاب ( 954هـ) وهو يتحدث عن منزلة المدونة في المذهب : " ثم إن الناس اختصروها فاختصرها ابن أبي زيد وابن أبي زمنين .. وغيرهم ، ثم سعيد البرادعي ويسمى اختصاره بالتهذيب " ، واستمر التأليف حول مُشكًلات المدونة وخفايا أسرارها وأعلام رجالها فألف أبو الوليد بن رشد الجد (520هـ) كتابه الشهير " المقدمات الممهدات لبيان ما اقتضته المدونة من الأحكام الشرعيات والتحصيلات المحكمات لأمهات مسائلها المشكلات " ، كما ألف القاضي عياض (540هـ) كتابه المسمى " التنبيهات المستنبطة من الكتب المدونة والمختلطة " ، ثم توالى التأليف حولها شرحا واختصارا وتهذيبا وتنكيتا إلى ما شاء الله .
وهذا وإن دلنا على شئ فإنما يدلنا على أن المدونة هي الأساس والمعول عليه في الفقه المالكي ـ بعد الموطأ طبعا ـ لذلك شاع ذكرها وبقي إسمها ورسمها خالدا حتى اليوم رغم ما تعرضت له من حرق وخرق وغرق من طرف جهال متعصبين للأصول ، ولولا قيمتها العلمية لكان مآلها الترك والإهمال مثل سائرالكتب الرديئة ، قال الحطاب : " المدونة أشرف ما ألف في الفقه من الدواوين ، وهي أصل المذهب وعمدته " وذكر عياض في ترجمته لأسد أنه روى عن سحنون قوله : " عليكم بالمدونة فإنها كلام رجل صالح وروايته أفرغ الرجال فيها عقولهم وشرحوها وبينوها " ، وكان يقول : " ما اعتكف رجل على المدونة ودراستها إلا عرف ذلك في ورعه وزهده " ، وما عداه احد إلى غيرها إلا عرف ذلك فيه " .
وممن نظم فيها شعرا أبو عمران العبدوسي :
ما ألف الناس في كل الدواوين مثل المدون الغراء في الدين
سحنون الفها للطالبين لهـــــــا يارب سحنون اجعلني كسحنون
وقال أحد الشيوخ : " ما من حكم نزل من السماء إلا وهو في المدونة " ، ولا شك انه بالغ في هذا ،
ومكانة ومنزلة المدونة تزداد سموا في النفوس إذا ما استحضرنا كونها تجمع تأملات عدة رجال ، بمعنى أنها تستمد قيمتها من قيمة رجالها ، أضف إلى ذلك أن أهميتها في إصدار الأحكام الفقهية نتج عنه أن أصبحت مقدمة على غيرها من الدواوين والأمهات فهي مقدمة على العتبية مثلا كما في مسالة فرقعة الأصابع في المسجد ، فظاهر المدونة جواز ذلك مادام في غير الصلاة ، أما في الصلاة فذلك مكروه ، أما في العتبية فيحكى اتفاق مالك وابن القاسم على كراهية ذلك في المسجد مطلقا ولو كان ذلك في غير الصلاة .
والمستفاد أن الشراح قدموا ما في المدونة رغم أن اتفاق مالك وابن القاسم من المرجحات في المذهب ، وهذا المثال يجعلنا ندرك تمام الإدراك عظيم منزلة المدونة في المذهب المالكي ، وأنها تشكل حلقة أساسية وتاريخية مهمة في بناء هذا الصرح الفقهي العظيم ، ولا شك أن مجرد افتراض ضياع هذه الحلقة كان سيترتب عنه رجة عنيفة في الفقه المالكي تفقده السلامة لا محال .
3- محنة المدونة :
لكي نكون منصفين؛ لا بد من أن نعرج على المحنة التي تعرض لها هذا الكتاب النفيس و لازال وهو أمر يوضح بجلاء المكانة التي يحتلها في تاريخ التراث الإسلامي عموما.
فالمطلع على تاريخ المدونة والأطوار التي مرت بها؛ يدرك تمام الإدراك ما تعرض له هذا الكتاب النفيس من عبث ومضايقة من قبل بعض المتعصبين. أو بعض المتيفقهين سواء في عصر تأليفها أو في عصور الازدهار الفقهي أو عصرنا الحالي ، فبعض معاصري مؤلفي المدونة قد كان يقلل من شأنها كما هو الحال بالنسبة لسعيد بن حداد. بل إن عباس الفارسي1
تجاوز ذلك إلى درجة الإقدام على حرقها مع غيرها من كتب المدنيين.
وهذا الأمر لا يعد الوحيد في تاريخ المدونة بل إن بعض خلفاء الموحدين بدءا من الخليفة عبد المومن بن علي (558 هـ ) حاول القضاء على الكتاب داعيا الفقهاء إلى نبذه والرجوع إلى الكتاب والسنة بدعوى كثرة الاختلافات الفقهية الواردة فيه ، فعبد المومن بن علي أراد أن يجمع آراء داعيتهم في التوحيد والمهدوية والفقه لتكون في كتاب واحد عرف باسم " أعز مايطلب " ، فعقد اجتماعا مع الفقهاء المالكية وحاول إقناعهم بنبذ كتاب المدونة والرجوع إلى الكتاب والسنة ، لكن هذا الموقف جعل بعض الفقهاء يقفون مدافعين عن هذا الكتاب في وجه الخليفة من هؤلاء الفقيه " ابن زرقون (580هـ) الذي واجه الخليفة قائلا : " ياسيدي جميع ما في هذا الكتاب ( المدونة ) مبني على الكتاب والسنة وأقوال السلف والإجماع ، وإنما اختصره الفقهاء تقريبا لمن ينظر فيه من المتعلمين والطالبين " .
ثم جاء الخليفة أبو يعقوب يوسف (580هـ ) الذي حاول أن ينفذ قرار والده بصفة عملية في إحراق كتب الفروع ومنها المدونة. لكن هذا القرار لم ينفذ إلا في عهد يعقوب المنصور (594 هـ ) الذي قام بالخطوة الحاسمة فاصدر أمره سنة 594 هـ على وجه التقريب بإحراق هذه الكتب في جميع البلاد المغربية يقول عبد الواحد المراكشي وكان شاهد عيان " وفي أيامه انقطع علم الفروع وخافه الفقهاء وأمر بإحراق كتب المذهب بعد أن يجرد ما فيها من أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم والقرآن ، ففعل ذلك فاحرق منها جملة في سائر البلاد كمدونة سحنون وكتاب ابن يونس ونوادر ابن أبي زيد وماجانس هذه الكتب ونحا نحوها، لقد شهدت منها وأنا يومئذ بمدينة فاس يؤتى منها بالأحمال وتوضع و يطلق فيها النار وتقدم إلى الناس في ترك الأشغال بعلم الرأي و الخوض في شيء منه. وتوعد يعقوب على ذلك بالعقوبة الشديدة " .
ثم تولى الخلافة ولده محمد الناصر (610 هـ) فأمر بإحراق نسخ المدونة ردّا على الفقهاء الذين أنكروا عليه وعلى والده مواقفهم هذه.
ثم إن هناك مرحلة أخرى عانت فيها المدونة مضمونا ، حيث هجرها العلماء و الفقهاء واستعاضوا عنها بالمختصرات بعد أن كانت الكتاب الأول و المعوّل عليه في حلقات تدريس علوم الفقه المالكي صارت لا تذكر إلا اسما حين الحديث عن أمهات كتب المذهب ، وهذه المرحلة بدأت مع بداية مرحلة الجمود الذي تكرس بعد انتشار مختصر الشيخ خليل (770 هـ) حيث التجأ العلماء إلى مهمة أخرى وهي الشرح و التعليق وبناء الحاشية على هذا المختصر؛ فوجدنا بعد هذا كتابا كالمدونة يوضع على الرفوف؛ بعد أن كان يحفظ في الصدور عن ظهر قلب قبل أن يتصدر أي عالم للفتيا أو التدريس .
والدليل على أن هذه المختصرات شكلت انزلاقة فقهية خطيرة في واقع الأمة. تلك الصرخة التي أطلقها ابن خلدون ؛ واصفا هذه الظاهرة بأنها مخلة بالبلاغة وعسيرة في الفهم ؛ معتبرا ذلك من عيوب التربية وأنه يؤدي إلى الإخلال بتحصيل العلوم بسبب التخليط على المبتدئين حيث تلقى إليهم المسائل الصعبة في الوقت الذي لم يهيئوا فكريا لذلك.
لكن هذه الصرخة لم تجد آذانا صاغية بل يروى أن هذه المختصرات كان يبذل في سبيل الحصول عليها أضعاف ما كان يبذل في سبيل اقتناء الأمهات.
ولم يجد بعضهم حرجا في الإعلان بأن الصواب في الاختصار :
قصدت إلى الإجازة في كلامي لعلمي بالصواب في الاختصار.
فشأن فحولة العلماء شأنـــــي وشان البسط تعليم الصغــــــــار.
واستمر هذا التهميش الذي طال المدونة بالمغرب. إلى حين تدخل السلطان محمد بن عبد الله سنة(1203 هـ) بمرسوم نظم من خلاله التعليم بجامعة القرويين ؛ وداعيا إلى اعتماد كتاب المدونة والبيان والتحصيل والمقدمات المهداة( كتب مكملة للمدونة) فقط في تدريس الفقه المالكي ؛ فكان بذلك الرجوع ، العودة إلى الأصول و إلى الينابيع الأولى التي أسست للمذهب المالكي.
وفي هذا العصر نجد من سخّر أقلامه لمهاجمة أصول المذهب؛ والمدونة بالتحديد؛ موجها إلى. مؤلفيها النقد اللاذع؛ ومستدلا بأوهام يسقط بعضها البعض ، من هؤلاء ؛ قطب الريسوني في مقال له بمجلة البيان بعنوان" الوصل بين الفقه و الحديث "؛ و الباحث نذير حمدان في " الموطآت " ؛ حيث يقول عن أصول المذهب :" فلا يجد القارئ لكتبهم والناظر فيها إلا آراء مجردة وأقوالا متناقضة يشعر المالكية أنفسهم بتناقضها" ، ثم يقول عن المدونة ( إن المتتبع للبحوث والموضوعات المتنوعة في المدونة يفاجئ بقلة الرصيد القرآني استدلالا على أبواب المؤلف الكبير وفصوله وأحكامه ؛ حتى إن الصق الموضوعات بالقرآن تحريما وتحليلا واستشهادا لا تجد فيها نصا قرآنيا بالدلالة أو بالإشارة أو بالمفهوم المخالف).
وحسبنا هنا أن نوضح فقط المحنة التي تعرضت لها المدونة خلال تاريخها الطويل ولا زالت لنصل إلى قضية أساسية ومهمة وهي أن الدراسة والبحث أكدت حقيقة مهمة ، أن الخلاف المبتوث في المدونة له أسباب تنسجم مع النسق العام الذي تقوم عليه قواعد المذهب المالكي أولا؛ وأن الاستدلال الشرعي داخل المدونة أيضا يقوم على أصول نقلية نصية وأخرى نظرية اجتهادية وهذا هو السر في أن ظل هذا الكتاب محتفظا بمكانته رغم ما تعرض له على مر تاريخه من مضايقات ،أغلبها كانت تنبي عن قصور فهم؛ واستجداء لأسباب واهية.
أسأل الله في الأخير أن أكون قد أمطت اللثام عن بعض الجوانب المتعلقة بهذا الكتاب؛ والله الموفق وهو الهادي إلى سبيل الرشاد.
ابن نصر
29-05-2008, 10:07 AM
قال الدكتور الناصري الليبي جزاه الله خيرا :
قال الدكتور رفيق يونس المصري في كتابه [ بحوث في فقه المعاملات المالية] ص159: ( ظن بعض العلماء ... أن المدونة عبارة عن فقه نظري لصنف من الفقهاء، أسموهم بالأَرأيتيين، من قولهم: أرأيت لو .. أرأيت لو... ونحن نخالفهم في ذلك، فنرى أن الفقه المالكي في باب المعاملات فقه متطور جدا، وهذه الأسئلة والتفصيلات إنما تساعد على فهم المذهب فهما رياضيا محددا ودقيقا عز نظيره في المذاهب الأخرى.
والمدونة فوق ذلك، هي أشبه بكتب الفتوى، وتمتاز عنها بأنها دقيقة، لا تتسع لها كل العقول، ولا كل الأمزجة، فيسارع بعضها بالرفض غاضبا متململا، وربما أجال بعضهم النظر، حتى إذا لم يفهم رفض، مع أن الواجب تعليق ما لا نفهم والتوقف فيه، مثال هذا مثال من يدخل إلى المدرسة للتعلم؛ حتى إذا ما وجد صعوبات التحصيل ومشقات الارتقاء غضب، وأضرب عن العلم، صائحا مستنكرا شاتما.
لو نظرت إلى المدونة نظرة فحص وإمعان لوجدت نوادر من المسائل والدقائق والمصطلحات ربما لم تجد من يشرحها ويطورها، حتى من بين أتباع المذهب نفسه.
وهذا يدلك على مبلغ ما وصل إليه ذكاء الإمام مالك – رحمه الله – ونفعنا بعلمه وعمله، ودقة نظره، وعمق تفكيره.
اللهم لا تحرمنا من علم إمام، ولا تجعل خطأه أو طبعه حائلا دون انتفاعنا بما عنده).
===============================
المدونة أول حلقة في سلسلة أمهات الفقه المالكي، وهم يعنون بالأمهات؛ الكتب التي حوت أقوال الإمام مالك وأقوال تلاميذه، وتلاميذ تلاميذه.
فأول هذه الأمهات: المدونة السحنونية، وهي التي : (..حصلت أصل علم المالكيين، وهي مقدمة على غيرها من الدواوين بعد موطأ مالك – رحمه الله –..). ابن رشد في المقدمات 1/44. و ( المدونة أشرف ما ألف في الفقه من الدواوين، وهي أصل المذهب وعمدته) مواهب الجليل للحطاب 1/34.
وثانيتها: الواضحة لعبد الملك بن حبيب، ت 238 هجرية – رحمه الله -.
وثالثتها: العتبية أو المستخرجة؛ لمحمد بن أحمد العُتْبِي ت255 هجرية – رحمه الله -.
والرابعة: الموازية؛ أو كتاب ابن المَوَّاز، وكتاب محمد، وهي لمحمد بن إبراهيم بن المواز، ت 269 هجرية - رحمه الله -.
ويضيف بعض أهل العلم على هذه الأربعة : المجموعة، لمحمد بن عبدوس ت260 هجرية – رحمه الله – توفي قبل أن يتم كتابه، ترجمته في المدارك 4/222-228.
وأصل هذه الأمهات ولحمتها؛ الأسمعة عن الإمام، وأجوبته عن أسئلة تلاميذه التي تلقوها عنه، وبيانه لأحكام كثير من النوازل في عصره، وما ارتضاه واختاره من أحكام مَن قبله من الصحابة والتابعين، أو أحكام بعض الولاة بالمدينة ممن عاصرهم... وقام تلاميذه بتدوينها في مجالس مختلفة وسنوات متباعدة عنه ...
والكلام يطول في الحديث عن هذه السماعات، وأقسامها من حيث صحة نسبتها للإمام، وعن نسبتها لأصحابها الذين دونوها، والتعريف بهم، وتنوع مواطنهم،... وعن أهم السماعات التي دونت من طرف الطبقات الأولى لتلاميذ الإمام... وغير ذلك من المباحث التي تظل يحكمها - غالبا – التخمين والحدس بعد غياب أصول هذه السماعات عنا بين فقدان نهائي لمعظمها، ووجود ضئيل جدا لبعضها قابع في بعض الخزائن لا تكاد تطاله يد باحث، ولم يبق للباحثين إلا الاعتماد على ما جاء من بقايا هذه السماعات في الكتب المدونة، أو ما يوجد من بقايا حديث عنها في كتب الطبقات والتراجم... على عوز.
يقول الدكتور محمد العلمي متحدثا عن هذه السماعات ومبينا لبعض خصائصها : ( تركبت المصنفات الأساسية للمالكية في الفقه وأمهاتهم في الفتوى من سماعات كثيرة عن مالك اجتلبها إلى البلاد المختلفة أئمة الرحلة وحذاق التلاميذ الذين كانوا طلائع الرأي المالكي فيها.
وقد ابتدر الجيل اللاحق هذه السماعات بالتصنيف، ولم يكد ينتهي القرن الرابع حتى كانت فحاوى ونصوص هذه السماعات مستقرة في بطون الكتب وأطواء الدواوين.
لكن السؤال يظل مطروحا حول عدة قضايا متصلة بجذور المصنفات التي احتوت هذه السماعات، خاصة وأنها لم تكن مخلصة لمتونها ولا راعية لها كنصوص ينبغي استمرار نسبتها بألفاظها إلى أصحابها.
لقدا تعامل العلماء المصنفون تعاملا فقهيا مع السماعات، وقلة هي المصنفات التي أبقت على النصوص الأولى كما جاءت، بل كان انشغالهم منكبا على التخريج والقياس والتنتيج، واقتصر التوثيق على مدى صحة نسبة الأقوال وسلامة الروايات من ضعف النقل، أو سوء التحميل.
وهذا يزيد من إشكال البحث الرامي إلى بناء النصوص الأولى للمذهب المالكي، وكشف الأصول التي تركبت منها المصنفات المعتمدة، ويوسع دائرة التخمين والحدس والاحتمال في تأريخ الدرس المالكي الأول ووصف الكتب التي تلقاها تلاميذ مالك عنه.
الخصائص المنهجية للسماعات:
كتب السماعات أو الأجوبة والمسائل، أو ما غدا يوصف بالمسائل المختلطة المروية عن مالك وطبقة تلاميذه الآخذين عنه هي المصدر الرئيس للرواية المذهبية، والقاعدة الصلبة للفقه المالكي بعد الموطإ.
وهذه السماعات لا تختلف عن الفتاوى وجوابات العلماء التي جرى العرف العلمي على إلقائها على الطلبة مجالس وأمالي وتعاليق عبر العصور.
لكن قيمة السماعات عن مالك وتلاميذه صدرت من كون محتوياتها ومضامينها فتاوى مالك وأقواله التي أنزلت في مقلديه منزلة أقوال صاحب الشرع كما يقول ابن خلدون.
والسماعات المدونة عن مالك قسمان:
1- قد تكون جوابات عن أسئلة من سؤالات النوازل التي قد تقع ويسأل عنها مالك، بحيث ثبت أن حكام المدينة كانوا يستشيرونه في ما ينزل بهم من نوازل الخصوم، المدارك[ 2/57-58 ] كما كان تلاميذه في الأمصار المختلفة يحيلون عليه ما يعسر عنهم جوابه أو يتوقفون عليه تورعا، منهم ابن القاسم، ويحكي سحنون قال: ( كنت عند ابن القاسم وجوابات مالك ترد عليه) المدارك 4/46. وابن غانم قاضي القيروان الذي أخذ عن مالك وتتلمذ عليه كان ( يوجه أبا عثمان (أي حاتم بن عثمان المعافري) أيام قضائه إلى مالك فيما ينزل به من نوازل الخصوم، فيأخذ له عليها الأجوبة من مالك) المدارك 3/69 ، وفي موطن آخر يقول أبو عثمان هذا ( أتيت مالكا بمسائل ابن غانم.. ثم كتب الأجوبة) ، وهكذا في ترجمة ابن فروخ في سياق زيارته لمالك ( أتاه سائل من أهل المغرب بمسائل من الجنايات فقرئت عليه.. فقال السائل: أهذا جوابك يا أبا عبد الله فقال مالك:هذا جوابي). المدارك 3/108 .
2- وقد تكون السماعات عن الإمام مالك جوابات منه عن أسئلة الطلاب، التي كان يسمح بها بمقدار ما يرى من أهليتهم ومستواهم وجديتهم سواء وقعت فعلا أم لم تقع.
وتتسم هذه الأسمعة بخواص منهجية أذكر منها:
1- أنها عبارة عن أسئلة وأجوبة في فروع متنوعة بعضها من نوازل الوقت وواقعات الناس، وبعضها من إلقاء التلاميذ على الإمام مالك لاستكمال الحصيلة العلمية للمذهب، وصيغ هذه الأسئلة (سئل مالك..) (سألت مالكا..) (أجاب مالكا.. ) (قال مالك في..) وهذه السماعات كثيرة كثرة تلاميذه والآخذين عنه، حتى يبلغ بعضهم في عدها الألوف المؤلفة، مثل ما ذكره الخطيب البغدادي (ت463) في تاريخه 1/251 عن أبي العباس السراج النيسابوري (ت313) أنه قال: ( هذه سبعون ألف مسألة عن مالك، وأشار إلى كتب منضدة عنده ). قال عياض (544): ( هي جواباته في أسمعة أصحابه التي عند العراقيين ) المدارك 2/94 .
وقد اعتبر القرافي (ت684) من مناقب الإمام مالك العلمية كثرة ما أملاه من السماعات قال: ( ومنها أنه أملى في مذهبه نحوا من مائة وخمسين مجلدا في الأحكام الشرعية، فلا يكاد يوجد فرع إلا ويوجد له فيه فتيا ). الذخيرة 1/36
..........
وقال علي بن المديني (ت234): ( أخرج إلينا معن بن عيسى أربعين ألف مسألة سمعها من مالك) طبقات الفقهاء 149.
2- أن هذه السماعات لم تكن تامة التصنيف علميا، بحيث لم تكن تنتظمها أبواب فقهية مفصلة، بل كانت تعليقات وتقميشات من أمالي الإمام مالك، ذات تبويب أولي. وهي وإن لم تكن مصنفة ومبوبة بشكل كامل فإن أهميتها اكتسبت من كونها تراثا فقهيا كبيرا، عملت المرحلة التالية على نخله وتصفيته وتبويبه والاستشهاد الأثري له.
هذا التشتت في الموضوع الفقهي للسماعات دفع بالعلماء إلى وصف ما لم يكتمل تبويبه منها، وبقي على أصله في السماع بالاختلاط، ومما يعبر عن هذه الخاصة المنهجية ما رواه عياض في مداركه عن ابن حارث (ت361) صاحب الطبقات: أن ابن الماجشون عرض عليه أبو زيد عبد الرحمن بن إبراهيم ( كتاب البيوع من سماع عيسى [أي ابن دينار].. وقرأته عليه فصلا فصلا، فكان لا يمر بفصل إلا قال: أحسن والله ) المدارك 4/164.
قال القاضي عياض مستدركا: ( قوله: من سماع عيسى وهم، فليس في سماع عيسى كتاب بيوع معينة ولا غيرها، وإنما هو تخليط، وإنما كتاب البيوع من تأليف عيسى من كتاب المدنية، وهذا الذي يدل عليه ثناء عبد الملك، إذ إنما يثني على فقهه وتأليفه لا سماعه)المدارك 4/126-127.
... وقد وصف ابن حارث كتاب المولدات لمحمد بن عبد الحكم (ت286) بأنها: (مسائل منثورة لم تضم لباب كالأسمعة) الديباج 330 .
3- الخاصة المنهجية الثالثة لكتب السماعات: أنها مجردة عن الدليل، وهذا الطابع غالب على كتب السماعات، فهي عبارة عن فتاوى مجردة لا يذكر فيها الدليل غالبا.
ويعتبر التدليل والاستشهاد الأثري من الوظائف العلمية للمرحلة اللاحقة التي خدمت السماعات ويسرتها للاشتغال الفقهي).
الأزهري
29-05-2008, 09:35 PM
مقال ممتاز.
ابن نصر
29-05-2008, 11:01 PM
استوقفني الكلام عن مدونة أسد بن الفرات وسحنون بن سعيد هل تخبروني هل يوجد فروق علمية بينهما ؟
اجل اخي يوجد بينها فرق ظاهر لمن درس تاريخ المذهب ، وكثير من اهل المذهب لايعرفون تاريخه ولا يسمعون بالملكة المذهبية
الفرق بينهما
ان الامام اسد لما فارق الامام مالك رضي الله عنه أتى اهل العراق اصحاب ابي حنيفة واخذ عنهم مسائلهم وخلطها بمسائل المدنيين ثم رجع بها الى القيروان وكان ضنينا بها لايدرسا الا لمن رضي ،وكان ان تحيل الامام سحنون لسماعها كاملة بحيلة لطيفة فلما تم له هذا سافر بها الى الامام ابن القاسم رضي الله عنه فصححها عليه وبين له اوجه المخالفة وارسل الى اسد بان يصحح مدونته فهم اسد بتصحيحها لكن رده بعض اصحابه عن ذلك،فلما سمع ابن القاسم دعا عليه فلم ينتفع الناس الى يومنا بمدونته المعروفة بالاسدية وهي مخطوط الى يومنا هذا على حد علمي ، وقد بارك الله سبحانه في مدونة سحنون فعرفت بالمدونة الكبرى وبالمختلطة وعليها المعول
وفقكم الله
ابن نصر
30-05-2008, 09:59 PM
ان عبد الرحمن بن القاسم هو الذي ارسل الى اسد بطلب تصحيح المدونة
متى كان هذا قبل سفر الامام سحنون اليه اوبعده
ابن نصر
31-05-2008, 10:31 AM
ومن اعلمه بذلك وكيف علم ان بالاسدية روايات سقيمة
ابن نصر
01-06-2008, 09:58 AM
يا أخي راجع تاريخ المدونة ، على الأقل في ترتيب المدارك .
اعلم هذا ولكني لست متفرغا لهذا، ثم اني اجبتك من الذاكرة
وازيدك واحدة يوجد مثل هذا في معالم الايمان والشجرة وغيرها من الكتب
ولم اسأل ولا طلبت الارشاد بارك الله فيك
ابن نصر
03-06-2008, 12:36 AM
الموضوع هذا في غاية الأهمية لأنه يمثل البناء الأصلي للمذهب المالكي .
لم افهمك اخي كريم هلا وضحت
ابن نصر
03-06-2008, 10:37 PM
أنت مالكي كيف لاتفهم سيدي ؟
؟؟؟؟؟؟؟؟؟
عجبا لامر هذا الرجل لايقر له قرار فمرة سائل ومرة مجيب ومرة اخرى مستفهم واخرى موجه
اللهم اجعلنا نعقل
vBulletin® v3.8.1, Copyright ©2000-2012, Jelsoft Enterprises Ltd.