عبد الكريم الرازي
04-02-2010, 05:01 PM
يتحفنا هنا الشيخ الأزهري بهذا المقال الرائع لشيخ الأزهر الإمام الأكبر العلاّمة الخضر حسين رحمه الله، حيث يتناول الإمام ترجمة إمام أهل السنة أبي الحسن الأشعري، طيّب الله ثراه، و المرحلة التي مهّدت لظهور هذا الإمام العظيم، من تكوين مختلف الفرق و موقف السلف منها.
صفحة من حياة الإمام أبي الحسن الأشعري
بقلم الإمام الأكبر السيد محمد الخضر حسين التونسي
شيخ الجامع الأزهر
التحق النبي صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى وقد أورث الناس دينا ساطع الحجج، محكم الآيات، فساروا في ضوئه أمة واحدة، لا يختلفون في شيء يرجع إلى العقائد حتى آخر خلافة عثمان رضي الله عنه حيث حميت تلك المناقشات السياسية، واتخذها مرضى القلوب أمثال (عبدالله بن سبأ) ذريعة إلى فتنة يكيدون بها الإسلام، ففتحوا بابها بقتل الخليفة، ونشأت خلافة علي كرم الله وجهه، وغبار الفتنة ثائر، فتولدت تحت مثاره آراء سياسية، ثم جعلت تلك الآراء تتحول إلى مذاهب دينية، ودب في النفوس مرض الاختلاف، ومن هذا الاختلاف ما يرجع إلى أصول العقائد، فيحل عروة الإيمان، ومنه ما يرجع إلى فروعها، فلا يزيد على أن يسمى انحرافا عن الصواب.
كثرت الفرق، وتعددت الألقاب، فوهن حبل الاتحادالإسلامي، ولولا هذا التفرق لبلغ الإسلام من القوة فوق ما بلغ، وارتقى في السيادة ذروة فوق التي ارتقى.
ومن هذه الفرق فرقة يغالون في (التشيع) للإمام علي كرم الله وجهه، ومن أبعدهم في هذا الغلو السبئية أتباع (عبدالله بن سبأ)، الذي ادعى لعلي عليه السلام وصف الإلهية، فنفاه علي إلى المدائن، ويقال : إنه كان يهوديا، فتظاهر بالإسلام ليكيد له بمثل هذه الدعوى.
ويقابل هذه الفرقة فرقة يدينون بكراهة علي رضي الله عنه، وهم (الخوارج)، ونشأ هذا المذهب من جماعة كانوا مع علي في حرب صفين، ثم خرجوا عليه عقب قضية التحيكم.
ومن هذه الفرق فرقة يبالغون في إثبات الوعد، حتى قال بعضهم : لا يضر مع الإيمان معصية، وهم (المرجئة).
أما الإرجاء الذي ينسب إلى بعض فضلاء التابعين كالحسن بن محمد بن الحنفية، فمعناه عدم القطع على إحدى الطائفتين المقتتلتين من العلويين والأمويين بكونها مخطئة أو مصيبة، وإرجاء أمرهما أي تأخيره وتفويضه إلى الله تعالى، وهو بهذا المعنى لا يمس جانب الإيمان، ولا يعد صاحبه عند أهل السنة موضعا للعيب.
ومن هذه الفرق فرقة يبالغون في إثبات القدرة للإنسان، وينكرون إضافة الخير والشر إلى القدر، وهم (القدرية)، وأول من تكلم بهذا (معبد بن عبدالله الجهني) الذي خرج مع ابن الأشعث، ووقع في يد الحجاج فقتله سنة 80هـ.
ومن هذه الفرق فرقة لا يثبتون للعبد قدرة على الفعل لا مؤثرة ولا كاسبة، وهم (الجبرية)، وأول من ظهر بهذا المذهب (جهم بن صفوان) الذي خرج مع الحارث بن سريج على بني أمية في أواخر دولتهم، ووقع في قبضتهم بعد انهزام الحارث وقتل سنة 128 أو 131 هـ.
ومن هذه الفرق فرقة يشَبِّهُون الله ـ وهو واجب الوجود ـ ببعض مخلوقاته، وهم (المشبهة)، وممن تعزى إليه هذه البدعة (الجعد بن درهم) مؤدب مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية.
ومن غلاة المشبهة (الكرامية) أتباع (محمد بن كَرَّام) وهو شيخ نشأ في سجستان، ثم دخل نيسابور، وباح بالتجسيم، فحبسه عبدالله بن طاهر، ثم أطلقه فتخلص إلى القدس الشريف، وهناك توفي سنة 256هـ.
ومن هذه الفرق فرقة يؤولون القرآن والسنة على غير ما يراد منها، مكرا بالدين وصرفا للناس عن هدايته، وهم (الباطنية)، وائتمار من أصلهم المجوسية بالكيد للإسلام وقع ـ على ما يقصه أبو بكر بن العربي ـ في عهد البرامكة، ولكن تأويل الظاهر على وجوه تعطل أحكام الشريعة وتذهب ببهاء حكمتها ظهر فيما بعد، ومن زعماء هذه النحلة (حمدان قرمط) المتوفى سنة 264هـ، ومنه أخذ الباطنية لقب (القرامطة).
ومن أذناب هذه الفرقة اليوم الطائفة المسماة بـ(البابية) أو (البهائية)، وكانت قبل هذا تعمل في خفاء، فسرى وباؤها في نفوس كثير من المسلمين الغافلين، حتى أخذ بعض زعمائها الغرور، فجاهروا بشيء مما يسرون، فانكشفت للناس سريرتها، وافتضح أمرها، فلا تقوم لدعايتها بعد هذا ـ إن شاء الله ـ قائمة.
ومن هذه الفرق فرقة (المعتزلة)، ومن رؤوسها (أبو حذيفة واصل بن عطاء الغزَّال)، وصاحبه (عمرو بن عبيد)، وكانا يجالسان الحسن البصري المتوفى سنة 116هـ، ثم اعتزلاه في نفر كانوا على رأيهما، وظهر بعد هؤلاء طبقة أخرى، من زعمائها (إبراهيم بن يسار النَّظَّام) المتوفى سنة 221هـ، و(محمد بن الهذيل العلاّف) المتوفى سنة235هـ، و(أحمد بن أبي دؤاد) المتوفى سنة 240هـ، و(بشر المريسي) المتوفى سنة 218هـ، ثم عمرو بن بحر الجاحظ المتوفى سنة 250هـ.
وظهر بعد هؤلاء طبقة ، من رجالها (أبو علي محمد الجبائي) المتوفى سنة 303هـ، وهو أستاذ أبي الحسن الأشعري، و(أبو القاسم عبدالله الكعبي) المتوفى سنة 317هـ، وإليه تنسب الفرقة (الكعبية)، و(أبو هاشم عبدالسلامبن أبي علي الجبائي) المتوفى سنة 321هـ، وإليه تنسب الفرقة (البهشمية)، فالكعبي وأبو هاشم كانا معاصرين لأبي الحسن الأشعري.
وظهر مذهب الاعتزال لذلك العهد، إذ كان لكثير من زعمائه البراعة في البيان والوجاهة عند رجال الدولة، فعمرو بن عبيد كان رفيع المنـزلة عند المنصور، وكان المجلس الذي يعقده البرامكة لأصحاب المقالات ينتظم من أبي الهذيل العلاف، وإبراهيم النظام، وبشر بن المعتمر، وجعفر بن حرب، وثمامة بن أشرس، وجعفر بن بشر، وكلهم من زعماء الاعتزال.
وأحمد بن أبي دؤاد كان وجيها لدى المأمون، وتولى قاضي القضاة في خلافة المعتصم، وهو الذي امتحن الإمام أحمد بن حنبل وحاول إلزامه القول بخلق القرآن الكريم، وكذلك كان ابن أبي دؤاد في عهد الواثق، ولما تقلد المتوكل الخلافة أصيب ابن أبي دؤاد بفالج، فخلفه في القضاء ابنه محمد بن أحمد، ثم صرفه المتوكل عن القضاء، وولّى مكانه يحيى بن أكثم، وكان يقتدي بمذهب أهل السنة.
ومن أسباب ظهور الاعتزال أن بعض زعمائه كانوا يتصدون للرد على الخارجين عن الملة من نحو الكلاحدة والطبيعيين، كما رد واصل الغزال على المانوية، ورد أبو هاشم بن أبي علي الجبائي على القائلين بالطبائع، ورد أبو الحسين بن أبي عمر الخياط على ابن الراوندي في كتاب (الانتصار)، وكانوا يدرسون الفلسفة، ويتناولون آراء رجالها بالنقض، فلأبي هاشم هذا كتاب (النقض على أرسطاليس في الكون والفساد)، ومما نقرؤه في ترجمة النظام أن جعفر بن يحي البرمكي ذكر أرسطاليس، فقال النظام: قد نقضت عليه كتابه، فقال جعفر: كيف وأنت لا تحسن أن تقرأه! فقال النظام: أيهما أحب إليك: أن أقرأه من أوله إلى آخره، أمن آخره إلى أوله؟ ثم أخذ يذكره شيئا فشيئا، وينقض عليه، فتعجب جعفر منه.
ودراسة المعتزلة للفلسفة أفادت في ردهم على بعض الفلاسفة والملاحدة، ولكن انحرفت ببعض آرائهم عن قصد السبيل، فتعسفوا في نقض نصوص من الكتاب والسنةظنا منهم أن الفلسفة تتعاصى عن قبول ما تدل عليه هذه النصوص، ولم يكن المعتزلة في المسائل التي تعزى إليهم على رأي واحد، بل كانوا يختلفون في بعض الآراء، وقد ينتصب بعضهم لتفنيد آراء بعض، كما ألف جعفر بن حرب في الرد على أبي الهذيل العلاّف كتابا سماه (توبيخ أبي الهذيل) وبالغ في الرد عليه حتى أشار إلى تكفيره.
وزاد مذهبَ الاعتزال في القرن الثاني والثالث رواجا أن أهل السنة كانوا لا يعنون بمجادلتهم على طريقة نظرية يرخي فيها الخصم لخصمه العنان، ثم يدفع شيهه شبهة بعد أخرى، وينقض أدلته دليلا بعد دليل، وكان الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه يكره التصدي لمجادلة المبتدعين، وحكى عنه الغزالي في كتاب (المنقذ) أنه أنكر على الحارث المحاسبي تصنيفه في الرد على المعتزلة، فقال الحارث: الرد على المبتدعة فرض، فقال أحمد: نعم، ولكن حيث حكيت شبهتهم أولا، ثم أجبت عنها، فلا يؤمن أن يطالع الشبهة من تعلق بفهمه، ولا يلتفت إلى الجواب، أو ينظرإلى الجواب، ولا يفهم كنهه، قال الغزالي: وما ذكره أحد حق، ولكن في شبهة لم تنتشر ولم تشتهر، أما إذا انتشرت فالجواب عنها واجب، ولا يمكن الجواب إلا بعد الحكاية.
صفحة من حياة الإمام أبي الحسن الأشعري
بقلم الإمام الأكبر السيد محمد الخضر حسين التونسي
شيخ الجامع الأزهر
التحق النبي صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى وقد أورث الناس دينا ساطع الحجج، محكم الآيات، فساروا في ضوئه أمة واحدة، لا يختلفون في شيء يرجع إلى العقائد حتى آخر خلافة عثمان رضي الله عنه حيث حميت تلك المناقشات السياسية، واتخذها مرضى القلوب أمثال (عبدالله بن سبأ) ذريعة إلى فتنة يكيدون بها الإسلام، ففتحوا بابها بقتل الخليفة، ونشأت خلافة علي كرم الله وجهه، وغبار الفتنة ثائر، فتولدت تحت مثاره آراء سياسية، ثم جعلت تلك الآراء تتحول إلى مذاهب دينية، ودب في النفوس مرض الاختلاف، ومن هذا الاختلاف ما يرجع إلى أصول العقائد، فيحل عروة الإيمان، ومنه ما يرجع إلى فروعها، فلا يزيد على أن يسمى انحرافا عن الصواب.
كثرت الفرق، وتعددت الألقاب، فوهن حبل الاتحادالإسلامي، ولولا هذا التفرق لبلغ الإسلام من القوة فوق ما بلغ، وارتقى في السيادة ذروة فوق التي ارتقى.
ومن هذه الفرق فرقة يغالون في (التشيع) للإمام علي كرم الله وجهه، ومن أبعدهم في هذا الغلو السبئية أتباع (عبدالله بن سبأ)، الذي ادعى لعلي عليه السلام وصف الإلهية، فنفاه علي إلى المدائن، ويقال : إنه كان يهوديا، فتظاهر بالإسلام ليكيد له بمثل هذه الدعوى.
ويقابل هذه الفرقة فرقة يدينون بكراهة علي رضي الله عنه، وهم (الخوارج)، ونشأ هذا المذهب من جماعة كانوا مع علي في حرب صفين، ثم خرجوا عليه عقب قضية التحيكم.
ومن هذه الفرق فرقة يبالغون في إثبات الوعد، حتى قال بعضهم : لا يضر مع الإيمان معصية، وهم (المرجئة).
أما الإرجاء الذي ينسب إلى بعض فضلاء التابعين كالحسن بن محمد بن الحنفية، فمعناه عدم القطع على إحدى الطائفتين المقتتلتين من العلويين والأمويين بكونها مخطئة أو مصيبة، وإرجاء أمرهما أي تأخيره وتفويضه إلى الله تعالى، وهو بهذا المعنى لا يمس جانب الإيمان، ولا يعد صاحبه عند أهل السنة موضعا للعيب.
ومن هذه الفرق فرقة يبالغون في إثبات القدرة للإنسان، وينكرون إضافة الخير والشر إلى القدر، وهم (القدرية)، وأول من تكلم بهذا (معبد بن عبدالله الجهني) الذي خرج مع ابن الأشعث، ووقع في يد الحجاج فقتله سنة 80هـ.
ومن هذه الفرق فرقة لا يثبتون للعبد قدرة على الفعل لا مؤثرة ولا كاسبة، وهم (الجبرية)، وأول من ظهر بهذا المذهب (جهم بن صفوان) الذي خرج مع الحارث بن سريج على بني أمية في أواخر دولتهم، ووقع في قبضتهم بعد انهزام الحارث وقتل سنة 128 أو 131 هـ.
ومن هذه الفرق فرقة يشَبِّهُون الله ـ وهو واجب الوجود ـ ببعض مخلوقاته، وهم (المشبهة)، وممن تعزى إليه هذه البدعة (الجعد بن درهم) مؤدب مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية.
ومن غلاة المشبهة (الكرامية) أتباع (محمد بن كَرَّام) وهو شيخ نشأ في سجستان، ثم دخل نيسابور، وباح بالتجسيم، فحبسه عبدالله بن طاهر، ثم أطلقه فتخلص إلى القدس الشريف، وهناك توفي سنة 256هـ.
ومن هذه الفرق فرقة يؤولون القرآن والسنة على غير ما يراد منها، مكرا بالدين وصرفا للناس عن هدايته، وهم (الباطنية)، وائتمار من أصلهم المجوسية بالكيد للإسلام وقع ـ على ما يقصه أبو بكر بن العربي ـ في عهد البرامكة، ولكن تأويل الظاهر على وجوه تعطل أحكام الشريعة وتذهب ببهاء حكمتها ظهر فيما بعد، ومن زعماء هذه النحلة (حمدان قرمط) المتوفى سنة 264هـ، ومنه أخذ الباطنية لقب (القرامطة).
ومن أذناب هذه الفرقة اليوم الطائفة المسماة بـ(البابية) أو (البهائية)، وكانت قبل هذا تعمل في خفاء، فسرى وباؤها في نفوس كثير من المسلمين الغافلين، حتى أخذ بعض زعمائها الغرور، فجاهروا بشيء مما يسرون، فانكشفت للناس سريرتها، وافتضح أمرها، فلا تقوم لدعايتها بعد هذا ـ إن شاء الله ـ قائمة.
ومن هذه الفرق فرقة (المعتزلة)، ومن رؤوسها (أبو حذيفة واصل بن عطاء الغزَّال)، وصاحبه (عمرو بن عبيد)، وكانا يجالسان الحسن البصري المتوفى سنة 116هـ، ثم اعتزلاه في نفر كانوا على رأيهما، وظهر بعد هؤلاء طبقة أخرى، من زعمائها (إبراهيم بن يسار النَّظَّام) المتوفى سنة 221هـ، و(محمد بن الهذيل العلاّف) المتوفى سنة235هـ، و(أحمد بن أبي دؤاد) المتوفى سنة 240هـ، و(بشر المريسي) المتوفى سنة 218هـ، ثم عمرو بن بحر الجاحظ المتوفى سنة 250هـ.
وظهر بعد هؤلاء طبقة ، من رجالها (أبو علي محمد الجبائي) المتوفى سنة 303هـ، وهو أستاذ أبي الحسن الأشعري، و(أبو القاسم عبدالله الكعبي) المتوفى سنة 317هـ، وإليه تنسب الفرقة (الكعبية)، و(أبو هاشم عبدالسلامبن أبي علي الجبائي) المتوفى سنة 321هـ، وإليه تنسب الفرقة (البهشمية)، فالكعبي وأبو هاشم كانا معاصرين لأبي الحسن الأشعري.
وظهر مذهب الاعتزال لذلك العهد، إذ كان لكثير من زعمائه البراعة في البيان والوجاهة عند رجال الدولة، فعمرو بن عبيد كان رفيع المنـزلة عند المنصور، وكان المجلس الذي يعقده البرامكة لأصحاب المقالات ينتظم من أبي الهذيل العلاف، وإبراهيم النظام، وبشر بن المعتمر، وجعفر بن حرب، وثمامة بن أشرس، وجعفر بن بشر، وكلهم من زعماء الاعتزال.
وأحمد بن أبي دؤاد كان وجيها لدى المأمون، وتولى قاضي القضاة في خلافة المعتصم، وهو الذي امتحن الإمام أحمد بن حنبل وحاول إلزامه القول بخلق القرآن الكريم، وكذلك كان ابن أبي دؤاد في عهد الواثق، ولما تقلد المتوكل الخلافة أصيب ابن أبي دؤاد بفالج، فخلفه في القضاء ابنه محمد بن أحمد، ثم صرفه المتوكل عن القضاء، وولّى مكانه يحيى بن أكثم، وكان يقتدي بمذهب أهل السنة.
ومن أسباب ظهور الاعتزال أن بعض زعمائه كانوا يتصدون للرد على الخارجين عن الملة من نحو الكلاحدة والطبيعيين، كما رد واصل الغزال على المانوية، ورد أبو هاشم بن أبي علي الجبائي على القائلين بالطبائع، ورد أبو الحسين بن أبي عمر الخياط على ابن الراوندي في كتاب (الانتصار)، وكانوا يدرسون الفلسفة، ويتناولون آراء رجالها بالنقض، فلأبي هاشم هذا كتاب (النقض على أرسطاليس في الكون والفساد)، ومما نقرؤه في ترجمة النظام أن جعفر بن يحي البرمكي ذكر أرسطاليس، فقال النظام: قد نقضت عليه كتابه، فقال جعفر: كيف وأنت لا تحسن أن تقرأه! فقال النظام: أيهما أحب إليك: أن أقرأه من أوله إلى آخره، أمن آخره إلى أوله؟ ثم أخذ يذكره شيئا فشيئا، وينقض عليه، فتعجب جعفر منه.
ودراسة المعتزلة للفلسفة أفادت في ردهم على بعض الفلاسفة والملاحدة، ولكن انحرفت ببعض آرائهم عن قصد السبيل، فتعسفوا في نقض نصوص من الكتاب والسنةظنا منهم أن الفلسفة تتعاصى عن قبول ما تدل عليه هذه النصوص، ولم يكن المعتزلة في المسائل التي تعزى إليهم على رأي واحد، بل كانوا يختلفون في بعض الآراء، وقد ينتصب بعضهم لتفنيد آراء بعض، كما ألف جعفر بن حرب في الرد على أبي الهذيل العلاّف كتابا سماه (توبيخ أبي الهذيل) وبالغ في الرد عليه حتى أشار إلى تكفيره.
وزاد مذهبَ الاعتزال في القرن الثاني والثالث رواجا أن أهل السنة كانوا لا يعنون بمجادلتهم على طريقة نظرية يرخي فيها الخصم لخصمه العنان، ثم يدفع شيهه شبهة بعد أخرى، وينقض أدلته دليلا بعد دليل، وكان الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه يكره التصدي لمجادلة المبتدعين، وحكى عنه الغزالي في كتاب (المنقذ) أنه أنكر على الحارث المحاسبي تصنيفه في الرد على المعتزلة، فقال الحارث: الرد على المبتدعة فرض، فقال أحمد: نعم، ولكن حيث حكيت شبهتهم أولا، ثم أجبت عنها، فلا يؤمن أن يطالع الشبهة من تعلق بفهمه، ولا يلتفت إلى الجواب، أو ينظرإلى الجواب، ولا يفهم كنهه، قال الغزالي: وما ذكره أحد حق، ولكن في شبهة لم تنتشر ولم تشتهر، أما إذا انتشرت فالجواب عنها واجب، ولا يمكن الجواب إلا بعد الحكاية.