سراج وهاج
14-02-2010, 05:17 PM
السلام عليكم للامانة الموضوع كله منقول
هذه ترجمة شيخنا العلامة الفاضل د. أحمد بن عبد العزيز الحداد حفظه الله تعالى، و هو جبل من جبال الفقه و علم من أعلام الأمة الإسلامية، و الكثير يعرفه، لكني حرصت أن تكون له ترجمة وافية، و قد طلبت ذلك منه و ألححت عليه أن أنزلها في الإنترنت إلحاحا، حتى وافق.
و حتى لا أطيل عليكم فمع ترجمة الشيخ:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي نعمه لا تحصى ، وآلاؤه لا تستقصى، أحمده سبحانه حمدا لا يحصى ،وأشكره كما يليق بكرمه الأقصى، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد الذي أنار الله به البلاد، وبعثه بالهداية والرشاد، وأغاث به يوم التناد، ورحم به البلاد و العباد. وبــعــــــــــــــــد :
فقد طلب مني من لا تسعني مخالفته ولا ترد مسألته، من إخواننا الأعزاء، وطلبة العلم النبلاء؛ أن أحرر له صفحة عن حياتي العلمية ، ولا أدري لم طلبها ، ولئلا أكون قد منعته حقا ، أو فرطت في واجب الإخاء؛ حررت له هذه الصفحات، وإن لم أكن أهلا أن أذكر في النوادي والحلقات ؛ لأنه إنما يذكر ألأكابر، من أرباب الحجا والمحابر والدفاتر، ونحن إنما نعيش على موائد الكرام، ونستفيد من تراث آبائنا الأعلام،لكوننا من أهل التقليد لا من أهل التأصيل والتجديد.
ولكن البلاد إذا اكفهرَّت *** وصُوِّح نبتها رُعِي الهشيم
أو كما قال أبو عمرو الداني: ما نحن فيمن مضى إلا كبقل في أصول نخل طوال.
غير أنه لما كان مالا يدرك كله لا يترك جله ، فإنه وأسوة بمن مضى من أعلامنا الأعلام الذين دونوا بعض أخبارهم،فقد تأسيت بهم ، عملا بما قالوا:
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم *** إن التشبه بالكرام فلاح
وقد قال الإمام جمال الدين ابن مالك رحمه الله في مقدمة كتابه التسهيل: وإذا كانت العلوم منحاً إلهية، ومواهب اختصاصية، فغير مستبعد أن يدخر لبعض المتأخرين، ما عسر على كثير من المتقدمين.اهـ.
فشجعني ذلك أن استجيب طلب أخي الحبيب الشيخ محمد علي عباد، فحررت له هذه الصفحات، لعل فيها عبرا وعضات ،أو تكون ذكرى للأيام الآتيات، والأ بناء والبنات، ،والإخوان والأخوات، وإنما الأعمال بالنيات، واللهَ أسأل أن يتمم المقاصد، ويديم علينا جميل العوائد، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
فأقول وبالله التوفيق:
لإنني ولدت عام 1378هـ في أسرة علمية صالحة متواضعة معروفة بالفقه والصلاح ...
فجدي لأبي كان فقيها يلقب بالفقيه قاسم؛ درس الفقه والتصوف على يد العلامة الصالح السيد قاسم بن عبد الله أمير الجنيد، وتزوج أم أبي في بلدة صبر ، وظل يدرس القرآن الكريم والفقه والتصوف فترة من الزمن في هذا البلد ، ثم عاد إلى موطنه "خدير" وله زوجة فيه، ثم مات شاباً لم يتجاوز الأربعين من العمر، وترك أثراً صالحاً من الكتب العلمية التي نقلها بخطه الجميل ، ومات وأبي طفل رضيع، وعاش أبي عند أمه يتيماً ، فكفلته أمه التي لم تلبث أن توفيت وهو في السابعة من عمره ، فكفله أخواله ،فلما ختم القرآن الكريم عند الحاج عبده الصلو؛ قراءة وترتيلا ، أخذ مهمة أبيه في تدريس القرآن الكريم في الكتَّاب ، ثم درس العلم الشرعي عند الشيخ الفقيه الولي الصالح صاحب المكاشفات العجيبة ؛ أحمد بن علي النأداني الذي كان مشهورا ًبالعلم والصلاح والولاية ، كما درس عند العلامة الولي الصالح الفقيه المحقق السيد الحاج عبد الكريم بن أحمد الجنيد ، ثم أصبح أبي فقيه البلاد ومعلم أبنائها في صبر ، وتزوج في صبر ، ثم عاد إلى موطن أبيه "خدير" فتزوج ثانية ، وما برح أن لبثته الديون المرهقة فهاجر إلى مكة المكرمة ، عام 1389 هـ فوجد مشايخ الحرم وعلماءه ، فلازم حلقاتهم إلى جانب اشتغاله بالكسب من جراء تطويف الحجاج والمعتمرين ببيت الله الحرام والسعي بين الصفا والمروة، وكان يترقب الوقت الذي أكبر فيه قليلاً ليحملني معه إلى علماء الحرم الشريف. وقد حقق أمنيته عام 1395هـ حيث سافرت معه إلى مكة المكرمة لطلب العلم ،وأنا في الخامس عشرة من عمري ، وكان الأقارب حريصين على أن أشتغل لأعيل أمي وإخواني نظرا لأن أبي مديون ولا يقدر على إعالتهم كما ينبغي، غير أن أبي أبى إلا أن أدرس العلم الشرعي، فسلمني إلى شيخنا العلامة عبد الله بن سعيد اللحجي، قائلاً له : "وهبتك ابني هذا ، ليتعلم عندك " على سبيل التسليم الكامل للشيخ ليربيني بعلمه وأدبه ويلحظني برعايته ، وينظر إلي نظرة الأب لابنه ، فضحك الشيخ ، وقال له " قد قبلناه من قبل أن تأتي به ".
ومن حينئذ والشيخ يرعاني رعاية فائقة تربيةً وتعليماً ونفقة, ً فلازمت دروسه العامة والخاصة ملازمةً تامة كما سيأتي بـيانه، ، وكنت في اليمن قد درست مبادئ العلوم ، وحفظت كثيراً من المتون : كمتن الغاية والتقريب- أبي شجاع- وكثيراً من زبد ابن رسلان ، ومتن الأجرومية في النحو، ومنظومة الرحبية في الفرائض، وسفينة النجاة في فقه الصلاة ، لدى والدي ، ثم عند شيخنا السيد عبد الوهاب سعيد الجنيد رحمه الله تعالى .
فلما قدمت مكة في شهر شعبان سنة 1395هـ التحقت بالمدرسة الصولثية في شوال كمستمع بقية السنة الدراسية ، وهي أعرق مدرسة بالحجاز عامة ومكة خاصة أسست عام 1292هـ لها منهج ضخم في سائر العلوم الشرعية من المراجع الأصلية ، وفي السنة التالية عام 1396هـ التحقت بها نظامياً في السنة الأولى من القسم الديني ، وكان فيها من العلماء الأجلاء الذين لم يأت بعدهم مثلهم ، كشيخنا العلامة الحجة عبد الله بن سعيد اللحجي ،وشيخنا العلامة المتقن المتفنن: إسماعيل عثمان الزين ، وشيخنا العلامة محمد عوض منقش الزبيدي ، وشيخنا عدنان إنفناني الأندو نوسي ، وغيرهم فدرست في المدرسة ستة سنوات ، في قسميها: الثانوي أربع سنوات ، والعالي سنتين ، وكان ولا يزال تدرّس فيها الأمهات الست كاملة قد درسناها دراسة بحث وتحقيق ، كما درسنا دروساً إضافية كموطأ الإمام مالك ، لدى الشيخ محمد عوض منقش الزبيدي رحمه الله في حصة إضافية قبل الحصص الرسمية ، ثم مشكاة المصابيح لدى الشيخ محمد مكي الهندي ، كما درسنا رياض الصالحين في فسحة نصف النهار عند شيخنا إسماعيل عثمان ، وفي الفقه درسنا المنهاج ، ثم شرح المحلي عليه، وفي اللغة :قطر الندى ، ثم شرح ابن عقيل ، وفي الأصول : الورقات ، ثم لب الأصول ثم جمع الجوامع ، وفي التفسير: الجلالين ، ثم ابن كثير ، وفي المصطلح: منظومة رفع الأستار بشرحها للشيخ حسن محمد المشاط ، وفي الأدب :تاريخ الأدب العربي للزيات ، وفي السيرة النبوية: نور الـيقين لخضري بك، وفي التاريخ :تاريخ الخلفاء الراشدين للسيوطي في القسم الثانوي ثم تاريخ الدولة الأموية والعباسية لخضري بك في القسم العالي، كما درسنا المنطق والفلك ، والبلاغة والصرف ، والفرائض والحساب والهندسة.
وعشت في المدرسة ست سنوات أنهل من معينها العذب.
بالإضافة إلى دراستي الأولى في الحرم الشريف لدى شيخنا عبد الله حيث لازمت دروسه الحديثية والفقهية واللغوية التي كان يعقدها في الحرم الشريف ، فدرسنا عليه صحيح البخاري بين المغرب والعشاء ، ثم صحيح مسلم ، ثم سنن الترمذي ، وكنت أنا قارئ الدرس في سنن الترمذي ، بينما كان يقرأ الصحيحين الشيخ علي حميد قاسم ، كما كنت مقرئ درس الفقه حيث درسنا مرات متن الغاية والتقريب لأبي شجاع وإيضاح المناسك للإمام النووي ، وقبله عمدة الأبرار في مناسك الحج والاعتمار للونائي ،والكواكب الدرية شرح متممة الأجرومية للسيد محمد بن عبد الرحمن الأهدل درّسنا إياها مرات ، ثم بعد ذلك القواعد الأساسية للسيد أحمد الهاشمي ، وكانت دروسه في الحرم لا نظير لها ، حيث كان يتعنى في الشرح والإيضاح بأفصح عبارة وأدق أسلوب ، تهوى أفئدة الطلاب العلم إليها وعلى الشيخ ، فيجتمع فيها العشرات من خُلّص طلاب العلم ،ناهيك عن عموم الناس الملازمين للاستماع ، أو العابرين من الحجاج والعمار والزائرين.
وبجانب ذلك كانت لي دروس خاصة لديه في بيته فدرسنا في العقيدة : الجوهرة وشروحها، وحاشية أم البراهين ، وفي التجويد شرح الجزرية بعد حفظهما لديه ، وتدريب الراوي شرح تقريب النوواي في المصطلح للإمام السيوطي.
كما حفظت لديه متن الزبد لابن رسلان كاملاً ، وألفية ابن مالك كاملة ، ومتن السلم في المنطق ، والمنظومة البيقونية في المصطلح ،ومنظومة الجزرية في التجويد ومنظومة الجوهر المكنون في البلاغة، ومنظومات ومنثورات أخرى في البلاغة والاستعاره..
وفي أخريات حياته أظهر لي خاصة كتابه العظيم: منتهى السهول شرح غاية الوصول إلى شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث كان مخطوطاً في أربعة مجلدات ، وعكف على تأليفه سنين عدداً ، وكان ظنيناً به ، وخائفاً عليه ، لكنه كان يشعر بدنو أجله ، فأراني إياه وأمرني بقراءته عليه في يوم السبت من كل أسبوع ، ففرحت كثيراً ، ولازمت دراسته عليه نحو سنتين ، ثم نسخته له نسخة أخرى احتياطية ، ومات رحمه الله تعالى في 26/5/1410هـ قبل أن نتمه ، كما بينت ذلك في ترجمته الحافلة : نشوة الشجي في ترجمة شيخنا اللحجي.
ومع دروسي لديه الخاصة والعامة ، فقد درست لدى غيره من علماء الحرم فلازمت شيخنا الشيخ إسماعيل عثمان الزين فلازمت بعض دروسه في بيته ، لاسيما صباح يوم الجمعة حيث كان يدرس الرسالة القشيرية ، وإحياء علوم الدين للغزالي فدرسنا الرسالة القشيرية في التربية الروحية والتصوف كاملة، ثم قسطا كبيرا من الإحياء.
وبالإضافة إلى ذلك لازمت تلاميذ شيخنا اللحجي وهم من العلماء الأفاضل الصلحاء، مثل الشيخ عبدالقادر دبوان الشرعبي ،والسيد على عبد الله الأهدل ، والسيد أحمدعبد الله الرقيمي الأهدل والسيد عمر مهدلي والسيد طالب الرقيمي والشيخ زيد الوصابي والشيخ عزيز الرحمن الباكستاني وغيرهم فكنت أدرس عندهم المتون التي حفظتها وغيرها شرحاً ومذاكرةً، ولا زلت كذلك حتى أصبحت أدرس الزملاء ومن استجد في طلب العلم .
كما لقيت وأخذت عن كثير من مشايخ الحرم غير من ذكر؛ منهم شيخنا العلامة الإمام محمد نور سيف المهيري ، الذي كانت له بي عناية كبيرة، من حيث الرعاية الأدبية والمادية، وحضرت درسه في المسجد بضع ليال ، حيث كان قد انقطع عن التدريس بالحرم الشريف لكبر سنه، وفي أخريات سني عمره فتح درسا خاصا أسبوعيا في التفسير لكبار الطلبة، ونظرا لتعارضه مع الدرس العام لشيخنا اللحجي في الحرم الشريف فلم تتح لي الفرصة بالاستمرار فيه، على أنه لم يطل كثيرا نظرا لحالة الشيخ الصحية مع كبر السن، ومع ذلك فقد كان الشيخ رحمه الله تعالى يعذر من يتأخر عنه لا نشغاله بدروس أخرى وذلك لسماحة الشيخ رحمه الله تعالى، ومع ذلك فقد رعاني ماديا حيث كان ينفق علي شهريا ما يكفل لي الحياة كطالب علم ؛ من غذاء وكتب ولباس، بل وتوفير أحيان رحمه الله تعالى رحمة الأبرار.
هذه ترجمة شيخنا العلامة الفاضل د. أحمد بن عبد العزيز الحداد حفظه الله تعالى، و هو جبل من جبال الفقه و علم من أعلام الأمة الإسلامية، و الكثير يعرفه، لكني حرصت أن تكون له ترجمة وافية، و قد طلبت ذلك منه و ألححت عليه أن أنزلها في الإنترنت إلحاحا، حتى وافق.
و حتى لا أطيل عليكم فمع ترجمة الشيخ:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي نعمه لا تحصى ، وآلاؤه لا تستقصى، أحمده سبحانه حمدا لا يحصى ،وأشكره كما يليق بكرمه الأقصى، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد الذي أنار الله به البلاد، وبعثه بالهداية والرشاد، وأغاث به يوم التناد، ورحم به البلاد و العباد. وبــعــــــــــــــــد :
فقد طلب مني من لا تسعني مخالفته ولا ترد مسألته، من إخواننا الأعزاء، وطلبة العلم النبلاء؛ أن أحرر له صفحة عن حياتي العلمية ، ولا أدري لم طلبها ، ولئلا أكون قد منعته حقا ، أو فرطت في واجب الإخاء؛ حررت له هذه الصفحات، وإن لم أكن أهلا أن أذكر في النوادي والحلقات ؛ لأنه إنما يذكر ألأكابر، من أرباب الحجا والمحابر والدفاتر، ونحن إنما نعيش على موائد الكرام، ونستفيد من تراث آبائنا الأعلام،لكوننا من أهل التقليد لا من أهل التأصيل والتجديد.
ولكن البلاد إذا اكفهرَّت *** وصُوِّح نبتها رُعِي الهشيم
أو كما قال أبو عمرو الداني: ما نحن فيمن مضى إلا كبقل في أصول نخل طوال.
غير أنه لما كان مالا يدرك كله لا يترك جله ، فإنه وأسوة بمن مضى من أعلامنا الأعلام الذين دونوا بعض أخبارهم،فقد تأسيت بهم ، عملا بما قالوا:
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم *** إن التشبه بالكرام فلاح
وقد قال الإمام جمال الدين ابن مالك رحمه الله في مقدمة كتابه التسهيل: وإذا كانت العلوم منحاً إلهية، ومواهب اختصاصية، فغير مستبعد أن يدخر لبعض المتأخرين، ما عسر على كثير من المتقدمين.اهـ.
فشجعني ذلك أن استجيب طلب أخي الحبيب الشيخ محمد علي عباد، فحررت له هذه الصفحات، لعل فيها عبرا وعضات ،أو تكون ذكرى للأيام الآتيات، والأ بناء والبنات، ،والإخوان والأخوات، وإنما الأعمال بالنيات، واللهَ أسأل أن يتمم المقاصد، ويديم علينا جميل العوائد، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
فأقول وبالله التوفيق:
لإنني ولدت عام 1378هـ في أسرة علمية صالحة متواضعة معروفة بالفقه والصلاح ...
فجدي لأبي كان فقيها يلقب بالفقيه قاسم؛ درس الفقه والتصوف على يد العلامة الصالح السيد قاسم بن عبد الله أمير الجنيد، وتزوج أم أبي في بلدة صبر ، وظل يدرس القرآن الكريم والفقه والتصوف فترة من الزمن في هذا البلد ، ثم عاد إلى موطنه "خدير" وله زوجة فيه، ثم مات شاباً لم يتجاوز الأربعين من العمر، وترك أثراً صالحاً من الكتب العلمية التي نقلها بخطه الجميل ، ومات وأبي طفل رضيع، وعاش أبي عند أمه يتيماً ، فكفلته أمه التي لم تلبث أن توفيت وهو في السابعة من عمره ، فكفله أخواله ،فلما ختم القرآن الكريم عند الحاج عبده الصلو؛ قراءة وترتيلا ، أخذ مهمة أبيه في تدريس القرآن الكريم في الكتَّاب ، ثم درس العلم الشرعي عند الشيخ الفقيه الولي الصالح صاحب المكاشفات العجيبة ؛ أحمد بن علي النأداني الذي كان مشهورا ًبالعلم والصلاح والولاية ، كما درس عند العلامة الولي الصالح الفقيه المحقق السيد الحاج عبد الكريم بن أحمد الجنيد ، ثم أصبح أبي فقيه البلاد ومعلم أبنائها في صبر ، وتزوج في صبر ، ثم عاد إلى موطن أبيه "خدير" فتزوج ثانية ، وما برح أن لبثته الديون المرهقة فهاجر إلى مكة المكرمة ، عام 1389 هـ فوجد مشايخ الحرم وعلماءه ، فلازم حلقاتهم إلى جانب اشتغاله بالكسب من جراء تطويف الحجاج والمعتمرين ببيت الله الحرام والسعي بين الصفا والمروة، وكان يترقب الوقت الذي أكبر فيه قليلاً ليحملني معه إلى علماء الحرم الشريف. وقد حقق أمنيته عام 1395هـ حيث سافرت معه إلى مكة المكرمة لطلب العلم ،وأنا في الخامس عشرة من عمري ، وكان الأقارب حريصين على أن أشتغل لأعيل أمي وإخواني نظرا لأن أبي مديون ولا يقدر على إعالتهم كما ينبغي، غير أن أبي أبى إلا أن أدرس العلم الشرعي، فسلمني إلى شيخنا العلامة عبد الله بن سعيد اللحجي، قائلاً له : "وهبتك ابني هذا ، ليتعلم عندك " على سبيل التسليم الكامل للشيخ ليربيني بعلمه وأدبه ويلحظني برعايته ، وينظر إلي نظرة الأب لابنه ، فضحك الشيخ ، وقال له " قد قبلناه من قبل أن تأتي به ".
ومن حينئذ والشيخ يرعاني رعاية فائقة تربيةً وتعليماً ونفقة, ً فلازمت دروسه العامة والخاصة ملازمةً تامة كما سيأتي بـيانه، ، وكنت في اليمن قد درست مبادئ العلوم ، وحفظت كثيراً من المتون : كمتن الغاية والتقريب- أبي شجاع- وكثيراً من زبد ابن رسلان ، ومتن الأجرومية في النحو، ومنظومة الرحبية في الفرائض، وسفينة النجاة في فقه الصلاة ، لدى والدي ، ثم عند شيخنا السيد عبد الوهاب سعيد الجنيد رحمه الله تعالى .
فلما قدمت مكة في شهر شعبان سنة 1395هـ التحقت بالمدرسة الصولثية في شوال كمستمع بقية السنة الدراسية ، وهي أعرق مدرسة بالحجاز عامة ومكة خاصة أسست عام 1292هـ لها منهج ضخم في سائر العلوم الشرعية من المراجع الأصلية ، وفي السنة التالية عام 1396هـ التحقت بها نظامياً في السنة الأولى من القسم الديني ، وكان فيها من العلماء الأجلاء الذين لم يأت بعدهم مثلهم ، كشيخنا العلامة الحجة عبد الله بن سعيد اللحجي ،وشيخنا العلامة المتقن المتفنن: إسماعيل عثمان الزين ، وشيخنا العلامة محمد عوض منقش الزبيدي ، وشيخنا عدنان إنفناني الأندو نوسي ، وغيرهم فدرست في المدرسة ستة سنوات ، في قسميها: الثانوي أربع سنوات ، والعالي سنتين ، وكان ولا يزال تدرّس فيها الأمهات الست كاملة قد درسناها دراسة بحث وتحقيق ، كما درسنا دروساً إضافية كموطأ الإمام مالك ، لدى الشيخ محمد عوض منقش الزبيدي رحمه الله في حصة إضافية قبل الحصص الرسمية ، ثم مشكاة المصابيح لدى الشيخ محمد مكي الهندي ، كما درسنا رياض الصالحين في فسحة نصف النهار عند شيخنا إسماعيل عثمان ، وفي الفقه درسنا المنهاج ، ثم شرح المحلي عليه، وفي اللغة :قطر الندى ، ثم شرح ابن عقيل ، وفي الأصول : الورقات ، ثم لب الأصول ثم جمع الجوامع ، وفي التفسير: الجلالين ، ثم ابن كثير ، وفي المصطلح: منظومة رفع الأستار بشرحها للشيخ حسن محمد المشاط ، وفي الأدب :تاريخ الأدب العربي للزيات ، وفي السيرة النبوية: نور الـيقين لخضري بك، وفي التاريخ :تاريخ الخلفاء الراشدين للسيوطي في القسم الثانوي ثم تاريخ الدولة الأموية والعباسية لخضري بك في القسم العالي، كما درسنا المنطق والفلك ، والبلاغة والصرف ، والفرائض والحساب والهندسة.
وعشت في المدرسة ست سنوات أنهل من معينها العذب.
بالإضافة إلى دراستي الأولى في الحرم الشريف لدى شيخنا عبد الله حيث لازمت دروسه الحديثية والفقهية واللغوية التي كان يعقدها في الحرم الشريف ، فدرسنا عليه صحيح البخاري بين المغرب والعشاء ، ثم صحيح مسلم ، ثم سنن الترمذي ، وكنت أنا قارئ الدرس في سنن الترمذي ، بينما كان يقرأ الصحيحين الشيخ علي حميد قاسم ، كما كنت مقرئ درس الفقه حيث درسنا مرات متن الغاية والتقريب لأبي شجاع وإيضاح المناسك للإمام النووي ، وقبله عمدة الأبرار في مناسك الحج والاعتمار للونائي ،والكواكب الدرية شرح متممة الأجرومية للسيد محمد بن عبد الرحمن الأهدل درّسنا إياها مرات ، ثم بعد ذلك القواعد الأساسية للسيد أحمد الهاشمي ، وكانت دروسه في الحرم لا نظير لها ، حيث كان يتعنى في الشرح والإيضاح بأفصح عبارة وأدق أسلوب ، تهوى أفئدة الطلاب العلم إليها وعلى الشيخ ، فيجتمع فيها العشرات من خُلّص طلاب العلم ،ناهيك عن عموم الناس الملازمين للاستماع ، أو العابرين من الحجاج والعمار والزائرين.
وبجانب ذلك كانت لي دروس خاصة لديه في بيته فدرسنا في العقيدة : الجوهرة وشروحها، وحاشية أم البراهين ، وفي التجويد شرح الجزرية بعد حفظهما لديه ، وتدريب الراوي شرح تقريب النوواي في المصطلح للإمام السيوطي.
كما حفظت لديه متن الزبد لابن رسلان كاملاً ، وألفية ابن مالك كاملة ، ومتن السلم في المنطق ، والمنظومة البيقونية في المصطلح ،ومنظومة الجزرية في التجويد ومنظومة الجوهر المكنون في البلاغة، ومنظومات ومنثورات أخرى في البلاغة والاستعاره..
وفي أخريات حياته أظهر لي خاصة كتابه العظيم: منتهى السهول شرح غاية الوصول إلى شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث كان مخطوطاً في أربعة مجلدات ، وعكف على تأليفه سنين عدداً ، وكان ظنيناً به ، وخائفاً عليه ، لكنه كان يشعر بدنو أجله ، فأراني إياه وأمرني بقراءته عليه في يوم السبت من كل أسبوع ، ففرحت كثيراً ، ولازمت دراسته عليه نحو سنتين ، ثم نسخته له نسخة أخرى احتياطية ، ومات رحمه الله تعالى في 26/5/1410هـ قبل أن نتمه ، كما بينت ذلك في ترجمته الحافلة : نشوة الشجي في ترجمة شيخنا اللحجي.
ومع دروسي لديه الخاصة والعامة ، فقد درست لدى غيره من علماء الحرم فلازمت شيخنا الشيخ إسماعيل عثمان الزين فلازمت بعض دروسه في بيته ، لاسيما صباح يوم الجمعة حيث كان يدرس الرسالة القشيرية ، وإحياء علوم الدين للغزالي فدرسنا الرسالة القشيرية في التربية الروحية والتصوف كاملة، ثم قسطا كبيرا من الإحياء.
وبالإضافة إلى ذلك لازمت تلاميذ شيخنا اللحجي وهم من العلماء الأفاضل الصلحاء، مثل الشيخ عبدالقادر دبوان الشرعبي ،والسيد على عبد الله الأهدل ، والسيد أحمدعبد الله الرقيمي الأهدل والسيد عمر مهدلي والسيد طالب الرقيمي والشيخ زيد الوصابي والشيخ عزيز الرحمن الباكستاني وغيرهم فكنت أدرس عندهم المتون التي حفظتها وغيرها شرحاً ومذاكرةً، ولا زلت كذلك حتى أصبحت أدرس الزملاء ومن استجد في طلب العلم .
كما لقيت وأخذت عن كثير من مشايخ الحرم غير من ذكر؛ منهم شيخنا العلامة الإمام محمد نور سيف المهيري ، الذي كانت له بي عناية كبيرة، من حيث الرعاية الأدبية والمادية، وحضرت درسه في المسجد بضع ليال ، حيث كان قد انقطع عن التدريس بالحرم الشريف لكبر سنه، وفي أخريات سني عمره فتح درسا خاصا أسبوعيا في التفسير لكبار الطلبة، ونظرا لتعارضه مع الدرس العام لشيخنا اللحجي في الحرم الشريف فلم تتح لي الفرصة بالاستمرار فيه، على أنه لم يطل كثيرا نظرا لحالة الشيخ الصحية مع كبر السن، ومع ذلك فقد كان الشيخ رحمه الله تعالى يعذر من يتأخر عنه لا نشغاله بدروس أخرى وذلك لسماحة الشيخ رحمه الله تعالى، ومع ذلك فقد رعاني ماديا حيث كان ينفق علي شهريا ما يكفل لي الحياة كطالب علم ؛ من غذاء وكتب ولباس، بل وتوفير أحيان رحمه الله تعالى رحمة الأبرار.