ميثاق
27-03-2008, 08:00 PM
الخلاف المعتبر وضوابط مراعاته في الفقه الإسلامي
بقلم الأستاذ الفاضل البحاثة الشيخ
أبـي سلمان محمد العمراوي السجلماسي
حفظه الله تعالى
نشر هذا البحث في مجلة المعاهد، المغربية
بسم الله الرحمن الرحيم
لعل من الآثار الحميدة للصحوة الإسلامية المعاصرة، إعادة طرح جملة من القضايا الفكرية للحوار والنقاش، والعمل على إحياء كثير من مفردات الثقافة الإسلامية.
ومن تلك المفردات التي كثر الحديث عنها في أيامنا هذه: الخلاف الفقهي وآدابه وما يعتبر منه وما لا يعتبر.
وقد سبق لكاتب هذه السطور أن نشر بحثاً في ( مجلة رسالة المعاهد) تم التطرق فيه إلى شرح جملة من الأسباب الموضوعية التي جعلت أنظار فقهاء الشريعة تختلف في مسائل فقهية كثيرة، وهذا البحث المنشور اليوم هو كالتتمة لذاك والتكملة له.
لقد افترق فقهاء الشريعة –اليوم وقبل اليوم- في اعتبار الخلاف وعدم اعتباره، إلى ثلاث طوائف:
الطائفة الأولى: سلكت مسلك الترخيص والتلفيق، واعتبرت كل خلاف حجة يلزم المصير إليها، ويعول في الفتوى عليها، ولو كان مستند الخلاف ضعيفاً، وما بني عليه واهيا ساقطاً.
ولعل الإمام الشاطبي كان يقصد هذه الطائفة بما كتبه من بحوث مستفيضة في كتابه ( الموافقات ) بيَّن فيها أن الشريعة على قول واحد، وأنه لا اختلاف فيها، وأنه لا يصلح فيها غير ذلك.
قال –رحمه الله- : " الشريعة كلها ترجع إلى قول واحد في فروعها، وإن كثر الخلاف، كما أنها في أصولها كذلك. ولا يصلح فيها غير ذلك –ثم قال-: والآيات في ذم الاختلاف والأمر بالرجوع إلى الشريعة كثير، وكلُّه قاطع في أنه لا اختلاف فيها، وإنما هي على مأخذ واحد، وقول واحد ".
وقال: " فثبت أنه لا اختلاف في أصل الشريعة، ولا هي موضوعة على وجود الاختلاف فيها أصلاً يرجع إليه مقصوداً من الشارع، بل ذلك الخلاف راجع إلى أنظار المكلفين، وإلى ما يتعلق بهم من الابتلاء.
و-أيضاً- فإن في مسائل الخلاف ضابطاً قرآنياً ينفي اتباع الهوى جملة، وهو قوله –تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (النساء:59) .. وبإحكام النظر في هذا المعنى يترشح للناظر أن يبلغ درجة الاجتهاد، لأنه يصير بصيراً بمواضع الاختلاف، جديراً بأن يتبين له الحق في كل نازلة تعرض له، ولأجل ذلك جاء في حديث ابن مسعود أنه –صلى الله عليه وسلم- قال: يا عبد الله بن مسعود. قلتُ: لبيك يا رسول الله، قال: أتدري أي الناس أعلم ؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس وإن كان يزحف على استه ".[1]
وقال أبو محمد ابن حزم: "... وطبقة أخرى، وهم قوم بلغت بهم رقة الدين وقلة التقوى إلى طلب ما وافق أهواءهم في قول كل قائل، فهم يأخذون ما كان رخصة في قول كل عالم ".[2]
ولا شك أن انتهاج هذا النهج، وسلوك هذا المسلك، يؤدي إلى الفساد في العاجل والآجل، ويفتح لذوي الأغراض السيئة، والنفوس المريضة، الباب على مصراعيه ليقولوا في الشريعة ما تمليه عليهم أهواؤهم، وتوحي به إليهم شياطينهم، ولن يعدموا قولاً لفقيه شذَّ به عن جمهور الأمة، وحاد به عن سبيل الجماعة، يسند دعواهم، ويؤيد مدَّعاهم، وهذا واقع مشاهد.
قال القاضي أبو بكر ابن العربي -رحمه الله-: " ولو راعينا كل خلاف يطرأ، لما استقر الدين على قاعدة ". [3]
الطائفة الثانية: ترى عكس ما تراه سابقتها، وتعتبر الخلاف شرا كله، ومذموما بجميع أنواعه. فلا يسوغ الخلاف عندها في فروع الأحكام الشرعية بله أصولها.
قال أبو محمد ابن حزم في رد قول من قال: إن قتل المسلم بالذمي مما يسع فيه الاختلاف: " الاختلاف لا يسع البتة ولا يجوز ... فصح أن الخلاف لا يجب أن يراعى أصلاً، وقد غلط قوم فقالوا: الاختلاف رحمة، واحتجوا بما روي عن النبي –صلى الله عليه وسلم- : ( أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ) . قال أبو محمد: وهذا من أفسد قول يكون، لأنه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطاً، وهذا ما لا يقوله مسلم، لأنه ليس إلا اتفاق أو اختلاف، وليس إلا رحمة أو سخط. وأما الحديث المذكور فباطل.. ".[4]
و كلام أبي محمد هذا خطابي إنشائي، ردَّه العلماء وهو حري بالرد.
قال الشاطبي في معنى كون اختلاف الصحابة رحمة: "فيحتمل أن يكون من جهة فتح باب الاجتهاد، وأن مسائل الاجتهاد قد جعل الله فيها سعة بتوسعة مجال الاجتهاد، لا غير ذلك.
قال القاضي إسماعيل: إنما التوسعة في اختلاف أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- توسعة في اجتهاد الرأي، فأما أن يكون توسعة أن يقول الإنسان بقول واحد منهم من غير أن يكون الحق عنده فيه فلا ".[5]
الطائفة الثالثة: وسط بين تينك الطائفتين، فهم يرون أن الخلاف ينقسم في الجملة إلى قسمين رئيسيين:
الأول-: الخلاف في أصول الدين وكلياته، فهذا لا يجوز أن يقع، وإذا وقع فالمصيب فيه واحد اتفاقاً، والإنكار فيه على المخالف واجب.
الثاني -: الخلاف في الفروع الفقهية العملية. فهذا جائز أن يقع، وكل مجتهد في هذا الباب مصيب[6]، لأن مبنى الفقه –في الجملة- على الظن، وما كان كذلك لابد أن يقع فيه الخلاف، وفي ذلك من التوسعة على الناس ما لا يخفى، ومستند جوازه: المعقول والمنقول .
قال الشاطبي: " والأنظار تختلف باختلاف القرائح، والتبحر في علم الشريعة.. قال الله –تعالى-: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ) (الانبياء:79)[7] .
وقال أبو بكر الجصاص الحنفي: " .. لأن أحكام الشرع في الأصل على أنحاء، منها:
ما لا يجوز الخلاف فيه، وهو الذي دلت العقول على حظره في كل حال، أو على إيجابه في كل حال.
فأما ما جاز أن يكون تارة واجباً وتارة محظوراً وتارة مباحاً، فإن الاختلاف في ذلك سائغ يجوز ورود العبادة به، كاختلاف حكم الطاهر والحائض في الصوم والصلاة، واختلاف حكم المقيم والمسافر في القصر والإتمام، وما جرى مجرى ذلك.
فمن حيث جاز ورود النص باختلاف أحكام الناس فيه، فيكون بعضهم متعبداً بخلاف ما تعبد به الآخر، لم يمتنع تسويغ الاجتهاد فيما يؤدي إلى الخلاف الذي يجوز ورود النص بمثله. ولو كان جميع الاختلاف مذموما لوجب أن لا يجوز ورود الاختلاف في أحكام الشرع من طريق النص والتوقيف. فما جاز مثله في النص، جاز في الاجتهاد.. قد يختلف المجتهدان في نفقات الزوجات وقيم المتلفات وأروش كثير من الجنايات، فلا يلحق واحدا منهما لوم ولا تعنيف. وهذا حكم مسائل الاجتهاد، ولو كان هذا الضرب من الاختلاف مذموما، لكان للصحابة في ذلك الحظ الأوفر، ولما وجدناهم مختلفين في أحكام الحوادث، وهم مع ذلك متواصلون، يسوِّغ كل واحد منهم لصاحبه مخالفته بغير لوم ولا تعنيف. فقد حصل منهم الاتفاق على تسويغ هذا الضرب من الاختلاف.."[8] وقال الإمام الشاطبي: " الخلاف المعتد به موجود في أكثر مسائل الشريعة. والخلاف الذي لا يعتد به قليل، كالخلاف في المتعة وربا النَّسَاء ومحاش النساء وما أشبه ذلك ".[9]
وقال الإمام الخطابي: " والاختلاف في الدين ثلاثة أقسام:
أحدها: في إثبات الصانع ووحدانيته، وإنكار ذلك كفر.
الثاني: في صفاته ومشيئته، وإنكارها بدعة.
الثالث: في أحكام الفروع المحتملة وجوها، فهذا جعله الله رحمة وكرامة للعلماء..".[10]
وذكر الراغب الإصبهاني: " أن جميع الاختلافات بين أهل الأديان والمذاهب على أربعة مراتب:
الأولى: اختلاف أهل الأديان النبوية والخارجين عنها.
الثانية: اختلاف أهل الأديان النبوية مع بعضهم.
الثالثة: الخلاف المختص بأهل الدين الواحد بعضهم مع بعض في الأصول.
الرابعة: الخلاف المختص بأهل المقالات في فروع المسائل، كاختلاف الحنفية والشافعية. –ثم قال-: والرابع جار مجرى جماعة سلكوا منهجا واحدا، لكن أخذ كل واحد شعبة غير شعبة الآخر.. وهذا هو الاختلاف المحمود ".[11]
وقال تاج الدين السبكي: " الاختلاف على ثلاثة أقسام:
أحدها: في الأصول. وهو المشار إليه –أي إلى ذمه- في القرآن. ولا شك أنه –أي هذا الاختلاف- بدعة وضلالة.
الثاني: في الآراء والحروب. وهو حرام –أيضا- لما فيه من تضييع المصالح.
بقلم الأستاذ الفاضل البحاثة الشيخ
أبـي سلمان محمد العمراوي السجلماسي
حفظه الله تعالى
نشر هذا البحث في مجلة المعاهد، المغربية
بسم الله الرحمن الرحيم
لعل من الآثار الحميدة للصحوة الإسلامية المعاصرة، إعادة طرح جملة من القضايا الفكرية للحوار والنقاش، والعمل على إحياء كثير من مفردات الثقافة الإسلامية.
ومن تلك المفردات التي كثر الحديث عنها في أيامنا هذه: الخلاف الفقهي وآدابه وما يعتبر منه وما لا يعتبر.
وقد سبق لكاتب هذه السطور أن نشر بحثاً في ( مجلة رسالة المعاهد) تم التطرق فيه إلى شرح جملة من الأسباب الموضوعية التي جعلت أنظار فقهاء الشريعة تختلف في مسائل فقهية كثيرة، وهذا البحث المنشور اليوم هو كالتتمة لذاك والتكملة له.
لقد افترق فقهاء الشريعة –اليوم وقبل اليوم- في اعتبار الخلاف وعدم اعتباره، إلى ثلاث طوائف:
الطائفة الأولى: سلكت مسلك الترخيص والتلفيق، واعتبرت كل خلاف حجة يلزم المصير إليها، ويعول في الفتوى عليها، ولو كان مستند الخلاف ضعيفاً، وما بني عليه واهيا ساقطاً.
ولعل الإمام الشاطبي كان يقصد هذه الطائفة بما كتبه من بحوث مستفيضة في كتابه ( الموافقات ) بيَّن فيها أن الشريعة على قول واحد، وأنه لا اختلاف فيها، وأنه لا يصلح فيها غير ذلك.
قال –رحمه الله- : " الشريعة كلها ترجع إلى قول واحد في فروعها، وإن كثر الخلاف، كما أنها في أصولها كذلك. ولا يصلح فيها غير ذلك –ثم قال-: والآيات في ذم الاختلاف والأمر بالرجوع إلى الشريعة كثير، وكلُّه قاطع في أنه لا اختلاف فيها، وإنما هي على مأخذ واحد، وقول واحد ".
وقال: " فثبت أنه لا اختلاف في أصل الشريعة، ولا هي موضوعة على وجود الاختلاف فيها أصلاً يرجع إليه مقصوداً من الشارع، بل ذلك الخلاف راجع إلى أنظار المكلفين، وإلى ما يتعلق بهم من الابتلاء.
و-أيضاً- فإن في مسائل الخلاف ضابطاً قرآنياً ينفي اتباع الهوى جملة، وهو قوله –تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (النساء:59) .. وبإحكام النظر في هذا المعنى يترشح للناظر أن يبلغ درجة الاجتهاد، لأنه يصير بصيراً بمواضع الاختلاف، جديراً بأن يتبين له الحق في كل نازلة تعرض له، ولأجل ذلك جاء في حديث ابن مسعود أنه –صلى الله عليه وسلم- قال: يا عبد الله بن مسعود. قلتُ: لبيك يا رسول الله، قال: أتدري أي الناس أعلم ؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس وإن كان يزحف على استه ".[1]
وقال أبو محمد ابن حزم: "... وطبقة أخرى، وهم قوم بلغت بهم رقة الدين وقلة التقوى إلى طلب ما وافق أهواءهم في قول كل قائل، فهم يأخذون ما كان رخصة في قول كل عالم ".[2]
ولا شك أن انتهاج هذا النهج، وسلوك هذا المسلك، يؤدي إلى الفساد في العاجل والآجل، ويفتح لذوي الأغراض السيئة، والنفوس المريضة، الباب على مصراعيه ليقولوا في الشريعة ما تمليه عليهم أهواؤهم، وتوحي به إليهم شياطينهم، ولن يعدموا قولاً لفقيه شذَّ به عن جمهور الأمة، وحاد به عن سبيل الجماعة، يسند دعواهم، ويؤيد مدَّعاهم، وهذا واقع مشاهد.
قال القاضي أبو بكر ابن العربي -رحمه الله-: " ولو راعينا كل خلاف يطرأ، لما استقر الدين على قاعدة ". [3]
الطائفة الثانية: ترى عكس ما تراه سابقتها، وتعتبر الخلاف شرا كله، ومذموما بجميع أنواعه. فلا يسوغ الخلاف عندها في فروع الأحكام الشرعية بله أصولها.
قال أبو محمد ابن حزم في رد قول من قال: إن قتل المسلم بالذمي مما يسع فيه الاختلاف: " الاختلاف لا يسع البتة ولا يجوز ... فصح أن الخلاف لا يجب أن يراعى أصلاً، وقد غلط قوم فقالوا: الاختلاف رحمة، واحتجوا بما روي عن النبي –صلى الله عليه وسلم- : ( أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ) . قال أبو محمد: وهذا من أفسد قول يكون، لأنه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطاً، وهذا ما لا يقوله مسلم، لأنه ليس إلا اتفاق أو اختلاف، وليس إلا رحمة أو سخط. وأما الحديث المذكور فباطل.. ".[4]
و كلام أبي محمد هذا خطابي إنشائي، ردَّه العلماء وهو حري بالرد.
قال الشاطبي في معنى كون اختلاف الصحابة رحمة: "فيحتمل أن يكون من جهة فتح باب الاجتهاد، وأن مسائل الاجتهاد قد جعل الله فيها سعة بتوسعة مجال الاجتهاد، لا غير ذلك.
قال القاضي إسماعيل: إنما التوسعة في اختلاف أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- توسعة في اجتهاد الرأي، فأما أن يكون توسعة أن يقول الإنسان بقول واحد منهم من غير أن يكون الحق عنده فيه فلا ".[5]
الطائفة الثالثة: وسط بين تينك الطائفتين، فهم يرون أن الخلاف ينقسم في الجملة إلى قسمين رئيسيين:
الأول-: الخلاف في أصول الدين وكلياته، فهذا لا يجوز أن يقع، وإذا وقع فالمصيب فيه واحد اتفاقاً، والإنكار فيه على المخالف واجب.
الثاني -: الخلاف في الفروع الفقهية العملية. فهذا جائز أن يقع، وكل مجتهد في هذا الباب مصيب[6]، لأن مبنى الفقه –في الجملة- على الظن، وما كان كذلك لابد أن يقع فيه الخلاف، وفي ذلك من التوسعة على الناس ما لا يخفى، ومستند جوازه: المعقول والمنقول .
قال الشاطبي: " والأنظار تختلف باختلاف القرائح، والتبحر في علم الشريعة.. قال الله –تعالى-: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ) (الانبياء:79)[7] .
وقال أبو بكر الجصاص الحنفي: " .. لأن أحكام الشرع في الأصل على أنحاء، منها:
ما لا يجوز الخلاف فيه، وهو الذي دلت العقول على حظره في كل حال، أو على إيجابه في كل حال.
فأما ما جاز أن يكون تارة واجباً وتارة محظوراً وتارة مباحاً، فإن الاختلاف في ذلك سائغ يجوز ورود العبادة به، كاختلاف حكم الطاهر والحائض في الصوم والصلاة، واختلاف حكم المقيم والمسافر في القصر والإتمام، وما جرى مجرى ذلك.
فمن حيث جاز ورود النص باختلاف أحكام الناس فيه، فيكون بعضهم متعبداً بخلاف ما تعبد به الآخر، لم يمتنع تسويغ الاجتهاد فيما يؤدي إلى الخلاف الذي يجوز ورود النص بمثله. ولو كان جميع الاختلاف مذموما لوجب أن لا يجوز ورود الاختلاف في أحكام الشرع من طريق النص والتوقيف. فما جاز مثله في النص، جاز في الاجتهاد.. قد يختلف المجتهدان في نفقات الزوجات وقيم المتلفات وأروش كثير من الجنايات، فلا يلحق واحدا منهما لوم ولا تعنيف. وهذا حكم مسائل الاجتهاد، ولو كان هذا الضرب من الاختلاف مذموما، لكان للصحابة في ذلك الحظ الأوفر، ولما وجدناهم مختلفين في أحكام الحوادث، وهم مع ذلك متواصلون، يسوِّغ كل واحد منهم لصاحبه مخالفته بغير لوم ولا تعنيف. فقد حصل منهم الاتفاق على تسويغ هذا الضرب من الاختلاف.."[8] وقال الإمام الشاطبي: " الخلاف المعتد به موجود في أكثر مسائل الشريعة. والخلاف الذي لا يعتد به قليل، كالخلاف في المتعة وربا النَّسَاء ومحاش النساء وما أشبه ذلك ".[9]
وقال الإمام الخطابي: " والاختلاف في الدين ثلاثة أقسام:
أحدها: في إثبات الصانع ووحدانيته، وإنكار ذلك كفر.
الثاني: في صفاته ومشيئته، وإنكارها بدعة.
الثالث: في أحكام الفروع المحتملة وجوها، فهذا جعله الله رحمة وكرامة للعلماء..".[10]
وذكر الراغب الإصبهاني: " أن جميع الاختلافات بين أهل الأديان والمذاهب على أربعة مراتب:
الأولى: اختلاف أهل الأديان النبوية والخارجين عنها.
الثانية: اختلاف أهل الأديان النبوية مع بعضهم.
الثالثة: الخلاف المختص بأهل الدين الواحد بعضهم مع بعض في الأصول.
الرابعة: الخلاف المختص بأهل المقالات في فروع المسائل، كاختلاف الحنفية والشافعية. –ثم قال-: والرابع جار مجرى جماعة سلكوا منهجا واحدا، لكن أخذ كل واحد شعبة غير شعبة الآخر.. وهذا هو الاختلاف المحمود ".[11]
وقال تاج الدين السبكي: " الاختلاف على ثلاثة أقسام:
أحدها: في الأصول. وهو المشار إليه –أي إلى ذمه- في القرآن. ولا شك أنه –أي هذا الاختلاف- بدعة وضلالة.
الثاني: في الآراء والحروب. وهو حرام –أيضا- لما فيه من تضييع المصالح.