بيبرس
13-04-2010, 06:46 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
تفسير قوله تعالى: [[ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ]]
من كتاب الابريز من كلام سيدي عبدالعزيز الدباغ، تأليف: سيدي أحمد بن المبارك
ثم قلت للشيخ رحمه الله ونفعنا به: ما الصحيح عندكم في تفسير قوله تعالى: [[ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ]] وما هو نور الآية الذي تشير إليه ؟
فقال رضي الله عنه: نورها الذي تشير إليه هو أن الله تعالى ما أرسل من رسول ولا بعث نبيا من الأنبياء إلى أمة من الأمم إلا وذلك الرسول يتمنى الإيمان لأمته ويحبه لهم، ويرغب فيه ويحرص عليه غاية الحرص، ويعالجهم عليه أشد المعالجة، ومن جملتهم في ذلك نبينا صلى الله عليه وآله وسلم الذي قال له الرب سبحانه وتعالى: {{ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْـحَدِيثِ أَسَفًا }} ، وقال تعالى: {{ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ }} ، وقال تعالى: {{ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ }} ، إلى غير ذلك من الآيات المتضمنة لهذا المعنى.
ثم الأمة تختلف كما قال تعالى: {{ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ}} فأما من كفر فقد ألقى إليه الشيطان الوساوس القادحة له في الرسالة الموجبة لكفره، وكذا المؤمن أيضا لا يخلو من وساويس لأنها لازمة للإيمان بالغيب في الغالب، وإن كانت تختلف في الناس بالقلة والكثرة، وبحسب المتعلقات.
إذا تقرر هذا فمعنى تَمَنَّى أنه يتمنى الإيمان لأمته، ويحب لهم الخير والرشد والصلاح والنجاح، فهذه أمنية كل رسول ونبي، وإلقاء الشيطان فيها يكون بما يلقيه في قلوب أمة الدعوى من الوساويس الموجبة لكفر بعضهم، ويرحم الله المؤمنين فينسخ ذلك من قلوبهم ويحكم فيها الآيات الدالة على الوحدانية والرسالة، ويبقي ذلك عز وجل في قلوب المنافقين والكافرين ليفتتنوا به. فخرج من هذا أن الوساويس تلقى أولا في قلوب الفريقين معا، غير أنها لا تدوم على المؤمنين وتدوم على الكافرين.
قلت: وهذا التفسير عندي من أبدع ما يسمع، وذلك لا يتبين إلا بجلب بعض التفاسير التي قيلت في الآية، ثم ينظر فيما بينها وبين تفسير الشيخ رضي الله عنه.
فالتفسير الأول: ما سبق في رواية ابن أبي صالح كاتب الليث بن سعد، وقد سبق ما فيه من مخالفة العقيدة، ومن مخالفته للعموم الذي في صدر الآية، فإنه فسرها بخصوص مسألة الغرانيق واللفظ عام في كل رسول ونبي.
التفسير الثاني: قال أبو محمد مكي قال الطبري تَمَنَّى أي حدَّث نفسه فألقى الشيطان في حديثه على جهة الحيلة، فيقول لو سألت الله أن يغنمك كذا ليتسع المسلمون والله يعلم الصلاح في غير ذلك، فيبطل الله ما يلقي الشيطان. وقد نقل الفراء والكسائي (تمنى) بمعنى حدث نفسه اهـ.
قلت: ولا يخفى ما فيه، وكيف يصح أن يتحيل الشيطان على النبي صلى الله عليه وسلم وهو صاحب البصيرة الصافية التي يستنير منها الكون كله! ثم ما ذكره لا يناسب العموم الذي في أول الآية، ولا التعليل الذي في آخرها كما لا يخفى، والله تعالى أعلم.
التفسير الثالث: قال البيضاوي إلا إِذَا تَمَنَّى إذا زور في نفسه ما يهواه، أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ في تشهيه ما يوجب اشتغاله بالدنيا كما قال عليه الصلاة والسلام: «وَإِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي فَأَسْتَغْفِرُ اللهَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً»، إلى آخر ما ذكره مما لا يناسب سياق الآية ولا تنزيه مقام الرسالة.
وبالجملة فالتفسير الصحيح للآية هو الذي يوفي بثلاثة أمور: العموم الذي في أولها، والتعليل الذي في آخرها، ويعطي للرسالة حقها، وليس ذلك بحسب ما وقفت عليه إلا في تفسير الشيخ رضي الله عنه، والله تعالى أعلم.
انتهى النقل، ص: 349 - 351
تفسير قوله تعالى: [[ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ]]
من كتاب الابريز من كلام سيدي عبدالعزيز الدباغ، تأليف: سيدي أحمد بن المبارك
ثم قلت للشيخ رحمه الله ونفعنا به: ما الصحيح عندكم في تفسير قوله تعالى: [[ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ]] وما هو نور الآية الذي تشير إليه ؟
فقال رضي الله عنه: نورها الذي تشير إليه هو أن الله تعالى ما أرسل من رسول ولا بعث نبيا من الأنبياء إلى أمة من الأمم إلا وذلك الرسول يتمنى الإيمان لأمته ويحبه لهم، ويرغب فيه ويحرص عليه غاية الحرص، ويعالجهم عليه أشد المعالجة، ومن جملتهم في ذلك نبينا صلى الله عليه وآله وسلم الذي قال له الرب سبحانه وتعالى: {{ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْـحَدِيثِ أَسَفًا }} ، وقال تعالى: {{ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ }} ، وقال تعالى: {{ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ }} ، إلى غير ذلك من الآيات المتضمنة لهذا المعنى.
ثم الأمة تختلف كما قال تعالى: {{ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ}} فأما من كفر فقد ألقى إليه الشيطان الوساوس القادحة له في الرسالة الموجبة لكفره، وكذا المؤمن أيضا لا يخلو من وساويس لأنها لازمة للإيمان بالغيب في الغالب، وإن كانت تختلف في الناس بالقلة والكثرة، وبحسب المتعلقات.
إذا تقرر هذا فمعنى تَمَنَّى أنه يتمنى الإيمان لأمته، ويحب لهم الخير والرشد والصلاح والنجاح، فهذه أمنية كل رسول ونبي، وإلقاء الشيطان فيها يكون بما يلقيه في قلوب أمة الدعوى من الوساويس الموجبة لكفر بعضهم، ويرحم الله المؤمنين فينسخ ذلك من قلوبهم ويحكم فيها الآيات الدالة على الوحدانية والرسالة، ويبقي ذلك عز وجل في قلوب المنافقين والكافرين ليفتتنوا به. فخرج من هذا أن الوساويس تلقى أولا في قلوب الفريقين معا، غير أنها لا تدوم على المؤمنين وتدوم على الكافرين.
قلت: وهذا التفسير عندي من أبدع ما يسمع، وذلك لا يتبين إلا بجلب بعض التفاسير التي قيلت في الآية، ثم ينظر فيما بينها وبين تفسير الشيخ رضي الله عنه.
فالتفسير الأول: ما سبق في رواية ابن أبي صالح كاتب الليث بن سعد، وقد سبق ما فيه من مخالفة العقيدة، ومن مخالفته للعموم الذي في صدر الآية، فإنه فسرها بخصوص مسألة الغرانيق واللفظ عام في كل رسول ونبي.
التفسير الثاني: قال أبو محمد مكي قال الطبري تَمَنَّى أي حدَّث نفسه فألقى الشيطان في حديثه على جهة الحيلة، فيقول لو سألت الله أن يغنمك كذا ليتسع المسلمون والله يعلم الصلاح في غير ذلك، فيبطل الله ما يلقي الشيطان. وقد نقل الفراء والكسائي (تمنى) بمعنى حدث نفسه اهـ.
قلت: ولا يخفى ما فيه، وكيف يصح أن يتحيل الشيطان على النبي صلى الله عليه وسلم وهو صاحب البصيرة الصافية التي يستنير منها الكون كله! ثم ما ذكره لا يناسب العموم الذي في أول الآية، ولا التعليل الذي في آخرها كما لا يخفى، والله تعالى أعلم.
التفسير الثالث: قال البيضاوي إلا إِذَا تَمَنَّى إذا زور في نفسه ما يهواه، أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ في تشهيه ما يوجب اشتغاله بالدنيا كما قال عليه الصلاة والسلام: «وَإِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي فَأَسْتَغْفِرُ اللهَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً»، إلى آخر ما ذكره مما لا يناسب سياق الآية ولا تنزيه مقام الرسالة.
وبالجملة فالتفسير الصحيح للآية هو الذي يوفي بثلاثة أمور: العموم الذي في أولها، والتعليل الذي في آخرها، ويعطي للرسالة حقها، وليس ذلك بحسب ما وقفت عليه إلا في تفسير الشيخ رضي الله عنه، والله تعالى أعلم.
انتهى النقل، ص: 349 - 351