د.صهيب
11-06-2008, 07:27 AM
تخريج منهج أهل الأشاعرة في الاحتجاج بخبر الآحاد على مواقف السلف الصالح.
بدأت البحث في مسألة الاحتجاج بخبر الآحاد في مسائل الاعتقاد متأثرا بنشأتي على الفكر السلفي. بدأت البحث وأنا أريد أن أثبت وهم الأشاعرة في هذه المسألة.
ما كنت أتصور أبدا أن يكون لمنهج الأشاعرة أصل في مذهب السلف الصالح رضوان الله عليهم. لكن البحث العلمي بعد سنوات أخضعني على كره مني إلى حقيقة ثبتت عندي بالدليل. وهي أن منهج الأشاعرة منهج أصيل عتيق وإن كان متأخرا في الرتبة الزمانية.
وأضع بين أيديكم مختصرا لذلك التقطته من ثنايا رسالتي التي لم يقرأها أحد من مشايخي إلا وألح علي بطبعها لكن الله تبارك وتعالى لم ييسر لي طباعتها لضيق ذات اليد فقررت أن أنشرها حسبة لله ونصحا لهذه الأمة المباركة التي أضناها النزاع.
تجدون الرسالة كاملة في موقع العبد الفقير
www.suhaibalsaqqar.com
تخريج منهج أهل الأشاعرة في الاحتجاج بخبر الآحاد على مواقف السلف الصالح.
صحيحٌ أن جملةً من مصطلحات نقل الأخبار لم تكن مستعملة في عصر الصحابة الكرام، لكن الرجوع إلى بعض المرويات يكشف لنا عن أربعة نقاط هامة في استبيان رأي السلف الصالح وتخريج أقوال العلماء عليها.
النقطة الأولى:
أن بعض الصحابة لم يكن يعد مجرد نقل الصحابي مفيداً للعلم بثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم. وإذا جاز لصحابي أن لا يعد مجرد نقل الصحابي مفيداً للعلم فمن أين يمتنع على غيرهم عد نقل الثقة قاصراً عن إفادة العلم بنفسه. مع أنه قد اجتمع للصحابي في الخبر الذي يبلغه عن الصحابي ما لا يجتمع لنا في الأخبار التي تبلغنا عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. فالسند فيه يتصل بالنبي صلى الله عليه وسلم بحلقة واحدة، واجتمع في راويه من العدالة وشرف الصحبة ومبلغ العناية بنقل السنة ما لا يجتمع في رواية سائر الطبقات. فأي ظن يرد على ثبوت مثل هذا الخبر عند الصحابي ولا يرد ظن مثله أو أعظم منه على ثبوت غيره من الأخبار عند العلماء والمصنفين؟
النقطة الثانية:
أن صنيع السلف في قبول الأخبار وروايتها يخالف ما جنح إليه بعض المحدثين الذين جعلوا مجرد نقل الخبر في العقيدة موجباً من فور بلوغه لعقد القلب وقطع دابر النظر. فإذا احتج أحدهم بخبر في العقيدة عد فتح أبواب الفهم ومقارنته بغيره من أدلة السمع باباً من أبواب التجهم والاعتزال والتنكب عن منهج السلف الصالح.
ونجد في مرويات السلف الصالح أن مجرد الرواية لم يكن موجباً لصرف دواعي الفهم والعرض على القرآن ومرويات السنة المطهرة.
النقطة الثالثة:
أن مجرد الاحتجاج بالنقل الصحيح لم يُنزّل عند الصحابة في تلك المنزلة التي تدعو إلى الحكم على المخالف بالبدعة أو الاستخفاف بالسنة.
ونوضح هذه النقاط بمثال أخرجه الإمام البخاري بسنده عن ابن أبي مليكة أنه قال: توفيت ابنة لعثمان رضي الله عنه بمكة، وجئنا لنشهدها. وحضرها ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم، وإني لجالس بينهما -أو قال جلست إلى أحدهما ثم جاء الآخر فجلس إلى جنبي- فقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لعمرو بن عثمان: ألا تنهى عن البكاء؟ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه(. فقال ابن عباس رضي الله عنهما: قد كان عمر رضي الله عنه يقول بعض ذلك. ثم حدث قال: صدرت مع عمر رضي الله عنه من مكة، حتى إذا كنا بالبيداء إذا هو بركبٍ تحت ظل سمُرة، فقال: اذهب فانظر من هؤلاء الركب؟ قال: فنظرت فإذا صهيب. فأخبرته فقال: ادعه لي، فرجعت إلى صهيب فقلت: ارتحل فالحق أمير المؤمنين. فلما أصيب عمر دخل صهيب يبكي يقول: واأخاه واصاحباه.
فقال عمر رضي الله عنه: يا صهيب أتبكي علي وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه)
قال ابن عباس رضي الله عنهما: فلما مات عمر رضي الله عنه ذكرت ذلك لعائشة رضي الله عنها، فقالت: رحم الله عمر، والله ما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه)، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه). وقالت حسبكم القرآن: {ولا تزر وازرة وزر أخرى}.
...قال ابن أبي ملكية والله ما قال ابن عمر رضي الله عنهما شيئا) ( )
وفي صحيح مسلم أن ابن أبي مليكة قال: حدثني القاسم بن محمد قال: لما بلغ عائشة قول عمر وابن عمر قالت: إنكم لتحدثوني عن غير كاذبين ولا مكذبين ولكن السمع يخطئ) ( )
وفيه أيضا أنها قالت: ( يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ إنما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على يهودية يبكى عليها فقال إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها).( )
فقد دار هذا الخبر بين كبار الصحابة فاحتج به عمر وابن عمر رضي الله عنهما. ولم يكن هذا النقل الصحيح مانعاً لعائشة رضي الله عنها من ترك الاعتقاد بمضمونه لما ذكرته من حجة القرآن مع تجويز الخطأ في الرواية. ولما بلغ عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما ما اعترضت به عائشة رضي الله عنها ما قال شيئاً كما ذكر ابن أبي مليكة.
ثم انتقل الكلام في هذه المسألة إلى العلماء فلم يقصروا في تفنيد الأدلة ونقدها وتوجيهها من غير أن نسمع لغواً أو تأثيماً. ( )
النقطة الرابعة:
تبين مما سبق أن من منهج أهل السنة الانتفاع بأخبار الآحاد الظنية في إيجاب أصل التصديق وعقد القلب عليها والتسليم من غير إنكار ولا تكذيب.
والحجة في هذا الوجه من الانتفاع هو تعليق الاعتقاد بها على تفويض ثبوتها عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا الوجه من الانتفاع بالخبر الظني ليس مبتدعاً وله عن السلف الصالح توجيه وتخريج. فقد أخرج الحاكم بسنده عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : (لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى أصبح يتحدث الناس بذلك، فارتد ناس ممن كان آمنوا به وصدقوه، وسعوا بذلك إلى أبي بكر رضي الله عنه ، فقالوا: هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس، قال: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لئن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: أو تصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ قال: نعم، إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة، فلذلك سمي أبو بكر الصديق) ( )
وفي هذا الخبر أن أبا بكر رضي الله عنه علق التصديق بما نُقل على تحققِ كونه من قول النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: (لئن كان قال ذلك لقد صدق). ولم يمنع هذا التعليق من مدحه بالصديقية رضي الله عنه. وهو بذلك يصلح سلفاً لكل من أبدى الإذعان والتسليم والرغبة في إظهار التصديق إذا تحقق صدور الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم.
بدأت البحث في مسألة الاحتجاج بخبر الآحاد في مسائل الاعتقاد متأثرا بنشأتي على الفكر السلفي. بدأت البحث وأنا أريد أن أثبت وهم الأشاعرة في هذه المسألة.
ما كنت أتصور أبدا أن يكون لمنهج الأشاعرة أصل في مذهب السلف الصالح رضوان الله عليهم. لكن البحث العلمي بعد سنوات أخضعني على كره مني إلى حقيقة ثبتت عندي بالدليل. وهي أن منهج الأشاعرة منهج أصيل عتيق وإن كان متأخرا في الرتبة الزمانية.
وأضع بين أيديكم مختصرا لذلك التقطته من ثنايا رسالتي التي لم يقرأها أحد من مشايخي إلا وألح علي بطبعها لكن الله تبارك وتعالى لم ييسر لي طباعتها لضيق ذات اليد فقررت أن أنشرها حسبة لله ونصحا لهذه الأمة المباركة التي أضناها النزاع.
تجدون الرسالة كاملة في موقع العبد الفقير
www.suhaibalsaqqar.com
تخريج منهج أهل الأشاعرة في الاحتجاج بخبر الآحاد على مواقف السلف الصالح.
صحيحٌ أن جملةً من مصطلحات نقل الأخبار لم تكن مستعملة في عصر الصحابة الكرام، لكن الرجوع إلى بعض المرويات يكشف لنا عن أربعة نقاط هامة في استبيان رأي السلف الصالح وتخريج أقوال العلماء عليها.
النقطة الأولى:
أن بعض الصحابة لم يكن يعد مجرد نقل الصحابي مفيداً للعلم بثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم. وإذا جاز لصحابي أن لا يعد مجرد نقل الصحابي مفيداً للعلم فمن أين يمتنع على غيرهم عد نقل الثقة قاصراً عن إفادة العلم بنفسه. مع أنه قد اجتمع للصحابي في الخبر الذي يبلغه عن الصحابي ما لا يجتمع لنا في الأخبار التي تبلغنا عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. فالسند فيه يتصل بالنبي صلى الله عليه وسلم بحلقة واحدة، واجتمع في راويه من العدالة وشرف الصحبة ومبلغ العناية بنقل السنة ما لا يجتمع في رواية سائر الطبقات. فأي ظن يرد على ثبوت مثل هذا الخبر عند الصحابي ولا يرد ظن مثله أو أعظم منه على ثبوت غيره من الأخبار عند العلماء والمصنفين؟
النقطة الثانية:
أن صنيع السلف في قبول الأخبار وروايتها يخالف ما جنح إليه بعض المحدثين الذين جعلوا مجرد نقل الخبر في العقيدة موجباً من فور بلوغه لعقد القلب وقطع دابر النظر. فإذا احتج أحدهم بخبر في العقيدة عد فتح أبواب الفهم ومقارنته بغيره من أدلة السمع باباً من أبواب التجهم والاعتزال والتنكب عن منهج السلف الصالح.
ونجد في مرويات السلف الصالح أن مجرد الرواية لم يكن موجباً لصرف دواعي الفهم والعرض على القرآن ومرويات السنة المطهرة.
النقطة الثالثة:
أن مجرد الاحتجاج بالنقل الصحيح لم يُنزّل عند الصحابة في تلك المنزلة التي تدعو إلى الحكم على المخالف بالبدعة أو الاستخفاف بالسنة.
ونوضح هذه النقاط بمثال أخرجه الإمام البخاري بسنده عن ابن أبي مليكة أنه قال: توفيت ابنة لعثمان رضي الله عنه بمكة، وجئنا لنشهدها. وحضرها ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم، وإني لجالس بينهما -أو قال جلست إلى أحدهما ثم جاء الآخر فجلس إلى جنبي- فقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لعمرو بن عثمان: ألا تنهى عن البكاء؟ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه(. فقال ابن عباس رضي الله عنهما: قد كان عمر رضي الله عنه يقول بعض ذلك. ثم حدث قال: صدرت مع عمر رضي الله عنه من مكة، حتى إذا كنا بالبيداء إذا هو بركبٍ تحت ظل سمُرة، فقال: اذهب فانظر من هؤلاء الركب؟ قال: فنظرت فإذا صهيب. فأخبرته فقال: ادعه لي، فرجعت إلى صهيب فقلت: ارتحل فالحق أمير المؤمنين. فلما أصيب عمر دخل صهيب يبكي يقول: واأخاه واصاحباه.
فقال عمر رضي الله عنه: يا صهيب أتبكي علي وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه)
قال ابن عباس رضي الله عنهما: فلما مات عمر رضي الله عنه ذكرت ذلك لعائشة رضي الله عنها، فقالت: رحم الله عمر، والله ما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه)، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه). وقالت حسبكم القرآن: {ولا تزر وازرة وزر أخرى}.
...قال ابن أبي ملكية والله ما قال ابن عمر رضي الله عنهما شيئا) ( )
وفي صحيح مسلم أن ابن أبي مليكة قال: حدثني القاسم بن محمد قال: لما بلغ عائشة قول عمر وابن عمر قالت: إنكم لتحدثوني عن غير كاذبين ولا مكذبين ولكن السمع يخطئ) ( )
وفيه أيضا أنها قالت: ( يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ إنما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على يهودية يبكى عليها فقال إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها).( )
فقد دار هذا الخبر بين كبار الصحابة فاحتج به عمر وابن عمر رضي الله عنهما. ولم يكن هذا النقل الصحيح مانعاً لعائشة رضي الله عنها من ترك الاعتقاد بمضمونه لما ذكرته من حجة القرآن مع تجويز الخطأ في الرواية. ولما بلغ عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما ما اعترضت به عائشة رضي الله عنها ما قال شيئاً كما ذكر ابن أبي مليكة.
ثم انتقل الكلام في هذه المسألة إلى العلماء فلم يقصروا في تفنيد الأدلة ونقدها وتوجيهها من غير أن نسمع لغواً أو تأثيماً. ( )
النقطة الرابعة:
تبين مما سبق أن من منهج أهل السنة الانتفاع بأخبار الآحاد الظنية في إيجاب أصل التصديق وعقد القلب عليها والتسليم من غير إنكار ولا تكذيب.
والحجة في هذا الوجه من الانتفاع هو تعليق الاعتقاد بها على تفويض ثبوتها عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا الوجه من الانتفاع بالخبر الظني ليس مبتدعاً وله عن السلف الصالح توجيه وتخريج. فقد أخرج الحاكم بسنده عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : (لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى أصبح يتحدث الناس بذلك، فارتد ناس ممن كان آمنوا به وصدقوه، وسعوا بذلك إلى أبي بكر رضي الله عنه ، فقالوا: هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس، قال: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لئن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: أو تصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ قال: نعم، إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة، فلذلك سمي أبو بكر الصديق) ( )
وفي هذا الخبر أن أبا بكر رضي الله عنه علق التصديق بما نُقل على تحققِ كونه من قول النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: (لئن كان قال ذلك لقد صدق). ولم يمنع هذا التعليق من مدحه بالصديقية رضي الله عنه. وهو بذلك يصلح سلفاً لكل من أبدى الإذعان والتسليم والرغبة في إظهار التصديق إذا تحقق صدور الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم.