المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كتاب آداب المعيشة وأخلاق النبوة للإمام الغزالي


فتى الاسلام
19-09-2010, 01:10 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد المختار واله الاطهار واصحابه الاخيار

عجبت كلما قرأت فى كتاب الاحياء نعم والله انه لشئ عجيب كلما اقرأ فى هذا الكتاب اجد فهما مغايرا لما فهمته فى قراتى السابقه وكأنما هذا الكتاب فيه من الاسرار والانوار ما لا يعلمه الا الله عز وجل فأن جمالاته ونفحاته وعطاته تتجدد دائما ولا تنفد البته وهذا سر عجيب

وها انا الان انقل لكم احبتى فى الله هذا الجزءمن ( كتاب أداب المعيشه وأخلاق النبوه ) وهو الكتاب العاشر من ربع العادات الثانى من موسوعه احياء علوم الدين (لحجه الاسلام ابو حامد الغزالى) رحمه الله

اسئل الله عز وجل ان ينفع به وان يجعله فى ميزانى وميزان حجه الاسلام وميزان كل من قرأه وانتفع به اللهم امين


بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله الذى خلق كل شئ فأحسن خلقه وترتيبه وأدب نبينا محمدا ( صلى الله عليه واله وسلم ) فأحسن تأديبه ,وزكى أ وصافه وأخلاقه ثم اتخذه صفيه وحبيبه , ووفق للاقتداء به من أراد تهذيبه , وحرم عن التخلق بأخلاقه من أراد تخييبه ( وصلى الله على سيدنا محمد سيد المرسلين وعلى أله الطيبين الطاهرين وسلم كثيرا )

-------( أما بعد )
------------------فان اداب الظواهر عنوان أداب البواطن , وحركات الجوارح ثمرات الخواطر , والاعمال نتيجه الآخلاق والآداب رشح المعارف , وسرائر القلوب هى مغارس الآفعال ومنابعها , وانوار السرائر هى التى تشرق على الظواهر فتزينها وتجليها وتبدل بالمحاسن مكارهها ومساويها ,ومن لم يخشع قلبه لم تخشع جوارحه , ومن لم يكن صدره مشكاه الآنوار الالهيه لم يفض على ظاهره جمال الآداب النبويه

ولقد كنت عزمت على ان اختم ربع العادات من هذا الكتاب بكتاب جامع لآداب المعيشه لئلا يشق على طالبها استخراجها من جميع هذه الكتب , ثم رأيت كل كتاب من ربع العادات قد أتى على جمله من الآداب فاستثقلت تكريرها واعادتها , فان طالب الاعاده ثقيل والنفوس مجبوله على معاداه المعادات , فرأيت أن اقتصر فى هذا الكتاب على ذكر أداب ( رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ) وأخلاقه المأثوره عنه بالاسناد , فأسردها مجموعه فصلا فصلا محذوفه الآسانيد ليجتمع فيه مع جميع الآداب تجديد الايمان وتأكيده بمشاهده أخلاقه الكريمه التى شهد أحادها على القطع بأنه أكرم خلق الله تعالى , وأعلاهم رتبه , وأجلهم قدرا فكيف مجموعها ؟ ثم أضف الى ذكر أخلاقه ذكر خلقته ثم ذكر معجزاته التى صحت بها الآخبار ليكون ذلك معربا عن مكارم الاخلاق والشيم , ومنتزعا عن أذان الجاحدين لنبوته صمام الصمم , والله تعالى ولى التوفيق للاقتداء بسيد المرسلين فى الآخلاق والآحوال وسائر معالم الدين , فانه دليل المتحيرين , ومجيب دعوه المضطرين , ولنذكر فيه اولا بيان تأديب الله تعالى اياه بالقرأن , ثم بيان جوامع من محاسن أخلاقه , وأدابه فى اللباس , ثم بيان عفوه مع القدره , ثم بيان اغضائه عما كان يكره , ثم بيان سخاوته وجوده , ثم بيان شجاعته وبأسه , ثم بيان تواضعه , ثم بيان صورته وخلقته , ثم بيان جوامع معجزاته وأياته صلى الله عليه واله وسلم


* بيان تأديب الله تعالى حبيبه وصفيه محمدا صلى الله عليه واله وسلم بالقرأن *


كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كثير الضراعه والابتهال دائم السؤال من الله تعالى أن يزينه بمحاسن الآداب ومكارم الآخلاق , فكان يقول فى دعائه ( اللهم حسن خلقى وخلقى(1) ) و يقول ( اللهم جنبنى منكرات الآخلاق (2)) فاستجاب الله تعالى دعاءه وفاء بقوله عز وجل *( أدعونى أستجب لكم )* فأنزل عليه القرأن وأدبه به فكان خلقه القرأن 0

* قال سعد بن هشام 0دخلت على عائشه رضى الله عنها وعن أبيها فسألتها عن أخلاق رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقالت ( أما تقرأ القرأن ؟ قلت بلى , قالت 0 كان خلق رسول الله صلى الله عليه واله وسلم القرأن (3)*)

وانما ادبه القرأن بمثل قوله تعالى *( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين )*
وقوله *( ان الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى )*
وقوله *( واصبر على ما أصابك ان ذلك من عزم الآمور )*
وقوله *(ولمن صبر وغفر ان ذلك لمن عزم الآمور )*
وقوله *( فاعف عنهم واصفح ان الله يحب المحسنين )*
وقوله *( وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم )*
وقوله *( ادفع بالتى هى أحسن فاذا الذى بينك وبينه عداوه كأنه ولى حميم )*
وقوله *( والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين )*
وقوله *( اجتنبوا كثيرا من الظن ان بعض الظن اثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا )*

ولما كسرت رباعيته صلى الله عليه واله وسلم وشج يوم احد فجعل الدم يسيل على وجهه وهو يمسح الدم ويقول *( كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم الى ربهم (1)*) *فأنزل الله تعالى *( ليس لك من الآمر شئ)* تأديبا له على ذلك 0

يتبع

فتى الاسلام
19-09-2010, 01:18 AM
وأمثال هذه التأديبات فى القرأن رتحصر , وهو عليه السلام المقصود الآول بالتأديب والتهذيب , ثم منه يشرق النور على كافه الخلق , فانه أدب بالقرأن وأدب الخلق به , ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم *( بعثت لآتمم مكارم الآخلاق(5))* ثم رغب الخلق فى محاسن الآخلاق بما أوردناه فى كتاب رياضه النفس وتهذيب الآخلاق فلا نعيده , ثم لما أكمل الله تعالى خلقه أثنى عليه فقال تعالى *( وانك لعلى خلق عظيم )*فسبحانه ماأعظم شأنه وأتم امتنانه , ثم انظر الى عميم لطفه وعظيم فضله كيف أعطى ثم أثنى ؟ فهو الذى زينه بالخلق الكريم ثم أضاف اليه ذلك فقال *( وانك لعلى خلق عظيم )*

ثم بين رسول الله صلى الله عليه واله وسلم للخلق أن الله يحب مكارم الآخلاق ويبغض سفاسفها (6) قال على رضى الله عنه يا عجبا لرجل مسلم يجيئه أخوه المسلم فى حاجه فلا يرى نفسه للخير أهلا , فلو كان لا يرجو ثوابا ولا يخشى عقابا , لقد كان ينبغى له ان يسارع الى مكارم الآخلاق , فانها مما تدل على سبيل النجاه فقال له رجل أسمعته من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ؟ فقال نعم وما هو خير منه , لما أتى بسبايا طئ وقفت جاريه فى السبى فقالت يا محمد ان رأيت أن تخلى عنى ولا تشمت بى قومى , وان أبى كان يحمى الذمار , ويفك العانى , ويشبع الجائع , ويطعم الطعام , ويفشى السلام , ولم يرد طالب حاجه قط , أنا ابنه حاتم الطائى 0 فقال صلى الله عليه واله وسلم ( يا جاريه هذه صفه المؤمنين حقا لو كان أبوك مسلما لترحمنا عليه , خلو عنها , فان أباها يحب مكارم الآخلاق , وان الله يحب مكارم الآخلاق ) فقام أبو برده بن دينار فقال يا رسول الله , الله يحب مكارم الآخلاق ؟ فقال ( والذى نفسى بيده لا يدخل الجنه الا حسن الآخلاق (7))

وعن معاذ بن جبل رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه واله وسلم قال ( ان الله حف الاسلام بمكارم الآخلاق ومحاسن الآعمال (8)) ومن ذلك حسن المعاشره , وكرم الصنيعه , ولين الجانب , وبذل المعروف , واطعام الطعام , وافشاء السلام , وعياده المريض المسلم برا كان أو فاجر ا , وتشييع جنازه المسلم , وحسن الجوار لمن جاورت ( مسلما كان أو كافرا ) وتوقير ذى الشيبه المسلم , واجابه الطعام , والدعاء عليه , والعفو , والاصلاح بين الناس , والجود , والكرم , والسماحه , والابتداء بالسلام , وكظم الغيظ , والعفو عن الناس , واجتناب ما حرمه الاسلام من اللهو والباطل والغناء والمعازف كلها , وكل ذى وتر , وكل ذى دخل , والغلبه , والكذب , والبخل , والشح , والجفاء , والمكر , والخديعه , والنميمه , وسوء ذات البين , وقطيعه الآرحام , وسوء الخلق , والتكبر , والفخر , والاختيال , والاستطاله , والبذخ , والفحش , والتفحش , والحقد , والحسد , والطيره , والبغى , والعدوان , والظلم 0
قال انس رضى الله عنه فلم يدع نصيحه جميله الا وقد دعانا اليها وأمرنا بها , ولم يدع غشا أو قال عيبا أو قال شيئا الاحذرناه ونهانا عنه (9) ويكفى من ذلك كله هذه الآيه *( ان الله يأمر بالعدل والاحسان )*

وقال معاذ رضى الله عنه أوصانى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقال ( يا معاذ أوصيكك باتقاء الله , وصدق الحديث , والوفاء بالعهد , وأداء الآمانه , وترك الخيانه , وحفظ الجار , ورحمه اليتيم , ولين الكلام , وبذل السلام , وحسن العمل , وقصر الآمل , ولزوم الايمان والتفقه فى القرأن , وحب الآخره , والجزع من الحساب , وخفض الجناح , وأنهاك أن تسب حكيما , أو تكذب صادقا ,أو تطيع أثما , أو تعصى اماما عادلا , أو تفسد أرضا , وأوصيك باتقاء الله عند كل حجر وشجر ومدر , وأن تحدث لكل ذنب توبه , السر بالسر والعلانيه بالعلانيه (10)) فهكذا أدب عباد الله ودعاهم الى مكارم الآخلاق ومحاسن الآداب 0

-------------------------------------------------------------------------------------------------
*( تخريج الاحاديث )*

(1)حديث كان يقول فى دعائه ( اللهم حسن خلقى وخلقى ) أخرجه أحمد من حديث ابن مسعود ومن حديث عائشه ولفظهما (( اللهم أحسنت خلقى فأحسن خلقى )) واسنادهما جيد وحديث بن مسعود رواه ابن حبان 0

(2)حديث ( اللهم جنبنى منكرات الآخلاق ) أخرجه الترمذى وحسنه , والحاكم وصححه , واللفظ له من حديث قطبه بن مالك وقال الترمذى ((اللهم انى أعوذ بك ))

(3) حديث سعد بن هشام 0 دخلت على عائشه رضى الله عنها فسألتها عن أخلاق رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقالت كان خلقه القرأن 0 رواه مسلم , ووهم الحاكم فى قوله انهما لم يخرجاه 0

(4) حديث ( كسرت رباعيته صلى الله عليه واله وسلم يوم أحد 00 الحديث ) فى نزول (( ليس لك من الآمر شئ )) أخرجه مسلم من حديث أنس وذكره البخارى تعليقا 0

(5) حديث ( بعثت لآتمم مكارم الآخلاق ) أخرجه أحمد والحاكم والبيهقى من حديث أبى هريره قال الحاكم 00 صحيح على شرط مسلم , وقد تقدم فى أداب الصحبه 0

(6)حديث ( ان الله يحب معالى الآخلاق ويبغض سفاسفها ) أخرجه البيهقى من حديث سهل متصلا , ومن روايه طلحه بن عبيد الله بن كريز مرسلا , ورجالهما ثقات 0

(7)حديث على قوله (واعجبا لرجل مسلم يجيئه أخوه المسلم فى حاجه فلا يرى نفسه للخير أهلا 00الحديث ) وفيه مرفوعا ( لما أتى بسبايا طيئ وقفت جاريه فى السبى فقالت 00 يامحمد ان رأيت أن تخلى عنى 00 الحديث ) أخرجه الترمذى الحكيم فى نوادر الآصول باسناد ضعيف 0

(8)حديث معاذ (حف الاسلام بمكارم الآخلاق ومحاسن الآعمال 00 الحديث ) بطوله لم اقف له على أصل , ويغنى عنه حديث معاذ الآتى بعده بحديث 0

(9) حديث أنس 0 لم يدع صلى الله عليه واله وسلم نصيحه جميله الا وقد دعانا اليها وأمرنا بها 0 لم أقف له على اسناد , وهو صحيح من حيث الواقع 0

(10) حديث ( يا معاذ أوصيك باتقاء الله وصدق الحديث 000 الحديث ) أخرجه أبو نعيم فى الحليه , والبيهقى فى الزهد , وقد تقدم فى أداب الصحبه 0

يتبع