المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : النجوم الزاخرة في عقائد الأشاعرة


ميثاق
27-03-2008, 11:44 PM
بسم الله الرحمان الرحيم

السلام عليكم ساداتي،
خدمة لهذا المنتدى المبارك وانتصارا لعقائد أهل السنة
سأشرع بنشر مقالات مهمة من نصوص أئمتنا في العقائد ، لتكون مراجعا يرجع إليها الأحبة فهما لدينهم و دفاعا عن عقيدتهم ، و قد حملني على ذلك قلة كتب أهل السنة المطبوعة أمام مطبوعات المبتدعة ، ولن أتقيد بكتاب أو بموضوع و أكتفي بذكر الكتاب و صاحبه مع الصفحة.
راجيا منكم الدعاء للفقير كما أرجو من العلي القدير أن ينفع ساداتي به .
و سميت الموصوع بـــ


النجوم الزاخرة في عقائد الأشاعرة

بسم الله الرحمان الرحيم
وصلى الله وسلم على سيد الوجود وعلى آله و صحبه وحزبه وجنده أهل السيف و القلم من نصروا الشرع ضد كل ظالم من الكفار و من ادعى أنه أسلم .

1 الباب الأول مبحث التجسيم و التشبيه :

الملل والنحل اـلشهرستاني الصفحة : 26

ومن المشبهة من مال إلى مذهب الحلولية؛ وقال: يجوز أن يظهر الباري تعالى بصورة شخص، كما كان جبريل عليه السلام ينزل في صورة أعرابي، وقد تمثل لمريم بشراً سوياً، وعليه حمل قول النبي عليه السلام" رأيت ربي في أحسن صورة". وفي التوراة عن موسى عليه السلام: شافهت الله تعالى فقال لي: كذا. والغلاة من الشيعة مذهبهم الحلول. ثم الحلول: قد يكون بجزء، وقد يكون بكل؛ على ما سيأتي في تفصيل مذاهبهم إن شاء الله تعالى.
الكرامية أصحاب أبي عبد الله محمد بن كرام، وإنما عددناه من الصفاتية؛ لأنه كان ممن يثبت الصفات، غلا أنه ينتهي فيها إلى التجسيم والتشبيه. وقد ذكرنا: كيفية خروجه، وانتسابه إلى أهل السنة؛ فيما قدمناه ذكره.
وهم طوائف بلغ عددهم إلى اثنتي عشرة فرقة، وأصولها ستة: العابدية والتونية، والزرينية، والإسحاقية، والواحدية، وأقربهم: الهيصمية. ولكل واحدة منهم رأي؛ إلا أنه لما يصدر ذلك من علماء معتبرين بل عن سفهاء أغتام جاهلين لم نفردها مذهباً، وأوردنا مذهب صاحب المقالة، أشرنا إلى ما يتفرع منه.
نص أبو عبد الله، على أن معبوده على العرش استقراراً، وعلى أنه بجهة فوق ذاتاً. وأطلق عليه اسم الجوهر؛ فقال في كتابه المسمى عذاب القبر: إنه إحدى الذات، إحدى الجوهر، وغناه مماس للعرش من الصفحة العليا. وجوز: وقال بعضهم: امتلأ العرش به. وصار المتأخر ون منهم: إلى أنه تعالى بجهة فوق، وأنه محاذ للعرش. ثم اختلفوا: فقالت العابدية: إن بينه وبين العرش من البعد والمسافة لو قدر مشغولا بالجواهر لاتصلت به. وقال محمد بن الهيصم: إن ابنه وبين العرش بعداً لا يتناهى، وإنه مباين للعالم بينوية أزلية. ونفى التحيز والمحاذاة، وأثبت الفوقية والمباينة. وأطلق أكثرهم لفظ الجسم عليه.
والمقاربون منهم قالوا: نعني بكونه جسماً: أنه قائم بذاته؛ وهذا هو حد الجسم عندهم. وبنوا على هذا أن من حكم القائلين بأنفسهما: أن يكونا متجاورين أو متباينين؛ فقضى بعضهم بالتجاور مع العرش وحكم بعضهم بالتباين. وربما قالوا: كل موجودين فإما أن يكون أحدهما بحيث الآخر كالعرض مع الجوهر وإما أن يكون بجهة منه، والباري تعالى ليس بعرض إذ هو قائم بنفسه؛ فيجب أن يكون بجهة من العالم، ثم أعلى الجهات وأشرفها جهة فوق؛ فقلنا هو بجهة فوق الذات حتى إذا رئي رئي من تلك الجهة ثم لهم اختلافات في النهاية؛ فمن المجسمة من أثبت النهاية له من ست جهات، ومنهم من أثبت النهاية له من جهة تحت، ومنهم من أنكر النهاية له فقال: هو عظيم. ولهم في معنى العظمة خلاف؛ والعرش تحته وهو فوق كله على الوجه الذي هو فوق جزء منه، وقال بعضهم: معنى عظمته أنه يلاقي مع وحدته من جهة واحدة أكثر من واحد؛ وهو يلاقي جميع أجزاء العرش ؛ وهو العلي العظيم. ومن مذهبهم جميعاً: جواز قيام كثير من الحوادث بذات الباري تعالى. ومن أصلهم: أن ما يحدث في ذاته؛ فإنما يحدث بقدرته، وما يحدث مبايناً لذاته؛ فغنما يحدث بقدرته من الأقوال والإرادات؛ ويعنون بالمحدث: ما باين ذاته من الجواهر والأعراض. ويفرقون بين الخلق والمخلوق، والإيجاد والموجود والموجد، وكذلك بين الإعدام والمعدوم: فالمخلوق: إنما يصير معدوماً بالإعدام الواقع في ذاته بالقدرة. وزعموا: أن في ذاته سبحانه حوادث كثيرة؛ مثل: الإخبار عن الأمور الماضية والآتية، والكتب المنزلة على الرسل عليهم السلام، والقصص، والوعد والوعيد والأحكام؛ ز من ذلك المسمعات والمبصرات فيما يجوز أن يسمع ويبصر. والإيجاد والإعدام: هو القول بالإرادة؛ وذلك قوله: كن للشيء الذي يريد كونه. وإرادته لوجود ذلك الشيء؛ وقوله للشيء كن صورتان:




مقدمة ابن خلدون الصفحة : 268

ولنبين لك تفصيل هذا المجمل. وذلك أن القرآن ورد فيه وصف المعبود، بالتنزيه المطلق، الظاهر الدلالة من غير تأويل في آي كثيرة، وهي سلوب كلها وصريحة في بابها، فوجب الإيمان بها. ووقع في كلام الشارع صلوات الله عليه وكلام الصحابة والتابعين تفسيرها على ظاهرها. ثم وردت في القرآن آي آخرى قليلة توهم التشبيه، مرة في الذات وأخرى في الصفات. فأما السلف فغلبوا أدلة التنزيه لكثرتها ووضوح دلالتها، وعلموا استحالة التشبيه. وقضوا بأن الآيات من كلام الله، فآمنوا بها ولم يتعرضوا لمعناها، ببحث ولا تأويل. وهذا معنى قول الكثير منهم: اقرأوها كما جاءت، أي آمنوا بأنها من عند الله. ولا تتعرضوا لتأويلها ولا تفسيرها، لجواز أن يكون ابتلاء، فيجب الوقف والإذعان له. وشذ لعصرهم مبتدعة اتبعوا ما تشابه من الآيات، وتوغلوا في التشبيه: ففريق شبهوا في الذات باعتقاد اليد والقدم والوجه، عملاً بظواهر وردت بذلك، فوقعوا في التجسيم الصريح ومخالفة آي التنزيه المطلق، لأن معقولية الجسم تقتضي النقص والافتقار. وتغليب آيات السلوب في التنزيه المطلق، التي هي أكثر موارد وأوضح دلالة، أولى من التعلق بظواهر هذه التي لنا عنها غنية، وجمع بين الدليلين بتأويلها. ثم يفرون من شناعة ذلك بقولهم جسم لا كالأجسام. وليس ذلك بدافع عنهم، لأنه قول متناقض، وجمع بين نفي وإثبات: إن كانا لمعقولية واحدة من الجسم، وإن خالفوا بينهما ونفوا المعقولية المتعارفة، ففد وافقونا في التنزيه، ولم يبق إلا جعلهم لفظ الجسم اسماً من أسمائه. ويتوقف مثله على الإذن. وفريق منهم ذهبوا إلى التشبيه في الصفات، كإثبات الجهة والاستواء والنزول والصوت والحرف وأمثال ذلك. وآل قولهم إلى التجسيم، فنزعوا مثل الأولين إلى قولهم صوت لا كالأصوات، جهة لا كالجهات، نزول لا كالنزول، يعنون من الأجسام.
واندفع ذلك بما اندفع به الأول، ولم يبق في هذه الظواهر إلا اعتقادات السلف ومذاهبهم والإيمان بها كما هي، لئلا يكر النفي على معانيها بنفيها، مع أنها صحيحة ثابتة من القرآن. ولهذا تنظر ما تراه في عقيدة الرسالة لابن أبي زيد وكتاب المختصر له، وفي كتاب الحافظ بن عبد البر وغيرهم، فإنهم يحومون على هذا المعنى. ولا تغمض عينك عن القرائن الدالة على ذلك في غضون كلامهم. ثم لما كثرت العلوم والصنائع وولع الناس بالتدوين والبحث في سائر الأنحاء، وألف المتكلمون في التنزيه، حدثت بدعة المعتزلة، في تعميم هذا التنزيه في آي السلوب، فقضوا بنفي صفات المعاني من العلم والقدرة والإرادة والحياة، زائدة على أحكامها، لما يلزم ذلك من تعدد القديم بزعمهم، وهو مردود بأن الصفات ليست عين الذات ولا غيرها، وقضوا بنفي صفة الإرادة فلزمهم نفي القدر لأن معناه سبق الإرادة للكائنات وقضوا بنفي السمع والبصر لكونهما من عوارض الأجسام. وهو مردود لعدم اشتراط البنية في مدلول هذا اللفظ، وإنما هو إدراك للمسموع أو المبصر. وقضوا بنفي الكلام لشبه ما في السمع والبصر، ولم يعقلوا صفة الكلام التي تقوم بالنفس، فقضوا بأن القرآن مخلوق، وذلك بدعة صرح السلف بخلافها وعظم ضرر هذه البدعة، ولقنها بعض الخلفاء عن أئمتهم، فحمل الناس عليها. وخالفهم أئمة السلف، فاستحل لخلافهم أيسار كثير منهم ودماؤهم.

ميثاق
27-03-2008, 11:45 PM
الباز الأشهب المنقض على مخالفي المذهب ابن الجوزي الصفحة : 5


قال )ابن عباس ومجاهد وإبراهيم النخعي وقتادة( وجمهور العلماء: يكشف عن شدة، وأنشدوا: )وقامت الحرب بنا على ساق(.
وقال آخرون: إذا شمرت عن ساقها الحرب شمرا.
قال ابن قتيبة: وأصل هذا أن الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى معاناة الجد فيه، شمر عن ساقه، فاستعيرت الساق في موضع الشدة.
وبهذا قال الفراء وأبو عبيد، وثعلب واللغويون، وروى البخاري ومسلم في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم: )إن الله عز وجل يكشف عن ساقه(.
هذه إضافة إليه معناها: يكشف عن شدته وأفعاله المضافة إليه ومعنى يكشف عنها )يزيلها(.
وقال عاصم بن كليب: رأيت سعيد بن جبير. غضب وقال: يقولون يكشف عن ساقه، وإنما ذلك عن أمر شديد وقد ذكر أبو عمر الزاهد ان الساق بمعنى )النفس( وقال: ومنه قول علي رضي الله عنه لما قالت البغاة: لا حكم إلا لله فقال: لا بد من محاربتهم ولو بلغت ساقي.. فعلى هذا يكون المعنى يتجلى لهم، وفي حديث أبي موسى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: )يكشف لهم الحجاب فينظرون إلى الله تعالى فيخرون سجداً، ويبقى أقوام في ظهورهم مثل صياصي البقر، يريدون السجود فلا يستطيعون(.
فذلك قوله تعالى: )يَومَ يَكشِفُ عَن ساقِ ويَدعونَ إِلى السُجودِ فَلا يَستَطيعون( وقد ذهب القاضي إلى أن الساق صِفة ذاتية. وقال في مثله في )يضع قدمه في النار(: وحكى عن ابن مسعود: ويكشف عن ساقه اليمنى فتضيء من نور ساقه الأرض.
قلت: وذكر الساق مع القدم تشبيه محض وما ذكر عن ابن مسعود محال ولا تثبت لله صفة بمثل هذه الخرافات، ولا يوصف ذاته بنور شعاع نضيء به الأمكنة، واحتجاجه بالإضافة ليس بشيء لأنه إذا كشف عن شدته، فقد كشف عن ساقه، وهؤلاء وقع لهم أن معنى يكشف )يظهر( وإنما المعنى )يزيل ويرفع(.
قال ابن حامد: يجب الإيمان بأن لله تعالى ساقاً صفة لذاته، فمن جحد ذلك كفر.
قلت: ولو تكلم بهذا عامي جلف كان قبيحاً، فكيف بمن ينسب إلى العلم? فإن المتأولين أعذر منهم لأنهم ردوا الأمر إلى اللغة، وهؤلاء أثبتوا ساقاً للذات، وقدماً حتى يتحقق التجسيم والصورة، ومنها قوله تعالى: )ثُمَ اِستَوى عَلى العَرش(.
قال الخليل بن أحمد: العرش: السرير، فكل سرير ملك يسمى عرشاً، والعرش مشهور عند العرب في الجاهلية والإسلام قال الله تعالى: )وَرَفَعَ أَبَويهِ عَلى العَرش(.وقال تعالى: )أَيَكُم يَأتيني بِعَرشِها(.
واعلم أن الاستواء في اللغة على وجوه منها: الاعتدال. قال بعض بني تميم فاستوى ظالم العشيرة والمظلوم. أي اعتدلا، والاستواء: تمام الشيء قال الله تعالى: )وَلَما بَلَغَ أَشَدَهُ وَاِستَوى(، أي تم.
والاستواء: القصد إلى الشيء قال تعالى: )ثُمَ اِستَوى إِلى السماءِ(.
أي قصد خلقها، والاستواء في الاستيلاء على الشيء قال الشاعر:
قَد اِستَوى بَشَرٌ عَلى العِراقِ مِن غَيرِ سَيفٍ وَدَم مِهراق
وقال الآخر:
إِذا ما غَزى قَوماً أَباحَ حَريمَـهُـم وَأَضحى عَلى ما مَلَكوهُ قَد اِستَوى
وروى إسماعيل بن أبي خالد الطائي قال: العرش ياقوتة حمراء.
قلت: وجميع السلف على إمرار هذه الآية كما جاءت من غير تفسير ولا تأويل.
قال عبد الله بن وهب: كنا عند مالك بن أنس فدخل رجل فقال: يا أبا عبد الله )الرَحمَنُ عَلى العَرشِ اِستَوى( كيف استوى? فأطرق مالك وأخذته الرحضاء ثم رفع راسه فقال: الرحمن على الرعش استوى كما وصف نفسه ولا يقال له كيف وكيف عنه مرفوع وأنت رجل سوء صاحب بدعة فأخرجوه فأخرج.
وقد حمل قوم من المتأخرين هذه الصفة على مقتضى الحس فقالوا: )استوى على العرض بذاته(، وهي زيادة لم تنقل، إنما فهموها من إحساسهم، وهو ان المستوي على الشيء إنما تستوي عليه ذاته، قال أبو حامد: الاستواء مماسته وصف لذاته، والمراد به القعود، قال: وقد ذهبت طائفة من أصحابنا إلى أن الله سبحانه وتعالى على عرشه ما ملأه، وانه يقعد فيه، ويقعد نبيه صلى الله عليه وسلم معه على العرش.
قال أبو حامد: والنزول انتقال.
قلت: وعلى ما حكى تكون ذاته أصغر من العرش فالعجب من قول هذا، ما نحن مجسمة..??

الباز الأشهب المنقض على مخالفي المذهب ابن الجوزي الصفحة : 6

وقيل لابن الزاغوني: هل تجدون له صفة لم تكن له بعد خلق العرش..? قال: لا إنما خلق العالم بصفة التحت، فصار العالم بالإضافة إليه أسفل فإذا ثبت لإحدى الذاتين صفة التحت تثبت للأخرى صفة استحقاق الفوق قال: وقد ثبت أن الأماكن ليست في ذاته، ولا ذاته فيها، فثبت انفصاله عنها، ولا بد من شيء يحصل به الفصل، فلما قال: )ثُمَ اِستوى( علمنا اختصاصه بتلك الجهة.
قال ابن الزاغوي: ولا بد أن تكون لذاته نهاية وغاية نعلمها.
قلت: وهذا رجل لا يدري ما يقول لأنه إذا قدر غاية وفصلاً بين الخالق والمخلوق فقد حدده، وأقر بأنه جسم، وهو يقول في كتابه: إنه ليس بجوهر، لأن الجوهر ما تحيز ثم يثبت له مكاناً يتحيز فيه.
قلت: وهنا كلام جهل من قائله، وتشبيه محض، فما عرف هذا الشيخ ما يجب للخالق، ما يستحيل عليه. فإن وجوده تعالى ليس كوجود الجواهر والأجسام التي لا بد لها من حيز، والتحت والفوق إنما يكون فيما يقابل ويحاذي، ومن ضرورة المحاذي أن يكون أكبر من المحاذي أو أصغر أو مثله، وان هذا ومثله إنما يكون في الأجسام، وكل ما يحاذي الأجسام يجوز أن يمسها، وما جاز عليه مماسة الأجسام ومباينتها فهو حادث، إذ قد ثبت أن الدليل على حدوث الجواهر قبولها للمباينة والمماسة. فإذا أجازوا هذا عليه، قالوا بجواز حدوثه، وإن منعوا جواز هذا عليه، لم يبق لنا طريق لإثبات حدوث الجواهر، ومتى قدرنا مستغنياً عن المحل والحيز ومحتاجاً إلى الحيز، ثم قلنا، إما أن يكون مجاورين ومتباين، كان ذلك محالاً.
فإن المتجاور والمتباين من لوازم المتحيز في المتحيزات، وقد ثبت أن الاجتماع والافتراق من لوازم المتحيز، والحق سبحانه وتعالى لا يوصف بالتحيز، لأنه لو كان متحيزاً لم يخل إما أن يكون ساكناً في حيازته متحركاً عنه، ولا يجوز أن يوصف بحركة ولا سكون، ولا اجتماع ولا افتراق، وما جاور أو باين، فقد تناهى ذاتاً، والمتناهي إذا ----- بمقدار، استدعى مخصصاً، وكذا ينبغي أن لا يقال، ليس بداخل العالم، وليس بخارج منه لأن الدخول والخروج من لوازم المتحيزات وهما كالحركة والسكون وسائر الأعراض التي تختص بالأجرام. وأما قولهم داخل الأماكن لا في ذاته، فثبت انفصاله عنها.
قلنا: ذاته تعالى لا تقبل أن يخلق منها شيء، ولا أن يحل فيها شيء، )والفصل من حيث الحس يوجب عليه ما يوجب على الجواهر ومعنى الحيز أن الذي يختص به يمنع مثله أن يوجد، وكلام --- مبني على الحس، وقد حملهم الحسم على التشبيه والتخليط حتى قال بعضهم: إنما ذكر الاستواء على العرش لأنه أقرب الموجودات إليه جهل أيضاً. لأن قرب المساحة لا يتصور إلا في حق الجسم، )وقال بعضهم: جهة العرش تحاذي ما يقابله من الذات ولا تحاذي جميع الذات وهذا صريح في التجسيم والتبعيض(، ويعز علينا كيف هذا القائل ينسب إلى مذهبنا? واحتج بعضهم بأنه على العرش بقوله تعالى: )إِلَيهِ يَصعَدُ الكَلَمُ الطَيب وَالعَمَل الصالح(.
وبقوله: )وَهُوَ القاهر فَوقَ عِبادِهِ(.
وجعلوا ذلك فوقية حسية، ونسوا أن الفوقية الحسية إنما تكون لجسم أو جوهر وأن الفوقية قد تطلق لعلو المرتبة فيقال: فلان فوق فلان، ثم أنه كما قال: )فوق عباده( قال: )وهو معكم(.
فمن حملهما على العلم، حمل خصمه الاستواء على القهر: أخبرنا علي بن محمد بن عمر الدباس، قال أنبأنا رزق الله بن عبد الوهاب التميمي قال: كان أحمد بن حنبل يقول: الاستواء صفة مسلمة وليست بمعنى القصد ولا الاستعلاء. قال: وكان أحمد لا يقول بالجهة للباري لأن الجهات تخلي عما سواها. وقال ابن حامد: الحق يختص بمكان دون مكان ومكانه الذي هو فيه وجود ذاته على عرشه وقال: وذهبت طائفة إلى أن الاستواء على عرشه قد ملأه، والأشبه أنه مماس للعرش الكرسي بوضع قدميه.
قلت: المماسة إنما تقع بين جسمين، وما أبقى هذا في التجسيم بقية..??

ميثاق
27-03-2008, 11:46 PM
الباز الأشهب المنقض على مخالفي المذهب ابن الجوزي الصفحة : 13

لا تزال جهنم يلقي فيها وتقول: هل من مزيد..? حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض فتمتلئ(.
قلت: الواجب علينا أن نعتقد أن ذات الله تعالى لا تتبعض ولا يحويها مكان ولا توصف بالتغير ولا بالانتقال.
وقد حكى أبو عبيد الهروي عن الحسن البصري أنه قال: القدم: هم الذين قدمهم الله تعالى من شرار خلقه وأثبتهم لها، وقال الأمام ابن الأعرابي: القدم المتقدم، وروى أبو بكر البيهقي عن النضر بن شميل أنه قال: القدم ههنا الكفار الذين سبق في علم الله أنهم من أهل النار.
وقال: أبو منصور الأزهري، القدم هم الذين قدم الله بتخليدهم في النار فعلى هذا يكون في المعنى وجهين أحدهما: كل شيء قدمه.
يقال: لما قدم، ولما هدم هدم ويؤيد هذا قوله في تمام الحديث )وأما الجنة فينشئ لها خلقاً(.
ووجه ثان: إن لكل قادم عليها سمي قادماً، فالقدم جمع قادم.
فبعض الرواة رواه بما يظنه المعنى من ان المقدم الرجل، وقد رواه الطبراني من طرق، فقال: قدمه ورجله قلت: وهذا دليل على تغير الرواة بما يظنونه على أن الرجل في اللغة جماعة.
ومن يرويه بلفظ الرجل فإنه يقول: رجل من جراد. فيكون المراد يدخلها جماعة يشبهون في كثرتهم رجل الجراد، فيسرعون التهافت فيها.
قال القاضي: القدم صفة ذاتية. وقال ابن الزاغوني: نقول إنما وضع قدمه في النار ليخبرهم أن أصنافهم تحترق وأنا لا أحرق. قلت: وهذا اثبات تبعيض، وهو من أقبح الاعتقادات.
قلت: ورأيت أبا بكر بن خزيمة قد جمع كتاباً في الصفات وبوبه فقال: باب إثبات اليد، باب امساك السموات على أصابعه، باب إثبات الرجل وإن رغمت انوف المعتزلة ثم قال: قال الله تعالى: )أَلَهُم أَرجُلٌ يَمشونَ بِها أَم لَهُم أَيدٍ يَبطُشونَ بِها(.
فأعلمنا أن من لا يد له ولا رجل فهو كالأنعام.
قلت: واني لأعجب من هذا الرجل مع علو قدره في علم النقل، يقول هذا ويثبت الله ما ذم الأصنام بعدمه من اليد الباطشة والرجل الماشية، ويلزمه أن يثبت الأذن، ولو رزق الفهم ما تكلم بهذا، وأفهم ان الله تعالى عاب الأصنام عند عابديها، والمعنى: لكم أيد وارجل فكيف عبدتم ناقصاً ولا يد له يبطش ولا رجل يمشي بها.
قال ابن عقيل: تعالى الله أن يكون له صفة تشغل الأمكنة، هذا عين التجسيم، وليس الحق بذي أجزاء وأبعاض يعالج بها، ثم أنه لا يعمل في النار أمره وتكوينه حتى يستعين بشيء من ذاته ويعالجها بصفة من صفاته وهو القائل.
)كوني بَرداً وَسَلاماً(.
فما أسخف هذا الاعتقاد وأبعده عن مكون الأملاك والأفلاك فقد نطق بتكذيبهم فقال تعالى: )لَو كانَ هَؤُلاء آلهة ما وردوها(.
فكيف يظن بالخالق أنه يردها..? تعالى الله عن تجاهل المجسمة.
?الحديث الحادي عشر
روى أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: )ضرس الكافر مثل أحد، وكثافة جلده إثنان وأربعون ذراعاً بذراع الجبار(.
الحديث الثاني عشر
روى سليمان قال: إن الله تعالى لما خمر طينة آدم ضرب بيده فيه، فخرج كل طيب في يمينه، وكل خبيث في يده الأخرى، ثم خلط بينهما، فمن ثم يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي(.
قلت: وهذا مرسل وقد ثبت بالدليل أن الله سبحانه وتعالى لا يوصف بمس شيء، فإن صح فضرب مثل لما جرت به الأقدار.
وقال القاضي: تخمير الطين وخلط بعضه ببعض مضاف إلى اليد التي خلق بها آدم.
قلت: وهذا التشبيه المحض..?
الحديث الثالث عشر
روى عبيد بن حنين قال: بينما أنا جالس في المسجد، إذ جاء قتادة بن النعمان فجلس يتحدث ثم قال: )انطلق بنا إلى أبي سعيد الخدري، فإني قد أخبرت أنه قد اشتكى، فانطلقنا حتى دخلنا على أبي سعيد فوجدناه مستلقياً واضعاً رجله اليمنى على اليسرى، فسلمنا عليه وجلسنا، فرفع قتادة يده إلى رجل أبي ذنبه فيقول الله: )كن أمامي، فيقول: يا رب ذنبي، فيقول: كن خلفي، فيقول: يا رب ذنبين فيقول: خذ بقدمي(.
قال: وفي لفظ عن ابن سيرين قال الله تعالى: )ليقرب داود حتى يضع يده على فخذه(.
قلت: والعجب من إثبات صفات الحق سبحانه وتعالى بأقوال التابعين، وما تصح عنهم ولو صحت فإنما يذكرونها عن أهل الكتاب، كما يذكر وهب بن منبه.



الباز الأشهب المنقض على مخالفي المذهب ابن الجوزي الصفحة : 19

قلت: وهذا بعيد عن معرفة اللغة وما يجوز عليه وما لا يجوز عليه، ومن لفظ السأمة التي منع بها.
الحديث الحادي والثلاثون
روت خولة بنت حكيم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: )آخر وطأة وطئها الرحمن بوج؛ ووج )واد بالطائف( وهي آخر وقعة أوقعها الله بالمشركين على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومنه قوله: )اللهم اشدد وطأتك على مضر(.
ومأخوذ من القدم، وإلى هذا ذهب ابن قتيبة وغيره، وقال سفيان بن عيينة في تفسير هذا الحديث: آخر غزاة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطائف.
وقال القاضي: غير ممتنع على أصولنا، حمل هذا الخبر على ظاهره، وإن ذلك المعنى بالذات دون الفعل، لأنا حملنا قوله: )ينزل ويضع قدمه في النار( على الذات.
قلت: وهذا الرجل يشير بأصولهم إلى ما يوجب التجسيم والانتقال والحركة، وهذا مع التشبيه بعيد عن اللغة ومعرفة التواريخ وأدلة العقول، وإنما اغتر بحديث روي عن كعب إنه قال: )ووج مقدس، منه عرج الرب إلى السماء، ثم قضى خلق الأرض(.
وهذا لو صح عن كعب احتمل أن يكون حاكياً عن أهل الكتاب، وكان يحكي عنهم كثيراً، ولو قدرناه من قوله كان معناه: ان ذلك المكان آخر ما استوى من الأرض لما خلقت، ثم عرج الرب، أي عمد إلى خلق السماء وهو قوله: )ثُمَ اِستَوى إِلى السَماءِ وَهِيَ دُخان(.
ويروى عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: )لما اسرى بي؛ مر بي جبريل - عليه السلام - حتى أتى بي إلى الصخرة، فقال: يا محمد من ها هنا عرج ربك إلى السماء(.
قلت: وهذا يرويه بكر بن زياد، وكان يضع الحديث عن الثقات، فإن قيل: قال ابن عباس: استوى إلى السماء: صعد قلنا: صعد أمره، إذ لا يجوز عليه الانتقال والتغيير.
واعلم أن الناس في أخبار الصفات على ثلاث مراتب: أحدها: إمرارها على ماجاءت من غير تفسير ولا تأويل، إلا أن تقع ضرورة كقوله: )جاءَ رَبُكَ( أي جاء أمره وهذا مذهب السلف.
المرتبة الثالثة: القول فيها بمقتضى الحس، وقد عم جهلة الناقلين، إذ ليس لهم حظ من علوم المعقولات التي بها يعرف ما يجوز على الله وما يستحيل فإن علم المعقولات يصرف ظواهر المنقولات عن التشبيه فإذا عدموها تصرفوا في النقل بمقتضى الحس. وإليه أشار القاضي بقوله: )لا يمتنع أن تحمل الوطأة التي وطئها الحق على أصولنا وإنه معنى يتعلق بالذات(. وأصولهم على زعمه ترجع إلى الحس، ولو فهموا أن الله تعالى لا يوصف بحركة ولا انتقال ولا تغير، ما بنوا على الحسيات.
والعجب ان يقر بهذا القول ثم يقول: )من غير نقلة ولا حركة( فينقض ما يبني.
ومن أعجب ما رأيت لهم ما أنبأنا عبد العزيز بن كادس، قال: أنبأنا أبو طالب العشاري قال: أنبأنا البنا، قال: انبأنا أبو الفتح ابن أبي الفوارس قال: انبأنا أبو علي بن الصواف، قال: انبأنا أبو جعفر بن عثمان بن أبي شيبة أنه قال في كتاب )العرش( إن الله تعالى قد أخبرنا أنه صار من الأرض إلى السماء، ومن السماء إلى العرض فاستوى على العرش.
قلت: ونحن نحمد الله إذ لم يبخس حظنا من المنقولات، ولا من المعقولات ونبرأ من أقوام شانوا مذهبنا، فعاب الناس كلامهم.
الحديث الثاني والثلاثون
روى أبو إمامة - رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: )ما تقرب العباد آل الله تعالى، بمثل ما خرج منه وهو القرآن(.
وفي حديث عثمان - رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال )فضيلة القرآن على سائى الكلام كفضل الله على خلقه إن القرآن منه خرج وإليه يعود(.
قلت: والمعنى إنه وصل إلينا من عنده وإليه يعود فيرفع.
الحديث الثالث والثلاثون روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: )إن الله قرأ طه ويس قبل أن يخلق آدم بألف سنة، فلما سمعت الملائكة القرآن قالوا: طوبى لأمة ينزل عليهم، وطوبى لأجواف تحمل هذا، وطوبى لألسن تتكلم بهذا(.
وهذا حديث موضوع يرويه إبراهيم بن مهاجر عن عمر بن حفص، وأما عمر بن حفص فقال أحمد بن حنبل: صرفنا حديثه، وقال يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال أبو حاتم بن حبان الحافظ: وهذا متن موضوع

ميثاق
27-03-2008, 11:46 PM
الباز الأشهب المنقض على مخالفي المذهب ابن الجوزي الصفحة : 21

قلت: ولا يدري أن المعني يأتيهم الله بظلل قال: ولا يمتنع إمراره على ظاهره لأنه لا بد من مشيه وانتهائه إلى مجلسه عن انتقال.
قلت: من يقول يحمل هذا على ظاهره كيف يقول بلا انتقال، وإنما يقول هذا ارضاء للجهال وهل المشي إلا انتقال.
قلت: من يقول يحمل هذا على ظاهره كيف يقول بلا انتقال، وإنما يقول هذا ارضاء للجهال وهل المشي إلا إنتقال.
الحديث التاسع والثلاثون
روي عن عائشة - رضي الله عنها قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المقام المحمود قال: )وعدني ربي بالعقود على العرش(.
قلت: هذا حديث مكذوب لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن حامد: يجب الإيمان بما ورد من المماسة والقرب من الحق لنبيه في اقعاده على العرش: قال: وقال ابن عمر: )وَإِنَّ لَهُ عِندَنا لِزُلفى(.
قال: ذكر الله الدنو منه حتى يمس بعضه.
قلت: وهذا كذب على ابن عمر ومن ذكر تبعيض الذات كفر بالاجماع.
قال القاضي: يقعد نبيه على عرشه بمعنى يدنيه من ذاته ويقربه منها ويشهد له قوله )فَكانَ قابَ قَوسَينِ أَو أَدنى(. وقال ابن عباس: كان بينه وبينه مقدار قوسين.
قلت: هذا عن جبريل لا عن الله سبحانه ومن أجاز القرب من الذات اجاز الملاصقة وما ذهب إليه القاضي صريح في التجسيم.
الحديث الأربعون
روى الدارقطني من حديث أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة عن عمر: أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة فعظم الرب عز وجل فقال: )إن كرسيه وسع السموات والأرض، وإن له أطيطاً كأطيط الرحل الجديد إذا ركب من ثقله(.
هذا حديث مختلف جداً، فتارة يروي عن عبد الله بن خليفة عن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتارة عن عمر موقوفاً عليه. وقد رواه أبو إسحاق عن ابن خليفة عن ابن عمر قال: )إذا جلس تبارك وتعالى على الكرسي سمع له أطيط كأطيط الرحل.(. ورواه ابن جرير عن عبد الله بن خليفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن كرسيه وسع السموات والأرض وأنه ليقعد عليه فما يفضل منه مقدار أربع أصابع ثم قال بأصبعه فجمعها.. وإن له أطيطاً كأطيط الرحل إذا ركب من ثقله(.
ورواه أبو بكر المرورزي إن ابن خليفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )الكرسي الذي يجلس عليه الرب ما يفضل منه إلا مقدار أربعة أصابع(.
قلت: هذا على ضد اللفظ الأول، وكل ذلك من تخليط الرواة وسوء الحفظ، والأليق فما يفضل منه مقدار أربع أصابع: والمعنى أنه قد ملأه بهيبته وعظمته، ويكون هذا ضرب مثل يقرب عظمة الخالق، وقول الرواة: إذ قعد وإذا جلس من تغييرهم أو من تعبيرهم بما ظنونه المعنى، كما قال القائل: ثم استوى على العرش قعد، وإنما قلنا هذا لأن الخالق سبحانه وتعالى لا يجوز أن يوصف بالجلوس على شيء فيفضل من ذلك الشيء، لأن هذه صفة الأجسام.
وقال الزاغوني: معنى الحديث خرج عن صفة الاستواء أربعة أصابع.
قلت: وهذا قد قصد به مغالطة العوام وهل لما قاله معنى إلا أن يقال إن هذه الأربعة لم تحاذ ولم تماس وكل هذا صريح في التشبيه ظاهر في التجسيم ثم هو اثبات صفات بما لا يحسن اثباته من الأحاديث المعلولة.
وقد روينا عن أبي بكر بن مسلم العائدي قال: هذا الموضع الذي يفضل لمحمد ليجلس عليه قال: وقد كان الأليق بهذا المتعبد ان يتشاغل بعبادته عن الكلام في هذا الفن.
وقد روي القاضي عن الشعبي أنه قال: ان الله تعالى قد ملأ العرش حتى أن له اطيطاً كأطيط الرحل.
قلت: هذا كذب على الشعبي. قال القاضي: وغير ممتنع حمل الخبر على ظاهره في أن ذاته تملأ العرش ثم قال: لا على شغل مكان.
قلت: ومن يخلط هذا التخليط لا يكلم واعجباً ما يملأ مكانه يشغله. روى القاضي عن خالد بن معدان أنه قال: إن الرحمن ليثقل على حملة العرش، وقال غيره: ممتنع حمل هذا على ظاهره وإن ثقله يحصل على وجه المماسة.
الحديث الحادي والأربعون
روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: )يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك. فينادي بصوت: أن يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار(.
قلت: إنفرد بلفظ الصوت حفص بن غياث وخالفه وكيع وجرير وغيرهما، من أصحاب الأعمش، فلم يذكروا الصوت

الباز الأشهب المنقض على مخالفي المذهب ابن الجوزي الصفحة : 22

وسئل أحمد عن حفص قال: كان يخلط في حديثه. وفي الحديث الصحيح: إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء كجر السلسلة على الصفا(. فرواه بعضهم بالمعنى الذي يظنه فقال: سمع صوته أهل السماء.
وفي حديث ابن مسعود: )إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا(.
وهذا مع اللفظ الأول أليق وليس في الصحيح: سمع صوته أهل السماء.
الحديث الثاني والأربعون
روى جابر - رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لما كلم الله موسى عليه السلام يوم الطور، كلمه بغير الكلام الذي به ناداه، فقال له: يا موسى إني كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان ولي قوة الألسنة كلها، وأنا أقوى من ذلك فلما سمع رجع إلى بني إسرائيل قالوا: صف لنا كلام الرحمن..? قال: لا أستطيع قالوا: قربه لنا قال: ألم تسمعوا صوت الصواعق التي تقبل بأجلى كلام سمعتموه قط.
قلت: هذا حديث لا يصح يرويه علي بن عاصم عن الفضل بن عيس قال يحيى: ليس بشيء.
وقال النسائي: علي بن عاصم متروك الحديث. وقال يزيد بن هارون: ما زلنا نعرفه بالكذب واما الفضل بن عيسى فقال أبو السختياني: لو خلق أخرس كان خيراً له، وقال ابن عيينة: الفضل بن عيسى لا شيء، وقال يحيى: هو رجل سوء.
الحديث الثالث والأربعون
روى القاضي عن حسان بن عطية أنه قال: )الساجد يسجد على قدم الرحمن(.
قلت: هذا قول تابعي، وهو مثل المقرب من فضل الله تعالى، وأثبت القاضي بهذا وصف قدم، وأنه يسجد على قدم حقيقة لا على وجه المماسة.
الحديث الرابع والأربعون
روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي موسى - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: )جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وليس بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن الرائي في جنة عدن لا المرئي لأنه لا تحيط به الأمكنة.
وقال القاضي: ظاهر الحديث أنه المرئي في جنة عدن.
قلت: وهذا هو التجسيم المحض، ورداء الكبرياء ما له من الكبرياء والعظمة، فكأنه له أن يمنعهم فلعظمته، وإن شاء كشف لهم.
وقد تكلمنا على الوجه في الآيات وقلنا المراد بالوجه هو.
الحديث الخامس والأربعون
روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )لما قضى الله الخلق كتب في كتابه - فهو عنده فوق العرش - إن رحمتي غلبت غضبي، وفي لفظ سبقت(.
قال القاضي: ظاهر قوله عنده القرب من الذات. واعلم أن القرب من الحق لا يكون بمساحة وإنما ذلك من صفة الأجسام، وقد قال سبحانه وتعالى: )مَسومَةً عِندَ رَبِكَ(.
الحديث السادس والأربعون
روي عن بعض التابعين أنه قال: )خلق الله آدم بيده، وكتب التوراة بيده وغرس الفردوس بيده(.
قلت: هذا حديث لا يثبت عن قائله وقد تكلمنا على قوله تعالى )لَمّا خَلَقتَ بِيَدي(.
الحديث السابع والأربعون
روى ابن عباس - رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى )وَسِعَ كُرسيهِ السَمواتِ وَالأَرض(، قال: كرسيه موضع قدميه، والعرش لا يقدر قدره(.
قلت: رواه جماعة من الأثبات فوقفوه على ابن عباس، ورفعه منهم شجاع بن مخلد فعلم بمخالفته الكبار المتقنين أنه قد غلط.
ومعنى الحديث: أن الكرسي صغير بالإضافة إلى العرش كمقدار كرسي يكون عنده سرير قد وضع لقدمي القاعد على السرير.
قال الضحاك: الكرسي الذي تجعل الملوك أرجلهم عليه وقال القاضي: القدم قدم الذات، وهي التي يضعها في النار.
الحديث الثامن والأربعون
حديث العباس رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: )فوق السماء السابعة بحر بين أعلاه وأسفله كما بين السماء والأرض، والله تعالى فوق ذلك(.
هذا حديث لا يصح تفرد به يحيى بن العلاء.
قال أحمد: هو كذاب يضع الحديث، وقال يحيى بن معين: ليس بثقة، وقال ابن عدي: أحاديثه موضوعة وقد تكلمنا في الفوقية في قوله تعالى )وَهُوَ القاهِرُ فَوقَ عِبادِهِ(.
قال القاضي: المراد من الفوقية: استواء الذات على العرش، وقال: هو على العرش ما حاذى العرش من ذاته فهو حد له وما عدا الجهة المحاذية للعرش وهو الفوق والخلف والأمام واليسرة لا يحد

ميثاق
27-03-2008, 11:47 PM
الباز الأشهب المنقض على مخالفي المذهب ابن الجوزي الصفحة : 23

قلت: هذا الكلام أصل التجسيم لأن المحاذي يكون أكبر أو أصغر والمقادير لا تكون إلا في الأجسام.
قال القاضي: إذا ثبت أنه مستو على العرش فهل يجوز أن نطلق عليه الجلوس والقيام، ما وجدت عن إمامنا في هذا شيئاً.
قلت: وكلا الشيئين لا يصح. أما لفظة القعود فقد رواها عن ابن عباس ولا يصح، وأما القيام فيرويها عيسى عن جابر عن عمر بن الصبح.
قال البخاري: قال عمر بن الصبح أنا وضعت خطبة رسول الله. وقال ابن حبان: وكان يضع الحديث على الثقات لا يصح كتب حديثه إلا على التعجب، وقال الدارقطني: متروك. وقال الأزدي: كذاب ذاهل.
قلت: وبمثل هذه يثبت لله صفة اين العقول? تعالى الحق ان يوصف بقيام وهو انتصاب القامة إنما هو قائم بالقسط، ولا يوصف بقعود ولأنها حالة الجسماني.
?الحديث التاسع والأربعون
روي في الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيباً؛ فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يريبها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل..
وفي لفظ أخرجه مسلم: )فتربوا في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل(.
قال العلماء هذا خطاب الناس بما يعلمونه ويفهمونه من الأخذ والتربية والنمو لما كان التناول باليد والقبض بالكف، خاطبهم بما يعقلون، وإنما جرى ذكر اليمين لأنها مرصدة لما عز من الأمور، ومعنى التربية: المضاعفة.
الحديث الحادي والخمسون
روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ذكر الدجال فقال: ألا أنه أعور وإن ربكم ليس بأعور(.
قال العلماء: إنما أراد تحقيق وصفه بأنه لا يجوز عليه النقص، والعور نقص ولم يرد إثبات جارحة، لأنه لا مدح في إثبات جارحة.
قال ابن عقيل: بحسب بعض الجهلة أنه لما نفى العور عن الله عز وجل اثبت من دليل الخطاب أنه ذو عينين وهذا بعيد من الفهم إنما نفى عنه العور من حديث نفي النقائص كأنه قال: ربكم ليس بذي جوارح تتسلط عليه النقائص، وهذا مثل نفي الولد عنه لأنه يستحيل عليه التجزئ، ولو كانت الإشارة إلى صورة كاملة، لم يكن في ذلك دليل على الألوهية ولا القدم، فإن الكامل في الصورة كثير. قال: ومن قال بدليل الخطاب فاثبت عينين قيل له: دليل الخطاب مختلف في كونه دليلاً في أحكام الفقه وفروع الدين، فكيف بأصوله ثم هو عند من اعتقده جحد يقضي عليه معنى النطق وهو القياس المظنون فكيف يكون له حكم الدليل وقد قضى عليه دليل العقل بالرد.
?الحديث الحادي والخمسون
روى البخاري ومسلم في إفراده من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله عز وجل: )ما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأكره مساءته(.
قلت: قوله: كنت سمعه وبصره فهو مثل وله ثلاثة أوجه: أحدها: كنت كسمعه وبصره فهو يحب طاعتي. كما يحب هذه الجوارح.
والثاني: أن جوارحه مشغولة بي، فلا يصغي إلى ما لا يرضيني إلا عن أمري.
والثالث: أني أحصل له مقاصده كما ينالها بسمعه وبصره ويديه اللواتي تعينه على عدوه.
والحق منزه عن حقيقته فهو كقوله: )ومن أتاني يمشي اتيته هرولة(. وقال بعض العلماء: لما كان المؤمن يمرض فيسئل العافية فيعافي كان ذلك كالتردد في إماتتهز وأما التردد فخطاب لنا بما نعقل.
الحديث الثاني والخمسون
روى جبير بن مطعم قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال: يا رسول الله: جهدت الأنفس وجاعت العيال، ونهكت الأموال، وهلكت الأنعام فاستسق الله لنا، فانا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحك: أتدري ما تقول.?? وسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجه أصحابه فقال: إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه(.
شأن الله أعظم من ذلك: ويحك أتدري ما الله..? إن عرشه على سمواته هكذا، وقال باصابعه مثل القبة، فإنه ليئط الرحل بالراكب قلت:

الباز الأشهب المنقض على مخالفي المذهب ابن الجوزي الصفحة : 24

قلت: هذا الحديث تفرد بروايته وقال محمد بن إسحق عن يعقوب عن عتبة وكلاهما لا يحتج به أرباب الصحاح، قال أبو سليمان الخطابي: هذا الحديث إذ أجرى على ظاهره كان فيه نوع من الكيفية، وهي عن الله وصفاته منفية، فعلم أنه كلام تقربت أريد به تقرير عظمة الله من حيث يدركه فهم السامع إذا كان إعرابياً جلفاً لا علم له بمعاني ما دق من الكلام ومعنى قوله: أتدري ما الله - أتدري ما عظمة الله وجلاله..? ومعنى يأط به: أي يعجز عن جلاله وعظمته، إذ كان معلوماً أن أطيط الرحل بالراكب معلوماً لقوة ما فوقه، أو لعجزه عن احتماله، فقرب بهذا النوع من التمثيل عنده، معنى عظمة الله وجلاله ليعلمه أن الموصوف بعلو الشأن لا يجعل شفيعاً لمن هو دونه في القدر... وقد ذكرنا فيما تقدم عن القاضي أنه قال: )يأط من ثقل الذات(. وهذا صريح في التجسيم.
الحديث الثالث والخمسون
روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ: )إِنَّ اللَهَ كانَ سَميعاً بَصيراً(.
فوضع اصبع الدعاء وإبهامه على عينيه وأذنيه.
قال العلماء: أراد بهذا تحقيق السمع والبصر لله تعالى، فأشار إلى الجارحتين اللتين هما محل السمع والبصر، لا أن لله سبحانه جارحة.
الحديث الرابع والخمسون
روى أبو الدرداء - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال )إن الله عز وجل ينزل في ثلاث ساعات يبقين من الليل، فيفتح الذكر في الساعة الأولى، فيمحو ما يشاء ويثبت، ثم ينزل في الساعة الثانية إلى جنة عدن وهي داره التي لم يسكنها غيره، وهي مسكنه، ثم يقول طوبى لمن يسكنك ثم ينزل في الساعة الثالث إلى سماء الدنيا بروحه وملائكته ثم ينتفض فيقول: قومي بعزتي.
قلت: هذا الحديث يرويه زيادة الأنصاري، قال البخاري، هو منكر الحديث وذكر له أهل الحديث هذا الحديث وقال أبو حاتم بن حبان يروي المناكير عن المشاهير، واستحق الترك وقد رواه أبو جعفر بن ابي شيبة فقال فيه: زائدة: وهو غلط إنما هو زيادة ونقول على تقدير الصحة أنها مضافة إليه كما أضيف البيت إليه يقال: هذا بيته وهذا مسكنه، وإنما قلنا هذا لأن السكنى مستحيلة في حقه.
الحديث الخامس والخمسون
روى أبو إمامة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: )وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً وثلاث حثيات من حثياته(.
قلت: الحثية ملئ الكف.
والمراد التقريب بما يعقل لا حقيقة الحثية.
الحديث السادس والخمسون
روى أبو إمامة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: )إن الله يجلس يوم لقيامة على القنطرة الوسطى بين الجنة والنار(.
يرويه عثمان بن أبي عاتكة وقال يحيى: ليس بشيء.
الحديث السابع والخمسون
روى القاضي عن محمد بن كعب القرظي قال: )كان الناس إذا سمعوا القرآن من في الرحمن كأنهم لم يسمعوه قط(.
قال القاضي: ولا يمتنع أن يطلق ألفي عليه.
قلت: واعجباً يعني في الرحمن فمه، فيثبت لله صفة بقول تابعي لا تصح الرواية عنه. هذا من أقبح الأشياء، فإما الحديث الذي سبق عن أبي إمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما تقرب إلي بمثل ما خرج مني.
فالمعنى: خرج عنه، ولا يجوز أن يظن أنه كخروج جسم من جسم لأن الله عز وجل ليس بجسم ولا كلامه جسم.

الحديث الثامن والخمسون
روينا عن سهل بن سعد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: دون الله سبعون ألف حجاب من نور وظلمة وما تسمع من نفس شيئاً من حس تلك الحجب إلا زهقت(.
قلت: هذا حديث لا أصل له. يرويه موسى بن عبيدة، قال أحمد: لا يحل عندي الرواية عنهن قال يحيى: ليس شيء، وموسى يرويه عن عمر بن الحكم قال البخاري: عمر ذاهب الحديث.
الحديث التاسع والخمسون
رواه أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال )إن لله لوحاً، أحد وجهيه درة والآخر ياقوتة، قلمه النور، فيه يخلق وبه يرزق وبه يحيى وبه يميت، ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء في يوم وليلة( قلت: هذا الحديث موضوع، يرويه محمد بن عثمان وهو متروك.
الحديث الستون
روى جابر رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: )إذا رأيتهم الريح فلا تسبوها فإنها من نفس الرحمن، تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب فاسألوا الله خيرها واستعيذوا من شرها(.

ميثاق
27-03-2008, 11:48 PM
اللطائف ابن الجوزي الصفحة : 1

بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ الإمام العالم الحافظ، إمام وقته، وفريد عصره، وعلامة دهره، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي: الحمد لله على ما يوليه، حمدا يرضيه، وصلى الله على من اجتمعت كل المعالم فيه، وقرن اسمه باسم الحق عند الذكر ويكفيه، وعلى آله وأصحابه وتابعيه.
هذا الكتاب رقت عباراته، ودقت إشارته، نثرته عند الإملاء نثرا من فنون، فهو نصيب أكف لا تلتقط الدون، جعلته طرازا على ثوب الوعظ، وفصا لخاتم اللفظ، يعمل في القلب قبل السمع، وغلى الله الرغبة في النفع.
الفصل الأول
?في قوله تعالى هو الأول والآخر
لا بصفة الأول يحكم له مبدأ، ولا بالآخر صار له منتهى، ولا من الظاهر فهم له شح، ولا من الباطن تعطل له وصف، خرست في حضرة القدس صولة لم? وكفت لهيبة الحق كف كيف? وغشيت لأنوار العزة عين عين الفكرة، فأقدام الطلب واقفة على حمى التسليم، جل عن أشباه وأثمال، وتقدس عن أن تضرب له الأمثال،وإنما يقع الإشتباه والإشكال، في حق من له أنداد وأشكال، المشبه ملوثن بفرث التجسيم، والمعطل نجس بدم الجحود، ونصيب المحق من بين فرث ودم لبن خالص، هو المتنزه لا يقال: لم لفعله? ولا متى لكونه? ولا فيم لذاته? ولا كيف لوصفه? ليس في صفاته أين? ولا مما يدخل في أحديته من طالع مرآة صمديته دلته صفاتها على التنزيه، وعلم أنه لا ينطبع فيها شبح الشريك، ولا خيال التشبيه. )تفكروا في آلاء الله ولا تتفكروا في ذات الله فتهلكوا( إذا استقبل الرمد الريح فقد تعرض لزيادة الرمد.
جاء البعوض إلى "سليمان" عليه السلام يشكو من الريح، فاستحضر سليمان الريح، فذهب البعوض، فقال "سليمان" إلى أين? فقال: لو كان لي قوة الثبوت معها ما شكوت منها




الوافي بالوفيات الصفدي الصفحة : 585
المجسم محمد بن كرام بن عراف بن خُرايه الشيخ أبو عبد الله السجستاني الضال المجسم شيخ الكرامية.
سمع الحديث والتفسير،وكان ملبوسه مسك ضان مدبوغ غير مخيط وعلى رأسه قلنسوة بيضاء.
وقد نصب له دكان لبن ويطرح له قطعة فرو فيجلس عليها ويعظ ويذكر ويحدث.
وأثنى عليه ابن خزيمة واجتمع به غير مرة وأبو سعيد الحاكم،قال الشيخ شمس الدين:وهما إماما الفرقين.
مات بالشام في صفر سنة ست وخمسين ومائتين ومكث في سجن نيسابور ثمان سنين ولما مات لم يعلم بموته إلا خاصته ودفن بمقابر الأنبياء عند يحيى وزكريا بالقدس ومات في زغر فحمله أصحابه إلى القدس ولما توفي كان أصحابه في القدس أكثر من عشرين ألفاً على التشقف والتعبد.
وكان نصر بن إبراهيم المقدسي ينكر عليهم ويقول:ظاهر حسن وباطن قبيح.
وكان قد جاور بمكة خمس سنين ثم دخل نيسابور فحبسه محمد بن عبد الله بن طاهر وطالت محنته.
وكان يغتسل كل يوم جمعة ويتأهب للخروج إلى الجامع ويقول للسجان:أتأذن لي في الخروج?فيقول:لا،فيقول:اللهم إني بذلت مجهودي والمنع من غيري.
وكان معه جماعة من الفقراء.ولما أخرج من السجن وعقد له مجلس علم قال له الأمير:من أين لك هذا العلم الذي جئت به?فقال:إلحامٌ ألحمينه الله تعالى-بالحاء المهملة بدلاً من الهاء-فقال له:أتحسن التشهد?فقال:الطحيات لله-بالطاء المهملة-حتى بلغ قوله:السلام عليك أيها النبي ورحمة الله،فأشار إلى إبراهيم بن الحصين فقال له:قطع الله يدك،وأمر به فصفع وأخرج.
وقال ان حبان:كان قد خذل حتى التقط من المذاهب أرداها ومن الأحاديث أوهاها،ثم جالس الجويباري ومحمد بن تميم السعدي ولعلهما قد وضعا على النبي صلى الله عليه وسلم مائة ألف حديث،ثم جالس أحمد بن حرب فأخذ التقشف عنه ولم يحسن العلم ولا الأدب وأكثر كتبه صنفها له مأمون بن أحمد السلمي،ومن مذهبه:الإيمان قول بلا معرفة،ويزعم أن النبي صلى اله عليه وسلم لم يكن حجة على خلقه لن الحجة لا تندرس ولا تموت،ويزعم أن الاستطاعة قبل الفعل،ويجسم الرب جل وعلا،وكان داعيةً إلى البدع يجب ترك حديثه.
وقال صاحب كتاب الفرق الإسلامية:كان محمد بن ركام من الصفاتية المثبتين لصفات الرب تعالى لكنه انتهى فيها إلى الجسيم والتشبيه.
والكرامية فرق يبلغون اثنتي عشرة فرقة لكن أصولها ستة:العائذية والنونية والإسحاقية... و والزرينية والهيصمية وأقربهم الهيصمية،ولكل فرقة رأي في التجسيم والتكييف إلا أنهم لما كانوا أغبياء جهلاء ذهبوا في التجسيم إلى اعتقادات خسيسة تنافي العقل والشرع وتخالفهما ولم يكن فيهم عالم معتبر ولا لهم قاعدة دينية يمكن القول بها في الجملة أعرضنا عن ذكر كل فرقة واكتفينا بنقل مذهب زعيمهم محمد بن كرام إذ كان صاحب مقالاتهم فنقول:نص محمد بن كرام على أن معبوده على العرش مستقر وعلى انه بجهة فوق ذاناً وأطلق عليه اسم الجوهر وأنه مماس للعرش من الصفحة العليا وجوز الانتقال والتحول والنزول،ومن أصحابه من قال:هو على بعض أجزاء العرش،ومنهم من قال:امتلأ به العرش،قلت:تعالى الله الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
وقال الشهرستاني:كان محمد بن كرام قليل العلم قد قمش من كل مذهب ضعفاً وأثبته في كتابه وروجه على أغتام فانتظم ناموسه بسواد خراسان وصار ذلك مذهباً نصره السلطان محمود بن سبكتكين وصب البلاء على أصحاب الحديث من جهتهم انتهى.
وكان قد نفاه الأمير يأنس وكان على الرملة والقدس.
قال ابن الجوزي في المرآة:كان بالقدس رجل يقال له هجام يحب الكرامية ويحسن الظن بهم فنهاه الفقيه نصر بن إبراهيم المقدسي عنهم فقال:إن مالي ما ظهر منهم،فقال له:ظاهر حسن وباطن قبيح،فلما كان بعد ليال رأى هجام في المنام كأنه اجتاز برباطهم وقد نبت النرجس في حيطانه فمد يده ليأخذ طاقة منه فوجد أصوله في العذرة فقص رؤياه على الفقيه نصر فقال له:هذا تصديق ما قلت لك:ظاهرهم حسن وباطنهم خبيث.
وأصحاب ابن كرام اليوم بسجستان وخراسان منهم خلق كثير ولهم معبد زائد ولهم مقالات في التشبيه والحلول انتهى

ميثاق
27-03-2008, 11:48 PM
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب المقري التلمساني الصفحة : 1069

وقد أشار إليه في مأخذ الأربعة، وهو قليل بهذه الديار المشرقية، ولم أر منه بمصر إلا نسخة عند بعض الأصحاب، وذكر أنها من أوقاف رواق المغاربة بالأزهر المعمور، وأما قول لسان الدين في الإحاطة عند تعرضه لذكر تأليف مولاي الجد ما صورته ألف كتاباً يشمل على أزيد من مائة مسألة فقهية، ضمنها كل أصل من الرأي والمباحثة فهو غير القواعد بلا مرية.
ومنها كتاب الطرف والتحف غاية في الحسن والظرف، قاله الونشريسي وقد وقفت على بعضه فرأيت العجب العجاب.
ومنها اختصار المحصل ولم يكمله، وشرحه لجمل الخونجي، كذلك، ومنها كتاب عمل من طب لمن حب وهو بديع في بابه، مشتمل على أنواع: الأول فيه أحاديث حكمية كأحاديث الشهاب وسراج المهتدين لابن العربي، والنوع الثاني منه الكليات الفقهية على جملة أبواب الفقه في غاية الإفادة، والثالث في قواعد وأصول، والرابع في اصطلاحات وألفاظ، قال الونشريسي: وقد أطلعني الفقيه أبو محمد عبد الله بن عبد الخالق على نسخة من هذا الكتاب، فتلطفت في استنساخها، فلم يسمح به؛ انتهى.
قلت: وقد رأيت هذا الكتاب بحضرة فاس عند بعض أولاد ملوك تلمسان وهو فوق ما يوصف، وفيه يقول مولاي الجد رحمه الله تعالى:
هذا كتاب بديع في محـاسـنـه ضمنته كل شيء خلته حسـنـا
فكل ما فيه إن مر اللبـيب بـه ولم يشم عبيراً شام منه سـنـا
فخذه واشدد به كف الضنين وذد، حتى تحصله، عن جفنك الوسنا
وهذه الأبيات كافية في وصف هذا الكتاب، إذ صاحب البيت أدرى بالذي فيه.
نقول من كتاب المحاضرات للمقري الجد ومنها كتاب المحاضرات وفيه من الفوائد والحكايات والإرشادات كثير، وقد ملكت منه بالمغرب نسختين، فلنذكر منه بعض الفوائد، فنقول: قال رحمه الله تعالى: قيل لصوفي: لم تقول الله الله ولا تقول لا إله إلا الله? فقال: نفي العيب حيث يستحيل العيب عيب، وهذا إن لم يكن في هذه الكلمة لأنها أفضل ما قالته الأنبياء فهو في كثير من التنزيه الذي يطلقه المتكلمون وغيرهم، حتى قال الشاشي عنهم: إنهم يتمندلون بأسماء الله عز وجل، ما عرفه من كيفه، ولا وحده من مثله، ولا عبده من شبهه، المشبه أعشى، والمعطل أعمى، المشبه متلوث بفرث التجسيم والمعطل نجس بدم الجحود، ونصيب المحق لبن خالص وهو التنزيه، انزل من علو التشبيه، ولا تعل قلل أباطيل التعطيل، فالوادي المقدس بين الجبلين.
أبو المعالي: من اطمأن إلى موجود انتهى إليه فكره فهو مشبه، ومن سكن إلى النفي المحض فهو معطل، ومن قطع بموجود واعترف بالعجز عن إداراكه فهو موحد:
جل رب الأعراض والأجسـام عن صفات الأعراض والأجسام
جل ربي عن كل ما اكتنفـتـه لحظات الأفـكـار والأوهـام
برئ الله من هـشـام ومـمـن قال في الله مثل قول هـشـام
الدقاق: المريد صاحب وله، لأن المراد بلا شبه، وقيل: مثله الأعلى " ليس كمثله شيء ".
الجنيد: أشرف كلمة في التوحيد قول الصديق: الحمد لله الذي لم يجعل للخلق سبيلاً إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته.
القشيري: يعني أن العارف عاجز عن معرفته، والمعرفة موجودة فيه. غيره: ما عرف الله سوى الله، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك:
كل ما ترتقي إليه بوهـم من جلال وقدرة وسنـاء
فالذي أبدع البرية أعلـى منه، سبحان مبدع الأشياء
سأل المريسي الشافعي عن التوحيد بحضرة الرشيد، فقال: أن لا تتوهمه ولا تتهمه، فأبهت بشر.
الشبلي: من توهم أنه واصل، فليس له حاصل، ومن رأى أنه قريب فهو بعيد، ومن تواجد فهو فاقد، ومن أجاب عن التوحيد بالعبارة فهو غافل، ومن سكت عنه فهو جاهل، ما أرادت همة سالك أن تقف عندما كشف لها إلا نادته هواتف الحقيقة: الذي تطلب أمامك، وما تبرجت ظواهر المكونات إلا نادتك حقائقها: إنما نحن فتنة فلا تكفر:
ما ينتهي نظري منهم إلى رتـب في الحسن إلا ولاحت فوقها رتب
الجريري: ليس العلم التوحيد إلا لسان التوحيد.
الحسن: العجز عن درك الإدراك إدراك.
تبارك الله وارت غيبه حجب فليس يعرف إلا الله ما الله

ميثاق
27-03-2008, 11:49 PM
الملل والنحل الشهرستاني الصفحة : 19

أعلم أن جماعة كثيرة من السلف كانوا يثبتون لله تعالى صفات أزلية من العلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، والجلال، والإكرام والجود، والإنعام، والعزة، والعظمة؛ ولا يفرقون بين صفات الذات، وصفات الفعل؛ بل يسوقون الكلام سوقا واحداً. وكذلك يثبتون صفات خبرية؛ مثل: اليدين، والوجه؛ ولا يؤولون ذلك؛ إلا أنهم يقولون: هذه الصفات قد وردت في الشرع، فنسميها: صفات خبرية. ولم كانت المعتزلة ينفون الصفات والسلف يثبتون؛ سمى السلف: صفاتية، والمعتزلة: معطلة؛ فبالغ بعض السلف في إثبات الصفات إلى حد التشبيه بصفات المحدثات، واقتصر بعضهم على صفات دلت الأفعال عليها، وما ورد به الخبر فافترقوا فيه فرقتين؛ فمنهم من أوله على وجه يحتمل اللفظ ذلك، ومنهم من توقف في التأويل؛ وقال: عرفنا بمقتضى العقل أن الله تعالى ليس كمثله شيء. فلا يشبه شيئاً من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها، وقطعنا بذلك؛ إلا أنا لا نعرف معنى اللفظ الوارد فيه؛ مثل قوله تعالى:" الرحمن على العرش استوى" ومثل قوله:" خلقت بيدي" ومثل قوله:" وجاء ربك إلى غير ذلك" ولسنا مكلفين بمعرفة تفسير هذه الآيات وتأويلها، بل التكليف قد ورد بالاعتقاد بأنه: لا شريك له، وليس كمثله شيء؛ وذلك قد أثبتناه يقيناً. ثم إن جماعة من المتأخرين زادوا على ما قاله السلف؛ فقالوا: لابد من إجرائها على ظاهرها، والقول بتفسيرها كما وردت من غير تعرض للتأويل ولا توقف في الظاهر؛ فوقعوا في التشبيه الصرف، وذلك على خلاف ما أعتقده السلف. ولقد كان التشبيه صرفاً خالصاً في اليهود، لا في كلهم، بل في القرائين منهم؛ إذ وجدوا في التوراة ألفاظاً كثيرة تدل على ذلك. ثم الشيعة في هذه الشريعة وقعوا في غلو وتقصير: أما الغلو؛ فتشبيه بعض أئمتهم بالإله تعالى وتقدس، وأما التقصير؛ فتشبيه الغلة بواحد من الخلق. ولما ظهرت المعتزلة والمتكلمون من السلف رجعت بعض الروافض عن الغلو والتقصير، ووقعت في الاعتزال، وتخطت جماعة من السلف إلى التفسير الظاهر؛ فوقعت في التشبيه.
وأما السلف الذين لم يتعرضوا للتأويل، ولا تهدفوا للتشبيه؛ فمنهم: مالك ابن أنس رضي الله عنهما؛ إذ قال: الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. ومثل أحمد بن حنبل رحمه الله. وسفيان الثوري، وداود بن علي الأصفهاني، ومن تابعهم.
حتى انتهى الزمان إلى: عبد الله بن سعيد الكلابي، وأبي العباس القلانسي، والحارث بن أسد المحاسبي؛ وهؤلاء كانوا من جملة السلف؛ إلا أنهم باشروا علم الكلام، وأيدوا عقائد السلف بحجج كلامية وبراهين أصولية، وصنف بعضهم ودرس بعض... حتى جرى بين أبي الحسن الأشعري وبين أستاذه مناظرة في مسألة من مسائل الصلاح والأصلح فتخاصما؛ واحاز الأشعري إلى هذه الطائفة، فأيد مقالتهم بمناهج كلامية، وصار ذلك مذهباً لأهل السنة والجماعة. وانتقلت سمة الصفاتية إلى الاشعرية. ولما كانت المشبهة والكرامية: من مثبتي الصفات؛ عددناهم: فرقتين من جملة الصفاتية.
الأشعرية أصحاب أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، المنتسب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما. وسمعت من عجيب الاتفاقات أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه كان يقرر عين ما يقرر الأشعري أبو الحسن في مذهبه. وقد جرت مناظرة بين عمرو بن العاص وبينه: فقال عمرو: أين أجد أحداً أحاكم إليه ربي? فقال أبو موسى: أنا ذلك المتحاكم إليه، فقال عمرو: أو يقدر على شيئاً ثم يعذبني عليه? قال: نعم، قال عمرو: ولم? قال: لا يظلمك، فسكت عمرو ولم يحر جواباً.


الملل والنحل الشهرستاني الصفحة : 24

وقال: الإمامة تثبت باتفاق والاختيار، دون النص والتعيين؛ إذ لو كان ثم نص لما خفي، والدواعي تتوفر على نقله. واتفقوا في سقيفة بني ساعدة على أبي بكر رضي الله عنه، ثم اتفقوا بعد تعيين أبي بكر على عمر رضي الله عنه، واتفقوا بعد الشورى على عثمان رضي الله عنه. واتفقوا بعده على علي رضي الله عنه. وهم مترتبون في الفضل ترتبهم في الإمامة.
وقال: لا نقول في عائشة وطلحة والزبير: إلا أنهم رجعوا عن الخطأ، والزبير من العشرة الأوائل المبشرين بالجنة. ولا نقول في حق معاوية وعمرو بن العاص: إلا أنهما بغيا على الإمام الحق؛ فقاتلهم علي مقاتلة أهل البغي. وأما أهل النهران فهم الشراة المارقون على الدين؛ بخبر النبي صلى الله عليه وسلم. ولقد كان علي رضي الله عنه على الحق في جميع أحواله؛ يدور الحق معه حيث دار.
المشبهة أعلم أن السلف من أصحاب الحديث لما رأوا توغل المعتزلة في علم الكلام ومخالفة السنة التي عهدوها من الأئمة الراشدين، ونصرهم: جماعة من أمراء بني أمية على قولهم بالقدر، وجماعة من خلفاء بني العباس؛ على قولهم بنفي الصفات وخلق القرآن... تحيروا في تقرير مذهب أهل السنة والجماعة في متشابهات: آيات الكتاب الحكيم، وأخبار النبي الأمين صلى الله عليه وسلم.
فأما أحمد بن حنبل وداود بن علي الأصفهاني وجماعة من أئمة السلف فجروا على منهاج السلف المتقدمين عليهم من أصحاب الحديث؛ مثل: مالك بن أنس ومقاتل إ بن سليمان، وسلكوا طريق السلامة؛ فقالوا: نؤمن بما ورد به الكتاب والسنة ولا نتعرض للتأويل؛ بعد أن نعلم قطعاً أن الله عز وجل لا يشبه شيئاً من المخلوقات، وأن كل ما تمثل في الوهم فإنه خالقه ومقدوره. وكانوا يحترزون عن التشبيه إلى غاية أن قالوا: من حرك يده عند قراءة له تعالى: :"خلقت بيدي"، أو أشار بإصبعيه عند روايته: قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن... وجب قطع يده، وقلع إصبعيه. وقالوا: إنما توقفنا في تفسير الآيات وتأويلها؛ لأمرين: أحدهما: المنع الوارد في التنزيل في قوله تعالى:" فأما اللذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا، وما يذكر إلا أولو الألباب"؛ فنحن نحترز عن الزيغ.
والثاني: أن التأويل أمر مظنون بالاتفاق، والقول في صفات الباري بالظن غير جائز، فربما أولنا الآية على غير مراد الباري تعالى فوقعنا في الزيغ؛ بل نقول كما قال الراسخون في العلم: كل من عند ربنا: آمنا بظاهره، وصدقنا بباطنه، ووكلنا علمه إلى الله تعالى، ولسنا مكلفين بمعرفة ذلك؛ إذ ليس ذلك من شرائط الإيمان وأركانه. واحتاط بعضهم أكثر احتياط؛ حتى لم يقرأ: اليد بالفارسية ولا الوجه، ولا الاستواء، ولا ما ورد من جنس ذلك. بل إن احتاج في ذكرها إلى عبارة عبر عنها بما ورد: لفظا بلفظ. فهذا هو طريق السلامة، وليس هو من التشبيه في شيء.
غير أن جماعة من الشيعة الغالية وجماعة من أصحاب الحديث الحشوية صرحوا بالتشبيه؛ مثل: الهشاميين من الشيعة، ومثل: مضر، وكهمس، وجهم الهخيمي وغيرهم من الحشوية؛ قالوا: معبودهم على صورة؛ ذات أعضاء وأبعاض: إما روحانية، وأما جسمانية. ويجوز عليه : الانتقال، والنزول، والصعود، والاستقرار، والتمكن


الملل والنحل الشهرستاني الصفحة : 25
وأما مشبهة الحشوية؛ فحكى الأشعري عن محمد بن عيسى، أنه حكى عن: مضر، وكهمس، وأحمد الهجيمي: أنهم أجازوا على ربهم: الملامسة، والمصافحة، وأن المسلمين المخلصين يعانقونه في الدنيا ز الآخرة؛ إذا بلغوا في الرياضة والاجتهاد إلى حد الإخلاص والاتحاد المحض. وحكى الكعبي عن بعضهم: أنه كان يجوز الرؤية في دار الدنيا، وأن يزوروه، ويزورهم. وحكى عن داود الجواربي أنه قال: إعفوني عن الفرج واللحية واسألوني عما وراء ذلك. وقال: إن معبوده: جسم، ولحم، ودم؛ وله جوارح، وأعضاء، من: يد، ورجل، ورأس، ولسان، وعينين، وأذنين؛ ومع ذلك: جسم لا كالأجسام، ولحم لا كاللحوم، ودم لا كالدماء؛ وكذلك سائر الصفات وهو: لا يشبه شيئاً من المخلوقات، ولا يشبهه شيء. وحكى عنه أنه قال: هو: أجوف من أعلاه إلى صدره، مصمت ما سوى ذلك؛ وأن له وفرة سوداء وله شعر قطط. وأما ما ورد في التنزيل من: اللإستواء، والوجه، واليدين، والجنب، والمجيء، والإتيان، والفوقية... وغير ذلك؛ فأجروها على ظاهرها، أعني ما يفهم عند الإطلاق على الأجسام. وكذلك ما ورد في الأخبار من الصورة وغيرها في قوله عليه السلام:" خلق آدم على صورة الرحمن"، وقوله:" وضع يده أو كفه على كتفي"، وقوله:" حتى وجدت برد أنامله على كتفي"... إلى غير ذلك.. اجروها على ما يتعارف في صفات الأجسام. وزادوا في الأخبار أكاذيب وضعوها ونسبوها إلى النبي عليه السلام، وأكثرها مقتبسة من اليهود؛ فإن التشبيه فيهم طباع، حتى قالوا: اشتكت عيناه فعادته الملائكة، وبكى على طوفان نوح حتى رمدت عيناه، وإن العرش ليئط من تحته كأطيط الحل الجديد، وإنه ليفضل من كل جانب أربع أصابع. وروى المشبهة عن النبي عليه السلام أنه قال:" لقيني ربي؛ فصافحني، وكافحني، ووضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله". وزادوا على التشبيه قولهم في القرآن: إن الحروف والأصوات والرقوم المكتوبة قديمة أزلية؛ وقالوا: لا يعقل كلام بحروف ولا كلم، واستدلوا بأخبار؛ منها ما رووا عن النبي عليه السلام: ينادي الله تعالى يوم القيامة بصوت يسمعه الأولون والآخرون ورووا: أن موسى عليه السلام كان يسمع كلام الله كجر السلاسل. قالوا: وأجمعت السلف على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال هو مخلوق فهو كافر بالله، ولا نعرف من القرآن إلا ما هو بين أظهرنا؛ فنبصره، ونسمعه، ونقرؤه، ونكتبه. والمخالفون في ذلك: أما المعتزلة؛ فوافقونا على أن هذا الذي في أيدينا كلام الله، وخالفونا في القدم؛ وهم محجوجون بإجماع الأمة. وأما الأشعرية؛ فوافقونا على أن القرآن قديم، وخالفونا في أن الذي في أيدينا كلام الله؛ وهم محجوجون أيضاً بإجماع الأمة: أن المشار غليه هو كلام الله. فأما إثبات كلام، هو صفة قائمة بذات الباري تعالى: لا نبصرها، ولا نكتبها، ولا نقرؤها، ولا نسمعها؛ فهو مخالفة الإجماع من كل وجه. فنحن نعتقد: أن ما بين الدفتين كلام الله، أنزله على لسان جبريل عليه السلام؛ فهو: المكتوب في المصاحف، وهو المكتوب في اللوح المحفوظ، وهو الذي يسمعه المؤمنون في الجنة من الباري تعالى بغير حجاب ولا واسطة؛ وذلك معنى قوله تعالى:" سلام قولاً من رب رحيم"؛ وهو قوله تعالى لموسى عليه السلام:" يا موسى إني أنا الله رب العالمين"، ومناجاته من غير واسطة حتى قال تعالى:" وكلم الله موسى تكليما"، وقال:" إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي". وروى عن النبي علليه السلام أنه قال:" إن الله تعالى كتب التوراة بيده، وخلق جنة عدن بيده، وخلق آدم بيده". وفي التنزيل: وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء. قالوا: فنحن لا نريد من أنفسنا شيئاً، ولا نتدارك بعقولنا أمراً لم يتعرض له السلف؛ قالوا: ما بين الدفتين كلام لله، قلنا: هو كذلك؛ واستشهدوا عليه بقوله تعالى:" وإن أحداً من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله"، ومن المعلوم: أنه ما سمع إلا هذا الذي نقرؤه. وقال تعالى:" إنه لقرآن كريم، في كتاب مكنون، لا يمسه إلا المطهرون، تنزيل من رب العالمين".
وقال:" في صحف مكرمة، مرفوعة مطهرة، بأيدي سفرة، كرام بررة". وقال:" إنا أنزلناه في ليلة القدر". وقال:" شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن"... إلى غير ذلك من الآيات

ميثاق
27-03-2008, 11:50 PM
الملل والنحل الشهرستاني الصفحة : 26
ومن المشبهة من مال إلى مذهب الحلولية؛ وقال: يجوز أن يظهر الباري تعالى بصورة شخص، كما كان جبريل عليه السلام ينزل في صورة أعرابي، وقد تمثل لمريم بشراً سوياً، وعليه حمل قول النبي عليه السلام" رأيت ربي في أحسن صورة". وفي التوراة عن موسى عليه السلام: شافهت الله تعالى فقال لي: كذا. والغلاة من الشيعة مذهبهم الحلول. ثم الحلول: قد يكون بجزء، وقد يكون بكل؛ على ما سيأتي في تفصيل مذاهبهم إن شاء الله تعالى.
الكرامية أصحاب أبي عبد الله محمد بن كرام، وإنما عددناه من الصفاتية؛ لأنه كان ممن يثبت الصفات، غلا أنه ينتهي فيها إلى التجسيم والتشبيه. وقد ذكرنا: كيفية خروجه، وانتسابه إلى أهل السنة؛ فيما قدمناه ذكره.
وهم طوائف بلغ عددهم إلى اثنتي عشرة فرقة، وأصولها ستة: العابدية والتونية، والزرينية، والإسحاقية، والواحدية، وأقربهم: الهيصمية. ولكل واحدة منهم رأي؛ إلا أنه لما يصدر ذلك من علماء معتبرين بل عن سفهاء أغتام جاهلين لم نفردها مذهباً، وأوردنا مذهب صاحب المقالة، أشرنا إلى ما يتفرع منه.
نص أبو عبد الله، على أن معبوده على العرش استقراراً، وعلى أنه بجهة فوق ذاتاً. وأطلق عليه اسم الجوهر؛ فقال في كتابه المسمى عذاب القبر: إنه إحدى الذات، إحدى الجوهر، وغناه مماس للعرش من الصفحة العليا. وجوز: وقال بعضهم: امتلأ العرش به. وصار المتأخر ون منهم: إلى أنه تعالى بجهة فوق، وأنه محاذ للعرش. ثم اختلفوا: فقالت العابدية: إن بينه وبين العرش من البعد والمسافة لو قدر مشغولا بالجواهر لاتصلت به. وقال محمد بن الهيصم: إن ابنه وبين العرش بعداً لا يتناهى، وإنه مباين للعالم بينوية أزلية. ونفى التحيز والمحاذاة، وأثبت الفوقية والمباينة. وأطلق أكثرهم لفظ الجسم عليه.
والمقاربون منهم قالوا: نعني بكونه جسماً: أنه قائم بذاته؛ وهذا هو حد الجسم عندهم. وبنوا على هذا أن من حكم القائلين بأنفسهما: أن يكونا متجاورين أو متباينين؛ فقضى بعضهم بالتجاور مع العرش وحكم بعضهم بالتباين. وربما قالوا: كل موجودين فإما أن يكون أحدهما بحيث الآخر كالعرض مع الجوهر وإما أن يكون بجهة منه، والباري تعالى ليس بعرض إذ هو قائم بنفسه؛ فيجب أن يكون بجهة من العالم، ثم أعلى الجهات وأشرفها جهة فوق؛ فقلنا هو بجهة فوق الذات حتى إذا رئي رئي من تلك الجهة ثم لهم اختلافات في النهاية؛ فمن المجسمة من أثبت النهاية له من ست جهات، ومنهم من أثبت النهاية له من جهة تحت، ومنهم من أنكر النهاية له فقال: هو عظيم. ولهم في معنى العظمة خلاف؛ والعرش تحته وهو فوق كله على الوجه الذي هو فوق جزء منه، وقال بعضهم: معنى عظمته أنه يلاقي مع وحدته من جهة واحدة أكثر من واحد؛ وهو يلاقي جميع أجزاء العرش ؛ وهو العلي العظيم. ومن مذهبهم جميعاً: جواز قيام كثير من الحوادث بذات الباري تعالى. ومن أصلهم: أن ما يحدث في ذاته؛ فإنما يحدث بقدرته، وما يحدث مبايناً لذاته؛ فغنما يحدث بقدرته من الأقوال والإرادات؛ ويعنون بالمحدث: ما باين ذاته من الجواهر والأعراض. ويفرقون بين الخلق والمخلوق، والإيجاد والموجود والموجد، وكذلك بين الإعدام والمعدوم: فالمخلوق: إنما يصير معدوماً بالإعدام الواقع في ذاته بالقدرة. وزعموا: أن في ذاته سبحانه حوادث كثيرة؛ مثل: الإخبار عن الأمور الماضية والآتية، والكتب المنزلة على الرسل عليهم السلام، والقصص، والوعد والوعيد والأحكام؛ ز من ذلك المسمعات والمبصرات فيما يجوز أن يسمع ويبصر. والإيجاد والإعدام: هو القول بالإرادة؛ وذلك قوله: كن للشيء الذي يريد كونه. وإرادته لوجود ذلك الشيء؛ وقوله للشيء كن صورتان


الملل والنحل الشهرستاني الصفحة : 28

وزعم ابن الهيصم: أن الذي أطلقه المشبهة على الله عز وجل من الهيئة والصورة، والجوف، والاستدارة، والوفرة، والمصافحة، والمعانقة، ونحو ذلك... لا يشبه سائر ما أطلقه الكرامية من : أنه خلق آدم بيده، وأنه استوى على عرشه، وأنه يجيء يوم القيامة لمحاسبة الخلق. وذلك أنا لا نعتقد من ذلك شيئاً على معنى فاسد: من جارحتين وعضوين؛ تفسيراً لليدين؛ ولا مطابقة للمكان واستقلال العرش بالرحمن؛ تفسيراً للاستواء، ولا تردداً في الأماكن التي تحيط به؛ تفسيراً للمجيء، وإنما ذهبنا في ذلك على إطلاق ما أطلقه القرآن فقط من غير تكييف وتشبيه، وما لم يرد به القرآن والخبر فلا نطلقه كما أطلقه سائر المشبهة والمجسمة.
وقال الباري تعالى عالم في الأزل بما سيكون على الوجه الذي يكون، وشاء لتنفيذ علمه في معلوماته فلا ينقلب علمه جهلاً، ومريد لما يخلق في الوقت الذي يخلق بإرادة حادثة، وقائل لكل ما يحدث بقوله كن حتى يحدث؛ وهو الفرق بين الإحداث والمحدث، والخلق والمخلوق. وقال: نحن نثبت القدر خيره وشره من الله تعالى، وأنه: أراد الكائنات كلها خيرها وشرها؛ وخلق الموجودات كلها حسنها وقبيحها. في إثبات فائدة زائدة على كونه مفعولاً مخلوقاً للباري تعالى؛ تلك الفائدة هي مورد التكليف والمورد هو المقابل بالثواب والعقاب.
واتفقوا على أن العقل يحسن ويقبح قبل الشرع، وتجب معرفة الله تعالى بالعقل كما قالت المعتزلة؛ إلا أنهم لم يثبتوا رعية الصلح ة الأصلح واللطف عقلاً؛ كما قالت المعتزلة. وقالوا: الإيمان هو الإقرار باللسان فقط؛ دون التصديق بالقلب. ودون سائر الأعمال. وفرقوا بين تسمية المؤمن مؤمناً؛ فيما يرجع إلى أحكام الظاهر والتكليف، وفيما يرجع إلى أحكام الآخرة والجزاء؛ فالمنافق عندهم: مؤمن في الدنيا على الحقيقة، مستحق للعقاب الأبدي في الآخرة. وقالوا في الإمامة: إنها تثبت بإجماع الأمة دون النص والتعيين؛ كما قال أهل السنة. إلا أنهم جوزوا عقد البيعة لإمامين في قطرين، وغرضهم: إثبات إمامة معاوية في الشام باتفاق جماعة من أصحابه، وإثبات أمير المؤمنين علي بالمدينة والعراقيين باتفاق جماعة من أصحابه. ورأوا تصويب معاوية فيما استبد به من الأحكام الشرعية: قتالاً على طلب قتله عثمان رضي الله عنه، واستقلالاً ببيت المال. ومذهبهم الأصلي اتهام علي رضي الله عنه في الصبر على ما جرى مع عثمان رضي الله عنه والسكوت عنه؛ وذلك: عرق نزع.
الباب الرابع
الخوارج
الخوارج، والمرجئة، والوعيدية: كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى: خارجياً؛ سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين، أو كان بعدهم على التابعين بإحسان؛ والأئمة في كل زمان.
والمرجئة: صف آخر تكلموا في الإيمان والعمل؛ إلا أنهم وافقوا الخوارج في بعض المسائل التي تتعلق بالإمامة.
والمعيدية: داخلة في الخوارج وهم القائلون: بتكفير صاحب الكبيرة، وتخليده في النار؛ فذكرنا مذاهبهم في أثناء مذاهب الخوارج.
اعلم أن أول من خرج على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه جماعة ممن كان معه في حرب صفين، وأشدهم خروجاً عليه ومروقاً من الدين: الأشعث ابن قيس الكندي، ومسعر بن فدكي التميمي، وزيد بن حصين الطائي؛ حين قالوا: القوم يدعوننا إلى كتاب الله، وأنت تدعونا إلى السيف!... حتى قال: أنا أعلم بما في كتاب الله! انفروا إلى بقية الأحزاب! انفروا إلى من يقول: كذب الله ورسوله، وأنتم تقولوا: صدق الله ورسوله قالوا: لترجعن الأشتر عن قتال المسلمين؛ وإلا فعلنا بك مثل ما فعلنا بعثمان؛ فاضطر إلى رد الأشتر بعد أن هزم الجمع، وولوا مدبرين، وما بقي منهم إلا شرذمة قليلة فيها حشاشة قوة؛ فامتثل الأشتر أمره. وكان من أمر الحكمين: أن الخوارج حملوه على التحكيم أولاً، وكان يريد أن يبعث عبد الله بن عباس رضي الله عنه، فما رضي الخوارج بذلك؛ وقالوا؛ هو منك، وحملوه على بعث أبو موسى الأشعري على أن يحكم بكتاب الله تعالى، فجرى الأمر على خلاف ما رضي به؛ فلما لم يرض بذلك خرجت الخوارج عليه؛ وقالوا: لم حكمت الرجال!? لا حكم غلا لله. وهم المارقون الذين اجتمعوا بالنهر وان.
وكبار الفرق منهم: المحكمة والأزارقة، والنجدات، والبهسية، والعجاردة، والثعالبة، والإباضية، والصفرية؛ والباقون فروعهم

ميثاق
27-03-2008, 11:50 PM
الملل والنحل الشهرستاني الصفحة : 61
ثم اختلف أهل الأصول في تصويب المجتهدين في الأصول والفروع. فعامة أهل الأصول على أن الناظر في المسائل الأصولية، والأحكام العقلية اليقينية القطعية : يجب أن يكون متعين الغصابة؛ فالمصيب فيها واحد بعينه. ولا يجوز أن يختلف المختلفان في حكم عقلي حقيقة الإختلاف: بالنفي والإثبات، على شرط التقابل المذكور؛ بحيث ينفي أحدهما ما يثبته الآخر بعينه، من الوجه الذي يثبته،في الوقت الذي يثبته إلا وأن يقتسما: الصدق والكذب، والحق والباطل؛ سواء كان الإختلاف: بين أهل الأصول في الإسلام، أو بين أهل الإسلام وبين أهل الملل والنحل الخارجة عن الإسلام؛ فإن المختلف فيه: لا يحتمل توارد الصدق والكذب، والصواب والخطإ عليه في حالة واحدة. وهو مثل قول أحد المخبرين: زيد في هذه الدار في هذه الساعة؛ فإنا نعلم قطعاً: أن أحد المخبرين صادق،و الآخر كاذب؛ لأن المخبر عنه لا يحتمل اجتماع الحالتين فيه معاً؛ فيكون زيد في الدار، ولا يكون في الدارز لعمري! قد يختلف المختلفان في حكم عقلي في مسألة، ويكون محل الإختلاف مشتركاً، وشرط القضيتين نافذاً؛ فحينئذ يمكن أن يصوب المتنازعتان؛ ويرتفع النزاع بينهما برفع الإشتراك، أو يعود النزاع إلى أحد الطرفين: مثال ذلك: المختلفان في مسالة الكلام؛ ليسا يتواردان على معنى واحد بالنفي والإثبات فغن الذي قال: هو مخلوق، أراد به: أن الكلام هو الحروف والأصوات في اللسان، والرقوم والكلمات في الكتابة؛ قال: وهذا مخلوق. والذي قال: ليس بمخلوق، لم يرد به الحروف والرقوم، وإنما أراد به معنى آخر؛ فلم يتواردا بالتنازع في الخلق على معنى واحد.
وكذلك في مسألة الرؤية فإن النافي قال: الرؤية غنما هي: اتصال شعاع بالمرئي، وهو لا يجوز في حق الباري تعالى. فلم يتوارد النفي والغثبات على معنى واحد؛ ألا إذا رجع الكلام إلى إثبات حقيقة الرؤية فيتفقان أولاً على أنها ما هي? ثم يتكلمان: نفياًن وإثباتاً.
وكذلك في مسألة الكلام يرجعان إلى إثبات ماهية الكلام، ثم يتكلمان:نفياً، وغثباتاً؛ وإلا فيمكن أن تصدق القضيتان.
وقد صار أبو الحسن العنبري إلى أن كل مجتهد ناظر في الأصول مصيب؛ لأنه أدى ما كلف به من المبالغة في تسديد النظر في المنظور فيه، وإن كان متعيناً: نفياً، وإثباتاً؛ إلا انه أصاب من وجه. وإنما ذكر هذا في الإسلاميين من الفرقن وأما الخارجون عن الملة؛ فقد تقررت النصوص والغجماع على كفرهم، وخطئه. وكان سياق مذهبه يقتضي تصويب كل مجتهد على الإطلاق؛ إلا أن النصوص والإجماع صدته عن تصويب كل ناظر، وتصديق كل قائل.
وللاصوليينك خلاف في تكفير أهل الأهواء، مع قطعهم بأن المصيب واحد بعينه؛ لأن التكفير: حكم شرعي، والتصويب: حكم عقلي؛ فمن مبالغ متعصب لمذهبه: كفر وضلل مخالفه، ومن متسائل متألف: لم يكفر. ومن كفر: قرن كل مذهب ومقالة واحد من أهل الأهواء والملل؛ كتقرين القدرية بالمجوس، وتقرين المشبهة باليهود، وتقرين الرافضة بالنصارى؛ وأجرى حكم هؤلاء فيهم من المناكحةو أكل الذبيحة.
ومن تساهل؛ ولم يكفر: قضى بالتضليل، وحكم بأنهم هلكى في الآخرة. واختلفوا في اللعن على حسب اختلافهم في التكفير والتضليل.
وكذلك من خرج على الإمام الحق بغياً وعدواناً؛ فغن كان صدر خروجه: عن تأول وإجتهاد، سمي: باغياً: مخطئاً. ثم البغي: هل يوجب اللعن?؛ فعند أهل السنة: إذا لم يخرج بالبغي عن الإيمان؛ لم يستوجب اللعن...
وعند المعتزلة: يستحق اللعن بحكم فسقه؛ والفاسق خارج عن الإيمان... وإن كان صدر خروجه عن: البغي، والحسد، والمروق عن الدين فإجماع المسلمين؛ استحق: اللعن باللسان، والقتل بالسيف والسنان.


تاريخ الإسلام الذهبي الصفحة : 3198
قال الغزالي رحمه الله: قد وجدت في أسماء الله كتاباً ألّفه أبو محمد بن حزم الأندلسي يدل على عِظم حِفظه وسَيَلان ذهنه.
وقال أبو القاسم صاعد بن أحمد: كان ابن حزمٍ أجمع أهل الأندلس قاطبة لعلوم الإسلام، وأوسعهم معرفة مع توسّعه في علم اللسان، ووفور حظّه من البلاغة والشعر، والمعرفة مع بالسير والأخبار. أخبرني ابنه الفضل أنه اجتمع عنده بخط أبيه محمد من تأليفه نحو أربعمائة مجلد، تشتمل على قريب من ثمانين ألف ورقة.
وقال الحميدي: كان ابن حزم حافظاً للحديث وفقهه، مستنبطاً للأحكام من الكتاب والسنة، متفنناً في علوم جمة، عاملاً بعلمه. وما رأينا مثله فيما اجتمع له مع الذكاء، وسرعة الحفظ، وكرم النفس والتديّن. وكان له في الآداب والشعر نفس واسع، وباع طويل. وما رأيت من يقول الشعر على البديه أسرع منه. وشعره كثير جمعته على حروف المعجم.
وقال أبو القاسم صاعد: كان أبوه أبو عمر من وزراء المنصور محمد بن أبي عامر، مدبّر دولة المؤيد بالله بن المستنصر، ثم وزر للمظفّر بن المنصور. ووزر أبو محمد للمستظهر بالله عبد الرحمن بن هشام، ثم نبذ هذه الطريقة، وأقبل على العلوم الشرعية، وعُني بعلم المنطق، وبرع فيه، ثم أعرض عنه وأقبل على علوم الإسلام حتى نال من ذلك ما لم ينله أحد بالأندلس قبله.
وقد حطّ أبو بكر بن العربي في كتاب "القواصم والعواصم" على الظاهرية فقال: هي أمة سخيفة، تسوّرت على مرتبة ليست لها، وتكلّمت بكلامٍ لم تفهمه تلقفوه من إخوانهم الخوارج حين حكّم علي يوم صفّين فقال: لا حكم إلا لله. وكانت أول بدعة لقيت في رحلتي القول بالباطن، فلما عدت وجدت القول بالظاهر قد ملأ به المغرب سخيف كان من بادية إشبيلية يُعرف بابن حزم، نشأ وتعلّق بمذهب الشافعي، ثم انتسب إلى داود، ثم خلع الكل، واستقل بنفسه وزعم أنه إمام الأمة، يضع ويرفع، ويحكم ويُشرّع، ينسب إلى دين الله ما ليس فيه، ويقول عن العلماء ما لم يقولوا تنفيراً للقلوب عنهم. وخرج عن طريق المشبَّهة في ذات الله وصفاته، فجاء فيه بطَوامٍّ، واتفق كونه بين قوم لا بصر لهم إلا بالمسائل، فإذا طالبهم بالدليل كاعوا، فتضاحك مع أصحابه منهم. وعضدته الرئاسة بما كان عنده من أدب، وبشُبَهٍ كان يوردها على الملوك، فكانوا يحملونه ويحمونه بما كان يلقي إليهم من شُبه البدع والشرع






تاريخ الإسلام الذهبي الصفحة : 3605

-علي بن القاسم بن محمد.
أبو الحسن التميمي، المغربي، القسنطيني، والأشعري، المتكلم.
سمع بدمشق البخاري من الفقيه نصر المقدسي.
وأخذ الكلام عن أبي عبد الله محمد بن عتيق القيرواني.
ورحل إلى العراق.
وله تصنيف سماه تنزيه الإلهية وكشف فضائح المشبهة المشوية، خرج فيه عن قشوره.
قال ابن عساكر: وكان يذكر عنه أنه يعمل الكيميا الفضة.
توفي بدمشق.



مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة حوادث الزمان اليافعي الصفحة : 734
فيها وقعت فتنة شيخ الحنابلة ابن تيمية، وسؤالهم عن عقيدته، وعقدوا له ثلاث مجالس، وقرنت عقيدته الملقبة بالواسطية وضايقوه، وثارت غوغاء الفقهاء له وعليه، ثم إنه طلب على البريد إلى مصر، وأقيمت عليه دعوى عند قاضي المالكية، فاستخصمه ابن تيمية المذكور، وقاموا، فسجن هو وأخوه بضعة عشر يوماً، ثم أخرج، ثم حبس بحبس الحاكم، ثم أبعد إلى الإسكندرية، فلما تمكن السلطان سنة تسع طلبه، فاحترمه وصالح بينه وبين الحاكم، وكان الذي ادعى به عليه بمصر أنه يقول: إن الرحمن على العرش استوى حقيقة، يتكلم بحرف وصوت، ثم نودي بدمشق وغيرها من كان على عقيدة ابن تيمية حل ماله ودمه.


الطبقات الكبرى الشعراني الصفحة : 5

إذ الوالي قط لا يأتي بشرع جديد، وإنما يأتي بالفهم الجديد في الكتاب، والسنة الذي لم يكن يعرف لأحد قبله، ولذلك يستغربه كل الاستغراب من لا إيمان له بأهل الطريق، ويقول: هذا لم يقله أحد، على وجه الذم، وكان الأولى أخذه منه على وجه الاعتقاد واستفادته من قائله، ومن كان شأنه الإنكار لا ينتفع بأحد من أولياء عصره، وكفى بذلك خسراناً مبيناً، وربما يفهم المعترض من اللفظ ضد ما قصده لافظه، كما وقع لشخص من علماء بغداد أنه خرج يوماً إلى الجامع فسمع شخصاً من شربة الخمر ينشد:
إذا العشرون من شعبان ولـت قواصل شرب ليلك بالنهـار
ولا تشرب بأقـداح صـغـار فإن الوقت ضاق عن الصغار
فخرج هائماً على وجهه للبراري إلى مكة، فلم يزل على ذلك الحال إلى أن مات، فما منع من سماع الأشعار، والتغزلات، إلا المحجوب الذي لم يفتح الله تعالى على عين فهم قلبه، إذ لو فتح الله تعالى على عين فهم قلبه، لنظر بصفاء الهمة، وسمع بثاقب الفهم، ونور المعرفة وأخذ الإشارة من معاني الغيب واتبع أحسن القول بحسب ما سبق إلى سره قال تعالى: "فبشر عبادِ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب" الزمر: 17،18. قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه، ولقد ابتلى الله هذه الطائفة الشريفة بالخلق خصوصاً أهل الجدال فقل أن تجد منهم أحداً شرح الله صرده للتصديق بولي معين، بل يقول لك: نعم نعلم أن لله تعالى أولياء وأصفياء موجودين، ولكن أين هم فلا تذكر لهم أحداً، إلا أخذ يدفعه، ويرد خصوصية الله تعالى له، ويطلق اللسان بالاحتجاج، على كونه غير ولي لله تعالى وغاب عنه أن الولي لا يعرف صفاته إلا الأولياء، فمن أين لغير الولي نفي الولاية عن إنسان.
ما ذاك إلا محض تعصب، كما نرى في زماننا هذا من إنكار ابن تيمية علينا، وعلى إخواننا من العارفين، فاحذر يا أخي ممن كان هذا وصفه وفر من مجالسته فرارك من السبع الضاري جعلنا الله وإياكم من المصدقين لأوليائه المؤمنين بكراماتهم بمنه وكرمه انتهى.
وحكى الموصلي في كتاب مناقب الأبرار عن الفضيل بن عياض رضي الله عنه، أنه كان يقول: إياك ومجالسة القراء، فإنهم إن أحبوك وصفوك بما ليس فيك، فغطوا عليك عيوبك، وإن أبغضوك جرحوك بما ليس فيك، وقبله الناس متهم.
قال سيدي الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: وقد جرت سنة الله تعالى في أنبيائه وأصفيائه أن يسلط عليهم الخلق في مبدأ أمرهم، وفي حال نهايتهم، كلما مالت قلوبهم لغير الله تعالى، ثم تكون الدولة، والنصرة لهم في آخر الأمر، إذا أقبلوا على الله تعالى كل الإقبال. انتهى. قلت: وذلك لأن المريد السالك يتعذر عليه الخلوص والسر إلى حضرة الله عز وجل مع ميله إلى الخلق، وركونه إلى اعتقادهم فيه، فإذا آذاه الناس، وذموه، ونقصوه، ورموه بالبهتان، والزور نفرت نفسه منهم، ولم يصر عنده ركون إليهم البتة، وهناك يصفو له الوقت مع ربه، ويصح له الإقبال عليه لعدم التفاته إلى وراء، فافهم ثم إذا رجعوا بعد انتهاء سيرهم إلى إرشاد الخلق يرجعون، وعليهم خلعة الحلم، والعفو، والستر، فتحملوا أذى الخق، ورضوا عن الله تعالى في جميع ما يصرد عن عباده في حقهم فرفع الله بذلك قدرهم بين عباده، وكمل بذلك أنوارهم، وحقق بذلك ميراثهم للرسل في تحمل ما يرد عليهم من أذى الخلق، وظهر بذلك تفاوت مراتبهم، فإن الرجل يبتلي على حسب دينه قال الله تعالى: "وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما" السجدة: 24. وقال تعالى: "ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا" الأنعام: 34. وذلك لأن الكمل لا يخلو أحدهم عن هذين الشهودين، إما أن يشهد الحق تعالى بقلبه، فهو مع الحق لا التفات له إلى عباده، وإما أن يشهد الخلق فيجدهم عبيد الله تعالى، فيكرمهم لسيدهم، وإن كان مصطلماً فلا كلام لنا معه لزوال تكليفه حال اصطلامه، فعلم أنه لا بد لمن اقتفى آثار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الأولياء والعلماء أن يؤذي كما أوذوا ويقال فيه البهتان والزور كما قيل فيهم ليصبر كما صبروا، ويتخلق بالرحمة على الخلق رضي الله عنهم أجمعين.