صفاء الروح
30-10-2010, 11:05 AM
شرح قصيدة (سَقَانِي الحُبُّ) للشيخ عبد القادر الجيلاني قدس الله سرَّه
بسم الله الرحمن الرحيم
من أعظم ما يتميز به أهل الحق عن أهل الباطل هو بالإيمان وقوته وحقيقته وثمرته
فالمنافقون مكبّلون بالدنيا وأهوائها متكبرون هالكون بالعبودية لها مسلوبون باطناً وإذا تليت عليهم آيات الله وإذا أمطرت عليهم رحمات الله ونعمه لا يشعرون بشيء وينسون فضل الله وإذا وقفوا بين يديه وقفوا غافلين متململين عاجزين لا تبصر قلوبهم وعقولهم .
في حين ترى المؤمنين الكاملين في ظل رحمة الله ورأفته يشاهدون أنوار آيات الله وتوحيده في كل شيء ويتلذذون ويتحدثون بنعمه ويقرون بفضله وتحن أرواحهم بالشوق إلى لقائه وتمتلئ قلوبهم بحبه حتى أنهم لو أقسموا عليه لأبرهم وخرق لهم العوائد ونبههم قبل أن يصيبهم أي مكروه وأجرى على أيديهم الكرامات وإذا وقفوا بين يديه وقفوا مقبلين متعلقين مشتاقين وتقر أعينهم بلذيذ الخطاب وتدهش عقولهم وأرواحهم من عظمة الجلال وتتحرق قلوبهم بأنوار الجمال .
يقول الشيخ عبد القادر الجيلاني قدس الله سره (أي اللهم طيب قلبه بأنوار التوحيد)
متكلماً بلغة الحب التي لا يمكن أن يفهم قصده بها إلا من ذاق لوعة الحب الصادق
وتحرق قلبه بأنوار الجمال وحنت روحه وتعلقت بالكمال :
((سَقَانِي الحُبُّ كاساتِ الوِصَال فقُلتُ لخمرَتِي نَحوِي تَعَالي))
((سَعَت ومَشَت لِنحوِي فِي كؤوسٍ فهِمتُ بِسَكرَتِي بينَ المَوالِي))
((وقلتُ لسَائرِ الأقطابِ لُمُّوا بِحَالِي وَادخُلوا أنتُم رِجالي))
((وهِيمُوا واشرَبُوا أنتُم جُنودِي فسَاقِي القَومِ بِالوَافِي مَلا لِي))
((شربتُم فضلَتِي مِن بَعدِ سُكرِي وَلا نِلتُم عُلُوِّي واتِّصَالِي))
((مقامُكُم العُلا جمعاً ولَكن مقامِي فَوقَكم مَازَالَ عَالِي))
(( أنا فِي حَضرةِ التقرِيبِ وَحدِي يُصرِّفُنِي وحَسبي ذُو الجَلالِ))
(( أنا البازِيُّ أشهبُ كلِّ شيخٍ ومَن ذَا فِي الرِّجالِ أُعطِي مِثَالِي))
(( دَرَستُ العِلمَ حَتَّى صِرتُ قُطبَاً وَنِلتُ السَّعدَ مِن مَولَى المَوَالِي ))
(( كَسَانِي خِلعَةً بِطِرازِ عِزمٍ وتَوَّجَنِي بِتِيجَانِ الكَمَالِ ))
(( وأطلَعَنِي عَلى سِرٍّ قَدِيمٍ وقَلَّدَنِي وَأعطَانِي سُؤَالِي ))
(( طبولي فِي السَّمَا والأرضِ دُقَّت وشَاؤوسُ السَّعَادةِ قَد بَدَا لِي ))
(( أنَا الحَسَنِيُّ والمخدَع مَقَامِي وأقدَامِي عَلى عُنُقِ الرِّجَالِ))
((وَوَلَّانِي عَلَى الأقطَابِ جَمعَاً فَحُكمِي نَافِذٌ فِي كُلِّ حَالٍ))
(( نظرتُ إلى بِلادِ اللهِ جمعاً كَخَردَلَةٍ عَلى حُكمِ اتِّصَالِ ))
(( فلَو أَلقَيتُ سِرِّي فوقَ نارٍ لَخَمِدَت وانطَفَت مِن سِرِّ حَالِي ))
(( وَلو ألقيتُ سِرِّي فَوقَ ميْتٍ لقَامَ بِقُدرَةِ المَولَى مَشَا لِي ))
((ولَو ألقيتُ سِرِّي فِي جبِالٍ لدُكَّت واختَفَت بينَ الرِّمَالِ))
((ولَو ألقيتُ سِرِّي فِي بِحَارٍ لصارَ الكلُّ غَورَاً فِي الزَّوَالِ))
(( وما مِنهَا شُهورٌ أو دُهُورٌ تَمرُّ وتَنقَضِي إلا أَتَى لِي ))
((وتُخبِرُنِي بِمَا يَأتِي ويَجرِي وتُعلِمُنِي فَأقصُر عَن جِدَالِي ))
(( بلادُ الله مُلكِي تَحتَ حُكمِي وَوَقتِي قَبلَ قَلبِي قَد صَفَا لِي ))
(( مريدي لا تَخَف وَاشٍ فإنِّي عزومٌ قَاتلٌ عِندَ القِتَالِ ))
(( مُريدِي لا تَخَف اللهُ ربِّي عَطَانِي رِفعَةً نِلتُ المَعَالِي ))
(( مُريدي هِم وطِبْ واشطَحْ وغَنِّي وَافعَـل مَا تَشَـا فَالاســُم عَالِــي))
(( وكُلُّ وليٍّ لهُ قَدَمٌ وإنِّي عَلى قَدَمِ النَّبِي بَدرِ الكَمَالِ ))
(( أنا الجِيليُّ مُحيي الدِّينِ اسمِي وأعلامِي عَلَى رَأسِ الجِبَالِ ))
)) وَعبدُ القَادِرِ المَشهورُ اسمِي وجَدِّي صَاحِبُ العَينِ الكَمَالِ ))
وهذا رابط القصيدة باللغتين العربية والإنكليزية ويوجد عدة ألفاظ قريبة من بعضها
http://www.scribd.com/doc/11086450/Qasidah-alGhawthiyya-
هذه القصيدة في الشعر الرمزي وهو من أجمل أساليب العرب في التعبير عن مكنونات الضمائر مع وضع رمز لكل شيء متعارف عليه عند أهل الذوق والشأن والاختصاص فيُرجع إليهم في فهمه وتفسيره وإذا عرف السبب بطل العجب ولا مشاحة في الاصطلاح .
يتكلم الإمام الشاعر في هذه القصيدة في مقام الحب الصادق الذي ببركته تحيا القلوب والأرواح فيقول مخاطباً الحب وخمرته الطاهرة وكؤوسه الزاهرة
((سَقانِي الحُبُّ كاساتِ الوصال فقلتُ لخمرتِي نحوي تعَالي))
بأنه شرِبَ من مَعينِ حبِّ الله ونعمته والشوق إلى لقائه كؤوساً صافيةً نقيةً زكية كانت سبباً للوصل والقرب والتعلق برضا الله
ويشبه هذه الكؤوس (بالخمرة الطاهرة) التي هي استعارة ورمزٌ لأنها تأخذ بالعقل من حب الدنيا وشهواتها الرخيصة إلى حب الله والشوق إلى لقاه
ويقول عن شراب المحبة وكؤوسها التي سارت قِبلهُ بأنها :
(( سعت ومشت لنحوي في كؤوس فهمت بسكرتي بين الموالي ))
و بسبب شربي من تلك الكؤوس اشتعل في سرِّ قلبي الهيام الذي سلب عقلي وزج بي في حضرة الذاكرين الموالي لله رب العالمين .
ثم من عظيم سعادتي وسروري وتلذذي بنعمة الذكر والشوق ناديت سائر الأقطاب
(والمقصود كبار تلامذته العارفين والصالحين) قائلاً لهم اجتمعوا معي بمجلس الشراب الطاهر فأنتم الرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وأنتم الذين أمرت بدلالتهم على الله
((وقلتُ لسائرِ الأقطابِ لمُّوا * بِحانِي وادخُلوا أنتُم رِجَالِي ))
((وهِيمُوا واشربُوا أنتُم جُنُودِي * فَسَاقِي القَومِ بالوَافِي مَلا لِي ))
وأشربوا من شراب الحب ما شئتم وأجعلوا عيونكم تقرُّ بالتلذذ بنعيم الوصال ولست بمانعٍ لكم لأن قاضي الحب قد منَّ ، فشراب المحبة عندي كثير وكؤوسي ملآنةٌ ولأنكم أنتم الذين أمرت بهديهم وإكرامهم بما أكرمني الله ، والله بنعمته وفضله أحياني بحبه والشوق إليه .
((شربتُم فضلَتِي مِن بَعدِ سُكرِي*وَلا نِلتُم عُلُوِّي واتِّصَالِي))
هو خطاب المعلم لتلامذته بأن ما علمهم ابتداءً من علوم الحب وما ذاقوه
ما هو إلا شيء يسير مما أكرمه الله ولم ينالوا إلا الشيء اليسير بعد من علو المقام
وحلاوة الوصال الذي أشكر ربي فهو الذي منَّ عليَّ به بفضله ونعَّمني بحلاوة الاتصال والقرب
ثم قال ((مقامُكُم العُلا جمعاً ولَكن*مقامِي فَوقَكم مَازَالَ عَالِي))
لكنني أشهد أن ما غرفتموه معي من معين حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم هو منزلة ومقامٌ عالٍ لكنكم مازلتم في منتصف الطريق وما زال هنا من العلوم السامية العالية التي أكرمني الله إياها لم تسبروا غورها ولم تدركوا ذروتها فلا تغترّوا ولا تكلوا ولا تملوا من الثبات على طلب العلم والمعرفة بالله رب العالمين ، وهذا أسلوب من أساليب تشجيع السَّالكين وحثهم .
ثم يقول (( أنا فِي حَضرةِ التقرِيبِ وَحدِي * يُصرفنِي وحَسبي ذُو الجَلالِ))
حتى أنه من عظيم عطاء الله ورحمته لي أنه يتجلى على عباده كل عبدٍ يختصه وحده بنعم التقريب
ويصرِّفه بعجائب تجلياته الجمالية دون ترجمان وكذلك قدّر الله لي وصرَّفني بين القبض والبسط والعطاء والمنع و غيرها وهو وحده حسبي وعوني وكفاني بحبيبي ذو الجلال والجمال والكمال
(( أنا البازِيُّ أشهبُ كلِّ شيخٍ * ومَن ذَا فِي الرِّجالِ أُعطِي مِثَالِي))
ثم يتحدث بفضل الله قائلاً أنا البازي أشهب وهو من ألقابه الشهيرة التي لقبه إياها العلماء ويخاطب تلامذته الرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله قائلاً من ذا الذي منكم أعطي وعنده مِثَالُ ما ذكرتُ وأكرمني الله به من فضله وحبه ووراثة نبيِّه صلى الله عليه وسلم وفهم علوم قرآنه وإدراك حديث نبيه صلى الله عليه سلم .
فقال أُعطي مثالي ليُعلِم أنه لم يؤت شيئاً من عند نفسه وأن ما هذا إلا فضل الله وعطاؤه ونعمه التي يعددها ويذكرها ويتحدث بها زيادة في الشكر لمعطيها ورازقها ربنا تبارك وتعالى .
ومن هذه النعم التي تفضل بها المولى إكرام الله للشيخ بطلب العلم حتى غدا بفضله من أقطاب علماء المسلمين أي (كبارهم) وشيخ الخلافة لعباسية الأكبر وكان يقرأ كل يوم 13 عشر درساً ويحضر مجلسه كبار العلماء والقراء وزهاء 70 ألفاً منهم
وأحيى فِقه الإمام أحمد بن حنبل بعدما كاد أن يندرسَ لقلةِ سالكيهِ .
ثم قال أيضاً عن فضائل الله عليه
(( كَسَانِي خِلعَةً بِطِرازِ عِزٍّ*وتَوَّجَنِي بِتِيجَانِ الكَمَالِ ))
أي أنَّ اللهَ ألبَسَنِي ثَوبَ العِزِّ والرُّتبَةِ والمنزِلَةِ الحَسَنَةِ بَينَ النَّاسِ
وتوَّج كل ذلك بتاج توفيقه لي لاتباع النبي صلى الله عليه وسلم وهذا هو عين الكمال
(( وأطلَعَنِي عَلى سِرٍّ قَدِيمٍ*وقَلَّدَنِي وَأعطَانِي سُؤَالِي ))
وأفهمني الأمانة التي حمَّلها للإنسان منذ زمن بعيد وعلمني ويسر لي فهم كتابه وهديه وإدراكه على معانٍ وفهم عظيمٍ لأسرار القرآن العظيمة القديمة ، وهي سرٌّ على الناس
ولأنه لا يعقلها إلا المقرَّبون والعارفون والراسخون في العلم .
والتي لو أنزلت على جبل لرأيته خاشعاً ولو بدا كشف سرِّها لصمِّ الجبال الراسيات لدكَّتِ وتصدَّعت ولكن أكثرَ الناس لا يعلمونها حتى غدت سراً محجوباً عن قلوبهم
وإن ربّي تفضل عليَّ وأعطاني سؤالي حتى أني لو أقسمت عليه لأبرّني
(( طبولٌ فِي السَّمَا والأرضِ دُقَّت*وشَاؤوسُ السَّعَادةِ قَد بَدَا لِي ))
أي بشائر الكرم والعطاء والثناء دقت حولي وبراهين السعادة وحقائها قد تجلت لي ظاهرةً للعَيَان
فأنا بفضل الله من أبناء الحسن رضي الله عنه والمخدع هو منزلتي ومقامي ووراثتي وقدمي على أثر قدم النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم وهذه الرتبة والاتباع الصادق للنبي صلى الله عليه وسلم هي التي حملها الرجال الصالحون على أعناقهم على مدار الزمان وبذلوا لها النفس والروح
أنَا الحَسَنِيُّ والمخدَع مَقَامِي*وأقدَامِي عَلى عُنُقِ الرِّجَالِ
ومن فضل الله علي أن جعلني مسلماً وارثاً لعلوم النبي صلى الله علي وسلم وخليفة وولياً على أمور المسلمين وكبار علمائهم الربانيين (وولاني على الأقطاب جمعاً) ولاية العلم والحال والأدب والفتوى التي تعتمد وتصدق ويرجع إليها في القضاء والأحكام (فحكمي نافذ في كل حال)
وإن كل نعيم الدنيا وما فيها لا يساوي عندي قدر خردلة ولا ذرَّةٍ أمام عظيم فضل الله ووصله لي بالحب والقرب والشوق إلى لقائه والتعلق برضاه لأن ذلك هو خيرٌ من الدنيا وما فيها وببركته يستجاب الدعاء وتخرق العادات ويحيط الله عبده بالكرامات الباهرات
(( نظرتُ إلى بِلادِ اللهِ جمعاً * كَخَردَلَةٍ عَلى حُكمِ اتِّصَالِ ))
بسم الله الرحمن الرحيم
من أعظم ما يتميز به أهل الحق عن أهل الباطل هو بالإيمان وقوته وحقيقته وثمرته
فالمنافقون مكبّلون بالدنيا وأهوائها متكبرون هالكون بالعبودية لها مسلوبون باطناً وإذا تليت عليهم آيات الله وإذا أمطرت عليهم رحمات الله ونعمه لا يشعرون بشيء وينسون فضل الله وإذا وقفوا بين يديه وقفوا غافلين متململين عاجزين لا تبصر قلوبهم وعقولهم .
في حين ترى المؤمنين الكاملين في ظل رحمة الله ورأفته يشاهدون أنوار آيات الله وتوحيده في كل شيء ويتلذذون ويتحدثون بنعمه ويقرون بفضله وتحن أرواحهم بالشوق إلى لقائه وتمتلئ قلوبهم بحبه حتى أنهم لو أقسموا عليه لأبرهم وخرق لهم العوائد ونبههم قبل أن يصيبهم أي مكروه وأجرى على أيديهم الكرامات وإذا وقفوا بين يديه وقفوا مقبلين متعلقين مشتاقين وتقر أعينهم بلذيذ الخطاب وتدهش عقولهم وأرواحهم من عظمة الجلال وتتحرق قلوبهم بأنوار الجمال .
يقول الشيخ عبد القادر الجيلاني قدس الله سره (أي اللهم طيب قلبه بأنوار التوحيد)
متكلماً بلغة الحب التي لا يمكن أن يفهم قصده بها إلا من ذاق لوعة الحب الصادق
وتحرق قلبه بأنوار الجمال وحنت روحه وتعلقت بالكمال :
((سَقَانِي الحُبُّ كاساتِ الوِصَال فقُلتُ لخمرَتِي نَحوِي تَعَالي))
((سَعَت ومَشَت لِنحوِي فِي كؤوسٍ فهِمتُ بِسَكرَتِي بينَ المَوالِي))
((وقلتُ لسَائرِ الأقطابِ لُمُّوا بِحَالِي وَادخُلوا أنتُم رِجالي))
((وهِيمُوا واشرَبُوا أنتُم جُنودِي فسَاقِي القَومِ بِالوَافِي مَلا لِي))
((شربتُم فضلَتِي مِن بَعدِ سُكرِي وَلا نِلتُم عُلُوِّي واتِّصَالِي))
((مقامُكُم العُلا جمعاً ولَكن مقامِي فَوقَكم مَازَالَ عَالِي))
(( أنا فِي حَضرةِ التقرِيبِ وَحدِي يُصرِّفُنِي وحَسبي ذُو الجَلالِ))
(( أنا البازِيُّ أشهبُ كلِّ شيخٍ ومَن ذَا فِي الرِّجالِ أُعطِي مِثَالِي))
(( دَرَستُ العِلمَ حَتَّى صِرتُ قُطبَاً وَنِلتُ السَّعدَ مِن مَولَى المَوَالِي ))
(( كَسَانِي خِلعَةً بِطِرازِ عِزمٍ وتَوَّجَنِي بِتِيجَانِ الكَمَالِ ))
(( وأطلَعَنِي عَلى سِرٍّ قَدِيمٍ وقَلَّدَنِي وَأعطَانِي سُؤَالِي ))
(( طبولي فِي السَّمَا والأرضِ دُقَّت وشَاؤوسُ السَّعَادةِ قَد بَدَا لِي ))
(( أنَا الحَسَنِيُّ والمخدَع مَقَامِي وأقدَامِي عَلى عُنُقِ الرِّجَالِ))
((وَوَلَّانِي عَلَى الأقطَابِ جَمعَاً فَحُكمِي نَافِذٌ فِي كُلِّ حَالٍ))
(( نظرتُ إلى بِلادِ اللهِ جمعاً كَخَردَلَةٍ عَلى حُكمِ اتِّصَالِ ))
(( فلَو أَلقَيتُ سِرِّي فوقَ نارٍ لَخَمِدَت وانطَفَت مِن سِرِّ حَالِي ))
(( وَلو ألقيتُ سِرِّي فَوقَ ميْتٍ لقَامَ بِقُدرَةِ المَولَى مَشَا لِي ))
((ولَو ألقيتُ سِرِّي فِي جبِالٍ لدُكَّت واختَفَت بينَ الرِّمَالِ))
((ولَو ألقيتُ سِرِّي فِي بِحَارٍ لصارَ الكلُّ غَورَاً فِي الزَّوَالِ))
(( وما مِنهَا شُهورٌ أو دُهُورٌ تَمرُّ وتَنقَضِي إلا أَتَى لِي ))
((وتُخبِرُنِي بِمَا يَأتِي ويَجرِي وتُعلِمُنِي فَأقصُر عَن جِدَالِي ))
(( بلادُ الله مُلكِي تَحتَ حُكمِي وَوَقتِي قَبلَ قَلبِي قَد صَفَا لِي ))
(( مريدي لا تَخَف وَاشٍ فإنِّي عزومٌ قَاتلٌ عِندَ القِتَالِ ))
(( مُريدِي لا تَخَف اللهُ ربِّي عَطَانِي رِفعَةً نِلتُ المَعَالِي ))
(( مُريدي هِم وطِبْ واشطَحْ وغَنِّي وَافعَـل مَا تَشَـا فَالاســُم عَالِــي))
(( وكُلُّ وليٍّ لهُ قَدَمٌ وإنِّي عَلى قَدَمِ النَّبِي بَدرِ الكَمَالِ ))
(( أنا الجِيليُّ مُحيي الدِّينِ اسمِي وأعلامِي عَلَى رَأسِ الجِبَالِ ))
)) وَعبدُ القَادِرِ المَشهورُ اسمِي وجَدِّي صَاحِبُ العَينِ الكَمَالِ ))
وهذا رابط القصيدة باللغتين العربية والإنكليزية ويوجد عدة ألفاظ قريبة من بعضها
http://www.scribd.com/doc/11086450/Qasidah-alGhawthiyya-
هذه القصيدة في الشعر الرمزي وهو من أجمل أساليب العرب في التعبير عن مكنونات الضمائر مع وضع رمز لكل شيء متعارف عليه عند أهل الذوق والشأن والاختصاص فيُرجع إليهم في فهمه وتفسيره وإذا عرف السبب بطل العجب ولا مشاحة في الاصطلاح .
يتكلم الإمام الشاعر في هذه القصيدة في مقام الحب الصادق الذي ببركته تحيا القلوب والأرواح فيقول مخاطباً الحب وخمرته الطاهرة وكؤوسه الزاهرة
((سَقانِي الحُبُّ كاساتِ الوصال فقلتُ لخمرتِي نحوي تعَالي))
بأنه شرِبَ من مَعينِ حبِّ الله ونعمته والشوق إلى لقائه كؤوساً صافيةً نقيةً زكية كانت سبباً للوصل والقرب والتعلق برضا الله
ويشبه هذه الكؤوس (بالخمرة الطاهرة) التي هي استعارة ورمزٌ لأنها تأخذ بالعقل من حب الدنيا وشهواتها الرخيصة إلى حب الله والشوق إلى لقاه
ويقول عن شراب المحبة وكؤوسها التي سارت قِبلهُ بأنها :
(( سعت ومشت لنحوي في كؤوس فهمت بسكرتي بين الموالي ))
و بسبب شربي من تلك الكؤوس اشتعل في سرِّ قلبي الهيام الذي سلب عقلي وزج بي في حضرة الذاكرين الموالي لله رب العالمين .
ثم من عظيم سعادتي وسروري وتلذذي بنعمة الذكر والشوق ناديت سائر الأقطاب
(والمقصود كبار تلامذته العارفين والصالحين) قائلاً لهم اجتمعوا معي بمجلس الشراب الطاهر فأنتم الرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وأنتم الذين أمرت بدلالتهم على الله
((وقلتُ لسائرِ الأقطابِ لمُّوا * بِحانِي وادخُلوا أنتُم رِجَالِي ))
((وهِيمُوا واشربُوا أنتُم جُنُودِي * فَسَاقِي القَومِ بالوَافِي مَلا لِي ))
وأشربوا من شراب الحب ما شئتم وأجعلوا عيونكم تقرُّ بالتلذذ بنعيم الوصال ولست بمانعٍ لكم لأن قاضي الحب قد منَّ ، فشراب المحبة عندي كثير وكؤوسي ملآنةٌ ولأنكم أنتم الذين أمرت بهديهم وإكرامهم بما أكرمني الله ، والله بنعمته وفضله أحياني بحبه والشوق إليه .
((شربتُم فضلَتِي مِن بَعدِ سُكرِي*وَلا نِلتُم عُلُوِّي واتِّصَالِي))
هو خطاب المعلم لتلامذته بأن ما علمهم ابتداءً من علوم الحب وما ذاقوه
ما هو إلا شيء يسير مما أكرمه الله ولم ينالوا إلا الشيء اليسير بعد من علو المقام
وحلاوة الوصال الذي أشكر ربي فهو الذي منَّ عليَّ به بفضله ونعَّمني بحلاوة الاتصال والقرب
ثم قال ((مقامُكُم العُلا جمعاً ولَكن*مقامِي فَوقَكم مَازَالَ عَالِي))
لكنني أشهد أن ما غرفتموه معي من معين حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم هو منزلة ومقامٌ عالٍ لكنكم مازلتم في منتصف الطريق وما زال هنا من العلوم السامية العالية التي أكرمني الله إياها لم تسبروا غورها ولم تدركوا ذروتها فلا تغترّوا ولا تكلوا ولا تملوا من الثبات على طلب العلم والمعرفة بالله رب العالمين ، وهذا أسلوب من أساليب تشجيع السَّالكين وحثهم .
ثم يقول (( أنا فِي حَضرةِ التقرِيبِ وَحدِي * يُصرفنِي وحَسبي ذُو الجَلالِ))
حتى أنه من عظيم عطاء الله ورحمته لي أنه يتجلى على عباده كل عبدٍ يختصه وحده بنعم التقريب
ويصرِّفه بعجائب تجلياته الجمالية دون ترجمان وكذلك قدّر الله لي وصرَّفني بين القبض والبسط والعطاء والمنع و غيرها وهو وحده حسبي وعوني وكفاني بحبيبي ذو الجلال والجمال والكمال
(( أنا البازِيُّ أشهبُ كلِّ شيخٍ * ومَن ذَا فِي الرِّجالِ أُعطِي مِثَالِي))
ثم يتحدث بفضل الله قائلاً أنا البازي أشهب وهو من ألقابه الشهيرة التي لقبه إياها العلماء ويخاطب تلامذته الرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله قائلاً من ذا الذي منكم أعطي وعنده مِثَالُ ما ذكرتُ وأكرمني الله به من فضله وحبه ووراثة نبيِّه صلى الله عليه وسلم وفهم علوم قرآنه وإدراك حديث نبيه صلى الله عليه سلم .
فقال أُعطي مثالي ليُعلِم أنه لم يؤت شيئاً من عند نفسه وأن ما هذا إلا فضل الله وعطاؤه ونعمه التي يعددها ويذكرها ويتحدث بها زيادة في الشكر لمعطيها ورازقها ربنا تبارك وتعالى .
ومن هذه النعم التي تفضل بها المولى إكرام الله للشيخ بطلب العلم حتى غدا بفضله من أقطاب علماء المسلمين أي (كبارهم) وشيخ الخلافة لعباسية الأكبر وكان يقرأ كل يوم 13 عشر درساً ويحضر مجلسه كبار العلماء والقراء وزهاء 70 ألفاً منهم
وأحيى فِقه الإمام أحمد بن حنبل بعدما كاد أن يندرسَ لقلةِ سالكيهِ .
ثم قال أيضاً عن فضائل الله عليه
(( كَسَانِي خِلعَةً بِطِرازِ عِزٍّ*وتَوَّجَنِي بِتِيجَانِ الكَمَالِ ))
أي أنَّ اللهَ ألبَسَنِي ثَوبَ العِزِّ والرُّتبَةِ والمنزِلَةِ الحَسَنَةِ بَينَ النَّاسِ
وتوَّج كل ذلك بتاج توفيقه لي لاتباع النبي صلى الله عليه وسلم وهذا هو عين الكمال
(( وأطلَعَنِي عَلى سِرٍّ قَدِيمٍ*وقَلَّدَنِي وَأعطَانِي سُؤَالِي ))
وأفهمني الأمانة التي حمَّلها للإنسان منذ زمن بعيد وعلمني ويسر لي فهم كتابه وهديه وإدراكه على معانٍ وفهم عظيمٍ لأسرار القرآن العظيمة القديمة ، وهي سرٌّ على الناس
ولأنه لا يعقلها إلا المقرَّبون والعارفون والراسخون في العلم .
والتي لو أنزلت على جبل لرأيته خاشعاً ولو بدا كشف سرِّها لصمِّ الجبال الراسيات لدكَّتِ وتصدَّعت ولكن أكثرَ الناس لا يعلمونها حتى غدت سراً محجوباً عن قلوبهم
وإن ربّي تفضل عليَّ وأعطاني سؤالي حتى أني لو أقسمت عليه لأبرّني
(( طبولٌ فِي السَّمَا والأرضِ دُقَّت*وشَاؤوسُ السَّعَادةِ قَد بَدَا لِي ))
أي بشائر الكرم والعطاء والثناء دقت حولي وبراهين السعادة وحقائها قد تجلت لي ظاهرةً للعَيَان
فأنا بفضل الله من أبناء الحسن رضي الله عنه والمخدع هو منزلتي ومقامي ووراثتي وقدمي على أثر قدم النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم وهذه الرتبة والاتباع الصادق للنبي صلى الله عليه وسلم هي التي حملها الرجال الصالحون على أعناقهم على مدار الزمان وبذلوا لها النفس والروح
أنَا الحَسَنِيُّ والمخدَع مَقَامِي*وأقدَامِي عَلى عُنُقِ الرِّجَالِ
ومن فضل الله علي أن جعلني مسلماً وارثاً لعلوم النبي صلى الله علي وسلم وخليفة وولياً على أمور المسلمين وكبار علمائهم الربانيين (وولاني على الأقطاب جمعاً) ولاية العلم والحال والأدب والفتوى التي تعتمد وتصدق ويرجع إليها في القضاء والأحكام (فحكمي نافذ في كل حال)
وإن كل نعيم الدنيا وما فيها لا يساوي عندي قدر خردلة ولا ذرَّةٍ أمام عظيم فضل الله ووصله لي بالحب والقرب والشوق إلى لقائه والتعلق برضاه لأن ذلك هو خيرٌ من الدنيا وما فيها وببركته يستجاب الدعاء وتخرق العادات ويحيط الله عبده بالكرامات الباهرات
(( نظرتُ إلى بِلادِ اللهِ جمعاً * كَخَردَلَةٍ عَلى حُكمِ اتِّصَالِ ))