أبو توفيق
11-11-2010, 07:17 PM
القاهرة/ عبد الرحمن أبو عوف -
يعدّ الشيخ أبو العينين شعيشع واحدًا من جيل مقرئي القرآن الكريم العمالقة, الذين حباهم الله بعذوبة وطلاوة الصوت، فاستطاع بصوته الشجي الرخيم أن يوصل آيات الذكر الحكيم إلى أعماق قلوب ملايين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها, استجاب الله لدعائه الدائم: "يا رب لا تحرمني من خدمة كتابك حتى ألقاك"، فجعله سفيرًا للقرآن في كل مكان حلَّ به.
بدأت رحلة الشيخ أبو العينين شعيشع -نقيب قراء القرآن الكريم بمصر- مع كتاب الله وهو ابن التاسعة، وذلك حينما قرَّرت أسرته إلحاقه بأحد كتاتيب مدينة بيلا بمحافظة كفر الشيخ، فأقبل على حفظ القرآن بشغفٍ شديد مكَّنه من أن يتمَّ حفظه خلال عامين فقط، ليصبح بذلك أول وأصغر من حفظ كتاب الله في القرية, ورويدًا رويدًا ذاعتْ شهرته في المحافظة كلها كأجمل صوت.
وقد قام الشيخ شعيشع بزيارات لأغلب دول العالم وحاز تكريمًا يليق به في هذه البلدان, غير أنَّ قراءته القرآن في بلد الحرمين الشريفين ومشاركته في غسيل الكعبة في أحد سنوات السبعينات, وإطراء الملك فيصل – رحمة الله عليه – عليه, وإصرار الدولة السعودية على تكريمه ما زال محفورًا في ذاكرته, ولا يفارقه, بل إنه يتذكر دائمًا الدَّعم السعودي للدَّعوة الإسلاميَّة بشكلٍ عام, والقرآن الكريم بشكلٍ خاص.
ومن أجل الاطِّلاع على تفاصيل ذكريات حجه, والتطرّق للقضايا الخاصَّة بمقرئي القرآن الكريم, والتحدِّيات التي تواجههم حاورت شبكة "الإسلام اليوم" الشيخ أبو العينين شعيشع, وطرحنا عليه أسئلة عديدة.
قمت بزيارات متعددة إلى المملكة العربيَّة السعوديَّة وأدَّيت فريضة الحج والعمرة فهلَّا تقصّ علينا ذكريات هذه الرحلات؟
أرض المملكة العربيَّة السعوديَّة من أحب بلاد الأرض إلى قلبي, وأشعر حينما أتوجه إليها بمدى حبي وعشقي لترابها, كيف لا وهي مهدُ الدَّعوة ومقرّ الحرمين الشريفين والبلد الذي أنفق الغالي والنفيس لخدمتهما, وخدمة والقرآن الكريم؟
وعلى مدى أكثر من 70 عامًا قمتُ بزيارة هذه البلاد المباركة عشرات المرات وأدَّيتُ فريضتي الحج والعمرة لسنوات كثيرة, وتشرفت بتسجيل القرآن كاملًا هناك, وقرأتُ القرآن في الحرمين لساعات طوال.
غير أنَّ الذكرى, أو بالأحرى المعجزة التي لا تفارق مخيّلتي جرت أحداثها في أوائل السبعينات من القرن الماضي, حينما كنتُ أسجّل القرآن في جدة وسمعتُ خبرًا في الإذاعة السعوديَّة عن قيام العاهل السعودي الملك فيصل رحمه الله مصحوبًا بعشرات من رؤساء الدول الإسلاميَّة بغسيل الكعبة, وهنا انتابتني رغبة عارمة في المشاركة في هذه المناسبة العظيمة, وأبلغتُ مرافقي بذلك غير أنَّه اعتذر بلطف بسبب الزحام وعدم وجود دعوة رسميَّة, غير أنَّه أبلغني بأنَّه سيجري اتصالات علّه يحصل على دعوة لي, وفجأة اختفى المرافق دون أن نعثر له على أثر.
لعل اختفاء المرافق المفاجئ قد أحبط عزيمتك وجعلك تفقد الأمل في المشاركة في غسيل الكعبة؟
لا بل على العكس تمامًا, فاختفاؤه المفاجئ لم يثبطْ من عزمي, حيث طلبت من السائق الخاص بي التوجُّه إلى مكة أملًا في معجزة تتيح لي المشاركة في غسل الكعبة, وتحرَّكت السيارة إلى مكة وما أن اقتربَت من الحرم حتى فوجئت بزحامٍ شديد وإجراءات أمنية مشددة وقيود شديدة على العبور للحرم, إلا لمن يحمل دعوة ملكية, فما كان مني بعد أن تملكني اليأس إلا التوجه لأحد الفنادق القريبة من الحرم, وما أن تجاوزت الاستقبال حتى تنحَّيتُ جانبًا وناجيتُ ربي أن يؤمن لي سبيل المشاركة في غسل الكعبة, بحق ما أحفظه من القرآن, وهنا جاءت الانفراجة, فوسط بكائي الشديد على ضياع الفرصة فوجئت بشخصٍ لا أعرفه يربّت على كتفي ويخاطبني بالقول: "أنت الشيخ أبو العينين شعيشع وتريد المشاركة في غسل الكعبة؟ فأجبت بالتأكيد, فما كان منه إلا أن سلَّمني دعوة لا تحمل أي اسم, وتسمح لي بدخول هذه البقعة العظيمة, وهنا لم أكذب خبرًا, وتوجهت إلى المدخل الخاص بالضيوف وسمح لي بالدخول.
فرحة ودموع
من المؤكَّد أنَّ رد فعلك على هذه المعجزة كانت على مستوى المناسبة التي كنت ترغب في المشاركة فيها؟
دخلت الكعبة المشرفة والدموع تملأ عيني فرحًا بهذه النعمة التي أنعم الله بها علي, ولا أخفيك سرًّا أنني دخلت على جوف الكعبة قبل حضور الملك فيصل – رحمه الله – وأخذتُ أقبِّلُ كل ركن فيها تعبيرًا عن شكري لله, بعد أن قيّض لي هذا الشخص المجهول الذي لم أتشرف بمقابلته مرة أخرى مرددًا دعوات لهذا البلد المضياف أن ينعم عليه وعلى ولاة أمره بالتوفيق والسداد, وأن يبارك الله لهم على خدمتهم لعُمَّار بيته وللدعوة الإسلامية بشكلٍ عام.
غير أنَّك لم تُفصح بهذا السر لأحد لمدة طويلة, فما السبب ؟
بعد وصولي للقاهرة التقيت بالشيخ محمد متولي الشعراوي – رحمة الله عليه – وقصصتُ عليه ما حدث, فما كان منه إلا القول: "هذه نعمة أنعم الله بها عليك، فأرجو أن تلزم الصمت حيالها ولا تبلغ بها أحدًا", وهو ما استجبتُ إليه لسنواتٍ طوال, قبل أن أقرِّر البوح به تطبيقًا لتعاليم قرآننا الكريم "وأما بنعمة ربك فحدث", وكأنني أقدّم درسًا لشباب المسلمين بأهميَّة الاعتماد على الله وترك الأمور لمشيئته.
إطراء وتكريم
هذا على مستوى غسل الكعبة, فما هي الخواطر والذكريات التي تحتفظ بها عن أرض المملكة ؟
لا يمكن أن أنسى حوارًا كريمًا دار بيني وبين الملك فيصل رحمه الله حينما خاطبني بالقول: أنت الشيخ أبو العينين شعيشع؟ وأسمعني إطراءً لم أسمعْه في حياتي عن إعجابه بقراءتي للقرآن حينما أكَّد لي "أنني أقرأ القرآن من قلبي" هذا سرّ تفوقي علي أقراني، وهو ما اعتبرته وسامًا على صدري، لدرجة أنني حينما قرأت أمام جلالته كأنني لم أقرأ القرآن من قبل، وهو ما كان مثار إعجابه لدرجة أنه أصدر قرارًا عاجلًا بتكريمي ومنحني بعض الهدايا، تقديرًا منه لخدمتي لكتاب الله.
أكَّدت في أحد تصريحاتك أنك منعت مؤقتًا من قراءة القرآن في أحد مواسم الحج فهل تقص لنا هذه الواقعة؟
في بداية الثمانينيَّات من القرن الماضي دعيت لأداء فريضة الحج من قبل الديوان الملكي السعودي وأثناء أداء الفريضة طالبني بعض الأخوة السعوديين والمصريين بقراءة ما يتيسر من القرآن، وما أن بدأت أقرأ الآية تلو الأخرى حتى بدأ الحجيج خصوصًا المصريين يصدرون أصواتًا عاليَة جدًّا وحركات قد لا تتناسب مع جلال المناسبة المباركة، وهنا طلب مني القائمون على البيت الحرام التوقُّف عن قراءة القرآن حتى يعود النظام إلى الحرم المكي، بل وأخذوا تعهُّدات على الحجيج بعدم التمايل مع قراءتي للقرآن، وهو ما التزموا به نسبيًّا وانتهت الأزمة.
يعدّ الشيخ أبو العينين شعيشع واحدًا من جيل مقرئي القرآن الكريم العمالقة, الذين حباهم الله بعذوبة وطلاوة الصوت، فاستطاع بصوته الشجي الرخيم أن يوصل آيات الذكر الحكيم إلى أعماق قلوب ملايين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها, استجاب الله لدعائه الدائم: "يا رب لا تحرمني من خدمة كتابك حتى ألقاك"، فجعله سفيرًا للقرآن في كل مكان حلَّ به.
بدأت رحلة الشيخ أبو العينين شعيشع -نقيب قراء القرآن الكريم بمصر- مع كتاب الله وهو ابن التاسعة، وذلك حينما قرَّرت أسرته إلحاقه بأحد كتاتيب مدينة بيلا بمحافظة كفر الشيخ، فأقبل على حفظ القرآن بشغفٍ شديد مكَّنه من أن يتمَّ حفظه خلال عامين فقط، ليصبح بذلك أول وأصغر من حفظ كتاب الله في القرية, ورويدًا رويدًا ذاعتْ شهرته في المحافظة كلها كأجمل صوت.
وقد قام الشيخ شعيشع بزيارات لأغلب دول العالم وحاز تكريمًا يليق به في هذه البلدان, غير أنَّ قراءته القرآن في بلد الحرمين الشريفين ومشاركته في غسيل الكعبة في أحد سنوات السبعينات, وإطراء الملك فيصل – رحمة الله عليه – عليه, وإصرار الدولة السعودية على تكريمه ما زال محفورًا في ذاكرته, ولا يفارقه, بل إنه يتذكر دائمًا الدَّعم السعودي للدَّعوة الإسلاميَّة بشكلٍ عام, والقرآن الكريم بشكلٍ خاص.
ومن أجل الاطِّلاع على تفاصيل ذكريات حجه, والتطرّق للقضايا الخاصَّة بمقرئي القرآن الكريم, والتحدِّيات التي تواجههم حاورت شبكة "الإسلام اليوم" الشيخ أبو العينين شعيشع, وطرحنا عليه أسئلة عديدة.
قمت بزيارات متعددة إلى المملكة العربيَّة السعوديَّة وأدَّيت فريضة الحج والعمرة فهلَّا تقصّ علينا ذكريات هذه الرحلات؟
أرض المملكة العربيَّة السعوديَّة من أحب بلاد الأرض إلى قلبي, وأشعر حينما أتوجه إليها بمدى حبي وعشقي لترابها, كيف لا وهي مهدُ الدَّعوة ومقرّ الحرمين الشريفين والبلد الذي أنفق الغالي والنفيس لخدمتهما, وخدمة والقرآن الكريم؟
وعلى مدى أكثر من 70 عامًا قمتُ بزيارة هذه البلاد المباركة عشرات المرات وأدَّيتُ فريضتي الحج والعمرة لسنوات كثيرة, وتشرفت بتسجيل القرآن كاملًا هناك, وقرأتُ القرآن في الحرمين لساعات طوال.
غير أنَّ الذكرى, أو بالأحرى المعجزة التي لا تفارق مخيّلتي جرت أحداثها في أوائل السبعينات من القرن الماضي, حينما كنتُ أسجّل القرآن في جدة وسمعتُ خبرًا في الإذاعة السعوديَّة عن قيام العاهل السعودي الملك فيصل رحمه الله مصحوبًا بعشرات من رؤساء الدول الإسلاميَّة بغسيل الكعبة, وهنا انتابتني رغبة عارمة في المشاركة في هذه المناسبة العظيمة, وأبلغتُ مرافقي بذلك غير أنَّه اعتذر بلطف بسبب الزحام وعدم وجود دعوة رسميَّة, غير أنَّه أبلغني بأنَّه سيجري اتصالات علّه يحصل على دعوة لي, وفجأة اختفى المرافق دون أن نعثر له على أثر.
لعل اختفاء المرافق المفاجئ قد أحبط عزيمتك وجعلك تفقد الأمل في المشاركة في غسيل الكعبة؟
لا بل على العكس تمامًا, فاختفاؤه المفاجئ لم يثبطْ من عزمي, حيث طلبت من السائق الخاص بي التوجُّه إلى مكة أملًا في معجزة تتيح لي المشاركة في غسل الكعبة, وتحرَّكت السيارة إلى مكة وما أن اقتربَت من الحرم حتى فوجئت بزحامٍ شديد وإجراءات أمنية مشددة وقيود شديدة على العبور للحرم, إلا لمن يحمل دعوة ملكية, فما كان مني بعد أن تملكني اليأس إلا التوجه لأحد الفنادق القريبة من الحرم, وما أن تجاوزت الاستقبال حتى تنحَّيتُ جانبًا وناجيتُ ربي أن يؤمن لي سبيل المشاركة في غسل الكعبة, بحق ما أحفظه من القرآن, وهنا جاءت الانفراجة, فوسط بكائي الشديد على ضياع الفرصة فوجئت بشخصٍ لا أعرفه يربّت على كتفي ويخاطبني بالقول: "أنت الشيخ أبو العينين شعيشع وتريد المشاركة في غسل الكعبة؟ فأجبت بالتأكيد, فما كان منه إلا أن سلَّمني دعوة لا تحمل أي اسم, وتسمح لي بدخول هذه البقعة العظيمة, وهنا لم أكذب خبرًا, وتوجهت إلى المدخل الخاص بالضيوف وسمح لي بالدخول.
فرحة ودموع
من المؤكَّد أنَّ رد فعلك على هذه المعجزة كانت على مستوى المناسبة التي كنت ترغب في المشاركة فيها؟
دخلت الكعبة المشرفة والدموع تملأ عيني فرحًا بهذه النعمة التي أنعم الله بها علي, ولا أخفيك سرًّا أنني دخلت على جوف الكعبة قبل حضور الملك فيصل – رحمه الله – وأخذتُ أقبِّلُ كل ركن فيها تعبيرًا عن شكري لله, بعد أن قيّض لي هذا الشخص المجهول الذي لم أتشرف بمقابلته مرة أخرى مرددًا دعوات لهذا البلد المضياف أن ينعم عليه وعلى ولاة أمره بالتوفيق والسداد, وأن يبارك الله لهم على خدمتهم لعُمَّار بيته وللدعوة الإسلامية بشكلٍ عام.
غير أنَّك لم تُفصح بهذا السر لأحد لمدة طويلة, فما السبب ؟
بعد وصولي للقاهرة التقيت بالشيخ محمد متولي الشعراوي – رحمة الله عليه – وقصصتُ عليه ما حدث, فما كان منه إلا القول: "هذه نعمة أنعم الله بها عليك، فأرجو أن تلزم الصمت حيالها ولا تبلغ بها أحدًا", وهو ما استجبتُ إليه لسنواتٍ طوال, قبل أن أقرِّر البوح به تطبيقًا لتعاليم قرآننا الكريم "وأما بنعمة ربك فحدث", وكأنني أقدّم درسًا لشباب المسلمين بأهميَّة الاعتماد على الله وترك الأمور لمشيئته.
إطراء وتكريم
هذا على مستوى غسل الكعبة, فما هي الخواطر والذكريات التي تحتفظ بها عن أرض المملكة ؟
لا يمكن أن أنسى حوارًا كريمًا دار بيني وبين الملك فيصل رحمه الله حينما خاطبني بالقول: أنت الشيخ أبو العينين شعيشع؟ وأسمعني إطراءً لم أسمعْه في حياتي عن إعجابه بقراءتي للقرآن حينما أكَّد لي "أنني أقرأ القرآن من قلبي" هذا سرّ تفوقي علي أقراني، وهو ما اعتبرته وسامًا على صدري، لدرجة أنني حينما قرأت أمام جلالته كأنني لم أقرأ القرآن من قبل، وهو ما كان مثار إعجابه لدرجة أنه أصدر قرارًا عاجلًا بتكريمي ومنحني بعض الهدايا، تقديرًا منه لخدمتي لكتاب الله.
أكَّدت في أحد تصريحاتك أنك منعت مؤقتًا من قراءة القرآن في أحد مواسم الحج فهل تقص لنا هذه الواقعة؟
في بداية الثمانينيَّات من القرن الماضي دعيت لأداء فريضة الحج من قبل الديوان الملكي السعودي وأثناء أداء الفريضة طالبني بعض الأخوة السعوديين والمصريين بقراءة ما يتيسر من القرآن، وما أن بدأت أقرأ الآية تلو الأخرى حتى بدأ الحجيج خصوصًا المصريين يصدرون أصواتًا عاليَة جدًّا وحركات قد لا تتناسب مع جلال المناسبة المباركة، وهنا طلب مني القائمون على البيت الحرام التوقُّف عن قراءة القرآن حتى يعود النظام إلى الحرم المكي، بل وأخذوا تعهُّدات على الحجيج بعدم التمايل مع قراءتي للقرآن، وهو ما التزموا به نسبيًّا وانتهت الأزمة.