السعيد شويل
20-03-2011, 12:54 PM
--------------------------------------------------------------------------------
التفريط فى الأمانة والتقاعس عن نشر الرسالة
************************************************** ***************
عاد السحاب وغامت السماء وبدأ القمر فى الأفول وأظلم المكان وغاب عن الأنظار كل بناءٍ
وعمران وتبددت الأفكار وتحجرت وبدا الطريق قاحلاً بَهيماً ومبهماً ..
وإذا بِهما يسمعان صوتاً خافتاً يناجى الله ويناديه .. فوقف كلٌ فى مكانهِ منصتاً متحسساً لهذا
الصوت وصداه .. ثم اتجها إليه وما أن اقتربا منه إذا برجلٍ متضرعاً باكياً ينادى الله منكسراً
متواضعاً .. قائلاً :
هجرت الخلق جميعاً .. أرتجى منك وصلاً فهل أقضى أمنيتى .
أتحرقنى بالنار يا غاية المنى .. فأين رجائى فيك أين مخافتى .
كم بتّ من حرقىِ وفرط تعلقى .. أُجرِى عيوناً من عيونى الدامعة .
لاعبْرتى ترقا ولاوصلى له يبقى .. ولا عينى القريحة هاجعة .
ياعدتى فى كربتى ويا وليى فى نعمتى ويا غايتى فى رغبتى .. إليك قصدت وببابك وقفت
وإلى جنابك التجأت ولك سألت أن تصلى وتسلم على سيدنا محمد ما دار فى السماء فلك
وما سبح فى الملكوت ملك وأن توفقنى لاتباعه والقيام بآدابه وسنته وأن تمتعنى برؤيته
وتقربنى من حضرته وتسعدنى بمحبته ..
يا مُجيب الدعوات ويا سامع الأصوات أتيتك راجياً أطلب رحمتك طامعاً فى دخول جنتك فلا تخذلنى ..
يا مفتح الأبواب ومسبب الأسباب أتيتك طائعاً طالباً خشوع الإيمان مخافة خشوع العذاب فى
النيران ..
اللهم ارحمنى إذا انقضى أجلى وانقطع عملى اللهم هب لى منك فرقاناً تشرح به صدرى وترفع به
قدرى
اللهم إنى أعوذ بك من كل جبارٍ عنيد وشيطانٍ مريد وأستعيذ بك من شر ما أعطيتنا وشر
ما منعتنا ومن شر ما ينزل من السماء وما يعرج فيها ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها ....
وهنا : ..
انقشع الغمام وزال الظلام .. فقدِما الرجل والشيخ وأقدما عليه ونظرا إليه وإلى الدموع التى
تتساقط من عينيه وقد غطت وكست وجنتيه فألقيا السلام عليه فقام من جِلسته وهو يجفف
وجهه ومقلتيه ..
رد عليهما السلام وصافحهما .. ثم قال لهما : من أنتما .. ومن أين أتيتما .. ؟ !
تبادلا الرجل والشيخ النظرات وهما يخفيان ما انتابا أعينهما من عبَرات ..
فقال الشيخ : أيها العابد الزاهد : أنا شيخ هرِم اعتورتنى السنين وطال بِىَ الحنين إلى جنة رب
العالمين
ولقد هدانا الله إلى بلوغ أذيال المتهجدين وحنين المشتاقين لنرى نفساً صافية قائمة بين يدىْ
خالقها عاكفة على مناجاة بارئها تتنسم من النفحات وتتضرع إلى العطايا والهبات ..
وهذا الرجل حزين شاردٌ مهموم لايلين ولا يستكين .. يتساءل تساؤلات محمومة عما يتوارد
فى عقله وفكره من أحاسيس مكبوتة سار فى هذا الليل بلا هدىً ولا طريق بعيداً عن الصخب
والضجيج .. وجدته مهموماً .. فجلسنا وتحاورنا ولكنه ما زال مغموماً ..
رحب بِهما الرجل العابد ودعاهما إلى الجلوس بجواره فى مكانٍ لا حسيس فيه ولا أنيس إلا
من الأنس بالله والتزود من عطاياه .. ثم التفت إلى الرجل واتجه بنظره إليه قائلا له :
أيها الرجل الحزين : من أثناه اليأس عن فعل الله وقدرته أو ساوره الشك فى علم الله وإرادته
فقد باء بسخط من الله فقد قال الله فى كتابه :
{ إنّه لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ }
ومن أدناه الأمل والرجاء ظاناً أنه قد صار فى أمن وأمان فقد باء بالبوار والخسران
فقد قال العزيز الرحمان
{ أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ }
يا أخى : إذا أراد الله بعبدٍ خيراً ألهمه الطاعة وألزمه القناعة وفقهه فى الدين وعضده باليقين
فاكتفى بالكفاف واكتسى بالعفاف .. وإذا أراد الله به شراً شغله بدنياه ووكَله إلى هواه وحبّب
إليه المال وبسط له الآمال .. فأنا أريد وأنت تريد .. والله فعال لما يريد .. فإن رضيت بما أراد
الله أعطاك الله ما تريد .. وإن لم ترض بما أراد الله حرمك الله مما تريد ..
فهذا ملك الله ولن يصير فيه إلا ما يريد ..
**********
هبّ الرجل من مكانه واقفاً وللرجل العابد قائلا : حقاً ما تقول أيها العابد ولكنى أتساءل عن
الرسالة التى ورثناها وعن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حملناها .. :
كيف لا نقوم بفرضها .. ؟ وكيف نتقاعس عن التكليف الواجب من الله علينا بِها .. ؟ ! ..
ولقد قال الله فى كتابه ومحكم آياته :
{وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ }
وقال سبحانه وتعالى
{وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ
قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ }
أليس من الواجب علينا أن نرعى أمانة الله ونصون عهده لتحقيق وعده لإنقاذ الحيارى
التائهين والأخذ بيد العاصين والمذنبين لننجو بِهم من ذل المعصية إلى عز الطاعة ومن ظلام
الجهل إلى نور العلم ولنقيهم من عذاب الله الأليم وهول الجحيم للفوز بجنة رب العالمين ..
نظر إليه العابد وقال له : إجلس أخى الكريم : ألا تعلم أننا محاسبون بما نحن به مكلفون ..
هذا الخطاب من الله الذى ورد فى كتاب الله إنما هو : لطائفةٍ من المسلمين وهم كل من تفقه
فى الدين من الأئمة والعلماء فاولئك هم ذوى التمكن والإقتدار واولئك هم المنذرون لأقوامهم
والمحذرون لشعوبِهم ..
يا أخى : لو تعيّن عليك فرضاً من الله فأقمته فأنت المثاب .. ولو قمت بتركه فقد بؤت بالمأثم
والعقاب .. أما فى فروض الكفايات : إن قام البعض بفعلها سقط الفرض عن الباقين ..
وما تتساءل عنه فرضٌ من هذه الفروض يكفى أن يقوم به طائفة من المسلمين لإسقاطه عن
الآخرين
فإن تقاعدوا أو تخاذلوا .. إن تقاعسوا أو تواكلوا : فهنا : يعمّ الفرض أو الإثم علينا أجمعين
فقال له الرجل المهموم : لقد أصبت فيما قلت أيها الزاهد .. ولكن .. : ألا ترى : أن غالب
علماء الدين ودعاة المسلمين متقاعسين عن التكليف الواجب عليهم والرسالة المُلقاة على
عاتقهم فلا يقوموا ببيان شرع الله ويكتمون ما نزل فى كتاب الله ..
انتفض العابد مندهشاً وقال : أوْضِح لى يا أخى ما تَهدف وترمى إليه ..
فقال : إنّهم لا يبينون المنهج الكامل فى دين الله ويُغفلون كمال الرسالة التى أنزلها الله ..
وقد قال الله تعالى
{ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }
ألا ترى أيها العابد : أنّهم يغضون الطرف عن الجهاد والقتال فى سبيل الله ولا يتحدثون عن
قواعده وأحكامه وكأنه ليس فى كتاب الله ..
ألا ترى : أنّهم تجاهلوا بيان الفرض فى قتال المشركين وهم قابعين فى الوثنية يغطون فى
الجاهلية يعبدون غير الله .. وقد قال الله جل علاه
{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه }
أليس من الواجب عليهم أن يبينوا حكم الله فى هؤلاء الكفار الذين عمَت أبصارهم
وجثا الجهل على عقولهم .. أليس من الواجب عليهم أن يسلكوا لهم الحجة والمحجة للعدول
بِهم عما هم فيه من ضلال وطغيان إلى عبادة العزيز الرحمان لينتشلوهم مما غرِقوا فيه من
الجهالة وما انْهمكوا فيه من الضلالة
**********
ألا ترى : أنّهم يستحون من بيان أحكام الجزية التى ضربَها وفرضها الله على الذين
أوتوا الكتاب وعن وجوب اقتهارهم وقتالهم عليها إذا أبوا أن يعطونَها وهم صاغرين ..
وقد قال الله فى كتابه ومحكم آياته :
{قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ
دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ }
أليس من الواجب عليهم بيان الحكم الذى ورد فى كتاب الله عن اليهود والنصارى وعن
غيرهم ممن هو على شاكلتهم وممن كذبوا وأنكروا دين الله وجحدوا كتاب الله ولم يوقنوا
بالدلالات والبراهين واستكبروا عن وضوح الحق المبين بأن الله قد ضرب الجزية عليهم
للنجاة بِهم وإنقاذهم مما هم فيه منغمسين وما هم فيه قابعين علّهم يثوبون إلى رشدهم ويتذكرون
الفطرة التى فطرها الله لهم ..
*************
ألا ترى : أن هؤلاء العلماء والدعاة يروا ما يسرى فى هذا الزمان فى غالب البلاد الإسلامية
بما يسمى بحرية العقيدة والإعتقاد مخالفين أصل الدين وما أمر به رب العالمين ..
وهم قد عقدوا ألسنتهم وصمّوا آذانَهم .. ألم يقرأوا قول الواحد القهار :
{ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ
اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ }
ألم يروا أيها الزاهد : أبحاث أهل النفاق والشقاق وآرائهم المزلة وأهوائهم المضلة التى
يزينونَها ويطوّعونَها للعمل بِها بين المسلمين ويلوون بِها أعناق نصوص كتاب الله المبين ..
وهم قد ركنوا للدعة والسكون ساكتين صامتين .. ألم يقرأوا قول العزيز الجبار :
{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ
النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }
ألم يدركوا أيها العابد : ما قال ويقول به الأفاقين والمنافقين وقد أصدروا حكماً جائراً
وقولاً ظالماً على كل من أراد القتال والجهاد فى سبيل الله ورفع راية دين الإسلام بأنه خارج
عن حظيرة الدين .. وقد قال تعالى
{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ }
ألم يعوا أيها العابد : مخالفة المسلمين لما فرضه الله من عقوبات للجنايات والحدود
والتعزيرات وما بعدوا به عن حدود الله فى الميراث والمعاملات وما احتكموا إليه من قوانينَ
وضعية وما سنّوه من أحكام غير سماوية .. وهم لا يدفعونَها ولا يحركون ساكناً لها ..
وقد قال الله تبارك وتعالى
{وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }
ألم يعلموا مايقوم به أعداء الدين وما يبثنوه سراً ولا يتظاهرون به جهراً
وكيف تجمع الاموال وتحشد الجهود وتذلل الصعاب فى سبيل تمكين المبشرين منهم من
التفريط فى الأمانة والتقاعس عن نشر الرسالة
************************************************** ***************
عاد السحاب وغامت السماء وبدأ القمر فى الأفول وأظلم المكان وغاب عن الأنظار كل بناءٍ
وعمران وتبددت الأفكار وتحجرت وبدا الطريق قاحلاً بَهيماً ومبهماً ..
وإذا بِهما يسمعان صوتاً خافتاً يناجى الله ويناديه .. فوقف كلٌ فى مكانهِ منصتاً متحسساً لهذا
الصوت وصداه .. ثم اتجها إليه وما أن اقتربا منه إذا برجلٍ متضرعاً باكياً ينادى الله منكسراً
متواضعاً .. قائلاً :
هجرت الخلق جميعاً .. أرتجى منك وصلاً فهل أقضى أمنيتى .
أتحرقنى بالنار يا غاية المنى .. فأين رجائى فيك أين مخافتى .
كم بتّ من حرقىِ وفرط تعلقى .. أُجرِى عيوناً من عيونى الدامعة .
لاعبْرتى ترقا ولاوصلى له يبقى .. ولا عينى القريحة هاجعة .
ياعدتى فى كربتى ويا وليى فى نعمتى ويا غايتى فى رغبتى .. إليك قصدت وببابك وقفت
وإلى جنابك التجأت ولك سألت أن تصلى وتسلم على سيدنا محمد ما دار فى السماء فلك
وما سبح فى الملكوت ملك وأن توفقنى لاتباعه والقيام بآدابه وسنته وأن تمتعنى برؤيته
وتقربنى من حضرته وتسعدنى بمحبته ..
يا مُجيب الدعوات ويا سامع الأصوات أتيتك راجياً أطلب رحمتك طامعاً فى دخول جنتك فلا تخذلنى ..
يا مفتح الأبواب ومسبب الأسباب أتيتك طائعاً طالباً خشوع الإيمان مخافة خشوع العذاب فى
النيران ..
اللهم ارحمنى إذا انقضى أجلى وانقطع عملى اللهم هب لى منك فرقاناً تشرح به صدرى وترفع به
قدرى
اللهم إنى أعوذ بك من كل جبارٍ عنيد وشيطانٍ مريد وأستعيذ بك من شر ما أعطيتنا وشر
ما منعتنا ومن شر ما ينزل من السماء وما يعرج فيها ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها ....
وهنا : ..
انقشع الغمام وزال الظلام .. فقدِما الرجل والشيخ وأقدما عليه ونظرا إليه وإلى الدموع التى
تتساقط من عينيه وقد غطت وكست وجنتيه فألقيا السلام عليه فقام من جِلسته وهو يجفف
وجهه ومقلتيه ..
رد عليهما السلام وصافحهما .. ثم قال لهما : من أنتما .. ومن أين أتيتما .. ؟ !
تبادلا الرجل والشيخ النظرات وهما يخفيان ما انتابا أعينهما من عبَرات ..
فقال الشيخ : أيها العابد الزاهد : أنا شيخ هرِم اعتورتنى السنين وطال بِىَ الحنين إلى جنة رب
العالمين
ولقد هدانا الله إلى بلوغ أذيال المتهجدين وحنين المشتاقين لنرى نفساً صافية قائمة بين يدىْ
خالقها عاكفة على مناجاة بارئها تتنسم من النفحات وتتضرع إلى العطايا والهبات ..
وهذا الرجل حزين شاردٌ مهموم لايلين ولا يستكين .. يتساءل تساؤلات محمومة عما يتوارد
فى عقله وفكره من أحاسيس مكبوتة سار فى هذا الليل بلا هدىً ولا طريق بعيداً عن الصخب
والضجيج .. وجدته مهموماً .. فجلسنا وتحاورنا ولكنه ما زال مغموماً ..
رحب بِهما الرجل العابد ودعاهما إلى الجلوس بجواره فى مكانٍ لا حسيس فيه ولا أنيس إلا
من الأنس بالله والتزود من عطاياه .. ثم التفت إلى الرجل واتجه بنظره إليه قائلا له :
أيها الرجل الحزين : من أثناه اليأس عن فعل الله وقدرته أو ساوره الشك فى علم الله وإرادته
فقد باء بسخط من الله فقد قال الله فى كتابه :
{ إنّه لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ }
ومن أدناه الأمل والرجاء ظاناً أنه قد صار فى أمن وأمان فقد باء بالبوار والخسران
فقد قال العزيز الرحمان
{ أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ }
يا أخى : إذا أراد الله بعبدٍ خيراً ألهمه الطاعة وألزمه القناعة وفقهه فى الدين وعضده باليقين
فاكتفى بالكفاف واكتسى بالعفاف .. وإذا أراد الله به شراً شغله بدنياه ووكَله إلى هواه وحبّب
إليه المال وبسط له الآمال .. فأنا أريد وأنت تريد .. والله فعال لما يريد .. فإن رضيت بما أراد
الله أعطاك الله ما تريد .. وإن لم ترض بما أراد الله حرمك الله مما تريد ..
فهذا ملك الله ولن يصير فيه إلا ما يريد ..
**********
هبّ الرجل من مكانه واقفاً وللرجل العابد قائلا : حقاً ما تقول أيها العابد ولكنى أتساءل عن
الرسالة التى ورثناها وعن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حملناها .. :
كيف لا نقوم بفرضها .. ؟ وكيف نتقاعس عن التكليف الواجب من الله علينا بِها .. ؟ ! ..
ولقد قال الله فى كتابه ومحكم آياته :
{وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ }
وقال سبحانه وتعالى
{وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ
قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ }
أليس من الواجب علينا أن نرعى أمانة الله ونصون عهده لتحقيق وعده لإنقاذ الحيارى
التائهين والأخذ بيد العاصين والمذنبين لننجو بِهم من ذل المعصية إلى عز الطاعة ومن ظلام
الجهل إلى نور العلم ولنقيهم من عذاب الله الأليم وهول الجحيم للفوز بجنة رب العالمين ..
نظر إليه العابد وقال له : إجلس أخى الكريم : ألا تعلم أننا محاسبون بما نحن به مكلفون ..
هذا الخطاب من الله الذى ورد فى كتاب الله إنما هو : لطائفةٍ من المسلمين وهم كل من تفقه
فى الدين من الأئمة والعلماء فاولئك هم ذوى التمكن والإقتدار واولئك هم المنذرون لأقوامهم
والمحذرون لشعوبِهم ..
يا أخى : لو تعيّن عليك فرضاً من الله فأقمته فأنت المثاب .. ولو قمت بتركه فقد بؤت بالمأثم
والعقاب .. أما فى فروض الكفايات : إن قام البعض بفعلها سقط الفرض عن الباقين ..
وما تتساءل عنه فرضٌ من هذه الفروض يكفى أن يقوم به طائفة من المسلمين لإسقاطه عن
الآخرين
فإن تقاعدوا أو تخاذلوا .. إن تقاعسوا أو تواكلوا : فهنا : يعمّ الفرض أو الإثم علينا أجمعين
فقال له الرجل المهموم : لقد أصبت فيما قلت أيها الزاهد .. ولكن .. : ألا ترى : أن غالب
علماء الدين ودعاة المسلمين متقاعسين عن التكليف الواجب عليهم والرسالة المُلقاة على
عاتقهم فلا يقوموا ببيان شرع الله ويكتمون ما نزل فى كتاب الله ..
انتفض العابد مندهشاً وقال : أوْضِح لى يا أخى ما تَهدف وترمى إليه ..
فقال : إنّهم لا يبينون المنهج الكامل فى دين الله ويُغفلون كمال الرسالة التى أنزلها الله ..
وقد قال الله تعالى
{ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }
ألا ترى أيها العابد : أنّهم يغضون الطرف عن الجهاد والقتال فى سبيل الله ولا يتحدثون عن
قواعده وأحكامه وكأنه ليس فى كتاب الله ..
ألا ترى : أنّهم تجاهلوا بيان الفرض فى قتال المشركين وهم قابعين فى الوثنية يغطون فى
الجاهلية يعبدون غير الله .. وقد قال الله جل علاه
{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه }
أليس من الواجب عليهم أن يبينوا حكم الله فى هؤلاء الكفار الذين عمَت أبصارهم
وجثا الجهل على عقولهم .. أليس من الواجب عليهم أن يسلكوا لهم الحجة والمحجة للعدول
بِهم عما هم فيه من ضلال وطغيان إلى عبادة العزيز الرحمان لينتشلوهم مما غرِقوا فيه من
الجهالة وما انْهمكوا فيه من الضلالة
**********
ألا ترى : أنّهم يستحون من بيان أحكام الجزية التى ضربَها وفرضها الله على الذين
أوتوا الكتاب وعن وجوب اقتهارهم وقتالهم عليها إذا أبوا أن يعطونَها وهم صاغرين ..
وقد قال الله فى كتابه ومحكم آياته :
{قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ
دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ }
أليس من الواجب عليهم بيان الحكم الذى ورد فى كتاب الله عن اليهود والنصارى وعن
غيرهم ممن هو على شاكلتهم وممن كذبوا وأنكروا دين الله وجحدوا كتاب الله ولم يوقنوا
بالدلالات والبراهين واستكبروا عن وضوح الحق المبين بأن الله قد ضرب الجزية عليهم
للنجاة بِهم وإنقاذهم مما هم فيه منغمسين وما هم فيه قابعين علّهم يثوبون إلى رشدهم ويتذكرون
الفطرة التى فطرها الله لهم ..
*************
ألا ترى : أن هؤلاء العلماء والدعاة يروا ما يسرى فى هذا الزمان فى غالب البلاد الإسلامية
بما يسمى بحرية العقيدة والإعتقاد مخالفين أصل الدين وما أمر به رب العالمين ..
وهم قد عقدوا ألسنتهم وصمّوا آذانَهم .. ألم يقرأوا قول الواحد القهار :
{ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ
اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ }
ألم يروا أيها الزاهد : أبحاث أهل النفاق والشقاق وآرائهم المزلة وأهوائهم المضلة التى
يزينونَها ويطوّعونَها للعمل بِها بين المسلمين ويلوون بِها أعناق نصوص كتاب الله المبين ..
وهم قد ركنوا للدعة والسكون ساكتين صامتين .. ألم يقرأوا قول العزيز الجبار :
{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ
النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }
ألم يدركوا أيها العابد : ما قال ويقول به الأفاقين والمنافقين وقد أصدروا حكماً جائراً
وقولاً ظالماً على كل من أراد القتال والجهاد فى سبيل الله ورفع راية دين الإسلام بأنه خارج
عن حظيرة الدين .. وقد قال تعالى
{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ }
ألم يعوا أيها العابد : مخالفة المسلمين لما فرضه الله من عقوبات للجنايات والحدود
والتعزيرات وما بعدوا به عن حدود الله فى الميراث والمعاملات وما احتكموا إليه من قوانينَ
وضعية وما سنّوه من أحكام غير سماوية .. وهم لا يدفعونَها ولا يحركون ساكناً لها ..
وقد قال الله تبارك وتعالى
{وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }
ألم يعلموا مايقوم به أعداء الدين وما يبثنوه سراً ولا يتظاهرون به جهراً
وكيف تجمع الاموال وتحشد الجهود وتذلل الصعاب فى سبيل تمكين المبشرين منهم من