المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : البدعة الحسنة (الحلقةالثانية)


د. أحمد محمود آل محمود
07-07-2008, 02:43 AM
الحلقة الثانية
بسم الله الحمد لله والصلاة السلام على سيدنا محمد رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه واتبع هداه وبعد

فإليكم إخواني وأخواتتي في الله اليوم الجزء الثاني من الحديث عن البدعة الحسنة التي أنكرها السلفيون الجدد وذلك بسبب عدم جمعهم بين كتاب الله تعاى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وموقفهم الجامد من النصوص القرآنية والنبوية على السواء وعدم قدرتهم على الفهم والاستنباط كما فهمه علماء الأمة من السلف الصالح
ملخص ما سبق

لقد ظهر من كلام أهل التفسير لكتاب الله تعالى أن البدعة الحسنة في دين الله تعالى قد أقرها الله تعالى في كتابه استدلالا بما أحدثه النصارى من نظام الرهبانية، لكن محل التحذير عدم الالتزام. ولذلك فإن من ألزم نفسه بفعل قربة لم يكتبها الله تعالى على أمة محمد ولم يسنها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حدود الأصول التي جاءت من عند الله سبحانه وتعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم لا تسمى بدعة سيئة بل هي بدعة حسنة أو سنة حسنة والقول بأنه لا توجد بدعة حسنة في دين الله تعالى كلام مناقض لكتاب الله سبحانه وتعالى ، وعلى هذا الأساس فيجب علينا أن نفهم ما ورد من النصوص لا على الأسس الذي اعتمده السلفيون بتعطيل النص القرآني وإعمال النص النبوي هداهم الله وفقههم في دينه.

ثم أننا ننتقل نقلة أخرى وهي أن نستعرض نصوص السنة النبوية في شأن البدعة فما هي النصوص الواردة في سنة النبي صلى الله عليه وسلم؟ ولذلك يجب علينا أولا حصرها ثم بعد ذلك فهمها ومحاولة الجمع بينها وبين ما ورد من مشروعية البدعة الحسنة في الدين وفي كتاب الله سبحانه وتعالى.

وسوف أخص الحديث اليوم عن حديث العرباض بن سارية ثم أذكر أراء علماء وشراح الحديث فيه ثم أتناول في حلقة ثالثة إن شاء الله باقي الأحاديث النبوية في المحدثات وما نهي عنه وما أبيح

فأما حديث العرباض بن سارية فقد رواه ابن ماجة أحمد والبيهقي.حديث : ( وَإِيَّاكُمْ وَالأُمُورَ الْمُحْدَثَاتِ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) وهي رواية واحدة لا شريك لها.وفي رواية أخرى له (وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ ).

قال العلماء فأما رواية العرباض بن سارية فإنه حديث عام قال ابن حجر وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ " كُلّ بِدْعَة ضَلالَة " مَا أُحْدِث وَلا دَلِيل لَهُ مِنْ الشَّرْع بِطَرِيقِ خَاصّ وَلا عَامّ .

قَالَ الشَّافِعِيّ " الْبِدْعَة بِدْعَتَانِ : مَحْمُودَة وَمَذْمُومَة ، فَمَا وَافَقَ السُّنَّة فَهُوَ مَحْمُود وَمَا خَالَفَهَا فَهُوَ مَذْمُوم " أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم بِمَعْنَاهُ مِنْ طَرِيق إِبْرَاهِيم بْن الْجُنَيْد عَنْ الشَّافِعِيّ .

وَجَاءَ عَنْ الشَّافِعِيّ أَيْضًا مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي مَنَاقِبه قَالَ " الْمُحْدَثَات ضَرْبَانِ مَا أُحْدِث يُخَالِف كِتَابًا أَوْ سُنَّة أَوْ أَثَرًا أَوْ إِجْمَاعًا فَهَذِهِ بِدْعَة الضَّلال ، وَمَا أُحْدِث مِنْ الْخَيْر لا يُخَالِف شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَهَذِهِ مُحْدَثَة غَيْر مَذْمُومَة " اِنْتَهَى

ثم قال ابن حجر :
وَقَسَّمَ بَعْض الْعُلَمَاء الْبِدْعَة إِلَى الأَحْكَام الْخَمْسَة وَهُوَ وَاضِح ، وَثَبَتَ عَنْ اِبْن مَسْعُود أَنَّهُ قَالَ : قَدْ أَصْبَحْتُمْ عَلَى الْفِطْرَة وَإِنَّكُمْ سَتُحْدِثُونَ وَيُحْدَث لَكُمْ فَإِذَا رَأَيْتُمْ مُحْدَثَة فَعَلَيْكُمْ بِالْهَدْيِ الأَوَّل ،

فَمِمَّا حَدَثَ 1 - تَدْوِين الْحَدِيث ثُمَّ تَفْسِير الْقُرْآن فأما هذا النوع فَأَنْكَرَهُ عُمَر وَأَبُو مُوسَى وَطَائِفَة وَرَخَّصَ فِيهِ الأَكْثَرُونَ،
2 - ثُمَّ تَدْوِين الْمَسَائِل الْفِقْهِيَّة الْمُوَلَّدَة عَنْ الرَّأْي الْمَحْض وَأَمَّا الثَّانِي فَأَنْكَرَهُ جَمَاعَة مِنْ التَّابِعِينَ كَالشَّعْبِيِّ ،
3 - ثُمَّ تَدْوِين مَا يَتَعَلَّق بِأَعْمَالِ الْقُلُوب ، وهذا الثَّالِث فَأَنْكَرَهُ الْإِمَام أَحْمَد وَطَائِفَة يَسِيرَة.
وَقَالَ اِبْن عَبْد السَّلَام : فِي أَوَاخِر " الْقَوَاعِد " الْبِدْعَة خَمْسَة أَقْسَام " فَالْوَاجِبَة " كَالاشْتِغَالِ بِالنَّحْوِ الَّذِي يُفْهَم بِهِ كَلَام اللَّه وَرَسُوله لِأَنَّ حِفْظ الشَّرِيعَة وَاجِب ، وَلا يَتَأَتَّى إِلا بِذَلِكَ فَيَكُون مِنْ مُقَدَّمَة الْوَاجِب ، وَكَذَا شَرْح الْغَرِيب وَتَدْوِين أُصُول الْفِقْه وَالتَّوَصُّل إِلَى تَمْيِيز الصَّحِيح وَالسَّقِيم

وَالْمُحَرَّمَة " مَا رَتَّبَهُ مَنْ خَالَفَ السُّنَّة مِنْ الْقَدَرِيَّة وَالْمُرْجِئَة وَالْمُشَبِّهَة "

وَالْمَنْدُوبَة " كُلّ إِحْسَان لَمْ يُعْهَد عَيْنُهُ فِي الْعَهْد النَّبَوِيّ كَالِاجْتِمَاعِ عَلَى التَّرَاوِيح وَبِنَاء الْمَدَارِس وَالرُّبَط وَالْكَلَام فِي التَّصَوُّف الْمَحْمُود وَعَقْد مَجَالِس الْمُنَاظَرَة إِنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ وَجْه اللَّه

" وَالْمُبَاحَة " كَالْمُصَافَحَةِ عَقِب صَلَاة الصُّبْح وَالْعَصْر ، وَالتَّوَسُّع فِي الْمُسْتَلَذَّات مِنْ أَكْل وَشُرْب وَمَلْبَس وَمَسْكَن . وَقَدْ يَكُون بَعْض ذَلِكَ مَكْرُوهًا أَوْ خِلَاف الأَوْلَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

قَالَ الْحَافِظ اِبْن رَجَب الحنبلي فِي كِتَاب جَامِع الْعُلُوم وَالْحِكَم : وَالْمُرَاد بِالْبِدْعَةِ مَا أُحْدِثَ مِمَّا لا أَصْل لَهُ فِي الشَّرِيعَة يَدُلّ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا مَا كَانَ لَهُ أَصْل مِنْ الشَّرْع يَدُلّ عَلَيْهِ فَلَيْسَ بِبِدْعَةٍ شَرْعًا وَإِنْ كَانَ بِدْعَة لُغَة ، فَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كُلّ بِدْعَة ضَلالَة " مِنْ جَوَامِع الْكَلِم لا يَخْرُج عَنْهُ شَيْء ، وَهُوَ أَصْل عَظِيم مِنْ أُصُول الدِّين.

وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي كَلام السَّلَف مِنْ اِسْتِحْسَان بَعْض الْبِدَع فَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْبِدَع اللُّغَوِيَّة لا الشَّرْعِيَّة ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْل عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِي التَّرَاوِيح " نِعْمَتْ الْبِدْعَة هَذِهِ " وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ " إِنْ كَانَتْ هَذِهِ بِدْعَة فَنِعْمَتْ الْبِدْعَة " وَمِنْ ذَلِكَ أَذَان الْجُمُعَة الأَوَّل زَادَهُ عُثْمَان لِحَاجَةِ النَّاس إِلَيْهِ وَأَقَرَّهُ عَلِيّ وَاسْتَمَرَّ عَمَل الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ قَالَ : " هُوَ بِدْعَة " وَلَعَلَّهُ أَرَادَ ، مَا أَرَادَ أَبُوهُ فِي التَّرَاوِيح اِنْتَهَى مُلَخَّصًا .

قال المنذري وَالْمُحْدَث عَلَى قِسْمَيْنِ مُحْدَث لَيْسَ لَهُ أَصْل إِلا [ الشَّهْوَة ] : وَالْعَمَل بِالْإِرَادَةِ فَهَذَا بَاطِل ، وَمَا كَانَ عَلَى قَوَاعِد الأُصُول أَوْ مَرْدُود إِلَيْهَا فَلَيْسَ بِبِدْعَةٍ وَلا ضَلَالَة اِنْتَهَى كَلام الْمُنْذِرِيِّ .

وقال الامام النووي في شرح الأربعين النووية : وقوله: " وإياكم ومحدثات الأمور " إعلم أن المحدث على قسمين: محدث ليس له أصل في الشريعة فهذا باطل مذموم.
ومحدث يحمل النظير على النظير فهذا ليس بمذموم لأن لفظ المحدث ولفظ البدعة لا يذمان لمجرد الإسم بل لمعنى المخالفة للسنة والداعي إلى الضلالة ولا يذم ذلك مطلقاً فقد قال الله تعالى: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث) وقال عمر رضي الله عنه " نعمت البدعة هذه " يعني التراويح.

قال الحرالي في فيض القدير: (وإياكم ومحدثات الأمور) أي احذروها وهي ما أحدث على غير قواعد الشرع كما سبق (فإن شر الأمور محدثاتها) التي هي كذلك (وكل محدثة) أي خصلة محدثة (بدعة وكل بدعة ضلالة )

قال ابن رجب الحنبلي : فهذا الحديث يدلُّ بمنطوقه على أنَّ كلَّ عملٍ ليس عليه أمر الشارع ، فهو مردود ، ويدلُّ بمفهومه على أنَّ كلَّ عمل عليه أمره ، فهو غير مردود ، والمراد بأمره هاهنا : دينُه وشرعُه ، كالمراد بقوله في الرواية الأخرى : (( مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ )) .

وقال في موضع آخر قوله : (( وإيَّاكم ومحدثاتِ الأمور ، فإنَّ كلَّ بدعة ضلالة )) تحذيرٌ للأمة مِنَ اتِّباعِ الأمورِ المحدَثَةِ المبتدعَةِ ، وأكَّد ذلك بقوله : (( كلُّ بدعةٍ ضلالةٌ )) ، والمراد بالبدعة : ما أُحْدِثَ ممَّا لا أصل له في الشريعة يدلُّ عليه ، فأمَّا ما كان له أصلٌ مِنَ الشَّرع يدلُّ عليه ، فليس ببدعةٍ شرعاً ، وإنْ كان بدعةً لغةً ،

وقال: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
المؤلف : الملا على القاري أي احذروا عن الأمور التي أحدثت على خلاف أصل من أصول الدين واتقوا أحداثها فإن كل محدثة بدعة أي في الشريعة وكل بدعة ضلالة إلا ما خص.

مما تقدما يتبين لنا
1 - أن هذا الحديث (وإيَّاكم ومحدثاتِ الأمور ، فإنَّ كلَّ بدعة ضلالة ) حديث عام
2 - اتفاق السادة علماء السلف من شراح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (وإيَّاكم ومحدثاتِ الأمور ، فإنَّ كلَّ بدعة ضلالة ) بأن المقصود بالبدعة السيئة والضلالة هي ما خالفت الأصول والقواعد الشرعية مما لا أصل له ولا دليل شرعي يقره.
3 - أمَّا ما كان له أصلٌ مِنَ الشَّرع يدلُّ عليه ، فليس ببدعةٍ شرعاً.
4 - أن العلماء الكرام قسموا البدعة إلى حسنة وقبيحة مَحْمُودَة وَمَذْمُومَة ، فَمَا وَافَقَ السُّنَّة فَهُوَ مَحْمُود وَمَا خَالَفَهَا فَهُوَ مَذْمُوم.
5 - ومنهم من جعل الأحكام الخمسة تكتنفها وضرب على ذلك الأمثال.
نفعنا الله بما علمنا وعلمنا علما ينفعنا وجعل ذلك في ميزان حسناتنا يوم نلقاه إنه سميع مجيب والله أعلم وصلى الله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم