المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تاريخ العقيدة الأشعرية بالغرب الإسلامي


ميثاق
28-03-2008, 09:44 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

منقول من وزارة الأوقاف المغربية بتصرف و تعليق الفقير ميثاق

يتاريخ العقيدة الأشعرية بالغرب الإسلامي
لم يكن الغرب الإسلامي بمعزل عن التحولات الفكرية التي تعرفها بلدان المشرق. كما أن علماء المشرق أنفسهم كانوا حريصين على أن تصل آراؤهم ومذاهبهم إلى مختلف ربوع العالم الإسلامي. وكانت بوابة الغرب الإسلامي ومعبر الآراء والمذاهب إليه تونس –أو إفريقية بتعبير القدماء- وخاصة حاضرة القيروان.
ومن أوائل الذين نشروا الأشعرية بالقيروان أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الزبيدي المعروف بالقلانسي (ت 359هـ)(8) . وقد كان ابن أبي زيد القيرواني على صلة علمية بأبي عبد الله بن مجاهد البصري (ت 370هـ) أحد تلامذة الإمام أبي الحسن الأشعري، حتى إن بعض المصادر جزمت بتحول ابن أبي زيد إلى المذهب الأشعري بعد كتابته لرسالته الشهيرة التي جاءت مقدمتها العقدية على مذهب السلف في تفويض معاني الصفات الإلهية وتجنب التشبيه والتأويل معا.
( قال الفقير ميثاق بل الرجل كان مفوضا و بقي مفوضا كما كان و دفاعه عن الأشعرية لا شك فيه فالرجل كان سنيا و مات سنيا فلا تحول في عقيدته كما قرره مؤخرا الشيخ أحمد محمد نور سيف مدير عام دار البحوث بالامارات في تحقيقاته الرائعة على شرح عقيدة ابن ابي زيد القيرواني للقاضي عبد الوهاب البغدادي الأشعري المالكي ).
وكان لتلاميذ الإمام أبي بكر الباقلاني (ت 403هـ) -وهو من أعلام المالكية والأشعرية في الآن نفسه- دور بالغ الأهمية في نشر الأشعرية بتونس. ومنهم أبو الحسن القابسي (ت 403هـ)؛ وأبو عمران الفاسي (ت 430هـ) الذي استقر بالقيروان بعد عودته من المشرق.
وفي الفترة نفسها تقريبا كان العلماء الذين عادوا من الرحلة إلى المشرق ينشرون الأشعرية في أقصى الغرب الإسلامي؛ أي في الأندلس. ومنهم الإمام أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي (ت 392هـ)، والمحدث أبو عمر الطلمنكي (ت 429هـ)،
(قال الفقير ميثاق في ما يخص الطلمنكي فيه نظر فالرجل يقول بالجهة كما أثر ذلك على تلميذه الحافظ ابن عبد البر فقال بما قاله شيخه فلم ابصر اشعرية للطلمنكي أبدا)
وأبو عمرو الداني المقرئ (ت 444هـ)، والقاضي أبو الوليد الباجي (ت 474هـ).
أما في المغرب الأقصى فقد احتاج انتشار الأشعرية إلى مدة أطول نسبيا لأسباب كثيرة؛ منها أن المغرب لم يعرف المذاهب العقدية غير السنية كالاعتزال والتشيع إلا في حدود ضيقة وفي مناطق محصورة؛ ولذلك لم تمس الحاجة عند العلماء إلى تبني الأشعرية في بيئة يقل فيها الخلاف العقدي، وكان يكفيهم موقف كبار العلماء من سلف الأمة انتشار الأشعرية بالمغرب إلى القرن السادس الهجري.
ومن أبرز العلماء الذين نشروا الأشعرية في المغرب أبو بكر محمد بن الحسن المرادي الحضرمي القيرواني (ت 489هـ) صاحب "التجريد في علم الكلام"، وتلميذه أبو الحجاج يوسف بن موسى الضرير (ت 520هـ) شيخ القاضي عياض وصاحب أرجوزة وافية في العقيدة. ومنهم أبو عبد الله محمد بن خلف الإلبيري (ت 537هـ) صاحب "الأصول إلى معرفة الله والرسول" و"الرد على أبي الوليد بن رشد في مسألة الاستواء".
وظلت الأشعرية في عهد المرابطين حبيسة الأوساط العلمية؛ لأنهم كانوا شديدي التحفظ مما يمكن أن يزعزع الوحدة الدينية والمذهبية للمجتمع. وكانت نزعة المحافظة عند طائفة من العلماء المقربين من أمراء المرابطين وحرص طائفة أخرى على إرضائهم من أسباب هذا الوضع.
ومع الموحدين –الذين وظفوا قضايا العقيدة في نزع المشروعية من المرابطين واتهموهم بالتشبيه والتجسيم- ستعرف الأشعرية بالمغرب مرحلة مد عام وكاسح لتكامل الأدوار ما بين سلطة العلماء والسلطة السياسية. وبالإضافة إلى ما لقيته "مرشدة" ابن تومرت وكتاباته في الاعتقاد -( قال الفقير ميثاق و أهم كتبه كتابه المسمى أعز ما يطلب و هو خميرة العقيدة الاشعرية كتبه بالبربرية و ترجم الى العربية رأيت نسخة منه في المكتبة الوطنية بالجزائر)- من احتفاء اتجه العلماء إلى دراسة وتدريس المصادر الحقيقية للمذهب الأشعري ككتاب "الإرشاد" لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني. ومن أبرز علماء هذه الفترة أبو عمرو عثمان بن عبد الله السلالجي (ت 574هـ) الذي نبغ في علم العقيدة وكثر تلامذته الذين أخذوا عنه العقيدة الأشعرية حتى لقب بـــ"منقذ أهل فاس من التجسيم. وقد عرفت رسالته المختصرة "العقيدة البرهانية" انتشارا واسعا في المغرب، وأقبل عليها العلماء يشرحونها ويدرّّّسونها. وإذا كانت الأشعرية قد التحمت بالتدريج بالفقه المالكي منذ العصر الموحدي؛ فإن معظم أهل التصوف أيضا كانوا يميلون إلى المذهب الأشعري. وهذا الالتحام بين المكونات الثلاثة للتدين في المغرب هو الذي سيلخصه لاحقا الفقيه عبد الواحد بن عاشر –وهو يوضح عمدة منظومته التعليمية "المرشد المعين على الضروري من علوم الدين"- قائلا:
في عقد الأشعري وفقه مالك وفي طريقة الجنيد السالك
وبقيت "البرهانية" و"مرشدة" ابن تومرت مهيمنتان على مجالس العلم بالمغرب إلى أن ألف العلامة محمد بن يوسف السنوسي (ت 895هـ) ضمن ما ألف في العقيدة رسالته "أم البراهين" أو "العقيدة الصغرى". فكتب لها الانتشار لصغر حجمها، وبعدها عن التعقيد. ظلت "أم البراهين" وشروح العلماء عليها مرجعا في علم العقيدة بالمغرب في حلقات الدرس إلى عهد قريب. ولم يكن يزاحمها على هذه المكانة إلا بعض المنظومات العقدية باللغة الأمازيغية التي كان بعض الفقهاء يؤلفونها لتكون مرجعا لطلبة منطقة سوس في بعض الزوايا.
(قال الفقير ميثاق و قد كان للمنظومة المسمات بالجزائرية دورا مهما كذلك في تثبيت عقائد الأشعري في الجزائر و هي زبدة العقيدة الأشعرية عدد أبياتها 355 بيت و صاحبها البحر العلامة أحمد بن عبد الله الزواوي الجزائري المتوفى سنة 884 ه و هو تلميذ الولي الصالح المفسر عبد الرحمن الثعالبي شيخ الجزائر قبره يزار الى اليوم من العلماء و العوام في اعالي العاصمة و بالذات بحي القصبة العريق. و قد شرح الجزائرية الامام السنوسي شرحا مفصلا في كتاب سماه المنهج السديد في شرح كفاية المريد و بعدما اطلع الزواوي على شرح السنوسي لجزائريته أثنى عليه ثناء كبيرا و على شرحه بأبيات زيدت في بعض المخطوطات مع مقدمة الجزائرية للفائدة).
وقد أسهمت الأشعرية رفقة المذهب المالكي والتصوف السني في خلق انسجام مذهبي وعقدي في المغرب جنبه كثيرا من القلاقل والفتن التي كانت تقع في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي بسبب الخلافات العقدية. وبرغم بروز اتجاهات عقدية غير أشعرية عند بعض علماء المغرب بعد القرن السادس الهجري ( قال الفقير ميثاق و كان هذا نادرا جدا فالمغرب الاسلامي لم يعرف الا المذهب المالكي فقها و الأشعرية عقيدة و التصوف سلوكا و ورش قراءة ) فإن التعبير عن الخلاف كان محصورا في السجال العلمي. ولم تتحول الأشعرية إلى موضوع نقاش وأخذ ورد في المجتمع المغربي بل في الغرب الإسلامي عموما إلا بعد أن تعرضت لهجوم ممنهج في العقود الأخيرة...( قال الفقير ميثاق و القصد من هذا الكلام الاخير دخول الوهابية الى أراضينا التي باتت و ستظل غريبة عن ديارنا و ما هذا المسح التاريخي لعقيدة المغاربة الا شاهد على ذلك.)

ميثاق
28-03-2008, 09:56 AM
لماذا اعتنق المغاربة العقيدة الأشعرية؟

إن التزام أهل الغرب الإسلامي، وخصوصا أهل المغرب، بالمذهب الأشعري له أكثر من دلالة في سياقه الحضاري والتاريخي. ذلك أن العقيدة الأشعرية في تراث هذه البقعة الجغرافية كانت مقوما من مقوماته الفكرية.

وقد عبر عبد الواحد بن عاشر (ت 1040هـ) عن هذا المعنى في منظومته المرشد المعين بقوله:

في عقد الأشعري وفقه مالك *** وفي طريقة الجنيد السالك

فظلت عقيدة أهل الغرب الإسلامي عقيدة أشعرية، مما يعني أن دخول هذا المذهب لهذه المنطقة لم يكن حدثا عابرا، وإنما تميز بكونه عرف تأصيلا وترسيما وتطورا امتد من القرن الخامس الهجري إلى يومنا هذا.

ولعل الإشكال المركزي الذي يطرح نفسه في هذا المقام، هو عن طبيعة المناخ العام لاعتناق أهل المغرب للعقيدة الأشعرية، وصيرورة تشكل هذا المذهب في التربة المغربية، ومكمن السر في تشبث المغاربة بهذا المذهب إلى يومنا هذا؟ ثم ما هي نقط القوة في هذا المذهب الذي منحته القدرة على التكيف والاستمرارية؟

أسئلة كثيرة يمكن أن تطرح في هذا الصدد، ومع أننا لا نزعم امتلاك أجوبة نهائية لها، فإننا سنحاول أن نثير مجموعة من القضايا علها تساعدنا في كشف النقاب عن مكمن هذا السر ومصدر هذه القوة. وكذا مراحل تطوره فيها. وهو ما لم تستطع جل الأدبيات الفكرية المعاصرة التي اهتمت بهذا الموضوع أن تجيب عليه.

ومما لا شك فيه، أن تتبعنا لمختلف الأطوار التاريخية التي مر بها هذا الفكر في هذه المنطقة بالذات سيكشف لنا الآليات والميكانيزمات التي كانت تحركه، وأوجه تميزه واستقلاليته عن المدرسة الأشعرية في المشرق، مما يكشف طبيعة العلاقة الجدلية القائمة بين هذا الفكر وخصوصية الواقع المغربي المميز، وملابساته التاريخية والاجتماعية والسياسية التي عرفها. سيما وأن الفكر الأشعري المغربي قد عرف قفزة نوعية، سواء من حيث تطوره التاريخي، أو من حيث مضامينه وثوابته، أو منهجيته.

*- اتصال المغاربة المالكيين بنظرائهم الأشاعرة في المشرق
فقد كان مجموعة من كبار المفكرين بالأندلس والمغرب، وتونس يتجهون في بداية حياتهم العلمية إلى المشرق فيتلقون دراستهم الفقهية والعقدية على كبار الأشاعرة هناك، وعند عودتهم إلى بلدانهم يعودون مقتنعين أشد ما يكون الاقتناع بهذا المذهب وبضرورة نشره وتعميمه بين الناس.

*- تبني الدولة الموحدية المذهب الأشعري مذهبا رسميا للدولة
إذ سعت الدولة الموحدية إلى محاربة الاتجاه السلفي العقدي، وترسيم المذهب الأشعري كمذهب رسمي للدولة

*-الأشعرية والفرقة الناجية
اعتقاد المغاربة بأن العقيدة الأشعرية، هي الفرقة الناجية الواردة في حديث "افترقت بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين، فرقة ناجية، واثنتين وسبعين في النار" (1) ، وذلك لاعتبارات عديدة منها: أن العقيدة الأشعرية تتميز بالوسطية والشمولية، و مراعاة لذلك الأثر الوارد في حق المغرب " لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق" (2) ..

*- خصائص العقيدة الأشعرية بالمغرب
إن العقيدة الأشعرية تتميز بشموليتها ووسطيتها وتوفيقيتها.. وقد أقر العلماء بالمجهود الكبير الذي قام به أبو الحسن الأشعري، في إعادة أسس العقيدة السنية السلفية إلى أصلها الصحيح، وقواعدها الإيمانية السليمة، ثم قرروا جميعا أن العقيدة الأشعرية، هي نفسها عقيدة "أهل السنة والجماعة" واستمر الأمر على ذلك إلى يومنا هذا.

أي أن الفكر الأشعري في الغرب الإسلامي عموما، وفي المغرب الأقصى خصوصا، هو طبق الأصل لصاحب المذهب وهو أبو الحسن الأشعري.. الأمر الذي يفيد من جهة أخرى أن أشعرية المغاربة لم تتأثر بالاتجاهات الأشعرية في المشرق، مثل الاتجاه الجويني والباقلاني والغزالي .. بل هي أشعرية اعتدالية سنية سلفية محافظة خلافا لما يلاحظ في بعض الأقطار.

*- الوحدة السياسية للمنطقة
منذ انفصال المغرب عن الخلافة العباسية سياسيا سنة (172هـ/ ق 8م)، ظلت سمة الوحدة السياسية - وقد تكلم كثيرون على هذه الوحدة (3) التي طبعت الجو السياسي العام بالمغرب.. وقد اكتملت هذه الوحدة زمن الموحدين بعد الجهد الكبير الذي بذله الأدارسة والمرابطون قبلهم. هذه الوحدة السياسية منحت المنطقة وحدة مذهبية وعقائدية وسلوكية.. وبذلك تميزت المنطقة بطابع الوحدة والاتحاد والاستقلال ترابيا وسياسيا واجتماعيا بحكم طبائعها وتقاليدها وتراثها..

*- بعد المنطقة عن بؤرة التوتر
إن منطقة الغرب الإسلامي تتقاسم المسؤولية المشتركة مع الشرق الإسلامي للمحافظة على التراث الإسلامي والهوية الإسلامية.. إلا أنها وبحكم بعدها عن الشرق جغرافيا، فهي أقل تأثرا بمظاهر تلك التيارات الإلحادية والصراعات الأيديولوجية. أي أن منطقة الغرب كانت في مأمن أكبر من الفتن.

*- المزاوجة بين الفكر والسياسة
إن المغاربة المتكلمون زاوجوا في تنظيراتهم بين السياسة/الدولة وعلم الكلام، في حين اكتفى المتكلون المشارقة بتسويغ أو تسفيه هذه السياسة أو تلك. وهذا لا يعني أن هؤلاء كان علم الكلام لديهم وسيلة لتحقيق مآربهم السياسية..

*- تمسك المغاربة بالمذهب المالكي

كان لدخول المذهب المالكي إلى المغرب أثر قوي في دعم عقيدة أهل السنة. فقد كان للإمام مالك موقف كلامي عقدي ديني، خالف به أقوال المذاهب المنحرفة، وكان من الأسس التي بنى عليها الأشاعرة مذاهبهم.
ولذلك آزر المالكية المذهب الأشعري وانتموا إليه، فكان هو مذهبهم العقدي إلى جانب فقه مالك وتصوف الجنيد، وهكذا ارتبط العقدي بالفقهي والصوفي في تفكير المغاربة.

*- تصحيح لحن العامة في علم الكلام وتطور العقيدة الأشعرية
لما كان علم الكلام الأشعري قد عرف بالمغرب طابع تعميمه على مجموع شرائح المجتمع، بما في ذلك عامة الناس وبادئ الرأي فيهم، فأضحى وكأن هناك مجالين معرفيّين: مجال تنتظم فيه الثقافة العقدية انتظاما يتلقاه المتعلمون داخل حقل تعليمي مضبوط ومنظم. والثاني يشكل الثقافة التلقائية، المتداولة في الكلام الشفوي. فبرزت ظاهرة خاصة بالثقافة الأشعرية في الغرب الإسلامي، وهي ظاهرة تنقية الثقافة الشفوية من رواسب العقائد الأخرى المعتزلية، والشيعية، والخارجية.. مما جعل هذه العقيدة تحافظ على استقلاليتها وتميزها..

*- إنزال علم الكلام إلى العامة
ثم إن هناك خاصية في الفكر المغربي تمثلت في إنزال علم الكلام إلى العامة، اضطرت –هذه الخاصية- المفكرين تباعا إلى تبسيط مضامينه واختصارها، حتى يسهل على الناس تناولها والاقتراب منها، وحتى لا يسبب أي شيء فيها داعيا لنفورهم منها وبعدهم عنها. لذلك لم تختلط مباحث هذا العلم بمباحث الفلسفة والمنطق كما فعل متأخرو الأشاعرة في المشرق. بل ظل عندهم مبحث العقائد مبحثا مبسطا.

*- جامع القرويين ودعمه للعقيدة الأشعرية
وقد كان لجامع القرويين فضل كبير في نشر العقيدة الأشعرية واستمرار وجودها بالمغرب، إذ كانت محل عناية شيوخه الذين كانوا يقومون على تدريسها ويؤلفون في شرحها وتحليلها إلى عهد قريب..

هكذا حافظ المغاربة على هذا الفكر السني السلفي التوفيقي المعتدل، دون مبالغة في الخوض العقدي، ودون تعمق في تأويل الصفات، ولكنهم في نفس الوقت لا ينكرون وظيفة العقل ولا يرفضون العقلنة السليمة والمعتدلة.

الهوامش:
(1) - أخرجه الدارمي وابن ماجة في سننهما. وذكر أهل الحديث أن أسانيد هذا الحديث تتراوح بين الصحة والحسن والضعف.
(2) - رواه بهذه الصيغة أبو نعيم في الحلية، وعلق عليه: "هذا حديث مشهور"، وذكره السيوطي في الدر المنثور.
(3) - ابن خلدون في العبر. الإدريسي في نزهة المشتاق. ابن أبي زرع في روض القرطاس. الطبري في تاريخ الأمم والملوك. اليعقوبي في المسالك والممالك. المقري في نفح الطيب.ابن عذارى في البيان المغرب. المعجب في تلخيص أخبار المغرب. وغيرهم من الباحثين والمؤرخين وعلماء الاجتماع.

ميثاق
28-03-2008, 09:57 AM
مراحل اعتناق المغاربة للعقيدة الأشعرية

إن أول ملاحظة قد يسجلها الباحث وهو يتناول قضية الفكر الأشعري بالغرب الإسلامي بالدراسة والمتابعة،هي قلة الدراسات التي اهتمت بهذا الجانب مقارنة مع مختلف ما ألف ونشر في قضايا الفكر الإسلامي عموما.. ولعل من أبرز أسباب هذه الندرة الركون إلى التقليد حينما استقرت أمور التوحيد على هذه العقيدة السنية..

تاريخ دخول المذهب الأشعري إلى المغرب

تختلف آراء الباحثين في من كان أول من أدخل مبادئ الفكر الأشعري إلى الغرب الإسلامي، إلا أنها جميعها تكاد تجمع على أن إرهاصات هذا الفكر ظهرت في القرن الرابع الهجري. ومنها ما يزعم أنه كان في حياة أبي الحسن الأشعري. ومن المؤكد أن هذا الفكر كان موجودا ومعروفا زمن المرابطين، وقد دل على ذلك استقراؤنا لمختلف الأدبيات التي أرخت للفكر الأشعري بالمغرب، ومن ذلك ما أورده محمد بن تاويت الطنجي في تقديمه لكتاب "ترتيب المدارك" (1)، إذ يقول عن المدرسة الأشعرية المغربية أيام المرابطين: "هذه المدرسة المغربية كانت على علم تام بالجدل والمناظرة وأصول الدين والكلام على مذهب أبي الحسن الأشعري، وإن كتب الأشاعرة في علم الكلام كانت معروفة بين رجال المغرب يتدارسونها في كافة أنحاء المغرب.."، ومما يؤيد كلام ابن تاويت هذا ما لمح إليه الناصري في "الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى" حيث يقول بعد أن نقل كلام ابن خلدون(2) وانتصر له، ثم تحفظ قليلا فقال: "... وإن كان (المذهب الأشعري) قد ظهر في المغرب قبل ابن تومرت ظهورا ما..."(3)
ثم إن القول بأن بداية دخول الفكر الأشعري رسميا إلى المغرب زمن المرابطين، فيه إشارة إلى أن المذاهب الكلامية التي سبقت المدرسة الأشعرية كانت قد تسربت إلى المغرب خصوصا مع بداية القرن الثاني الهجري بدخول العرب الفاتحين إلى المغرب، ومن هذه المذاهب: مذهب الخوارج والمعتزلة والشيعة والمرجئة، ورافق ظهور المذهب الخارجي بالمغرب دخول مذهب المعتزلة الواصلية أتباع واصل بن عطاء الذين ظهروا في طنجة وسجلماسة ومكناسة.
وعن تسرب الفكر الشيعي يقول الناصري في "الاستقصا": "حج أبو عبيد الله المحتسب، داعية العبيديين من الشيعة... واجتمع بمكة بحجاج كتامة من أهل المغرب، فتعرف إليهم، ووعدهم بظهور المهدي، من آل البيت على يدهم، ويكون لهم به الملك والسلطان، فتبعوه على رأيه، وصحبهم إلى بلادهم، ورأس فيهم رئاسة دينية، وقرر لهم مذهب الشيعة، فاتبعوه وتمسكوا به، ثم بايعوا مولاه عبيد الله المهدي، أول خلفاء العبيديين، فاستولى على إفريقية"(4) .
وبالنسبة لدخول الفكر الخوارجي إلى المغرب قبل الأدارسة في منتصف القرن الثاني الهجري/ 8م على يد الفرقة الخوارجية "الصفرية" يقول أيضا صاحب الاستقصا: "اجتمعت الصفرية (وهي إحدى فرق الخوارج التي انتشرت بالغرب الإسلامي) بناحية مكناسة بالمغرب الأقصى، فنقضوا طاعة الأمويين وولوا عليهم عيسى بن يزيد الأسود، من رؤوس الخوارج، واختطوا مدينة سجلماسة سنة 140 من الهجرة، ودخل سائر مكناسة من أهل تلك الناحية في دينهم.."(5)
وفي هذا الصدد يقول " ابن عذارى" في البيان المغرب.." وهو يتحدث عن دخول الفكر الخوارجي الإباضي إلى المغرب قبل دخول الأدارسة ما يلي: "فر عبد الرحمن بن رستم إلى الغرب بمن خف من أهله وماله، واجتمعت إليه الإباضية" وعزموا على بناء تجمعهم، فنزلوا بموضع تيصرت، وهي غيضة بين ثلاثة أنهار.. وكان ذلك سنة 161"(6) .
وبخصوص دخول المعتزلة إلى المغرب الأقصى، وتوسعهم في أرجاء المعمور الإسلامي قبل أفول نجمهم، يقول شاعرهم صفوان الأنصاري في حق توسع المعتزلة الذي شمل المغرب العربي أيام الأغالبة والفاطميين خاصة:
"له خلف شعب الصين في كل ثغرة *** إلى سوسها الأقصى وخلف البراري"
لا بد من التذكير بأن الفكر الشيعي والخوارجي والاعتزالي قد تقلص في المغرب قبل شهرة وانتشار الفكر الأشعري..

كيف دخل الفكر الأشعري إلى المغرب؟
وترجح بعض الدراسات أن يكون الفكر الأشعري قد دخل المغرب الأقصى مباشرة وبالضبط إلى مراكش العاصمة زمن المرابطين، قبل أن ينتشر في أماكن أخرى من المغرب العربي، بدليل منشأ ومسكن ووفاة أبي الحسن المرادي الحضرمي(7) الذي عاش ومات بين مراكش وأغمات والصحراء المغربية. جاء في كتاب "الغنية" وهو الكتاب الذي ترجم فيه عياض لشيوخه ما يلي: "الحسن المرادي الحضرمي هو أول من أدخل علم الاعتقاد إلى المغرب الأقصى".
فكان المرادي الحضرمي أول من أدخل علم الاعتقاد للمغرب، وكونه سكن بأغمات، نفهم من ذلك، أن دراسة هذا الفن كانت لأول مرة بمراكش العاصمة المغربية قبل غيرها من البلدان.."
كما تذكر بعض الروايات أن أبا الحجاج يوسف بن موسى الكلبي (ت 520هـ) هو أول من اشتغل بالفكر الأشعري وعلمه ودرسه للمغاربة.. وفي هذا الصدد يقول صاحب الغنية" وهو يتحدث عن شيوخه في علم الكلام، والعقيدة الأشعرية ما يلي: "..أن أبا الحجاج يوسف بن موسى الكلبي كان من المشتغلين بعلم الكلام، على مذهب الأشعرية بالمغرب، وقرأت عليه أرجوزته الصغرى في الاعتقاد... وهو من تلاميذ أبي الحسن المرادي الحضرمي.."
ويعلق الأستاذ الكنسوسي في بحثه حول "القاضي عياض"(8) ، فيقول: "وعلى أن المرادي هو أول من أدخل هذا العلم للمغرب يكون أبو الفضل من السابقين الذين درسوا علم الكلام لأول مرة بالمغرب.." ثم ينقل كلام ابن تاويت، فيقول: " وقد فند ابن تاويت في مقدمته للمدارك دعوى ابن تومرت بأن أهل المغرب لم تكن لديهم العقائد، وذكر كذبته الشنيعة التي خلدها عليه التاريخ.."
مراحل تطور المذهب بالمغرب
باستقرائنا لمختلف الأدبيات التي أرخت للمذهب الأشعري في الغرب الإسلامي، وخصوصا في مراحله الأولى تفيد أن هذا المذهب قد عرف رجالات تمثلوا العقيدة الأشعرية، والتزموا بمبادئها وأفكارها.. حيث شهدت الفترة الممتدة من وفاة أبي الحسن الأشعري (ت324هـ) إلى بداية القرن السادس الهجري بروز نخبة من المفكرين المغاربة العائدين من المشرق، وهم متشبعون بالفكر الأشعري، بعد أن استقوه من ينابيعه الأصلية..
ومع أن هؤلاء قد سعوا إلى تعميم هذا الفكر ونشره بين أوساط الناس، فإن الطابع الفردي في تمثل هذا المذهب ظل هو الطابع المميز لهذه الفترة. إذ لم يتعد هؤلاء مجالهم الخاص في التزامهم بهذا المبدأ، حيث ظلت دائرة تمثيل هذا المذهب لا تتعدى دائرة الأصحاب وبعض الأتباع القلائل.

ميثاق
28-03-2008, 09:58 AM
ومما لا شك فيه أن الفكر المغربي السني كان على صلة بالفكر الأشعري، في هذه الفترة التاريخية المبكرة، ومما يدل على ذلك آراء ابن أبي زيد القيرواني (ت386هـ) وعقيدته التي هي في مقدمة رسالته، فهي نموذج العقائد السنية في هذه الفترة، وهي مع هذا متلبسة بآراء الأشعرية التي تتمثل في عدد فقراتها التي قصد بها المؤلف الرد على مذاهب الاعتزال والإرجاء والخارجية والشيعة على طريقة الأشاعرة..
وإذا كانت الدولة المرابطية لم تتبن المذهب الأشعري مذهبا رسميا للدولة، مما ضيق من أفق انتشار هذا المذهب في الأوساط العامة، لاعتبارات سياسية وتاريخية آنية، تمثلت على الخصوص في تبني هذه الدولة للعقيدة السلفية، فإن ذات الأسباب- أعني الظرفية السياسية والتاريخية- ستكون وراء تشبث الموحدين بالعقيدة الأشعرية ومحاولة تثبيتها وجعلها مذهبا رسميا للدولة الموحدية.
لذلك عمل المنظرون في الدولة الموحدية على تثبيت دعائم هذا المذهب وترسيمه، فقاموا بمجهودات نظرية وأخرى أيديولوجية_سياسية لفرض هذا الفكر على العامة والخاصة على حد سواء، وسخروا مختلف الآليات الراهنة لفرض هذا الفكر.
وضمن هذه السيرورة التاريخية، والتدافعات السياسية، فرض الفكر الأشعري نفسه موضوعا لنقاشات كلامية متقدمّة، إن على مستوى العرض والتحليل، أو على مستوى الاحتجاج للمسائل العقدية.. فبرز مفكرون كبار أدلوا بدلوهم في هذا الشأن..
ومما يترجم ذلك مختلف المجهودات النظرية التي قام بها هؤلاء من أمثال أبي الحجاج يوسف بن موسى الضريري، ومهدي الموحدين محمد بن تومرت، وأبي بكر بن العربي المعافري، وأبي عمرو عثمان السلالجي في تدعيم المذهب الأشعري، وإرسائه مذهبا رسميا للبلاد.
ومع تطور السجالات والمناقشات التي قادها الأشاعرة وخصوصا مع الفلاسفة، لاحت في الأفق ظاهرة فكرية ارتبطت بحضور المذهب الأشعري في الغرب الإسلامي، وهي ظاهرة تصحيح أخطاء العامة في علم الكلام..
وعبر هذه المراحل كان علم الكلام يتأرجح بين حركتي المد والجزر، حسب الظرفية السياسية والتاريخية. وهكذا، عرف هذا العلم جمودا فكريا في القرن الثامن الهجري، عندما غلب التقليد وضعفت الهمم عن التجديد، وذهلت الأمة بكارثة سقوط الأندلس، إلى أن ظهر الإمام عبد الله محمد بن يوسف السنوسي (ت832هـ) الذي دعا للتجديد وحارب التقليد، فكان دوره متمثلا في ترميم المذهب وإعادة بنائه في شروط حضارية ومعرفية متميزة، وألف لهذه الغاية عدة مصنفات أهمها: العقيدة الكبرى...
ولظروف اجتماعية وحضارية للمنطقة، قبل أهل المغرب هذا الفكر ودعموه بمختلف الوسائل والآليات فاستطاعوا بذلك أن يؤسسوا مرحلة جديدة من مراحل تطور المذهب الأشعري في هذه المنطقة، كان لها تأثير جلي على صيرورة الفكر الأشعري في هذه المنطقة إلى وقتنا هذا..

الهوامش:
(1)- ترتيب المدارك، للقاضي عياض، ص حرف ط، تقديم
(2)- ابن خلدون يرى أن المذهب الأشعري دخل المغرب في عهد الموحدين، على يد المهدي بن تومرت..
(3)- الاستقصا، للناصري، ج1/ ص 140
(4)- الاستقصا، الناصري، ج1/132
(5)- المصدر نفسه، 1/124.
(6)- البيان المغرب، ابن عذارى، 1/196
(7)- أبو الحسن المرادي الحضرمي توفي سنة 489هـ/1086م. قيل عنه بأنه هو أول من أدخل هذا الفكر العقدي الأشعري الكلامي إلى الغرب الإسلامي عموما، والمغرب خصوصا...
(8)- انظر ندوة الإمام مالك، دورة القاضي عياض، مقال: "القاضي عياض" لولا عياض ما ذكر المغرب، أحمد الكنسوسي، ج2/174-175. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1401هـ/1981

ميثاق
28-03-2008, 09:59 AM
خصائص العقيدة الأشعرية في المغرب

إن المتتبع للحضور الأشعري في الغرب الإسلامي سيميز بين ثلاثة أطوار أو مراحل أساسية مر بها هذا الحضور، وكل مرحلة تميزت بطابع خاص على امتداد فترة وجودها..

في المرحلة الأولى لم يرق الوجود الأشعري إلى مستوى تكوين مدرسة أشعرية مغربية، وكل ما كان هناك هو تمثلات فردية لهذا المذهب ليس إلا...

أما المرحلة الثانية، وهي مرحلة ترسيم المذهب، ففيها شهد هذا المذهب انتشارا كبيرا وتغلغلا واسعا أدى إلى تعميمه وترسيمه. وفي هذه المرحلة بدأت ثوابت هذا المذهب بصيغتها المغربية تتشكل في ضوء الملابسات السياسية، والشروط الموضوعية والنظرية التي كان يعرفها الغرب الإسلامي وبخاصة في غضون تأسيس دولة الموحدين، لمواجهة العقيدة التي كانت سائدة زمن المرابطين (عقيدة أهل التسليم والتفويض) التي كانت مذهبا رسميا زمن الدولة المرابطية وقبلها..

فكان -والحال هذه -أن انتقى هؤلاء الأشاعرة من بين آراء الأشاعرة رأيا يرى أن علوم النظر واجبة شرعا وجوبا عينيا، وأنها شرط من شروط الإيمان، يصح بوجودها وينعدم ويبطل بانعدامها.

وفي هذا الاختيار دفاع عن المذهب الأشعري وتكريس له دون سواه. لأن علوم النظر في هذا السياق لم تكن تعني شيئا آخر غير مذهب "أهل الحق" فكان هذا ثابتا مركزيا ميز المذهب الأشعري بالغرب الإسلامي.

والجانب السياسي في العقيدة الأشعرية- زمن الموحدين- يأخذ طابع التسامح في شرط القرشية في الإمامة، ويكشف عن اجتهاد هؤلاء في تجاوز الإحراج السياسي الذي كان يفرضه عليهم كل خوض فيه إلى أن تم إقصاؤه من مباحث علم الكلام في المرحلة الأخيرة.

وإذا كنا نلحظ بالفعل تطورا ملحوظا كما وكيفا، ، فإنه في المرحلة السنوسية يستحيل إسقاط مفهوم التطور عليها مثلما لاحظنا في المرحلتين السابقتين لأنها مرحلة تدهور وتراجع، لكن هذا لم يمنع من وجود تطور كمي وتراكم لمؤلفات عقدية وانشغالات واسعة بهذا الميدان، مما حافظ على استمرارية هذا المذهب وتكريسه مذهبا رسميا للبلاد إلى يومنا هذا.

وهناك جوانب تميز بها حضور علم الكلام الأشعري في الغرب الإسلامي، والكشف عن الدواعي الكامنة وراء ذلك. ومن ذلك أنه نظرا لارتباط المذهب الأشعري في الغرب الإسلامي في بداياته الأولى بالمشروع الإصلاحي السياسي والديني، فقد وقعت في هذا المذهب انتقائية واضحة حكمت وجوده واستمراره في هذه البقعة من العالم الإسلامي. وقد قام هؤلاء المفكرون الأوائل بعملية انتقاء داخل هذا المذهب للآراء والاختيارات التي تناسب مواقعهم الإيديولوجية، والشروط الموضوعية التي عرفوها في صراعهم الإيديولوجي.

فعلى طول مرحلة الفكر الأشعري بالغرب الإسلامي نلحظ شبه إجماع على إيجاب النظر واعتباره من فروض الأعيان، ونبذ التقليد في العقائد نبذا صارما، واعتبار المقلدين كفارا، وما ذلك إلا لأن الصراعات النظرية والسياسية التي دارت بين مفكري الأشاعرة ومفكري أهل التسليم والتفويض كانت قد عرفت اصطدامات دموية عنيفة. فقد وجد المذهب الأشعري في مواجهته فكرا عقديا منظما يصادر النقل، وعلى ما كان عليه السلف الصالح، وفي نفس الوقت متحكما ومتمكنا من الساحة لاسيما في أوساط عوام الناس.

وكان من شأن هذا الوضع أن دفع الأشاعرة إلى التزام اختيار أشعري يقول به بعض أئمة الأشاعرة في المشرق وهو إلزام العوام بعلم الكلام وإجبارهم على النظر واعتبار ذلك شرطا من شروط إيمان الفرد، فجعلوه ثابتا مركزيا وأساسيا في المذهب.

كما كانت عملية انفصال الخلافة الموحدية عن الخلافة العباسية لأول مرة في تاريخ الغرب الإسلامي، وتكوين خلافة مغربية مستقلة حدثا سياسيا بارزا وخطيرا، لا سيما حينما تولى الحكم أمراء انعدم فيهم شرط القرشية، أو تحوم حوله عظيم الشكوك، وكان من نتائج هذا كله أن أصبح موضوع الإمامة في العقائد الأشعرية مدعاة لإحراج جمع كبير من المفكرين ودافعا لتساهلهم في هذا الشرط والتقليل من أهميته.

ويبدو لنا أن موضوع الإمامة قد تم فصله عن العقائد في المرحلة السنوسية ليشكل بذلك مبحثا خاصا سموه "مبحث الإمامة" هو أقرب إلى السياسة منه إلى العقائد، وهذا ما يبرر وجود كتابات سياسية في مبحث الإمامة على شكل رسائل متخصصة في هذا الموضوع ومركزة عليه بصفة خاصة.

أما موضوع النبوة فإنه نظرا للواقع النظري المغربي الذي كان واقعا بعيدا عن أفكار من عرف بتاريخ الإسلام بمنكري النبوات والمعجزات، أو بملاحدة الإسلام، أمثال أبي عيسى الوراق، وابن الراوندي، وغيرهما، فلم يثبت أن ظهر في الفكر المغربي عبر تاريخه الطويل من اعتنق هذه الأفكار أو رددها، وكل ما ثبت أن أفكار منكري النبوات هذه استمرت في المشرق تخبو مرة وتظهر أخرى، حتى حدود القرن السادس الهجري، وتمارس تهديدها على عقائد المسلمين، وتقض مضاجع من حملوا راية الدفاع عن هذه العقائد هناك. فكان عليهم إذن أن يتسلحوا للدفاع عن عقائدهم فيدفعوا أفكار هؤلاء وينتقدوها، فظهر لذلك موضوع النبوات في عقائد متكلمي المشرق وأشاعرتهم بخاصة مطبوعا بطابع الشعور بالتهديد. فكثرت فيه الاستدلالات على صحة النبوة والمعجزات، وطال فيها الحديث لكن في الغرب الإسلامي الذي لم يشهد هذا النوع من التهديد، ولم يعرف ذلك النوع من التفكير، فقد ظل موضوع النبوة موضوعا يدخل في إطار ما ينبغي اعتقاده والتصديق به، بعيدا عن المسحة التي طبع بها في المشرق، فلا نعثر على تلك الغزارة والإطناب في تحليله،اللهم إلا كتابات القاضي أبي بكر بن العربي الذي عاصر منهم من عاصر واحتك ببقايا ممثليهم في المشرق.

أما ما يتعلق بالسلطة المرجعية التي هيمنت في كل مرحلة من هذه المراحل الثلاث فقد انتهينا إلى أن المرحلة الأولى كانت مرحلة هيمن فيها تأثير الباقلاني فكانت المرجعية الباقلانية هي مرجعية هذه المرحلة. ومرد ذلك في نظرنا إلى أن جمعا كبيرا من أولئك الذين مثلوا مرحلة الدخول كانوا معاصرين للباقلاني ارتبطوا به بأحد الروابط والجسور، بحيث كان معظمهم تلاميذه أخذوا عنه، واحتكوا بفكره احتكاكا مباشرا، فكان ترديدهم لهذا المذهب انطلاقا من رؤية باقلانية واضحة.

أما المرحلة الثانية فقد ظهرت فيها مرجعية الإمام الجويني فكانت بذلك أفكار هذا الرجل بارزة السلطان، واضحة التأثير على معظم من تحرك في مجال علم الكلام في هذه المرحلة. وكان من أبرز مظاهر هذه المرجعية أن لاقى كتاب الإرشاد للجويني إقبالا منقطع النظير في هذه المرحلة حيث تلقاه مفكرو هذه المرحلة بالسير على نهجه وبكثرة الشروح عليه. وكل ذلك تأكيدا على مدى ما وصلت إليه هيمنة فكر إمام الحرمين الجويني على هذه المرحلة.

أما المرحلة الثالثة والأخيرة، أي المرحلة السنوسية، فهي وإن كانت مرحلة تراجع وتقهقر باعتبار معين فإنها مرحلة عرفت صعود نصوص من مثلوا الفكر الأشعري في المشرق من متقدميهم ومتأخريهم إلا أن الطابع الذي ميزها هو الطابع المنطقي في التأليفات العقدية، وفي المساجلات الكلامية، وفي الأجوبة والتعليقات حتى أضحى الخلط بين ما هو منطقي وما هو عقدي ميزة ميزت هذه المرحلة لا يقوى أحد على إنكارها. لكننا مع ذلك لا نجد الخلط بين المفاهيم السلفية وبين المفاهيم الكلامية الأشعرية، كما نجده عند متأخري الأشاعرة وبخاصة عند الفخر الرازي بل إننا نجد التصريح بذلك واضحا في كتابات هذه المرحلة.

وهناك نتيجة لاحظناها ونحن نتتبع الوجود الأشعري بالغرب الإسلامي تبدت في أن معظم أولئك الذين مثلوا الفكر الأشعري، ونهضوا في نشره وترسيمه وتغلغله بطلائع الأدوار كانوا متصوفة اشتهروا بتقواهم وورعهم وزهدهم وتجلى ذلك في الكرامات التي ظهرت عليهم، لكنهم لم يخلطوا تصوفهم هذا بميدان علم الكلام، ولا أظهروا فيه طابعهم الصوفي، أو ما يقرب من ذلك، فكان بين اختيارهم الصوفي واختيارهم العقدي فصلة واضحة، وحاجز ملموس يمنع التداخل بين الفكرين ويميز بين ما هو طرقي/صوفي وبين ما هو عقدي/ كلامي.

صحيح أن بعض مفكري الأشاعرة هنا لم تكن له صلات تذكر بالتصوف فكرا وتمدرسا، بل ربما وقف مواقف عدائية من بعض غلاة المتصوفة المفرطين، وتحفظ منهم تحفظا كبيرا بسبب الغلو والإفراط، واحترز من خطابهم وربما أحيانا ألف في الرد عليهم وليس على التصوف ذاته كمشرب روحي ومنهج إسلامي أصيل.

أضف إلى كل ما سبق أن الحضور الطويل للعقيدة الأشعرية في هذه المنطقة باعتبارها العقيدة الرسمية، جعل مضامينها تؤثر بكيفية أو بأخرى في مجموع مناحي الحياة الشفوية، فقد تشربت هذه العقيدة وتمثلتها من خلال الأدعية، والحكم، والأمثال السائدة، فعكست جميعها فكرة القضاء والقدر، والقدرة المطلقة للذات الإلهية، وإمكانية رؤية الله، وأمور أخرى.

وفي السياسة، ترسخت في الثقافة الشفوية فكرة أشعرية واضحة وهي: "أن السلطان ظالم ولا الرعية سائبة" أي يهون الصبر على الإمام الجائر أمام التسيب والفوضى، وهي فكرة أشعرية واضحة.
وقد أسهمت العقيدة الأشعرية في تكوين رؤية الإنسان المغربي إلى الكون والحياة، حيث تمكنت من أن تمثل عند الإنسان العادي رؤية إلى العالم معينة، وكذا إلى الله، وإلى علاقته بالعالم .

نور الدين الأزهري
28-03-2008, 07:17 PM
جهد مبارك سيدي ميثاق حفظكم الله تعالى..