المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مناقشات في تاريخ المذهب المالكي: نظرية ما جرى به العمل


الطاهر عمر الطاهر
19-07-2008, 02:37 PM
الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على نبينا محمد المصطفى، وعلى آله وصحبه أهل الرضى
هذا استئناف لحوار سابق أحاول فيه بإذن الله التطرق إلى بعض المحطات المهمة المؤثرة في تاريخ المذهب المالكي ومسيرته والتي أضفت عليه نوعا من التميز عن باقي المذاهب، وأحد أهم تلك السمات هي "نظرية ما جرى عليه العمل" والتي ابتدأها صاحب المذهب رضي الله عنه بعمل أهل المدينة المنورة ثم صارت بعده بقرون تشمل عمل القيروان وفاس وقرطبة وأضرابها من المدن مما أدعي -وسأثبت ذلك فيما بعد- أنه "بدعة تشريعية" هدمت الاجتهاد المذهبي وأضرت به وألزمت الناس ما لا يلزمهم شرعا ولا عقلا.
وأود ان أسجل بعض النقاط الأساسية حتى لا أتهم من بعض الإخوة بتهم الإساءة للإمام مالك أو لأصحابه، أو بـ"التأثر بالنزعة الغمارية"، أو بغيرها من الأوصاف، فأقول:
-أني مالكي أشعري والحمد لله لا أبتغي بديلا عن هذين وأحترم صاحب المذهب وعلماء المذهب احتراما زائدا، غير ان ذلك لا يمنعني من إبداء رأيي فيما لا أفهمه من مسائل ومواضيع، ليس إبرازا للذات ولا حظا للنفس بقدر ما هو استرشاد واستفسار عن الحق، واتباع لأحسن الحق، وأنا مستعد لتغيير رأيي وتعديله والتخلي عنه إذا ثبت خطأه.
-أني أطلب من محاوري أن يلتزم -وكذا ألزم نفسي- بأدب الحوار وأساليبه والي قوامها: إن كنت مدعيا فالدليل أو ناقلا فالصحة.
-------
إذا تقرر ذلك فإني أرى أن الابتداء بمناقشة هذا الموضوع لا بد له من المرور بمناقشة حجية عمل أهل المدينة وتحديد وجه الحجية فيه وحدودها، ومن ثم يتطرق النقاش إلى عمل باقي أهل المدائن....
وأطلب من الإخوة الكرام مالكية وغيرهم مناقشة هذا الموضوع وإثرائه بقدر ما يفيدون، وأطلب بإلحاح أيضا أن يكون المشرف مانعا لأي سوء تصرف يصدر من جميع المناقشين، ولا يعدل في مناقشاتهم ومشاركاتهم إلا إذا خالفوا شروط المنتدى وآداب الحوار، وأطلب أيضا من جميع المناقشين أن لا يحكموا إلا على الآراء التي تعرض امامهم ولا شأن لهم بما سوى ذلك من عقائد الكاتب وموطنه ومواضيعه السابقة، والله الموفق

الطاهر عمر الطاهر
19-07-2008, 03:14 PM
أرجو من الإخوة الكرام الأزهري وميثاق والرضا وابن نصر ومصطفى مناقشة هذه المقدمة الافتتاحية حتى يسير النقاش بشكل جيد

العويني
19-07-2008, 05:54 PM
ليأذن لي المشايخ المذكورة أسماؤهم أعلاه بأن أقول للأخ الطاهر أليس من الأنفع للنقاش أن يبدأ هو ببيان مفهوم جريان العمل عنده ؟ وما الذي فهمه من كلام علماء المذهب حوله ؟ وما الذي دعاه إلى انتقاده ؟

والرأي الأول والأخير لهم طبعا....

الطاهر عمر الطاهر
19-07-2008, 06:48 PM
ليأذن لي المشايخ المذكورة أسماؤهم أعلاه بأن أقول للأخ الطاهر أليس من الأنفع للنقاش أن يبدأ هو ببيان مفهوم جريان العمل عنده ؟ وما الذي فهمه من كلام علماء المذهب حوله ؟ وما الذي دعاه إلى انتقاده ؟

والرأي الأول والأخير لهم طبعا....
سيدي الكريم العويني
ما كان ذكر الأسماء أعلاه إلا بسبب انخراطهم في النقاش السابق، وإلا فالموضوع متاح لكل مشترك في المنتدى.
وما ذكرته من الأنفع للنقاش أعتقد أنه سابق لأوانه نوعا، لأن نظرية "العمل الإقليمي" التي قال بها المالكية المغاربة هي أحد امتدادات الاعتداد بعمل أهل المدينة؛ وتلخيص المفهوم هو: "اعتماد متأخرين لحكم أو اختيار سابق لفقيه أو قاض"؛ ولا يهم في ذلك الاختيار كونه ضعيفا أو مرجوحا أو غير ذلك، وسبب الانتقاد متعدد وليس الآن محل التفصيل.

مصطفى أمين
19-07-2008, 08:38 PM
طب نفسا فسيجيبك الإخوة الذين ذكرت وقد بقي عليك كثير من كبار الشيوخ المالكيين في هذا المنتدى كأبي نهيلة وأبي الفضل المالكي والعويني والأسمري والظريف والمازري وسليم الحداد والزيتوني إضافة إلى الشيوخ الذين ذكرت الأزهري والرضا وميثاق وسيف المذهب أبي نصر وغيرهم من كبار أهل الله المناضلين عن شرع الله قال الحماسي
وما أصاحب من قوم فأذكرهم ** إلايزيدهمو حبا إلي همو

العويني
19-07-2008, 08:38 PM
أخي الكريم
مع احترامي لرأيك

يقال : الحكم على الشيء فرع تصوره ، ولكي يحكم المشايخ الأفاضل على رأيك في مسألة جريان العمل لا بد لهم أن يعرفوا ما لديك ليناقشوك فيما هو مختلف فيه ويتجاوزوا ما هو متفق عليه

هذا في ظني سيوفر الوقت عليك وعليهم

والله الموفق

حسام ملاح
19-07-2008, 09:52 PM
أني أطلب من محاوري أن يلتزم -وكذا ألزم نفسي- بأدب الحوار وأساليبه والي قوامها: إن كنت مدعيا فالدليل أو ناقلا فالصحة
الأخ طاهر أتى مناقشا وليس محاربا فأرجو التلطف

ابن نصر
20-07-2008, 09:47 AM
أما أنا وإن كنت أوافق الاخ الطاهر في بعض ما كتب وأخالفه في البعض الاخر

لكن

أرجو أن يتقبل الاخوة إنسحابي وعدم مشاركتي ، مع إحترامي للاخ الطاهر و إعجابي بطرحه للموضوع
وفقكم الله

الأزهري
20-07-2008, 10:36 AM
الموضوع جيد، ولكنه مشهور مذكور في كتب الأصول، وهذه المباحثة إن استمرت لن تزيد على نقل الكلام من كتب الأصول إلى هنا.

لكن من المآخذ على مقدمة الموضوع:

ـ استعمال مصطلح (بدعة تشريعية) قبل الحوار ! وهذه مصادرة وتحكم، فالمقدمة استعملت تبديع القائلين بعمل أهل المغرب، وأصدرت الحكم عليهم منذ البداية فما فائدة الحوار إذن؟

ـ إذا كان الكاتب يريد الخوض في مبحث عمل أهل المدينة فليكن هو محور حديثه، ولكنه بطرقه لتبديع عمل فاس والمغرب يكون فتح مبحثا آخر، مما يضطر المحاور لأن يتكلم في عدة محاور دفعة واحدة.

ـ للوهلة الأولى يتصور قارئ المقدمة أن الكاتب قد خلص إلى تبديع عمل أهل المدينة نفسه لأنه جعل ما قام عليه من العمل ـ ولو في الظاهر ـ بدعة تشريعية، فمن أين يفهم القارئ أن الكاتب لم يرد عمل أهل المدينة وإنما أراد عمل أهل فاس مادام هذا الثاني قائما على الأول؟

ـ مصطلح (نظرية) يستعملها المتكلمون اليوم في شيء افتراضي لم يثبت، فإن كان الكاتب يريد هذا المعنى فهو إذن يقول بأن ما جرى عليه العمل مجرد فرضية لم تثبت فلا يمكن أن يثبت أن شيئا ما جرى عليه العمل أو أن ما يقال عنه بأنه جرى عليه العمل في المذهب المالكي ما هو إلا نظرية وهمية لا أساس لها، وفي هذا إشارة أخرى إلى أن عمل أهل المدينة في ذاته مجرد وهم ! ومن يريد هذا المعنى يستحيل أن يكون مالكيا، فإن كان مالكيا حقا فقد غلط في ذكر مصطلح (نظرية) ولا بد من واحد من هذين الاحتمالين.

لهذا كله أقترح على الأخ الطاهر أن يحدد وجهة نظره منذ البدء بوضوح ويحدد محل بحثه ويخصصه أكثر، ويصرح بما يريد ولا يلمح حتى يكون الحوار حوارا صحيحا، أي حتى أتحاور معك فيما نحن مختلفان فيه دون غيره، بحيث أتكلم وأنا أعرف ماذا تريد أنت أن تقول وتعرف أنت ماذا أريد أنا أن اقول. والله الموفق.

الطاهر عمر الطاهر
20-07-2008, 11:54 AM
أرجو أن يتقبل الاخوة إنسحابي وعدم مشاركتي ، مع إحترامي للاخ الطاهر و إعجابي بطرحه للموضوع
أرجو أن لا يكون انسحابك بسبب ما آل إليه النقاش السابق؛ وأنت مرحب بك في كل وقت ترى تدخلك فيه مفيدا

الطاهر عمر الطاهر
20-07-2008, 12:26 PM
الموضوع جيد، ولكنه مشهور مذكور في كتب الأصول، وهذه المباحثة إن استمرت لن تزيد على نقل الكلام من كتب الأصول إلى هنا.
سيدي الأزهري لا أدري أي الموضوعين أشهر في كتب الأصول، إن كان قصدك عمل أهل المدينة فمسلم نوعا ما، لأنه موضوع يتعلق بصاحب المذهب رضي الله عنه، وقد ناقشه فيه أقرانه كالليث وتلامذته كالشافعي، ولكن أغلب الأصوليين من الشافعية والأحناف لا يتطرقون لهذا العمل إلا في باب الإجماع ثم يعقبون بنقضه ورفضه، والمالكية من أهل الأصول لم يفردوه ببحوث مستقلة تجليه وتوضحه، اللهم إلا هذه الدراسات المعاصرة التي ابتدأت في السنوات الثلاثين الأخيرة وهي قليلة وكثير ما فيها مكرر.
أما إن كان قصدك العمل الإقليمي [فاس وقرطبة] فغير مسلم البتة، فلا أعلم عن ذكر له في كتب الأصول، بل في كتب القضاء والنوازل وعلى اقتضاب، والدراسات الجامعية الأكاديمية حوله شحيحة جدا، لا أعلم منها إلا دراسة واحدة عن العمل المغربي، أما العمل الأندلسي والتونسي وغيرهما فلا أعلم عن ذلك شيئا، فإن كنت تعلم عن عناوين مسجلة أو مطبوعة فأكون شاكرا لو دللتني عليها.
من جهة أخرى لا أريد أن يكون هذا الموضوع "مجرد نقل لما في كتب الأصول" بل أريد مناقشة ما في كتب الأصول ومقارنته مع الواقع الفقهي المالكي، وأنا آمل أن من الإخوة الأعضاء في المنتدى أساتذة مقتدرون قادرون على إرجاع الخطأ إلى الصواب لو كان، فنحن بهذا الموضوع في "مذاكرة" وليس في "تلخيص" أو "نسخ".

ـ استعمال مصطلح (بدعة تشريعية) قبل الحوار ! وهذه مصادرة وتحكم، فالمقدمة استعملت تبديع القائلين بعمل أهل المغرب، وأصدرت الحكم عليهم منذ البداية فما فائدة الحوار إذن؟
سيدي الكريم حكمي له بأنه بدعة تشريعية إنما كان مسبوقا بالوعد بأني سأثبت ذلك بالأدلة في حال وصل النقاش إليه، وليس هذا مصادرة على مطلوب ولا تحكما ؛ وقد قدمت رأيي باحترام مذهب مالك وأعلامه ورجالاته لأجل أن لا يتوصل أحد إلى ما توصلت إليه من القول بـ:
تبديع القائلين بعمل أهل المغرب
لأنه ليس من شرط الوصف بأن الفعل بدعة تبديع القائل به، وأنت خبير في أن كثيرا من الأقوال يكفر قائلها، ولكن إجراء وصف وأحكام الكفر على القائل دونه خرط القتاد.
ولذلك فإن قولك بعد ذلك بفقرة:
ـ للوهلة الأولى يتصور قارئ المقدمة أن الكاتب قد خلص إلى تبديع عمل أهل المدينة نفسه لأنه جعل ما قام عليه من العمل ـ ولو في الظاهر ـ بدعة تشريعية، فمن أين يفهم القارئ أن الكاتب لم يرد عمل أهل المدينة وإنما أراد عمل أهل فاس مادام هذا الثاني قائما على الأول؟
هو تحكم منك؛ فإن عمل أهل المدينة أصل قائم في المذهب لا يجرؤ مثلي على وصفي له بالبدعة، وقد أقر مخالفو المذهب بأحقيته وصحة اعتباره، ولجأ بعضهم إلى ذكره كأحد مسالك الترجيح على الأقل.
وقولك:فمن أين يفهم القارئ أن الكاتب لم يرد عمل أهل المدينة وإنما أراد عمل أهل فاس مادام هذا الثاني قائما على الأول؟
شطط في الإلزام واضح وقد قدمت تلك المقدمة لأجل أن لا يتسرب إلى الذهن مثل هذه الأمور، وكما قال أخونا حسام قد أتيت مناقشا لا مهاجما.
وفائدة الحوار بعد ذلك كله هو مناقشة هذا العمل الإقليمي الذي امتاز به المالكية المغاربة ولم يسمع به المشارقة مصريين كانوا أم عراقيين؛ بل كان "صناعة تشريعية مغربية خالصة" والنظر في مدى مشروعية هذا المسلك التشريعي وتأثيره على تطور المذهب، وأنت تعلم انه ما من مذهب يشاركنا في مثل هذه الخاصية...
وما ذكرت يا سيدي عن مصطلح النظرية فهو غير صحيح، وإنما المقصود بالنظرية مجموع مسائل متفرقة مرتبطة بأصل كلي، وهذا المعنى هو احتمال ثالث أغفلته في حصرك، وهو المتبادر إلى الذهن من قول الفقهاء المعاصرين: نظرية العقد التي تشمل كل العقود بين الأطراف من البيع إلى النكاح إلى الولاية العامة والخاصة...

الطاهر عمر الطاهر
20-07-2008, 12:30 PM
أما قولك:
لهذا كله أقترح على الأخ الطاهر أن يحدد وجهة نظره منذ البدء بوضوح ويحدد محل بحثه ويخصصه أكثر، ويصرح بما يريد ولا يلمح حتى يكون الحوار حوارا صحيحا، أي حتى أتحاور معك فيما نحن مختلفان فيه دون غيره، بحيث أتكلم وأنا أعرف ماذا تريد أنت أن تقول وتعرف أنت ماذا أريد أنا أن اقول. والله الموفق.
فنعم، وليكن ابتداء الحديث عن عمل أهل المدينة وحجيته، فإن قبلت بذلك فأرجو منك -وأنت تملك حق تعديل العنوان- أن تعدل العنوان إلى هذه الصيغة:
مناقشات في تاريخ المذهب المالكي: عمل أهل المدينة حتى يكون العنوان دالا على الموضوع فإذا فرغنا منه ذهبنا إلى نظرية العمل الإقليمي التي قال بها المغاربة من المالكية.

مصطفى أمين
20-07-2008, 03:43 PM
اعلم أولا أن جريان العمل ليس خروجا عن المذهب كما يظن البعض وليس قتلا للاجتهاد المذهبي كما زعمت بل هو امتداد له
فماهوإلا أن يكون في المسألة قولان عن مالك أحدهما مشهور عنه والآخر ضعيف فيأتي مجتهد ترجيح كابن عات وابن سهل وابن زرب واللخمي وابن رشد فيرجح القول الضعيف لمرجح كالعرف
ومثال ذلك ماروي عن مالك أنه إذاتنازع الزوجان في قبض الصداق بعد الدخول أن القول قول الزوج مع أن الأصل عدم القبض
قال القاضي إسماعيل البغدادي هذه كانت عادتهم بالمدينة أن الرجل لايدخل بالمرأة حتى تقبض جميع صداقها واليوم عادتنا على خلاف ذلك فالقول قول المرأة مع يمينها لاختلاف العوائد

وهو غير مختص بالمذهب المالكي كما زعمت بل هو مجمع عليه بين العلماء كما ذكره القرافي

قال القرافي في الفرق الثامن والعشرين من كتاب الفروق بعد تقريره معنى العرف القولي والفعلي وذكره أمثلة من الأحكام المبنية على العوائد مانصه
وبهذا القانون نعتبر جميع الأحكام المرتبة على العوائد وهو حسن مجمع عليه بين العلماء لاخلاف فيه
ثم قال وعلى هذا القانون تراعى الفتاوي طول الأيام فمهما تجدد العرف اعتبره ومهما أسقط أسقطه ولا تجمد على المنقول في الكتب طول عمرك بل إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك لا تجره على عرف بلدك واسأله عن عرف بلده

ومن أراد أن يبحث في جريان العمل فليطالع كتاب نور البصر للهلالي عند قول الشيخ خليل في أول المختصر- مبينا لما به الفتوى- فقد رد على المخالفين ودحض شبههم في أكثر من سبع وعشرين صفحة ونقل كلام العلماء المتقدمين والمتأخرين


وأخيرا أسألك إن جاءك مصري يستفتيك وقال لك حلفت أن لاأركب دابة وركبت جملا فهل أناحانث ومن المعلوم أن الدابة في عرف المصريين مختصة بالحمار فهل ستفتيه بالحنث لأن لفظ الدابة عام يشمل الحمار والجمل أم سترجع إلى عرفه فتفتيه بعدم
الحنث

الطاهر عمر الطاهر
21-07-2008, 02:37 PM
اعلم أولا أن جريان العمل ليس خروجا عن المذهب كما يظن البعض وليس قتلا للاجتهاد المذهبي كما زعمت بل هو امتداد له
فماهوإلا أن يكون في المسألة قولان عن مالك أحدهما مشهور عنه والآخر ضعيف فيأتي مجتهد ترجيح كابن عات وابن سهل وابن زرب واللخمي وابن رشد فيرجح القول الضعيف لمرجح كالعرف
ومثال ذلك ماروي عن مالك أنه إذاتنازع الزوجان في قبض الصداق بعد الدخول أن القول قول الزوج مع أن الأصل عدم القبض
قال القاضي إسماعيل البغدادي هذه كانت عادتهم بالمدينة أن الرجل لايدخل بالمرأة حتى تقبض جميع صداقها واليوم عادتنا على خلاف ذلك فالقول قول المرأة مع يمينها لاختلاف العوائد

وهو غير مختص بالمذهب المالكي كما زعمت بل هو مجمع عليه بين العلماء كما ذكره القرافي

قال القرافي في الفرق الثامن والعشرين من كتاب الفروق بعد تقريره معنى العرف القولي والفعلي وذكره أمثلة من الأحكام المبنية على العوائد مانصه
وبهذا القانون نعتبر جميع الأحكام المرتبة على العوائد وهو حسن مجمع عليه بين العلماء لاخلاف فيه
ثم قال وعلى هذا القانون تراعى الفتاوي طول الأيام فمهما تجدد العرف اعتبره ومهما أسقط أسقطه ولا تجمد على المنقول في الكتب طول عمرك بل إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك لا تجره على عرف بلدك واسأله عن عرف بلده

ومن أراد أن يبحث في جريان العمل فليطالع كتاب نور البصر للهلالي عند قول الشيخ خليل في أول المختصر- مبينا لما به الفتوى- فقد رد على المخالفين ودحض شبههم في أكثر من سبع وعشرين صفحة ونقل كلام العلماء المتقدمين والمتأخرين


وأخيرا أسألك إن جاءك مصري يستفتيك وقال لك حلفت أن لاأركب دابة وركبت جملا فهل أناحانث ومن المعلوم أن الدابة في عرف المصريين مختصة بالحمار فهل ستفتيه بالحنث لأن لفظ الدابة عام يشمل الحمار والجمل أم سترجع إلى عرفه فتفتيه بعدم
الحنث
أخي الكريم مصطفى
بالنسبة لمسألتك الفقهية: أنت خبير بالخلاف بين الأصوليين في تقديم الحقائق اللغوية والشرعية والعرفية، وإن جرى العمل لدى الفقهاء بتقديم الحقائق العرفية على غيرها خاصة في مثل أبواب الأيمان وسائر أنواع العقود في البيوع والإجارات والأنكحة وأضرابها...
----
أخي الكريم مصطفى
قد أتجاوز الآن مناقشة مفهوم العمل الذي طرحته للضرورة المنهجية التي آل إليها الموضوع حيث أننا سنناقش عمل أهل المدينة باعتباره "الأب الروحي" للعمل الإقليمي، ولتكن مشاركتك هذه منطلقا لمناقشة عمل أهل المدينة فأقول:
ما الموجب لترقية "عمل أهل المدينة" من "عرف محلي" يلتزم به أهل المدينة إلى "دليل تشريعي" مستقل يوجب الرجوع إليه للمتمذهبين بمذهبهم؟

أبو نهيلة المالكي
21-07-2008, 04:26 PM
أرى أولا ان يعطى لـ"عمل أهل المدينة" تعريفا يكون كأصل لبناء النقاش عليه.
و العمل بشكل عام ركيزة أساسية تبنى عليها الأحكام من جهة و قد تعلل بها الأخبار من جهة أخرى كما انه قد تتقوى بها ن لذلك تجد في الكتب الفقهية أو في شروح الأحاديث عبارات مثل: و الخبر و إن كان صحيحا إلا أنه ليس عليه العمل- راجع شرح ابن رجب لحديث "لا يحل دم امرئ مسلم.." في "جامع العلوم والحكم". أو يقولون والخبر: مع ضعفه فقد جرى عليه العمل. وهذا له أمثلة أمثلة كثيرة خصوصا في "جامع الترمذي". وهذا درج عليه عامة الفقهاء ، وقد قال العلامة الكوثري "فقه أهل العراق وحديثهم":" ولهم-أي الأحناف- أيضاً مدارك أخرى في علل الحديث دقيقة، لا ينتبه إليها دهماء النقَلة.
وللعمل المتوارث عندهم شأن يختبر به صحة كثير من الأخبار، وليس هذا الشأن بمختص بعمل أهل المدينة، بل الأمصار التي نـزلها الصحابة وسكنوها، ولهم بها أصحاب، وأصحاب أصحاب. سواء في ذلك -وفي رسالة الليث إلى مالك، ما يشير إلى ذلك-. "
و وإنما اشتهر المالكية بعمل المدينة لأن اي عمل لا يدانيه ، و نخوض في هذا بعد التعريف إن شاء الله تعالى.

الأزهري
21-07-2008, 04:49 PM
إذن فليكن الحوار حول عمل أهل المدينة.

الطاهر عمر الطاهر
21-07-2008, 08:42 PM
إذن يا سادة أنا سأكون -من باب المذاكرة- كـ"المعارض" لعمل أهل المدينة، وقد ابتدأت بالسؤال في المشاركة أعلاه:
ما الموجب لترقية "عمل أهل المدينة" من "عرف محلي" يلتزم به أهل المدينة إلى "دليل تشريعي" مستقل يوجب الرجوع إليه للمتمذهبين بمذهبهم؟إذ أن الأمر كما ذكر أبو نهيلة أن الفقهاء لاحظوا الواقع العملي الذي سار عليه الصحابة في الأمصار التي كثر استيطانهم لها، كالحرمين والبصرة والكوفة والشام وربما مصر؛ لكن الذي تُكلم عليه في علم الأصول هو عمل أهل المدينة وعمل أهل الكوفة ولعل عمل المكيين أيضا قد طرح وليس في بالي شيء من ذلك الآن.
فالسؤال يتحور الآن إلى هذه الصيغة:
إن كان أحد ملاحظ اعتبار العمل هو كثرة سكنى الصحابة للمصر وكثرة إقامتهم فيها وبالتالي تكوينهم لجيل متأسٍ بالنبي صلى الله عليه وسلم وغير مخالف لهديه، فما الموجب لتخصيص المدينة المنورة بهذا الملحظ واستبعاد غيرها من الأمصار؟ خصوصا مكة والكوفة؛ فألأولى كانت موطن كثير من الصحابة وخاصة الفقهاء منهم كعبدالله بن عباس وعائشة وعبدالله بن الزبير رضي الله عنهم، والكوفة التي كانت عاصمة الخلافة الإسلامية في عهد علي بن أبي طالب وابنه الحسن رضي الله عنهما، وكانت قد ملئت علما وهديا وسمتا من تأثير عبدالله بن مسعود رضي الله عنه.

الطاهر عمر الطاهر
21-07-2008, 08:45 PM
و وإنما اشتهر المالكية بعمل المدينة لأن اي عمل لا يدانيه


هنا مربط الفرس سيدي فادل بدلوك

الطاهر عمر الطاهر
21-07-2008, 09:15 PM
حتى نكون قد وضحنا جانب التعريف الذي طالب به الأخ أبو نهيلة وحتى لا يتحول الموضوع إلى نقل ما في كتب الأصوليين كما حذر منه الأزهري هذه عناوين دراسات ومقالات متعلقة بموضوع عمل أهل المدينة

المسائل التي بناها الإمام مالك على عمل أهل المدينة (http://www.lisaanularab.com/turathuna/books/ousol/031.rar)
عمل أهل المدينة من خلال الموطأ في باب البيوع -دراسة مقارنة (ftp://ia341043.us.archive.org/2/items/AmlAhlmedinah/Amlahlmedinah.pdf)

عمل أهل المدينة بين مصطلحات مالك وآراء الأصوليين (http://al-mostafa.info/data/arabic/depot2/gap.php?file=002515.pdf)

سد الذرائع : دليل من أدلة أصول الفقه الإسلامي المختلف عليها، وكذلك عمل أهل المدينة (http://dr-mahmoud.com/index.php?option=com_content&task=view&id=704&Itemid=39)
مدلول عمل أهل المدينة (http://www.ahlalhdeeth.cc/vb/showthread.php?p=819746)
اصول فقه الامام مالك ادلته النقلية (http://www.archive.org/details/malekousoul)
خبر الواحد إذا خالف عمل أهل المدينة (http://al-mostafa.info/data/arabic/depot2/gap.php?file=015303.pdf)
ما جرى به العمل عند المالكية (http://www.aslein.net/showthread.php?t=4274)

صحة أصول مذهب أهل المدينة (http://www.sahab.org/books/count.php?book=431&action=download&goto=files/usool/madinah.zip)

بحث مختصر في عمل أهل المدينة (http://www.aslein.net/showthread.php?t=279)
حقيقة عمل أهل المدينة عند السادة المالكية (http://www.ghrib.net/vb/showpost.php?p=94637&postcount=1)

أبو نهيلة المالكي
22-07-2008, 12:23 AM
ما الموجب لترقية "عمل أهل المدينة" من "عرف محلي" يلتزم به أهل المدينة إلى "دليل تشريعي" مستقل يوجب الرجوع إليه للمتمذهبين بمذهبهم؟
العرف من حيث هو يكون مبنيا-في الغالب- على الضرورة و الحاجة أو المصلحة أو رفع مشقة.. و فوق ذلك لا بد من كونه صحيحا قي نظر الشرع. فكيف يكون كذلك ثم يصير مستقلا ؟
أما عمل أهل المدينة كدليل لا يعتبر كذلك في أصله.خصوصا مكة والكوفة؛ فألأولى كانت موطن كثير من الصحابة وخاصة الفقهاء منهم كعبدالله بن عباس وعائشة وعبدالله بن الزبير رضي الله عنهم، والكوفة التي كانت عاصمة الخلافة الإسلامية في عهد علي بن أبي طالب وابنه الحسن رضي الله عنهما، وكانت قد ملئت علما وهديا وسمتا من تأثير عبدالله بن مسعود رضي الله عنه.
عمل أهل المدينة يقوم على ركيزة التواتر و شرطه تساوي طرفيه و وسطه ؛ و هذا غير متوفر في عمل أهل الكوفة لأن مرده في الأصل إلى أفراد من الصحابة.
أما عمل أهل مكة فالشرط متوفر لكن قدم عليه عمل أهل المدينة لأنه آخر الأمرين .
فبان من ذلك أن اي عمل لا يدانيه
و الله أعلم

الأزهري
22-07-2008, 12:34 PM
كـ"المعارض" لعمل أهل المدينة،

أي مسلم في القرن الأول يحج أو يعتمر فيرى الناس عامتهم وعلماؤهم من أبناء المهاجرين والأنصار وأكابر التابعين في مدينة رسول الله وفي مسجده على شيء قد ألفوه ومشوا عليه في عباداتهم من صلاة وصيام ونحوهما لم يشك أنه الحق، ولم يسعه إلا اتباعهم، ويصعب على نفس كل مسلم أن يخالفهم في هذا فيسلك خلاف سبيلهم، ولو جهر بمخالفتهم في شيء من ذلك لرموه بالبدعة والضلالة وصنفوه فيمن يرغب عنهم ويحذر منهم .. وهذا الدليل من أسهل الأدلة وأوضحها للعامة الذين يقصدون الحجاز، فإن همة أحدهم تكون منصرفة إلى مراقبة السلف الصالح في عباداتهم على قاعدة (صلوا كما رأيتموني أصلي) فلا يسعه مخالفتهم، ولو جاءه إنسان فحدثه عن أبيه عن جده عن النبي كيت وكيت مما رأى الناس مطبقين على خلافه في المدينة لما صدقه، ولبادر بقوله لمخاطبه: إنك تزعم أن هؤلاء من أبناء المهاجرين والأنصار قد تركوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما قولك بمقبول ولا روايتك بالتي تقوى على معارضة هذا النقل المتواتر جما غفيرا عن آبائهم من المهاجرين والأنصار، وليس قول الواحد كقول ألف واحد .. فإذا كان خبر الآحاد الثقة قد تسقط هيبته وتضمحل مزيته وتضعف قوته أمام عمل الجم الغفير ـ وكان الآحاد في نفسه حجة ـ دل ذلك على أن العمل أقوة حجية منه، ولو لم يكن العمل أقوى لما حصل للآحاد ضعف بسببه في بادئ النظر .. فلهذا وجب أن يكون العمل المتوارث المنقول بالجم الغفير حجة هي أقوى من المنقول بالعدد القليل عند التعارض، وإذا كنا ولا بد بين خيارين إما قبول الآحاد وإما قبول المتواتر وجب تقديم المتواتر واطراح الآحاد، وما ذلك إلا لما للمتواتر من القوة التي لا تتوفر للآحاد فعمل أهل المدينة أقوى من أي خبر متواتر لأن التواتر نفسه قد اختلف في عدد رواته حتى يكون متواترا، ولا يوجد خبر يزيد عدد رواته عن مشاهير علماء أهل المدينة الذين رآهم مالك وصلى خلفهم، فيكون عملهم واتفاقهم على شيء من أمور العبادة قائم مقام الخبر المتواتر الذي لا خلاف في تواتره، ويكون عمل أهل المدينة أقوى من أشهر الأحاديث المتواترة، فحديث من كذب علي متعمدا يبلغ رواته في الطبقة الأولى عدد الصف الأول في مسجد رسول الله فيكون عمل أهل المدينة الظاهر أقوى منه وأكثر عددا بلا شك .. على أن الخبر المتواتر قد يقبل النسخ والتخصص والتقييد .. ولا يمكن ذلك في العمل المتوارث .. والأحاديث تختلف ألفاظها وتزيد وتنقص وتحتاج لحفظها من صفاء الذهن وقوة العارضة ما لا يحتاجه العمل المتوارث الذي يحسنه البليد والعالم وغير العالم ..

ومن ثم يتبين الجواب على السؤال التالي:

ما الموجب لترقية "عمل أهل المدينة" من "عرف محلي" يلتزم به أهل المدينة إلى "دليل تشريعي" مستقل يوجب الرجوع إليه للمتمذهبين بمذهبهم؟

مع التنبيه إلى أن (العرف المحلي) اصطلاح محدث، والصواب أن يقال عمل السلف الصالح، كما أن (العرف المحلي في العادات والعبادات) مساو تماما للمتواتر عن رسول الله في عاداته وعباداته، فلولا دلالة هذا العرف المحلي على سنة رسول الله دلالة قوية واضحة أوضح من رواية آحاد والتي قد نترجمها ـ على طريقة الأخ الطاهر ـ بأنها (عرف شخصي) لولا دلالة ذلك المتواتر الحلي على سنة رسول الله لما كان له من حجة تماما كحجية الإجماع .. ولنا أن نسأل من أين كان العرف الشخصي وهو حديث الآحاد حجة شرعية ؟؟ فإن قيل أنه مرفوع إلى رسول الله، قلنا: فعرف أهل المدينة مرفوع إلى من ؟؟؟؟ والله أعلم.

الأسمري
22-07-2008, 02:27 PM
نورتم المنتدى بارك الله فيكم .

محب مالك
22-07-2008, 04:47 PM
السلام عليكم الموضوع جيد لو وضعت نقاط و اضحة للحوار و الله أعلى و أعلم

الرضا
22-07-2008, 05:03 PM
جزاكم الله خيرا .. موضوع لطيف ..

تسجيل متابعة .

الطاهر عمر الطاهر
22-07-2008, 09:05 PM
سيدي أسامة
ما ذكره الأخ الأزهري أعلاه هو المدرك الدي جعل مالكا رضي الله عنه يضيف عمل أهل المدينة إلى قائمة مصادر التشريع عنده؛ وهو ملحظ قوي جدا ولا يمكن إنكاره، ووجه القوة فيه إلحاقه بالمتواتر إذ توفرت فيه جميع شروطه من نقل الكافة عن الكافة من أول السند إلى منتهاه من غير أن يتخلله نقص شرط في ابتدائه او انتهائه أو أوسطه.
فكأن عمل أهل المدينة "الحجة" هو تصريح لكن لا بالقول بأن هذا المسلك أو هذا العمل كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو على الأقل ارتضاه أصحابه من بعده رضي الله عنهم.
وما ذكرت من عدم الاطلاع على موافقة علي بن أبي طالب أو عبدالله بن مسعود أو غيرهما لا يضر الحجية؛ فإن كان الإجماع لا يضره في كثير من أحايينه تخلف الواحد والاثنين فكذلك الأمر بالنسبة لعمل أهل المدينة عند من يقول به.
ومسألة المقارنة بين عمل أهل المدينة وإجماع العترة الشريفة موضوع مهم جدا ولا أظنه مطروقا من قبل، ولو وفقت في افتتاح موضوع خاص بذلك جامعا فيه بعض ما قد تكون قد اطلعت عليه لكان ذلك موضوعا جديرا بالمناقشة
وإنما يختص عمل أهل المدينة بميزة واحدة تنزله عن رتبة التواتر الاصطلاحي وهي كونه من رواية بلد واحد، والشرط في التواتر هو كونه لا من بلد واحد وهنا يمكن الدخول إلى مناقشة كلام الأزهري.
فكلامه صحيح في أن حديثا متواترا لا يبلغ عدد رواته الصف الأول في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم؛ لكن الأمر الذي اتفق عليه القائلون بحجية عمل أهل المدينة هو ما كان سبيله النقل والرواية فهذا قد وافق عليه أبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية والصيرفي من الشافعية، أما ما سبيله الاجتهاد فذلك قد خالف فيه مالكية العراق وأثبته مالكية المغرب، وهذا محل النزاع في المسألة.
فنعم يا سيدي الأزهري لا يمكن لأحد معارضة "مجموع تدين المدنيين" إذ كانوا يسندون عباداتهم ومعاملاتهم كابرا عن كابر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير أن يهتموا لذلك بإسناد أو رواية؛ وإنما كان يظهر الشذوذ إذا خالف المخالف في هذا.
أما ما كان سبيله الاجتهاد وتغير الأعراف فهذا محل نزاع ولا يمكن إلحاقه بالقسم الأول على الأقل ليس في نفس درجة الحجية، ألا ترى محمد بن الحسن قد أقر به في مسألة الوقف لكنه خالف في غير ذلك بدليل تأليفه: "الحجة على أهل المدينة"، وهنا تتباين الآراء ويمكن لكلام أسامة أن يكون صحيحا إذ لا حجة إلا في الوحيين، ولا عاصم إلا فيهما.
ثم تلك النقطة التي أثارها أسامة هي إحدى النقاط الجديرة بالتأمل أعني امتناع مالك من حمل الناس على الموطأ وتعليل منعه بانتشار الصحابة في الأمصار وتمسك كل قطر بما معه من أخبار وآثار؛ وهذا ننتظر من الأزهري وأبي نهيلة الإجابة عليه.
أمر آخر يمكنني أن أعترض به على دعوى الحجية وهو أن أهل المدينة كانوا مع عبدالله بن الزبير ومع الحسين بن علي ومع محمد النفس الزكية في مجمل خروجاتهم على الحاكم الزمني آنذاك؛ فهل يمكن جعل هذا المسلك حجة تشريعية؟
أرجو أن يتسع صدر الإخوة لهذه المناقشات وأرجو أن يكون هدفنا الوصول إلى الحق أولا وأخيرا، والله الموفق

الطاهر عمر الطاهر
22-07-2008, 09:07 PM
عمل أهل المدينة يقوم على ركيزة التواتر و شرطه تساوي طرفيه و وسطه ؛ و هذا غير متوفر في عمل أهل الكوفة لأن مرده في الأصل إلى أفراد من الصحابة.

هذا كلام غير دقيق سيدي أبا نهيلة؛ فمجموع الصحابة الذين نزلوا الكوفة أو البصرة لا يحصى كثرة، ضف إليها أنها كانت عاصمة خلافة علي بن أبي طالب عليه السلام وقد كان فيها من أنصاره وأشياعه الكثير والكثير، كذلك أنها كانت ولمدة طويلة مركز البعوث والجيوش الفاتحة ولأجل ذلك فقد كان كثير من الصحابة يستطنونها أو يمرون عليها....


أما عمل أهل مكة فالشرط متوفر لكن قدم عليه عمل أهل المدينة لأنه آخر الأمرين .

هذا التعليل أيضا محل نظر...
فإن كان ثمة نسخ ما في الأحكام طرأ في المدينة فمحال أن يتأخر على أهل مكة، لأن الحج والعمرة لم ينقطعا أبدا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأنهما مع التجارة وطلب العلم لم ينقطعا بعده، ولا يعقل وجود ناسخ في المدينة ومنسوخ في مكة...، ولعل هذا الملحظ كان سببا في تقليد الشافعي عطاءا في أحكام الحج والعمرة [معلومة سمعتها في إحدى المحاضرات ولا أدري دقة توثيقها، فلعل أحد الشافعية يصحح إن كانت خطا أو يحيل إلى مصدر إن كانت صحيحة]

الطاهر عمر الطاهر
23-07-2008, 12:55 PM
عمل أهل المدينة وان بلغ التواتر ( تنزلا ) ليس بحجة لأنه لا حجة في موقوف ....
والأكثر والأهم هو مخالفة عمل أهل المدينة الموقوف للحديث الشريف المعصوم وهذا غريب جدا ولا يجوز وهو محل العتب .

أخي الكريم إلحاقك العمل بالموقف وتنزلك في بلوغه التواتر أمر فيه بحث وتأمل.
فالمالكية يجعلون استمرار العمل وبقاءه في المدينة وراثة نبوية، أي لها حكم المرفوع؛ وإنما لم يصرح أحد بالنقل -على طريقة التحديث والقول- لعدم الحاجة إلى ذلك، وإلا فإن سألت أي مدني عن مستنده لأحال إلى أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا عينه ما وقع لأبي يوسف ومحمد رحمهما الله.
وتشبيه ذلك ما كان من مناسك الحج والعمرة، فإنه لا يعلم الصفا والمروة وعرفات ومنى ومزدلفة والكعبة والحجر والملتزم والمقام إلا من خلال النقل المكي؛ ولا تجد سنة تحدثك عن "إحداثيات الصفا ولا المروة".
وكذلك الأمر بالنسبة لعمل أهل المدينة مما كان سبيله النقل، لكن لم يحدث روايته كرواية الآحاد، والاعتراض منك على هذا النوع لا يصح، وإنما يصح ما كنت قد قلته:
و كثير من المالكية توسعوا في عمل أهل المدينة وأدخلوا فيه ما دخله الاجتهاد
فهذا هو محل النزاع؛ وحكمك عليه بالخطأ لا بد من تعليله -وإن كنت أؤيد هذا الحكم من حيث الجملة-
وأما قولك:
والأكثر والأهم هو مخالفة عمل أهل المدينة الموقوف للحديث الشريف المعصوم وهذا غريب جدا ولا يجوز وهو محل العتب .
فقد ذكرت أنه لا يكون موقوفا، ولو سلم وقفه لكان في حكم المرفوع كما هو معلوم إذا لم يكن مجال الرأي والاجتهاد فيه واضحا.
ومخالفة الحديث "الشريف المعصوم" ليست بالكبيرة، لأن مخالفته عندهم مبنية على كون العمل متواترا ومرفوعا، والذي اعترضه آحاد فيقدم المتواتر على الآحاد اتفاقا -إذا تعارضا؛ فليس ثمة محل للعتب
وقولك:
على أني أنبه الى أنه ما من مسألة خالف عمل المدينة الموهوم فيها الحديث النبوي الشريف المعصوم الا وكان مع الحديث كثيرون من فقهاء الصحابة والتابعين .
هذه دعوى تحتاج إلى دليل فأثبت هذا يا أسامة، ودون ذلك مرقى صعب؛ وفيه سيظهر تجلي علم الأصول وإظهار براعة المالكية فيه، والله الموفق.

الطاهر عمر الطاهر
23-07-2008, 01:01 PM
أما مسألة المقارنة بين حجية اجماع مجتهدي العترة المطهرة عليهم السلام فالدليل مع العترة وشيعتهم ودليلهم دليل وليس شبهة ولا وهم وهو عندي أقوى من وهم عمل أهل المدينة وأقوى من حيث الحجية من اجماع الأمة .
وأقول صدعا بما أراه حقا وصوابا واتباعا للدليل وليس للاوهام والعرف المحلي ومخالفة الاحاديث النبوية الشريفة .

من حيث الإجمال أنا أؤيدك في هذه الدعوى وليتك تفردها بالبحث في موضوع مستقل ففيه كثير من الإشكالات أيضا وحتى لا يتشوش ويتشعب هذا الموضوع على المشتركين فيه والمتابعين له.
فأهل البيت عليهم السلام لهم فضل محفوظ في الوحيين، لكن الممارسات المتعاقبة قد غيبته تغييبا غريبا ولعلنا نعود لهذا في موضوع لاحق إن شاء الله.

الأزهري
23-07-2008, 01:04 PM
أولا: حتى ينجح الحوار فلا بد من تضييق دائرة الخلاف كما قلنا من قبل، فينحصر في الأصول والقواعد السنية فقط حاليا، وما يدلي به الأخ أسامة عنبر هي آراء شيعية واعتزالية خارجة عن دائرة الحوار السنية أصلا، ولهذا لا ترى في كلامه احتراما لمذهب السادة المالكية أسوة بشيخه الذي يحوقل إذا قيل له فلان مالكي !! فمن شأن الالتفات إلى تعليقاته تشتيت الموضوع وتفريعه أكثر .. فلهذا وجب عدم الالتفات إلى كلامه وترك التعليق عليه وإلا لم ينفع الحوار الذي أراده الأخ الطاهر عمر ..

ثانيا:
أما ما كان سبيله الاجتهاد وتغير الأعراف فهذا محل نزاع ولا يمكن إلحاقه بالقسم الأول

أوافق على هذا إذا ظهر هذا الاجتهاد في المدينة وظهر مخالفه بشكل واضح، وأما إذا فرضناه اجتهادا خالفه أهل المدينة فهذا صار كالخبر الشاذ مع المحفوظ، وإذا وافق عليه عموم الصحابة والتابعين من أهل المدينة ورضوه فقد صار إجماعا، فبقي ما إذا ظهر هذا الاجتهاد فلم يخالفوه ولم يتفقوا على قبوله فهذا أوافق عليه أنه لا يلحق بالقسم الأول.

والشرط في التواتر هو كونه لا من بلد واحد

من شرط هذا الشرط؟؟؟ إنما ما رواه عدد جم يجب إحالة اجتماعهم على الكذب هو المتواتر، نعم اختلفوا في العدد، وعمل أهل المدينة مضمون العدد، وعلى قولكم لا تكون قراءة نافع متواترة لأنها مدنية ولا قراءة ابن كثير لأنها مكية ولا قراءة عاصم وحمزة والكسائي لأنها كلها كوفية ولا قراءة أبي عمرو لأنها بصرية، ولا قراءة ابن عامر لأنها شامية، فتكون هذه القراءات السبع المتواترة جميعها ليست متواترة !!!! لأن كل واحدة منها انفرد بها بلد واحد، وعليه تكون آحادية خلافا للإجماع على تواترها، وهذا ظاهر البطلان كما لا يخفى، فوجب أن يكون الشرط الذي شرطتموه باطلا.
ومن المعلوم أن زوجات النبي الكريم كلهن كن في المدينة وعشن ومتن فيها، فوجب أن يكون كل ما جاء من روايتهن لا يكون متواترا ولا شيء من أمور النساء الخاصة المروي عنهن بمتواتر لأنه خرج من بلد واحد وهو المدينة !! وهذا أيضا ظاهر البطلان.

ثم تلك النقطة التي أثارها أسامة هي إحدى النقاط الجديرة بالتأمل أعني امتناع مالك من حمل الناس على الموطأ وتعليل منعه بانتشار الصحابة في الأمصار وتمسك كل قطر بما معه من أخبار وآثار؛ وهذا ننتظر من الأزهري وأبي نهيلة الإجابة عليه.

الموطأ والبخاري ومسلم وسائر كتب الحديث شيء والعمل المتوارث شيء آخر، وقد أجبت على هذا ضمنا فيما تقدم حينما قلت : ((ويكون عمل أهل المدينة أقوى من أشهر الأحاديث المتواترة، فحديث من كذب علي متعمدا يبلغ رواته في الطبقة الأولى عدد الصف الأول في مسجد رسول الله فيكون عمل أهل المدينة الظاهر أقوى منه وأكثر عددا بلا شك .. على أن الخبر المتواتر قد يقبل النسخ والتخصص والتقييد .. ولا يمكن ذلك في العمل المتوارث .. والأحاديث تختلف ألفاظها وتزيد وتنقص وتحتاج لحفظها من صفاء الذهن وقوة العارضة ما لا يحتاجه العمل المتوارث الذي يحسنه البليد والعالم وغير العالم ..))اهـ.

ونحن اليوم ما بلاؤنا إلا ممن يتدينون بالحديث وينقضون به الإجماعات والعمل المتوارث ولا يلتفتون إلى القواعد الأصولية .. فمالك رحمه الله لم يكن ليحمل الناس على الموطأ وهو نفسه يروي فيه أخبارا يقول بأنه ليس عليها العمل، إذن فمالك نفسه يعرف أهمية العمل وتقديمه على الأحاديث فكيف تنتظر منه أن يطيع أبا جعفر ـ إن صحت القصة ـ في حمل الناس على الموطأ؟؟؟ وجائز أيضا أن يكون امتناع مالك مرجعه إلى مخافة الفتنة لتعصب كل قوم لما ألفوه وليس إسقاطا لحجية عمل أهل المدينة عنده ..

وإذا ذكرتم هذه القصة عن مالك ـ والقصص تزيد وتنقص ـ فاذكرو ما صح عنه من طرق أنقل لكم بعضها من رسالتي (المغيث من زغل الحديث) :

ـ قال مالك : ما أكثر أحد من الحديث فأنجح.

ـ مصعب الزبيري قال : سمعت مالك بن أنس ، وقد قال لابني أخته ، أبي بكر وإسماعيل ابني أبي أويس : « أراكما تحبان هذا الشأن ، وتطلبانه » يعني الحديث قالا : نعم قال : « إن أحببتما أن تنتفعا وينفع الله بكما ، فأقلا منه ، وتفقها »

ـ ابن وهب ، قال : سمعت مالكا ، يقول : « كثير من هذه الأحاديث ضلالة ، لقد خرجت مني أحاديث لوددت أني ضربت بكل حديث منها سوطين ، وإني لم أحدث به .

ـ ابن وهب : سمعت مالك بن أنس، يقول: إن عندي لأحاديث ما حدثت بها قط، ولا سمعت مني، ولا أحدث بها حتى أموت.

ـ الشافعي: قيل لمالك: عنه ابن عيينة أحاديث، عن الزهري ليست عندك، قال وأنا أحدث، عن الزهري بكل ما سمعت؟ إذا أريد أن أضلهم.

ـ إسحاق، قال: سمعت مالك بن أنس، يقول: سمعت من ابن شهاب أحاديث لم أحدث بها إلى اليوم، قلت: لم يا أبا عبد الله؟ قال: لم يكن العمل عليها فتركتها.

ـ عبد الله بن وهب قال: قال لي مالك بن أنس: اعلم أنه ليس يسلم رجل حدث بكل ما سمع، ولا يكون إماماً أبداً وهو يحدث بكل ما سمع.

ومن يقول هذا القول يستحيل أن يحمل الناس على الأحاديث وهم لا يعرفون ناسخها من منسوخها ومطلقها من مقيدها وعامها من خاصها ولا شاذها من محفوظها ولا منكرها من معروفها ولا غريبها من مشهورها ولا بلاغتها وصرفها ونحوها ولا شيء مما لا ينفع معه الحديث إلا به من آلات معرفته، فكيف يتصور أن يقبل مالك حمل الناس على الموطأ والأصل عنده العمل؟؟؟

أمر آخر يمكنني أن أعترض به على دعوى الحجية وهو أن أهل المدينة كانوا مع عبدالله بن الزبير ومع الحسين بن علي ومع محمد النفس الزكية في مجمل خروجاتهم على الحاكم الزمني آنذاك؛ فهل يمكن جعل هذا المسلك حجة تشريعية؟

ما وقع من ابن الزبير والحسين لا يسمى خروجا أصلا لأسباب كثيرة يطول شرحها، فلا يتم الاستدلال بهذا، كما أن في أهل المدينة من لم يشارك في ذلك ولم يوافق عليه كابن عمر وقد حاولوا منع الحسين من السفر للعراق، وأهم جواب أنني وافقتك فيما ذكرته أنت من أن ما اختلفوا فيه مما جرى مجرى الاجتهاد فهو خارج عن الحجية غير لاحق بالقسم الأول وليست أمور الصلاة التي تلقوها أبا عن جد كمسألة الحكم وما يتعلق به، فقد وافقتك على هذا فهل ترى هذه المسألة مما يلحق بالأول أم الثاني؟

الطاهر عمر الطاهر
23-07-2008, 08:03 PM
سيدي الأزهري سيكون تعقيبي على مشاركتك الأخيرة لأني لم أقتنع بما كتبتَ بعدُ، وإن كنت الآن أسجل اعترافك بأن هناك قسما ملحقا بعمل أهل المدينة مبناه الاجتهاد وأنت لا ترى حجيته إذا ظهر المخالف له بشكل واضح، وهذا الاعتراف سيفيدنا كثيرا فيما يلي من النقاش
وليكن كلامي على قسمين:
الأول فيما له تعلق بموضوع عمل أهل المدينة
الثاني: في التعليق على بعض ما كتبت مما لا علاقة له بأصل الموضوع.

الطاهر عمر الطاهر
23-07-2008, 08:05 PM
فأما الأول: ففيه الكلام على قولك:
وأما إذا فرضناه اجتهادا خالفه أهل المدينة فهذا صار كالخبر الشاذ مع المحفوظ، وإذا وافق عليه عموم الصحابة والتابعين من أهل المدينة ورضوه فقد صار إجماعا...
ما وجه الشذوذ في هذا؟ إن اعتبر العدد فقد يكون أهل المدينة هم أولى بالوصف، وإن اعتبر سلامة الاجتهاد وانطباق الشروط عليه فهم وغيرهم في هذا سواء، وإن اعتبر فيه مخالفة الثقة لمن هو أولى منه بالوثاقة فهم كذلك وغيرهم سواء، وإن كانوا من حيث الجملة أوثق من غيرهم من أهل الأمصار.
أما قولك
أن موافقة الصحابة والتابعين من أهل المدينة ورضاهم باجتهاد ما يصيره إجماعا
فهذا باطل عقلا ونقلا؛ فإن الاجماع اتفاق مجتهدي الأمة لا مجتهدي مدينة ولا مصر بلغ ما بلغ من الفضائل، ولأجل هذا كان المخالفون يطلقون عبارة: "إن البقاع لا تعصم ساكنيها" بمعنى أنها -أي البقاع- لا تصيرهم حججا على غيرهم؛ فهم وإن نالوا الفضل بسكنى البقاع فذاك لا يتعداهم إلى غيرهم من حيث حجية اجتهادهم وفتواهم.
ضف إلى ذلك أن المعتمد في الأصول أن مخالفة المبتدع والمجتهد الفاسق معتبر فلا ينعقد الإجماع بدونهما، وأن موافقة الأكثر على أمر لا تجعله حجة ودونك في هذا كتاب المستصفى باب الإجماع لتوضيح هذه المسألة.
لذا أطلب منك توضيح هذا الرأي بالبيان الشافي حتى نفهم من أين كانت سقياك.
وقولك:
من شرط هذا الشرط؟؟؟
فهذا الشرط موجود في كتب الأصوليين، وفيها مناقشة له معروفة؛ انفصلت عند الغزالي بإدراجه في "الشروط الفاسدة" ووجهها شارح البزدوي بقوله: ((وقوله: "وتباين أماكنهم أي تباعدها" يشير إلى اشتراط اختلاف بلدانهم أو أوطانهم ومحلاتهم، وهو مختار البعض؛ لأنه أشد تأثيرا في دفع إمكان التواطؤ؛ وعند الجمهور لا يشترط ذلك أيضا لحصول العلم بأخبار متوطني بقعة واحدة أو بلدة واحدة؛ ولأن اشتراط الكثرة إلى كمال العدد كما بينا يدفع هذا الإمكان؛ وكأن الشيخ إنما أشار إلى هذه المعاني لأنها أقطع للاحتمال وأظهر في الإلزام على الخصوم، لا لأنها شرط حقيقة بحيث يتوقف ثبوت العلم بالتواتر عليها ..)).

الطاهر عمر الطاهر
23-07-2008, 08:07 PM
وقولك:
وعلى قولكم لا تكون قراءة نافع متواترة ..ولا قراءة ابن كثير ..ولا قراءة عاصم وحمزة والكسائي ... ولا قراءة أبي عمرو لأنها بصرية، ولا قراءة ابن عامر ...، فتكون هذه القراءات السبع المتواترة جميعها ليست متواترة !!!! لأن كل واحدة منها انفرد بها بلد واحد، وعليه تكون آحادية خلافا للإجماع على تواترها، وهذا ظاهر البطلان كما لا يخفى، فوجب أن يكون الشرط الذي شرطتموه باطلا...
أنا أوافق على كون الشرط الذي ذكرتُه باطل من باب تقليدي لجمهور الأصوليين الذين نفوه، رغم أن بعضهم أثبته، أما مسألة القراءات فإليك نصا جيدا قاله ابن الزملكاني:
((...انحصار الأسانيد في طائفة لا يمنع مجيء القراءات عن غيرهم، فقد كان يتلقاه أهل كل بلد بقراءة إمامهم الجم الغفير عن مثلهم، وكذلك دائما، فالتواتر حاصل لهم، ولكن الأئمة الذين قصدوا ضبط الحروف، وحفظوا عن شيوخهم منها جاء السند من جهتهم، وهذا كالأخبار الواردة في حجة الوداع هي آحاد، ولم تزل حجة الوداع منقولة عمن يحصل بهم التواتر عن مثلهم في عصر، فهذه كذلك، وهذا ينبغي التفطن له، وأن لا يغتر بقول القراء فيه...))؛ فتأمل أخي الأزهري في هذه النقطة فهي نافعة جدا....
قولك:
الموطأ والبخاري ومسلم وسائر كتب الحديث شيء والعمل المتوارث شيء آخر
إن كان متواترا عملُ أهل المدينة أو ملحقا به فهو يقبل النسخ والتخصيص بلا أي إشكال، وإن لم يكن متواترا فمن باب أولى؛ والمالكية إنما ناقشوا مخالفة العمل للخبر الواحد ولهم فيه تفريعات ومباحث، وهذا إقرار منهم بأنه لو خولف بمتواتر فالحكم له، مما يلزمني بالقول أن العمل أضعف من المتواتر الاصطلاحي.
و"الشيء الآخر" الذي أثبته وصفا للعمل المدني يحتاج إلى بيان؛ لأني لا أعرف في علم الأصول ما لا يقبل تقييدا ولا تخصيصا ولا نسخا إلا الإجماع التام؛ وإلحاق عمل المدنيين به شطط واضح؛ وإلا لزم عنه تفسيق وتبديع كل من لم يكن مالكيا لأنه لا يقبل الإجماع؛ والذي أراه أن عمل أهل المدينة في مذهب مالك هو أحد قرائن الترجيح لا أحد مصادر التشريع، وأرجو أن تناقش هذه النتيجة من هذا "الطالب المشاغب".
وقولك:
فمالك رحمه الله لم يكن ليحمل الناس على الموطأ وهو نفسه يروي فيه أخبارا يقول بأنه ليس عليها العمل، إذن فمالك نفسه يعرف أهمية العمل وتقديمه على الأحاديث فكيف تنتظر منه أن يطيع أبا جعفر ـ إن صحت القصة ـ في حمل الناس على الموطأ؟؟؟ وجائز أيضا أن يكون امتناع مالك مرجعه إلى مخافة الفتنة لتعصب كل قوم لما ألفوه وليس إسقاطا لحجية عمل أهل المدينة عنده
توجيهك لفعل مالك رحمه الله هو أحد احتمالات في الموضوع مع كنت قد وجه به الأخ أسامة هذا الموضوع، والاحتمالات كلها متساوية لا يترجح أحدها على غيره إلا بقرينة.
ونحن لم نناقش أن مالكا لا يعرف أهمية العمل وتقديمه ولا إسقاطا لحجية العمل عنده، بل رأينا أن امتناعه يدل على أنه يراه عرفا لازما لساكني المدينة لا لغيرهم بدليل إشارته إلى اختلاف الصحابة وتفرقهم في الأمصار؛ وهذا يقوي الاحتمال الذي عللنا به سلوكه في الامتناع.
وقولك:
وإذا ذكرتم هذه القصة عن مالك ـ والقصص تزيد وتنقص ـ فاذكرو ما صح عنه من طرق أنقل لكم بعضها من رسالتي (المغيث من زغل الحديث) :
ما ذكرته صحيح جدا ولا غبار عليه، وإن كنا نحمل ذلك على أحاديث الصفات وعلى أحاديث الفتن، فهي مما يجب التحوط فيه عند البلاغ، أما أحاديث الأحكام فلا يحل إمساكها.
ما وقع من ابن الزبير والحسين لا يسمى خروجا أصلا لأسباب كثيرة يطول شرحها،
هذا غريب جدا ليتك توضحه

الطاهر عمر الطاهر
23-07-2008, 08:08 PM
* * *
وأما القسم الثاني من التعليق:
فعلى قولك:
وما يدلي به الأخ أسامة عنبر هي آراء شيعية واعتزالية خارجة عن دائرة الحوار السنية أصلا،
كلام المعتزلة في الأصول مثل كلام أهل السنة إلا في مسائل مبنية على علم الكلام كما هو معروف، والقول باعتبار إجماع أهل العترة ليس بالضرورة تشيعا ولا رفضا
وعلى قولك:
ونحن اليوم ما بلاؤنا إلا ممن يتدينون بالحديث وينقضون به الإجماعات والعمل المتوارث ولا يلتفتون إلى القواعد الأصولية ..
وأضيف إلى ذلك البلاء قوم متعصبة لا يرون الحق في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بقدر ما يرونها في كتب المتأخرين، ويستجيزون استعمال قواعد الأصول على كلام غير المعصوم ولا يستجيزونه في كلامه...
---
واعذرني على كثرة التعليق لكنها المذاكرة والمناقشة تفيد أمثالي ولا تضر أمثالك والله الموفق

أبو نهيلة المالكي
23-07-2008, 11:13 PM
الموضوع قد تشعب إلى أمور كنا في غنى عنها لو أنه أبين عن مقصود محققي المالكية بـ "عمل أهل المدينة". فجعل هذا الأصل بمثابة إجماع بالمعنى الاصطلاحي لم يقل به أحد منهم لا الإمام ولا غيره . وقد بني على هذا أشياء شنع بها الخصوم و ألزموا بها الأصحاب، قال عياض : " وكثر تحريف المخالف فيما نقل عن مالك" وهذا بسبب غموض مفهوم "العمل " عند الإمام نفسه حتى قال الشافعي في "اختلاف مالك والشافعي":" وما عرفنا ما تريد بالعمل إلى يومنا هذا ، وما أرانا نعرفه ما بقينا".
و قد انصبت ردود الفقهاء والأصوليين على إبطال حجية هذا الأصل لعدم تصورهم أصلا له فكان هجوما في غير عدو حتى قال بعضهم :" و قال مالك إنما الإجماع إجماع أهل المدينة" و هذا شيء غريب . لذلك قال أبو العباس القرطبي كم في "التنقيح":"إجماع أهل المدينة ليس حجة من حيث إجماعهم ، وإنما حجيته ناشئة من جهة نقلهم المتواتر ، أو جهة مشاهدتهم الأحوال الدالة على مقاصد الشرع"
و قد بين المحققون أنه على جهتين : 1- من جهة النقل - وهو المقصود-
2- من جهة الاستدلال
و في ذلك يقول الباجي " إحكام الفصول": " ما أدركه أهل المدينة بالاستنباط فلا فرق فيه بين علماء المدينة و علماء غيرهم ، والمصير فيه إلى الترجيح بالأدله ن وهو الصحيح وبه قال مالك و محققو أصحابنا" و قد وافقه جماعة منهم القرطبي والقرافي.
ومن يتبين أن ما كان من جهة النقل شيء مسلم حتى عند الخصوم و به قال الشافعي في وصيته ليونس و التزم به أيضا محمد بن الحسن و من جاء بعدهما من أصحابهما.
أما لما خصت المدينة بذلك فلأنها "كان يأتي منها العلم والإيمان و الخير" كما قاله ابن تيمية و هذا لم يكن متوفرا في الكوفة بلد الفتن ووضع الأحاديث و قصة محمد بن الحسن شاهدة على ما نقول حين كان تحديثه عن مالك يمتلئ عليه المجلس و إذا حدث عن غيره لم يحضر إلا القليل ، لما كان للناس من ثقة في المدينة دون غيرها.
فإن سلمنا بان للكوفة عملا فما أن يكون موافقا فلا كلام، وإما أن يكون مخالفا و هذا محال لأن التواتر يفيد القطع أصلا .
و عمل أهل مكة فهو خاص بما اختصوا به كتعيين حدود محل الوقوف بعرفة و محل رمي الجمار و المزدلفة و أمثال ذلك ..و قد احتج الشافعي بهذا في "الأم" كما ذكره الثعالبي.
و إلا فإن الأصل هو المدينة وانظر لما قاله جماعة منهم مجاهد و عمرو بن دينار :" لم يزل شأننا متشابها متناظرا ،حتى خرج عطاء بن أبي رباح إلى المدينة ، فلما رجع إلينا استبان فضله علينا"

أبو نهيلة المالكي
23-07-2008, 11:18 PM
وأضيف إلى ذلك البلاء قوم متعصبة لا يرون الحق في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بقدر ما يرونها في كتب المتأخرين، ويستجيزون استعمال قواعد الأصول على كلام غير المعصوم ولا يستجيزونه في كلامه...
هذا خروج لا داعي له و لمز الفقهاء بذلك جرأة غير محمودة

الطاهر عمر الطاهر
24-07-2008, 12:49 PM
أما لما خصت المدينة بذلك فلأنها "كان يأتي منها العلم والإيمان و الخير" كما قاله ابن تيمية وهذا لم يكن متوفرا في الكوفة بلد الفتن ووضع الأحاديث و قصة محمد بن الحسن شاهدة على ما نقول حين كان تحديثه عن مالك يمتلئ عليه المجلس و إذا حدث عن غيره لم يحضر إلا القليل ، لما كان للناس من ثقة في المدينة دون غيرها.

سيدي الكريم
هذا التعليل الذي نقلته عن ابن تيمية موافقا عليه لا يفيد المطلوب؛ فالحديث يفيد أيضا أن الإيمان يمان وأن الحكمة يمانية؛ فهل نقول بحجية عمل اليمنيين؟
إن الاستدلال المقنع في حجية عمل أهل المدينة هو النقل الجماعي لأفعال وأقوال وأحوال التابعين عن الصحابة؛ فإن رفعوا نقلهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذاك مما لا يختلف في الاحتجاج به وهو ما وافق عليه من سميناهم أعلاه من الشافعية والأحناف.
وهذا الاستدلال يستوي فيه أهل مكة وأهل الكوفة، وتخصيص أهل مكة بمناسك الحج دون غيرها تحكم من غير دليل، والكوفة مدينة إسلامية نشأة وتكوينا؛ أول ساكنيها من الصحابة وقد ارتحل إليها في مبتدأ أمرها أكثر من ثلاثمائة صحابي، ثم لحقهم مئات منهم ومن أتباعهم واستوطنوها وصارت "قاعدة" لحركة الفتح الإسلامي في شرق المعمورة.
نعم قد يقال أن البدع والكذب في الكوفة أكثر منه في المدينة، فالمدينة لم يكن فيها مبتدع ولا كذابون؛ ولكن هذا من حيث الجملة لا من حيث الأفراد ؛ ثم إن هاهنا نقلا متواترا ولا يشترط فيه لا العدالة ولا حتى الإسلام كما هو معلوم.
وما ذكرت من مقولة التابعيين: ((لم يزل شأننا متشابها متناظرا ،حتى خرج عطاء بن أبي رباح إلى المدينة ، فلما رجع إلينا استبان فضله علينا)) فشأن ذلك اجتهاده وتقصيرهم، فالرحلة إلى أي مكان تفيد المرتحل زيادة علم وتفيده خيرا كثيرا، ألا ترى في المالكية فضل الباجي وابن العربي على غيرهم من أقرانهم ونظرائهم، وسر ذلك الرحلة إلى المشرق، فجاؤوا بعلوم لم يعهدها أهل بلدهم.
ولست أدري يا سيدي إن كنت ستوافقني في النتيجة التي خلصت إليها في اعتبار عمل أهل المدينة كمصدر ترجيح لا كمصدر تشريع إلا إذا كان نقلا فحكمه حكم النقل.

الطاهر عمر الطاهر
24-07-2008, 01:27 PM
ومن آزر آل البيت عليهم السلام وناصرهم فهو من علامات الايمان كما في النصوص المتواترة وليس موجبا للظن والقدح الا عند البلداء أو النواصب .
فمن أعجب العجب المشي خلف الأوهام والشكوك ومعارضة السنة الصحية ونصرة ترك السنة ، وفي نفس الوقت ذم من يدعو للأخذ بالحديث المتواتر والصحيح .

ما أحسن هذا الكلام، ونصرة آل البيت أحد المتعينات في هذا الزمان الذي كثر فيه النصب باسم السنة، والرفض باسم المحبة، فالتمسك بآل البيت ومحبتهم شطر النجاة كما في الأحاديث الصحيحة المتواترة؛ وقد انتشر بفعل الوهابية وغيرهم النصب بين أهل السنة حتى بلغ الأمر إلى تخوف كل من يتحدث في فضيلة من فضائلهم أن يرمى بالتشيع والرفض، واعتقاد محبة أهل البيت وتقديمهم شأن كل مسلم، فكيف بصوفي يدعي التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه، ويهمل التبرك بأولاده وأحفاده...
وأكرر رجائي لك بأن تفتح موضوعا مستقلا تتناول فيه حجية إجماع العترة الشريفة وأكون إن شاء الله أول المستفيدين منه.
تنبيه لترويح النفوس : سمعت من بعض مشايخنا يقول : قولهم : اذا صح الحديث فهو مذهبي لا ينطبق الا على الامام الشافعي رضي الله عنه .
يبدو أن هذا من باب المزح لا من باب الجد، فهذه العبارة عن الشافعي وغيره غير صحيحة بهذا الإطلاق؛ فالصحة لا تكفي للعمل بالحديث؛ فرب حديث صحيح متروك ورب ضعيف معمول به، ومن غرائب المصادفات أني كنت أقرأ قبل يومين "الأحاديث الضعيفة التي تلقتها الأمة بالقبول" وقد قرأت قبلها "الأحاديث الصحيحة التي لم يفت بها الفقهاء" وللمسألة شرح ليس هذا موضوعه

الأزهري
24-07-2008, 05:13 PM
قولكم أخي الكريم: (لم أقتنع ..) ليس من شرط الحوار اقتناع كل طرف بكلام الآخر، وإنما الاقتناع هي نتيجة مرجوة من محصل الحوار قد تتحقق وقد لا تتحقق، والقلوب بيد الله تعالى، وقولكم: ( ما وجه الشذوذ في هذا؟) يعرف الجواب من خلال تعريف الشاذ، فإذا روى أحد أهل المدينة شيئا وخالفه أكثرهم مخالفة يتعذر معها الجمع كانت روايته شاذة لأن العدد الأكثر أحفظ وأوثق، هذا هو المقرر في علم الحديث، وقولكم: ( فإن الاجماع اتفاق مجتهدي الأمة لا مجتهدي مدينة) لا تعارض فيه فإن مجتهدي الأمة كانوا كلهم في المدينة في عهد عمر، ولا يمكن لأحدهم أن يخالف ما جرى عليه عمل المدينة إلا وكان له جماعة المدينة بالمرصاد ولك في حادثة شرب الخمر في الشام عبرة، وقولكم: (عبارة: "إن البقاع لا تعصم ساكنيها") هذا الكلام لو قاله قائل ليتوصل به إلى الطعن في حجية قراءة الكوفيين مثلا أو المدنيين أتراه يجدي بحجة أن البقاع لا تعصم ساكنيها من الخطأ؟؟ لا يجدي فكذلك لا يجدي هذا الكلام في إسقاط حجية عمل أهل المدينة. وقولكم: ( المعتمد في الأصول أن مخالفة المبتدع والمجتهد الفاسق معتبر فلا ينعقد الإجماع بدونهما) هذا أشنع شيء ويترتب عليه أن لا إجماع على إسلام الشيخين ولا على طهارة أمهات المؤمنين ولا على سلامة القرآن من التزوير لمخالفة الشيعة لنا في ذلك؟؟ ولا إجماع على رؤية الله في الآخرة وأن كلام الله غير مخلوق ولا على بقاء الجنة والنار ونعيم القبر وعذابه وسؤال منكر ونكير وشفاعة المصطفى ونحوها من أمهات مسائل الاعتقاد لمخالفة القدرية أو الزيدية أو الجهمية لنا فيها ممن ينطبق عليهم وصفك بأنهم مبتدعة مخالفون !! وهذا الكلام لازمه في غاية الشناعة نعيذكم بالله منه، وطلبكم مني البيان الشافي قد تم فلا أدل على صحة ما ذكرته لك من بطلان لوازم قولكم. وقولكم: (فهذا الشرط موجود في كتب الأصوليين) نعم لكن تبين فساده بفساد لوازمه كما ذكرتم عن الغزالي فلا عبرة به. وقولكم: (أنا أوافق على كون الشرط الذي ذكرتُه باطل من باب تقليدي لجمهور الأصوليين الذين نفوه) فلم أوردتموه إذن ما دام باطلا عندكم؟ وما نقلتموه عن الإمام ابن الزملكاني لا يعارض ما ذكرناه أبدا فإن مذهب أهل المدينة كان قد طار في الآفاق أيضا وحمله عن أهل المدينة غير أهل المدينة حتى وصل إلى العراق والشام وأفريقيا كلها، وهو أكبر المذاهب في القرون المفضلة وأوسعها انتشارا. وقولكم: (إن كان متواترا عملُ أهل المدينة أو ملحقا به فهو يقبل النسخ والتخصيص بلا أي إشكال)
هذا محال، لأنه يلزم عليه أن ورثة النبي الكريم وأبناء المهاجرين والأنصار قد جهلوا كلهم أو جمهورهم الناسخ وعملوا بالمنسوخ وجهلوا المقيد وعملوا بالمطلق وجعلوا الخاص وعملوا بالعام وأخذوا المشكل وتركوا المحكم .. إلخ وهذا فيه من الإزراء على السلف ما فيه ولا أظنكم تعنون هذا اللازم، وكان الواجب أن تقيموا عمل أهل المدينة مقام المتواتر المقيد والناسخ والمخصص والمحكم .. لا العكس غفر الله لكم. وقولكم: (يلزمني بالقول أن العمل أضعف من المتواتر الاصطلاحي) لا يمكن أن يحصل متواتران أحدهما أضعف من الآخر لأن التواتر يلزم منه قطعية الثبوت ولا يقال عن قطعي الثبوت بأنه أضعف من قطعي آخر، ولهذا لا يوجد متواتر يمكن أن يعارض عمل أهل المدينة إلا ويكون العمل نصا أوناسخا أو مخصصا أو مقيدا .. إلخ. وقولكم: ( لا أعرف في علم الأصول ما لا يقبل تقييدا ولا تخصيصا ولا نسخا إلا الإجماع التام؛ وإلحاق عمل المدنيين به شطط واضح) بلى هناك ما لا يقبل غير الإجماع فقد قالوا بأن العلة لا تقبل التخصيص، وعمل أهل المدينة هو ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومشى عليه الصحابة وأبناؤهم فلا يقبل النسخ لأنه هو الناسخ ولا يقبل التقييد لأنه هو المقيد ولا يقبل التخصيص لأنه المخصص .. فهو آخر الأمرين من رسول الله فلا يقبل شيئا من ذلك. ( وإلا لزم عنه تفسيق وتبديع كل من لم يكن مالكيا لأنه لا يقبل الإجماع) هذا لا يلزم على قولك بأن الإجماع نفسه لا ينعقد بمخالفة المبتدع، إذ كيف تحكم بتفسيق من خالف الإجماع وأنت لا تسلم الإجماع إذا خالفه المبتدع أصلا ؟؟؟ وقولكم: (والذي أراه أن عمل أهل المدينة في مذهب مالك هو أحد قرائن الترجيح لا أحد مصادر التشريع) لو كان كذلك لما رأيت إمام المذهب يدع الخبر الصحيح في ظاهره لمخالفة العمل، لأن العمل لو كان لمجرد الترجيح فقد كان يجب أن يذكر الإمام خبرين ثم يرجح أحدهما بموافقة العمل ولكنه كان يذكر خبرا واحدا ثم يرده بالعمل فهذا دليل على أنه مصدر تشريعي عنده لا أنه مجرد مرجح، وأدل على ذلك أنه قد يؤسس الحكم كله على مجرد العمل دون ذكر أي دليل آخر معه. وقولكم: (توجيهك لفعل مالك رحمه الله هو أحد احتمالات في الموضوع مع كنت قد وجه به الأخ أسامة هذا الموضوع، والاحتمالات كلها متساوية لا يترجح أحدها على غيره إلا بقرينة) إذا كان كذلك فقد سقط الاستدلال بالقصة من أصله فلم أتيم بها وذكرتموها وهي محتملة لا حجة فيها؟ خاصة وأنها في الموطأ وهو كتاب حديث وليس في العمل. وقولكم: ( أما أحاديث الأحكام فلا يحل إمساكها) بل قد يجب إذا كان فيها ما يخالف العمل وهو صريح كلام مالك فيما نقلته لك فراجعه. وقولكم عن مسألة الحسين وابن الزبير: (هذا غريب جدا ليتك توضحه) قد وضحته في الرياحين على هذا الرابط فانظره هنا:
http://cb.rayaheen.net/showthread.php?tid=16030&page=4#p89703

وقولكم: (وأضيف إلى ذلك البلاء قوم متعصبة .. إلخ) هذا الكلام أخي قد لا يقال لرجل في وزن الإمام الشافعي رضي الله عنه إذا قلد مثل مالك وأبي حنيفة ثقة بهما وهضما لنفسه فكيف بعوام (أدعياء العلم) أهل زماننا الذين لا قدرة لهم على الاجتهاد ؟! فهذا إذا أخذ من الكتاب والسنة مباشرة ضل وأضل فلا مناص من أخذه عن أهل العلم والله يقول: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) ولم ينكر عليهم سؤال أهل الذكر مع وجود الكتاب والسنة بين أيديهم لأنهم لا يحسنون الاستنباط منهما كما يحسنه أهل الذكر.

الأزهري
24-07-2008, 05:40 PM
وقولكم: (إن الاستدلال المقنع في حجية عمل أهل المدينة هو النقل الجماعي لأفعال وأقوال وأحوال التابعين عن الصحابة) كلام صحيح 100% وأما قولكم: ( فإن رفعوا نقلهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذاك مما لا يختلف في الاحتجاج به وهو ما وافق عليه من سميناهم أعلاه من الشافعية والأحناف) تقصد رفعوا عملهم، أي أن يقولوا عن فلان عن فلان !! وأقول وكذلك إن لم يرفعوه فله حكم الرفع، لا شك في هذا، فلا أظن أحدا يجرؤ أن يسأل نافعا وسالما وسعيد بن المسيب وأضرابهم ممن يصلون في مسجد رسول الله فيقول لهم عمن تنقلون هذه الصلاة وهذه العبادة التي تفعلون؟؟ لا أظن أحدا يصير في ذلك الزمان والآن والموقف يجرؤ على مثل هذا السؤال ولا أظنه إذا تجرأ أن يسألهم أنه سيسمع منهم غير النقل المرفوع إلى آبائهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعمن تراهم أخذوا صلاتهم وعباداتهم؟؟ أليس هذا السؤال يحمل من السخف شيئا غير قليل؟ ويحمل تهمة مبطنة للسلف الصالح؟؟ ولو كان هذا السائل قد رأى أمرا شاذا فسأل صاحبه عمن نقلت لكان له عذر وأما أن يرى فقهاء وعلماء مسجد رسول الله كلهم على شيء فيأتيه الشك والريب فهذه وساوس من عمل الشيطان، فمن يشترط على أهل المدينة وفقهائها من أبناء المهاجرين والأنصار وأكابر التابعين أن يبينوا له أسانيدهم ويعنعنوا له طرائق صلاتهم على مصطلح أهل الحديث المتأخر وإلا خالفهم فهو إنسان مريض يحتاج إلى علاج، والله أعلم. وقولكمك (وهذا الاستدلال يستوي فيه أهل مكة وأهل الكوفة ..إلخ) إذا سلمنا هذا الاستواء فلا نسلم أنهما في النقل والثبوت سواء، أرأيت قائلا لو قال لك ما لنا نقلد مالكا ولا نقلد أنس بن مالك ؟؟ فما الجواب؟ فهو الجواب على عمل أهل المدينة دون غيرهم، إنه لم يتكفل أحد بتدوين ونقل مذهب قطر كما دون مذهب أهل المدينة، والصحيح أن مذهب أهل المدينة والحجاز كله مذهب واحد، وأما مذهب أهل الكوفة فمن دونه وكتب فيه؟ فأبو حنيفة نفسه لم يكتب عنه ولا تلاميذه وإلا فأين كتبوا هذا؟؟ نريد نصوصهم في الدلالة على عمل أهل الكوفة في شيء خالف عمل أهل المدينة. وقولكم: (ونصرة آل البيت أحد المتعينات في هذا الزمان) كلام مجمل يحتاج إلى تفصيل، وكلمة حق قد يراد بها باطل، وهو الغالب اليوم، ومع هذا فلا علاقة له بموضوعنا، وإذا استمر تشعب الموضوع إلى أن نخرج من عمل أهل المدينة وندخل في نقاشات جانبية عن آل البيت وأهواء الشيعة فلن ننتهي من شيء، والله الموفق.

زكريا الأنصاري
25-07-2008, 07:29 AM
ونصرة أهل البيت عليهم السلام ليس حقا يراد به باطل كلا وألف كلا بل هو الواجب الايماني المتعين خاصة على أهل السنة .
ولا ينبغي لعاقل ان يترك المتفق عليه الى الوهم والشكوك ومعارضة السنة الصحيحة .

فمحصلة هذا ترك مذهب أهل المدينة إلى مذهب الزيدية!!

الرضا
25-07-2008, 11:27 AM
مولانا الأزهري

ليتني أخلص إليكم فأقبل يديك وما بين عينيك !!

لكم مودتي وتقديري .

محبكم

أبو نهيلة المالكي
25-07-2008, 07:10 PM
تنبيه لترويح النفوس : سمعت من بعض مشايخنا يقول : قولهم : اذا صح الحديث فهو مذهبي لا ينطبق الا على الامام الشافعي رضي الله عنه
محققو الشافعية بينوا ما المراد من كلام إمامهم هذا. و قد أقروا أن هذا غير متوجه للدهماء من الناس ‘ وهذا الإمام النووي- أحد شيخي المذهب- في "تهذيب الأسماء واللغات" يقول: " ولذلك شرط صعب قل من يتصف به في هذه الأزمان"
سبحان الله زمن النووي الذي يكون فيه كالرازي وابن الصلاح وابن دقيق العيد.
و ذكر في "المجموع" أن ذلك خاصا في المجتهد في المذهب ؛ فكيف لو رأى النووي زمانا لم يضبط فيه المتفيهقة مسائل مذهب واحد من حيث حدها وعدها و قيودها واستثناءاتها . فالله المستعان

ابن نصر
25-07-2008, 07:18 PM
و ذكر في "المجموع" أن ذلك خاصا في المجتهد في المذهب ؛ فكيف لو رأى النووي زمانا لم يضبط فيه المتفيهقة مسائل مذهب واحد من حيث حدها وعدها و قيودها واستثناءاتها . فالله المستعان

من أجل هذا امتنعت عن النقاش لانك لو سألت أحد المشاركين عن فقه الوضوء ترى العجب العجاب ،ثم ياتي ويتكلم عن فقه أهل المدينة
وفقكم الله

الأزهري
25-07-2008, 10:27 PM
مولانا الرضا جزاكم الله خيرا.

أخي المشرف أرجو قراءة ماكتبته عن أصول المذهب المالكي في تقديم الرأي والأوهام على الحديث النبوي الشريف الذي صح عن المعصوم سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولنقف وقفة تأمل وتأن ونظر .

أرجو من المشرف الفاضل أن يتمعن في كلمات الأخ أسامة هذه ليرى أنها تحمل تطاولا على المذهب المالكي لا يجوز.

ابن نصر
25-07-2008, 10:33 PM
أرجو من المشرف الفاضل أن يتمعن في كلمات الأخ أسامة هذه ليرى أنها تحمل تطاولا على المذهب المالكي لا يجوز

ولما لا يتطاول وانتم يا مالكية اعطيتم لهؤلاء الفرصة لانتقاص مذهبكم

الطاهر عمر الطاهر
26-07-2008, 12:30 PM
كلمة لبعض الإخوان قبل مناقشة كلام الأزهري في ما كتبه:
لست أدري والله يا إخواني كيف تتصورن المنتديات والمواضيع المكتوبة فيها؟ أتريدون نقل مواضيع قديمة وتراجم مستلة من كتب معروفة ومتوفرة، وتنتظرون من ذلك عبارات من مثل: "بارك الله فيك" و"جزاك الله خيرا"؟
أم تريدون كتابة مواضيع جميلة ومفيدة حتى إذا بدأت تعجب بصاحب الموضوع وأتممت القراءة صعقت بكلمة "منقول للإفادة"؟
أم تريدون نقل عبارات الثناء والمديح للأعلام والكتب ليقرأها ألف ثم سرعان ما ينسونها بعد ربع ساعة من القراءة....
إن هذا هدفكم فليعلن صراحة في شروط المنتدى وليجعل ذلك عنوانا للمنتدى وشعارا له.
أم تريدونه منتدى مليئا بالمناقشات والمناظرات والمباحثات التي تنمي ملكة الطالب وتصقل قريحته وتشحذ ذهنه، وتدفعه للبحث والتنقيب والاطلاع بحثا وتحثه عليه حثا.
نعم نحن مجرد طلبة؛ لسنا علماء ولا مجتهدين ولا أكفاء لمجتهدين ولا لأتباع المجتهدين، وإنما نحن نحاول التعلم هنا في هذه المنتديات وأن يستفيد غير المتمكن من المتمكن وأن يفيد المتعلم غير المتعلم.
هذه الكلمة كتبتها ليس إزراء بغيري ولا مدحا لشخصي وإنما لأنبي بدأت أستشرف نهاية غير مشرفة لهذا الحوار كالتي انتهى إليها الموضوع السابق؛ فلمز الغير -أيا كان هذا الملموز- بأنه لا يحسن فقه الطهارة، وغمزه بأنه يفضل مذهب البدعة على مذهب السنة لا يحسن بطالب العلم الشرعي فضلا عن المنتسب إلى مذهب مالك رضي الله عنه الذي ما صاحبه من صاحبه إلا وشهد أدبه.
لذا أنا أعتب على أخي الأزهري عتبا شديدا في كلمته التي وجهها للمشرف ينبهه على تطاول الأخ أسامة على مذهب مالك، وكان حريا به أن يطلب من أسامة البرهان على صحة دعاويه لا أن يحذر من كتاباته؛ فالرجل فيما يظهر أنه شافعي يحب مذهب الشافعي رضي الله عنه، ويرى في مذهب شيخ الشافعي موانع تحول بينه وبين الاقتداء به والأولى دفع شبهه لا قمعه بهذا الأسلوب.
لذا أنا أربأ بك يا أخي أن تنزل إلى هذا الأسلوب في التعامل مع المخالف، وإن كنت قد أتفهم غيرتك على المذهب ودفاعك عن صاحب المذهب؛ لكن من هو في مستوى علمك وتحصيلك لا يحسن به هذا.
واعذرني سيدي الأزهري وليعذرني السادة الكتبة المشتركين في هذا الموضوع على هذه الكلمة والتي قد تكون قاسية نوعا، لكن يعلم الله أني ما أريد لهذا المنتدى إلا أن يكون رائدا في مجال علوم الشرع، وأن يكون المنتسبون إليه محصلون لعلوم الشرع لا حافظين لها فحسب، و"رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه"؛ وهذه الأساليب تجعل المخالف والمناقش والباحث عن الحق يذهب إلى منتديات ومواضع يحب أصحابها الطعن في العلماء والأولياء والصحابة باسم حرية البحث أو وجوب الاجتهاد وتعينه على كل فرد.
كلمة أخيرة إلى الأخ أسامة:
ما تفترضه عن مذهب مالك وما تراه مخالفا للأصول يجب ان تكتبه في مواضيع مستقلة مدعمة بالبرهان والشرح، وهذا ما يفيدنا جميعا، فإن استمرارك بكتابة نتائج تأملاتك في المذهب وخلاصات بحثك فيه دون الإحالة والبرهان تجعل غيرك يتهمك وتجعل نفسك في موضع متعب؛ فاكتب براهين النتائج التي وصلت إليها وسيناقشك فيها الجميع بإذن الله.
واعذروا-جميعا- تطاولي بين أيديكم وتقدمي عليكم وإن رأيتم أن ما أكتبه هو إساءة لمالك ومذهب مالك فسأمتنع عن هذا وليبق رأيي حبيس نفسي، والله الموفق.

الطاهر عمر الطاهر
26-07-2008, 12:34 PM
عودة لمناقشة كلام الأزهري
سيدي الكريم هل لي أن ألخص الآن مجريات الحوار السابق المتعلق بعمل أهل المدينة فأقول:
أننا متفقان على أن عمل أهل المدينة مما كان استناده النقل حجة على الغير، وينزل منزلة المتواتر أو قريبا منه بحيث لا يمكن الطعن في حجيته إلا بما هو أقوى منه.
وأن ما كان من عمل أهل المدينة مما مستنده الاتفاق وعدم المخالف ينزل منزلة الإجماع أو قريبا منه فهو حجة.
وأن ما كان مستنده الاجتهاد فليس بحجة
هل أنت موافق على هذه الخلاصة التي كتبتها بين علامات الاقتباس؟
إن كان جوابك نعم فإني سأنتقل إلى مرحلة أخرى من النقاش بعد أن تحددت مفاهيم الحجية في عمل المدنيين.
وإن كان جوابك بغير ذلك فأرجو أن توضح لي ما تراه حجة في عمل أهل المدينة وما لا تراه حتى نكمل الحوار.
إلى أن ـلقى الإجابة اسمح لي التعليق على بعض الكلام الذي ذكرته في مشاركتيك رقم: 41-42
فقولك:
لا تعارض فيه فإن مجتهدي الأمة كانوا كلهم في المدينة في عهد عمر
هذا كلام غير صحيح لاعتبارين:
الأول راجع إلى البرهان على هذه الدعوى؛ من أين حصرت جميع المجتهدين في الأمة بكونهم في المدينة في زمن عمر؟
إن عمر رضي الله عنه كان كثير المشاورة لأهل بدر، والاجتهاد ليس حصرا عليهم، وعماله الذين أرسلهم ولاة وجباة و"ضاغطين" فيهم من أهل الاجتهاد والفتيا الشيء الكثير؛ بل يكفي أن يكون عبدالله بن مسعود وهو من هو في العلم والفتيا ليس من ساكني المدينة بل قد آثر عمر أهلَ الكوفة به كما جاء عنه رضي الله عنهما جميعا.
الاعتبار الثاني أني لا أعلم من المالكية من تكلم على هذا الاعتبار وخص عمل المدنيين بالعهد العمري، وإن كان هذا العهد أكثر العهود ازدهارا في "حركة التشريع" وإنما أعرف أن بعض المالكية قصر العمل في الفترة قبل ظهور الفتن في العهد العثماني؛ والذي عليه سائر المالكية أن العمل كان ممتدا إلى الزمن الذي ولد فيه مالك ونشأ و"لاحظه" ومن ثم استدل به؛ وهذه الفترة طويلة جدا تشمل العهد الأموي برمته وصدرا من عهد بني العباس.
لكن بعد مقتل عمر تفرق الصحابة بإذن عثمان في الأمصار، وصارت الخلافة بعد عثمان في الكوفة وتحولت إلى دمشق وفي كلتا المدينتين صحابة كثر فيهم من أهل الفتوى والاجتهاد العدد الكثير، فبطل بذلك استدلالك وتعليلك كله؛ وعليه فإن قولك: بأنه "لا يمكن لأحدهم أن يخالف ما جرى عليه عمل المدينة إلا وكان له جماعة المدينة بالمرصاد" كلام غير دقيق لأنه قد وقعت المخالفة في ذلك كثيرا ويكفيك أن تقارن بين فقه عبدالله بن مسعود وفقه عمر لترى الأمر، ولا يصح تعميم حادثة واحدة على الجميع؛ وإلا فإني أعمم تلك القصة التي أظهر فيها عبدالله بن عباس المخالفة لعمر في مسألة من مسائل الميراث، فحين سئل لم لم تفت بهذا في عهده علل ذلك بخوفه منه ومن درته.
هذا أشنع شيء ويترتب عليه أن لا إجماع على إسلام الشيخين ولا على طهارة أمهات المؤمنين ولا على سلامة القرآن من التزوير لمخالفة الشيعة لنا في ذلك؟؟ ولا إجماع على رؤية الله في الآخرة وأن كلام الله غير مخلوق ولا على بقاء الجنة والنار ونعيم القبر وعذابه وسؤال منكر ونكير وشفاعة المصطفى ونحوها من أمهات مسائل الاعتقاد لمخالفة القدرية أو الزيدية أو الجهمية لنا فيها ممن ينطبق عليهم وصفك بأنهم مبتدعة مخالفون !! وهذا الكلام لازمه في غاية الشناعة نعيذكم بالله منه، وطلبكم مني البيان الشافي قد تم فلا أدل على صحة ما ذكرته لك من بطلان لوازم قولك.
يا سيدي تلك اللوازم التي ألزمتم بها القائل بهذا القول -وأنا منهم- إنما تصح فقط لو أثبت أنه لم يجمع أحد على ما ذكرت؛ لكن واقع الحال يفيد أن خلاف الشيعة والمعتزلة وغيرهم إنما وقع بعد انعقاد الإجماع، ألا ترانا نستدل عليهم في كتب الكلام بالإجماع؟
إن خلافهم للإجماع المفسق لهم كان بعد أن وقع الإجماع، فلم يطعن في الصحابة ولا في أمهات المؤمنين أحد قبل ظهور التشيع بمعناه الأخير، فكان الإجماع منعقدا على تفضيلهم وصحة صحبتهم وسلامة تدينهم حتى أظهر الشيعة الرافضية الخلاف، وقل الأمر ذاته لكل ما أوردتَه من أمثلة، وعليه فإن مطالبتي لك بالبيان الشافي ما زالت قائمة، وأحسن الله إليك حين عوذتني من ذلك اللازم الذي لا أعتقده.
لأنه يلزم عليه أن ورثة النبي الكريم وأبناء المهاجرين والأنصار قد جهلوا كلهم أو جمهورهم الناسخ وعملوا بالمنسوخ وجهلوا المقيد وعملوا بالمطلق وجعلوا الخاص وعملوا بالعام وأخذوا المشكل وتركوا المحكم .. إلخ وهذا فيه من الإزراء على السلف ما فيه ولا أظنكم تعنون هذا اللازم، وكان الواجب أن تقيموا عمل أهل المدينة مقام المتواتر المقيد والناسخ والمخصص والمحكم .. لا العكس غفر الله لكم
هذا الكلام الذي اوردته عن ورثة النبي الكريم وأبناء المهاجرين والأنصار يصح كذلك في كل الأمصار التي افتتحها المسلمون وعاش فيها الصحابة ولاة أو معلمين أو كسائر الناس؛ إذ لا يعقل منهم ما نفيته أنت عن اهل المدينة، وأخص الناس بالنفي أهل مكة تماما مثل أهل المدينة؛ وأقل منه أهل الكوفة والبصرة والفسطاط فهي مدن إسلامية مائة بالمائة نشاة وتكوينا واستمرارا، أنشأها الصحابة وسكنوها بأهاليهم وذراريهم، ولحقهم كثير غيرهم وكثير من التابعين فيما بعد حين صارت عامرة بالحياة وقاعدة للجهاد ومكانا للرباط.
(وإلا لزم عنه تفسيق وتبديع كل من لم يكن مالكيا لأنه لا يقبل الإجماع): هذا لا يلزم على قولك بأن الإجماع نفسه لا ينعقد بمخالفة المبتدع، إذ كيف تحكم بتفسيق من خالف الإجماع وأنت لا تسلم الإجماع إذا خالفه المبتدع أصلا
نعم على أصلي لا إشكال؛ فكيف تجيب على أصلك الذي ذكرت من عدم الاعتداد بقول المجتهد الفاسق والمبتدع؟ ألا يلزم عنه التفسيق والتبديع لمن لم يكن مالكيا؟ كيف تخرج من هذا الإشكال؟ غفر الله لك
هذا الكلام أخي قد لا يقال لرجل في وزن الإمام الشافعي رضي الله عنه إذا قلد مثل مالك وأبي حنيفة ثقة بهما وهضما لنفسه فكيف بعوام (أدعياء العلم) أهل زماننا الذين لا قدرة لهم على الاجتهاد ؟! فهذا إذا أخذ من الكتاب والسنة مباشرة ضل وأضل فلا مناص من أخذه عن أهل العلم والله يقول: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) ولم ينكر عليهم سؤال أهل الذكر مع وجود الكتاب والسنة بين أيديهم لأنهم لا يحسنون الاستنباط منهما كما يحسنه أهل الذكر
ما كان الحديث عن الشافعي ولا عن طبقته ولا عن طبقة تلاميذه؛ وإنما كان الحديث مقصودا به متأخرو المذاهب القائل أحدهم أنه خليلي إذا ضل ضل؛ والذي يرى العصمة في كلام شرح خليل وابن عاشر وأصحاب الحواشي فيستنبط حكم الله من مفهوم المخالفة في كلامهم، ومن "أل" الاستغراق في حواشي بعضهم، ويعرض عن النصوص المتوافرة بين يديه، والعجيب أنه يجرأ على تفسير كلام الله وشرح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل العلوم حتى إذا جاء الفقه رجع إلى أصحاب التقريرات والحواشي.
إذا سلمنا هذا الاستواء فلا نسلم أنهما في النقل والثبوت سواء، أرأيت قائلا لو قال لك ما لنا نقلد مالكا ولا نقلد أنس بن مالك ؟؟ فما الجواب؟ فهو الجواب على عمل أهل المدينة دون غيرهم، إنه لم يتكفل أحد بتدوين ونقل مذهب قطر كما دون مذهب أهل المدينة، والصحيح أن مذهب أهل المدينة والحجاز كله مذهب واحد، وأما مذهب أهل الكوفة فمن دونه وكتب فيه؟ فأبو حنيفة نفسه لم يكتب عنه ولا تلاميذه وإلا فأين كتبوا هذا؟؟ نريد نصوصهم في الدلالة على عمل أهل الكوفة في شيء خالف عمل أهل المدينة
ألا ترى يا سيدي أن الكتب قد ملئت بالنقل عن الكوفيين بهذا اللفظ صريحا؟ ألا ترى في كتب ابن عبدالبر والطحاوي وابن رشد الحفيد والطبري وابن المنذر مثل هذا النقل؛ فهذا هو مذهب الكوفيين.
أما التكفل بالتدوين على طريقة المذاهب المتأخرة فنعم لم يكن لغير الأربعة، فهل هذا يعني نفي العلم بأراء أصحابها؟ إن التحجج بأن مذاهب غير الأربعة لا يمكن تقليدها لانعدام تأليف في ضبطها أكبر حجة واهية للصد عن الاستفادة من جهود آلاف المجتهدين من الصحابة ومن جاء بعدهم، وقد نقلت عنهم مذاهبهم في كتب أرقى بكثير من بعض كتب أهل المذاهب الأربعة؛ فهذه المذاهب قد نقلت في كتب الحديث والسنة بالإسناد عن قائلها ولا يتأتى المنتقد لها إلا بالانتقاد لما روي من سنة بتلكم الأسانيد وفي تلكم المصنفات، في حين بعض رويات أصحاب المذاهب الأربعة قد حذر منها أتباعها مما هو معلوم مشهور في كل مذهب، فالتحجج بمثل هذا تحجج بما لا طائل تحته.
تنبيه:
لم أرد مناقشة الأزهري في ما كتبه عن خروج ابن الزبير والحسين ولا في تعليقه عن مذهب العترة في هذا الموضوع حتى لا يتشعب النقاش وحتى نلتزم بالموضوع الأصلي. والله الموفق.

الزيتوني
26-07-2008, 04:33 PM
لا فض فوك يا أخي الشيخ الطاهر، والله لكأنك تقول الذي في قلبي عن عمل أهل المدينة حرفا حرفا.. وكلما أردت المشاركة في هذا الموضوع وجدت فيكم الكفاية، ونحن مستمتعون بهذا الحوار فاستمرو بارك الله فيكم..

لكن دعوني أخالفكم في قولكم هذا وما بعده..

إن التحجج بأن مذاهب غير الأربعة لا يمكن تقليدها لانعدام تأليف في ضبطها أكبر حجة واهية للصد عن الاستفادة من جهود آلاف المجتهدين من الصحابة ومن جاء بعدهم،

فإنه يحتاج إلى نقاش مفصل منفصل
وفقكم الله..

الطاهر عمر الطاهر
26-07-2008, 08:30 PM
أخي الكريم الزيتوني يسعدني متابعتك ومشاركتك لي في الآراء والأفكار وإن لم نتفق في جلها فليس ذلك مانعا من واجب المحبة والأخوة، وأغبط بنفسي بوجود من يتابع ما نكتب وما نناقش فيه مع الإخوة هنا وفي غير هذا المكان.
والمسألة التي خالفتني فيها ليتك تُفَصِّل وتؤصل النقاش فيها، فهي من مشهورات المسلمات في هذا الزمان بين طلبة الفقه والأصول، وتحتاج فعلا إلى نقاش منفصل، وأنا جاهز لما ترونه.

الأزهري
26-07-2008, 11:10 PM
أخي الطاهر قولكم: (بدأت أستشرف نهاية غير مشرفة لهذا الحوار كالتي انتهى إليها الموضوع السابق) أنت قرأت تعليقا لبعض الأعضاء ضايقك وأنا قرأت أيضا تعليقا ضايقني وأزعجني من بعضهم، فلندع الإشراف والإدارة تتولى الأمر. وقولكم: (لذا أنا أعتب على أخي الأزهري عتبا شديدا في كلمته التي وجهها للمشرف ينبهه على تطاول الأخ أسامة على مذهب مالك) فأنتم من قبل استعديتم الإشراف على ابن نصر وابن عمر لما تطاولا عليك، فلم فعلت هذا؟؟ ومذهب مالك عندي أعز علي من نفسي، وهذا عنبر لم يناقش بعلم، بل زعم أن المالكية يقدمون الأوهام على الكتاب والسنة !! هل هذا نقاش وعلم؟ بل أشتكي عليه أطلب من الإشراف التصرف معه. وقولكم: ( وكان حريا به أن يطلب من أسامة البرهان على صحة دعاويه لا أن يحذر من كتاباته) لما أوقف المشرفون ابن نصر في المرة الماضية لما تطاول عليك لم يسألوا ابن نصر عن دليل قوله فيك، وقول عنبر بأن المذهب المالكي مبني على أوهام كلام لا يستحق النقاش، ولا نطلب برهانا على سوء خلق وقلة أدب. وقولكم: ( فالرجل فيما يظهر أنه شافعي يحب مذهب الشافعي رضي الله عنه) إذن فأنت لا تعرفه، فهو شيعي ولم يكتم تشيعه فلم تدافع عنه وأنت لا تعرفه؟ ولم نر شافعيا قط قال بأن مذهبا من المذاهب الأربعة مبني على الأوهام. وقولكم: (لذا أنا أربأ بك يا أخي أن تنزل إلى هذا الأسلوب في التعامل مع المخالف) لكل مقام مقال، فالكلام العلمي يدفع بالعلم، وسوء الخلق والأدب لا تربأ بي عن دفعه بما يليق به، وعلى الإشراف أن يراقب قلم عنبر وما يخرج منه إن أحبوا بقاءه بيننا. وقولكم: (وهذه الأساليب تجعل المخالف والمناقش والباحث عن الحق يذهب إلى منتديات ومواضع يحب أصحابها الطعن في العلماء والأولياء والصحابة باسم حرية البحث أو وجوب الاجتهاد وتعينه على كل فرد) نعم فليذهب إلى هناك لأنهم هناك أولى به من هنا، فمنتدى الأزهريين ينبغي أن يكون كالمدينة تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد، وعنبر لم يدخل هنا ليتعلم السنة بل لينشر رأيه وفيه التشيع المذموم وهذا معروف لدينا فإن لم يكن معروفا لديك فتعرفه قبل الدفاع عنه يا أخي. أخي الطاهر أنت تناقش الآن في حجية عمل أهل المدينة الذي نعتقد حجيته، بل صرحت بأن عمل فاس وما شابه بدعة تشريعية !! فهل استعدينا عليك أحدا؟ هناك فرق بين أسلوب علمي وأسلوب طاعن مستفز، ونحن نفرق تماما بين أشعري جاء يناقش إخوانه، وبين شيعي جاء يتلاعب بالضعفاء وينفث سمومه. ونحن أهل خبرة تامة بالشبكة وأساليب روادها فالآن نعرف الزيف كما يعرفه الصائغ الزيوف من دنانيره ودراهمه .. ثم قلتم: (أننا متفقان على أن عمل أهل المدينة مما كان استناده النقل حجة على الغير، وينزل منزلة المتواتر أو قريبا منه بحيث لا يمكن الطعن في حجيته إلا بما هو أقوى منه) فأوافقكم على حجيته ولا أوافقكم على إمكان الطعن فيه بشيء ولا يجيء شيء يكون أقوى من المتواتر أصلا كما لا يخفى، ولا يتصور متواتر أقوى من عمل أهل المدينة لا من حيث عدد النقلة ولا من حيث السلامة من النسخ والتخصيص والتقييد ونحوها .. ثم قلتم: (وأن ما كان مستنده الاجتهاد فليس بحجة. هل أنت موافق على هذه الخلاصة التي كتبتها بين علامات الاقتباس؟) أوافق إذا كان هذا الاجتهاد له مخالفة ظاهرة بينة في المدينة، وأما إذا اجتهد مجتهدهم وتبعه الناس ولا مخالف فهذا حجة كشأن كثير من أفعال أبي بكر وعمر وعثمان مما جرى عليه العمل في المدينة ولا مخالف، فهذا عندي حجة ولا أوافق على عدم حجيته، ومثاله جمع الناس على مصحف واحد في أيام عثمان فهذا اجتهاد منه ولا مخالف له في ذلك إلا ما يروى عن ابن مسعود ففعل عثمان صار حجة ولا يجوز الآن تغييره ولا تبديله. ثم قلتم لنقض حصر المجتهدين في المدينة: (بل يكفي أن يكون عبدالله بن مسعود وهو من هو في العلم والفتيا ليس من ساكني المدينة بل قد آثر عمر أهلَ الكوفة به كما جاء عنه رضي الله عنهما جميعا.) هذا معناه أن ابن مسعود لو خالف كل أهل المدينة في شيء لما كان قول أهل المدينة حجة، والعكس هو الصحيح، لأن ابن مسعود حدث بأشياء استنكرها الناس فأرجعه عمر وحبسه عنده في المدينة ومنعه من التحديث، وخالف أهل المدينة في جمع المصحف وقال إني غال مصحفي، فلم تكن مخالفته شيئا واتفق الناس على موافقة عثمان فيما اجتهد وصوبوا فعله وصار إجماعا ولم يلتفت أحد إلى مخالفة ابن مسعود، وجاء عن ابن مسعود أنه كان يحك المعوذتين يقول ليستا من كتاب الله، وهذا مروي عنه بأسايد يزعم أهل الحديث أنها صحيحة، فهل ترى في اجتهاداته هذه من حجة تنقض الإجماع على تصويب مصحف عثمان واعتقاد قرآنية المعوذتين؟ فإن قلت بأن مخالفة ابن مسعود تنقض الإجماع التام فهذه إحدى الطوام، لما يلزم من عدم قرآنية المعوذتين .. وإن قلت لا تنقضه قلنا فكذلك لا تنقض إجماع أهل المدينة، وأرجو أن تجيبني على هذا الإشكال بالتحديد. ثم قلتم: (بعد مقتل عمر تفرق الصحابة بإذن عثمان في الأمصار، وصارت الخلافة بعد عثمان في الكوفة وتحولت إلى دمشق وفي كلتا المدينتين صحابة كثر فيهم من أهل الفتوى والاجتهاد العدد الكثير) بل خرج كثير منهم في أيام عمر نفسه، لكن هل ثبت عن واحد منهم أنه خالف أهل المدينة في شيء؟؟؟ هم لما تفرقوا حملوا معهم ما عرفوه في المدينة ولم يحملوا معهم فقه أحد غير فقه أهل المدينة وما عرفوه أيام عمر، ومن خالف في شيء قامت عليه الدنيا، وقد تركوا المدينة وفيها عمل، وقدموا إلى بلاد لا عمل فيها فنقلوا ذلك العمل إلى بلادهم الجديدة ولم يحدثوا عملا جديدا، نعم من اجتهد في شيء ما لم يكن في المدينة فإن خالفه أهل المدينة وبينوا بطلانه كان باطلا، فنحن نقر أن بعض المجتهدين خرجوا من المدينة ولكننا نرى أنهم نشروا عمل أهل المدينة لا غيره، ولا نسلم أنهم نشروا غيره. ثم قلتم: (لأنه قد وقعت المخالفة في ذلك كثيرا ويكفيك أن تقارن بين فقه عبدالله بن مسعود وفقه عمر لترى الأمر) إن كان الخلاف محصورا بين ابن مسعود وعمر فقد استصعب الأمر، ولكن إن كان ابن مسعود خالف عمر وأهل المدينة فهنا قد تبين أن ابن مسعود قد أخطأ ولا شك، وكلامنا في حجية عمل أهل المدينة وأنه لا ينقضه مخالفة الآحاد، ولم يكن كلامنا في الاجتهاد المتساوي الأطراف كابن مسعود من جهة وعمر من جهة أخرى. ثم قلتم : (وإلا فإني أعمم تلك القصة التي أظهر فيها عبدالله بن عباس المخالفة لعمر في مسألة من مسائل الميراث، فحين سئل لم لم تفت بهذا في عهده علل ذلك بخوفه منه ومن درته) فلم أفهم مرادكم منها، لكن هذه المخالفة من ابن عباس لا يجوز الالتفات إليها ولا شك والحجة قائمة عليه، ولو جاز لك نقض الإجماع في العول بمجرد قول ابن عباس هذا مخالفا لعمل أهل المدينة لجاز لي نقض الإجماع على قرآنية المعوذتين لمخالفة ابن مسعود فيهما، فانظر ما الذي منعنا من الأخذ باجتهاد ابن مسعود هذا؟؟ فنحن لم ننكر حصول المخالفة ولكن ننكر أن تكون المخالفة ناقضة للإجماع أو أن لها تأثيرا، ودونك حادثة أبي جندل بن سهيل ـ وهو من السابقين ـ ووحشي وجماعة لما دخلوا الشام شربوا الخمر متأولين، فهل تأولهم هذا نقض الإجماع؟ ومن أين جاء النكير عليهم إلا من المدينة؟ وهذا كان في حياة عمر نفسه وليس في أيام عثمان، ولا يقال خاف ابن عباس من الدرة كما لا يقال خاف أبو جندل ومن معه من السيف، فلم تزل المدينة هي العاصمة الدينية والدنيوية، وإذا سمحت لمخالف واحد أن ينقض عمل أهل المدينة فاسمح له أن ينقض الإجماع من باب أولى فلا يكون الخمر مجمعا على تحريمها ولا المعوذتين مجمعا على قرآنيتهما. وهذا هو الكفر التزاما. .

الأزهري
26-07-2008, 11:12 PM
ثم قلتم : (يا سيدي تلك اللوازم التي ألزمتم بها القائل بهذا القول -وأنا منهم- إنما تصح فقط لو أثبت أنه لم يجمع أحد على ما ذكرت؛ لكن واقع الحال يفيد أن خلاف الشيعة والمعتزلة وغيرهم إنما وقع بعد انعقاد الإجماع، ألا ترانا نستدل عليهم في كتب الكلام بالإجماع؟) هذا لا يصدق على كل المخالفات يا أخي، فبعضها كان في العصر الأول الذي ندعي الإجماع فيه، فالقدرية الأولى ظهرت في العصر الأول وجماعة من الصحابة على قيد الحياة كالعبادلة، فلم عددنا هؤلاء المخالفين في القدر مبتدعة ولم نعدهم مجتهدين مع أنهم في عصر الصحابة؟ فانظر فهذا ينقض ما ذكرته، أي في العصر الذي نزعم نحن حصول الإجماع فيه على الإيمان بالقدر، ومع هذا لم يلتفت إليهم أحد، وتكفير عثمان وسب الشيخين ظهر بين ظهراني الصحابة قبل انقضاء عصرهم كم لا يخفى، وكذلك الخلاف في المعوذتين من ابن مسعود ـ حسب تصحيح المحدثين ـ لم يكن بعد انقضاء عصر الصحابة لأنه هو من أكابر الصحابة فكيف انعقد الإجماع ولم يؤثر خلاف هؤلاء فيه؟؟ وكذلك الخلاف في تحريم الخمر كان من أبي جندل ومن معه في الشام وهم صحابة أجلاء من السابقين فكيف لم يلتفت أحد إلى خلافهم بل اعتبرهم عمر ومن معه ناقضين للإجماع؟ ومانعو الزكاة ـ من غير ردة ـ لو عدهم أهل المدينة مجتهدين لما قاتلوهم، ما ذلك إلا لما أخبرتك به من أن الإجماع لا ينتقض بمخالفة مخالف واحد ونحوه، ولا أضعافه من غير أهل الاجتهاد، مع أن هذه المسألة جاءت في البين وليست هي مسألة عمل أهل المدينة، ولكن كل ما يرد على عمل أهل المدينة يمكن أن ينقض به الإجماع التام نفسه. فقد بينت الأمر الآن بيانا شافيا وجاء دورك. ثم قلتم: (هذا الكلام الذي اوردته عن ورثة النبي الكريم وأبناء المهاجرين والأنصار يصح كذلك في كل الأمصار التي افتتحها المسلمون وعاش فيها الصحابة ..إلخ) نعم صحيح، ونحن لا نتصور فيهم إلا هذا، ولا نعتقد أن أهل المدينة الذين خرجوا منها في العصر الأول خرجو منها وتركوا مذهبها وما تعلموه فيها، ولهذا نظنهم على خير وأنهم على عمل أهل المدينة لم يدعوه ولم يتركوه، ومن زعم أنهم تركوه جملة وعامة فقد أزرى عليهم وعابهم، فعليه الدليل، وإن كانوا تركوه فمن الذي أوصله إلى العراق والشام والمغرب الأقصى؟؟ ولا أنسى أن أذكر هنا أن إثبات مخالفة لبلد ما تقتضي وجود تدوين لمذهب هذا البلد، وهذا مفقود، ولذلك قلت لك من قبل بأن الفارق هنا كالفارق تماما في تقليد مالك دون أنس بن مالك، مع أن الثاني أولى بالتقليد، ولكن لم يدون له مذهب، وكذلك مكة والمدينة هم أهل الحجاز، ولا خلاف بينهم فمن زعم أن أهل مكة خالفوا أهل المدينة في شيء فعليه بالدليل، ونحن إذا لم نعرف مذهب أهل مكة في مسألة نظرنا في مذهب أهل المدينة المدون فمن خلاله نعلم بالظن القريب من القطع أنه عمل أهل مكة والحجاز، ومن خالف في هذا فعليه بالدليل. ثم قلتم: (نعم على أصلي لا إشكال؛ فكيف تجيب على أصلك..) أولا الإشكال لا يزال قائما على أصلكم وقد بينته آنفا في مسألة القدرية والمعوذتين ونحوها ونطالبكم بالحل، وثانيا نقول على أصلنا لا نسلم وجود منكر لحجية عمل أهل المدينة إذا استوفى شروطه، وجميع الأئمة يحتجون به حتى أبو حنيفة والشافعي وأحمد، ومن خالف المالكية منهم لم يخالفهم لإنكاره حجية عمل أهل المدينة بل لاعتبارات أخرى لا مجال لشرحها الآن، ويكفي في الجواب أن نقول إن رد حديث رسول الله يوجب الكفر والفسق باتفاق عندنا وعند مخالفينا فلم يحكموا بتفسيق بعضهم إذ خالف كل فريق ما احتج به الآخر من الأخبار، فالجواب هو الجواب، والحدود تدرأ بالشبهات. ثم قلتم : (ما كان الحديث عن الشافعي ولا عن طبقته ولا عن طبقة تلاميذه؛ وإنما كان الحديث مقصودا به متأخرو المذاهب القائل أحدهم أنه خليلي إذا ضل ضل) إذا لم يكن الحديث عن الشافعي وكان عن هؤلاء المتأخرين الذين لم يصلوا إلى رتبة الاجتهاد فكيف تنكر عليهم التقليد؟؟ فهؤلاء الذين زعمت أنهم خالفوا النصوص كيف تتصور أهليتهم للاجتهاد ؟؟ فليكونوا خليلييين إذن لأنهم لا يفهمون الكتاب والسنة مباشرة دون التقليد، ولو فتحنا لهؤلاء الباب ليجتهدوا لجاؤوا بالعجب العجاب، فتقليدهم متعين عليهم، فأين محل الإنكار؟ ثم قلتم : (ألا ترى يا سيدي أن الكتب قد ملئت بالنقل عن الكوفيين بهذا اللفظ صريحا؟ ألا ترى في كتب ابن عبدالبر والطحاوي وابن رشد الحفيد والطبري وابن المنذر مثل هذا النقل؛ فهذا هو مذهب الكوفيين) هؤلاء يقصدون أبا حنيفة وحده، وهذا معروف، ونحن نريد مذهب أهل المكوفة كلها لا قول أبي حنيفة واجتهاده وحده، وأنت خبير بأن أبا حنيفة أحد مجتهدي الكوفة وكان معه آخرون يخالفونه لا سيما من أهل الحديث كسفيان والأعمش وغيرهم، وهؤلاء الكوفيين غير مقصودين عند الطحاوي وغيره عند نقل كلمة أهل الكوفة، فهل دون أحد كتابا مبنيا على عمل أهل الكوفة المتفق عليه والمجتمع عليه؟؟ أين هذا الكتاب؟ ومن الذي قصد إلى جمع ذلك من أهل العلم؟ ثم قلتم : (إن التحجج بأن مذاهب غير الأربعة لا يمكن تقليدها لانعدام تأليف في ضبطها أكبر حجة واهية للصد عن الاستفادة من جهود آلاف المجتهدين من الصحابة ومن جاء بعدهم، وقد نقلت عنهم مذاهبهم في كتب أرقى بكثير من بعض كتب أهل المذاهب الأربعة؛ ) ما تقول في تقليد ابن مسعود في حك المعوذتين؟ وتقليد أبي جندل في حل الخمر وتقليد ابن عباس في متعة النساء وتقليد أبي ذر في تحريم الادخار وتقليد عائشة في رضاع الكبير وقليد أبي الدرداء في قراءة (والذكر والأنثى) إلى عدد من المسائل التي جاءت مروية بأسانيد صحيحة في هذه الكتب التي تشير إلى رقيها وتقدمها على كتب المذاهب الأربعة؟؟ أتجيز لي فضيلتك الاستفادة منها والقول والعمل بها أم ستصدني عن الانتفاع بهذه الاجتهادات بحجج واهية؟؟ وشكرا لكم وبارك في علمكم ووفقنا الله جميعا لما يحبه ويرضاه

الطاهر عمر الطاهر
27-07-2008, 12:55 PM
أخي الكريم، فلندع إذن الإشراف يتولى تلك الأمور، فأنا لا أعرف من أخاطبه في هذه المنتديات معرفة شخصية إلا ثلاثة أو أربعة، وإنما نتعامل مع الجميع بحسن الظن ولا أبحث عن ماضيه ولا عن اعتقاده وأفكاره، وإنما أتعامل فقط مع ما أراه أمامي مكتوبا؛ ولعل ذلك للخبرة القليلة في هذه الأمور؛ وقياسك أسامة على ابن عمر وابن نصر قياس مع الفارق، ففرق بين مناقشة الرأي ومناقشة الشخص، فلو قال لك أحد في الحوار: أنت فاسق أو أمي فأنا معارضه على عكس لو خطأك أو نقض حجتك، فالفرق "بين النصيحة والتعيير" وبين "النقد والطعن" مسألتان مفترقتان؛ على كل لا أريد الخوض في هذا ولندع المسألة لمشرفي المنتدى واثقين إن شاء الله من حكمتهم في التعامل.

الطاهر عمر الطاهر
27-07-2008, 12:55 PM
ولنرجع إلى كلامك في أصل الموضوع وتعليقاتي على نقاط أساسية فيه:
النقطة الأولى: حصر محل الخلاف
سأعيد صياغة خلاصتي من خلال كلامك الأخير وذلك من أجل أن يتحدد النقاش أكثر ولا يتشعب؛ فلا ننتقل إلى نقطة حتى نفرغ من سابقتها؛ فأقول:
أننا متوافقان على أن الحجة من عمل أهل المدينة هي:
1- ما كان مستنده النقل سواء ظهر ذلك النقل بنصوص قولية أو لم يظهر، وإنما دلت قرائن الأحوال على أن ذلك الفعل يرجع إلى زمن النبي صلى الله عليه وسلم.
2- ما كان مستنده الإجماع؛ حيث يتفق أهل المدينة على عمل ما ولا يخالفهم من سائر الأمصار أحد.
3- ما كان مستنده الإجتهاد ولم يظهر له مخالف أصلا.
واسمح لي بأن أختلف معك في قيد ذكرته في كلامك السابق وهو قولك:
أوافق إذا كان هذا الاجتهاد له مخالفة ظاهرة بينة في المدينة
فقيد المخالفة بالمدينة مبني على أصلك بوجود جميع مجتهدي الأمة فيها؛ وهو أمر لم تجب عليه في السابق؛ ففي عهد أبي بكر انصرف كثير من فقهاء الصحابة إلى الأقاليم كولاة عليها، أو كجباة للزكاة، أو كسكان للمدن الجديدة أو المفتوحة، وفي عهد عمر كذلك وإن كان قد ضيق على الصحابة في مسألة الخروج إلا أن ولاته وجباته ومعلميه وضاغطيه كانوا خارج المدينة، وكانت الدولة تتسع في عهده أكثر فأكثر، فكان يُخرِج من المدينة مضطرا كثيرا من فقهائها كما سبق أن نقلت لك عن إيثاره أهل الكوفة بابن مسعود.
وأنا أحتاج منك الآن التدليل على أن جميع المجتهدين كانوا في المدينة فهذه لم أجد لها مستندا بعد فيما قد قرأتُ ودرستُ
ثم إن قولك:
هل ثبت عن واحد منهم أنه خالف أهل المدينة في شيء؟؟؟ هم لما تفرقوا حملوا معهم ما عرفوه في المدينة ولم يحملوا معهم فقه أحد غير فقه أهل المدينة وما عرفوه أيام عمر، ومن خالف في شيء قامت عليه الدنيا، وقد تركوا المدينة وفيها عمل، وقدموا إلى بلاد لا عمل فيها فنقلوا ذلك العمل إلى بلادهم الجديدة ولم يحدثوا عملا جديدا، نعم من اجتهد في شيء ما لم يكن في المدينة فإن خالفه أهل المدينة وبينوا بطلانه كان باطلا، فنحن نقر أن بعض المجتهدين خرجوا من المدينة ولكننا نرى أنهم نشروا عمل أهل المدينة لا غيره، ولا نسلم أنهم نشروا غيره
كلام غير دقيق، بل أقول أن كثيرا ممن خرج من المدينة قد خالف أهل المدينة إذ قد تغيرت ظروف الاجتهاد وملابساته؛ إلا ترى إلى معاوية في قصته مع عمر حينما أنكر عليه الزخارف والأبهة، فتعلل له بعادة أهل الشام، وهذا ابن مسعود كان يفتي بنقض الوضوء من القهقهة كما هو مذهب الكوفيين وكان الأذان في الكوفة وفي مكة رباعيا على عكس الأذان المدني المثنى، وهؤلاء المدنيون يرون ضيق وقت المغرب بما يسع أداءه وشرطه ولا يراه الكوفيون ولاالشاميون ولا المصريون؛ وهذه مسألة الجد بين زيد وابن عباس أشهر من أن تنقل؛ بل لو رحنا نسرد الخلاف بين الصحابة في مثل هذه المسائل لما فرغنا، ويكفيك النظر في مصنفي عبدالرزاق وابن أبي شيبة لترى أقوال الكوفيين والمدنيين؛ ففيهما تجد "باب من رأى كذا" وبعده "باب من لم ير ذلك كذلك" بشكل متكرر.
لذا أن أرى أن قولك: "وقد تركوا المدينة وفيها عمل، وقدموا إلى بلاد لا عمل فيها فنقلوا ذلك العمل إلى بلادهم الجديدة ولم يحدثوا عملا جديدا" قول خطأ لمخالفته الواقع، ولو كان هذا الأمر صحيحا كما زعمت فهذا الليث بن سعد قرين مالك ويخالفه، وهذا الشافعي تلميذ مالك يرد عليه في كتاب "الاختلاف"، وهذا محمد بن الحسن يقر بعضا من عمل المدنيين ويخالف بعضا؛ والسر في ذلك أن هؤلاء قد رأوا حجة أقوى من حجية المدنيين.

الطاهر عمر الطاهر
27-07-2008, 12:56 PM
النقطة الثانية: الكلام على شبهة مخالفات الصحابة للإجماع
قد ذكرت في هذه النقطة:
1- مخالفة ابن مسعود في المعوذتين
2- ومخالفته لمصحف عثمان.
3- شرب جماعة من الصحابة الخمر متأولين
4- عدم عد الصحابة مانعي الزكاة مجتهدين.
وهذه الأمثلة المساقة أعلاه جئت بها للنقض على قولي بأن: ((واقع الحال يفيد أن خلاف الشيعة والمعتزلة وغيرهم إنما وقع بعد انعقاد الإجماع...)).
وأقول لك أن ما سقته من التمثيل لا يفيد مطلوبك لأن:
1- ابن مسعود وإن زعم "بعضهم" صحة الروايات بإنكاره الفاتحة والمعوذتين فإن هذا الكلام لا تقوم به حجة، فأما أولا أن الكثير من المحققين قد خالف هؤلاء المحدثين في تصحيح القصة كالباقلاني والنووي وابن حزم والفخر الرازي وكثير من أهل التفسير، ولم يضعفوا القصة وإنما جعلوها في حيز الموضوع المختلق عليه، وأما ثانيا هو الأقوى على نفي القصة فهو أن رواية عاصم المتواترة يقينا تنتهي بإثبات المعوذتين والفاتحة كسور قرآنية وهذه حجة تأتي بالهدم على ذلك التصحيح المزعوم، وأنت تعلم أن كثيرا من المحدثين قد صححوا المتون بناء على الأسانيد رغم ما فيها من مخالفات ظاهرة للقرآن وللمتواتر.
2- أما مخالفته لعثمان في مسألة جمع القرآن فهي أيضا لا تفيدك يا سيدي، فهو لم يخالف في مسألة الجمع وحمل الأمصار على المصحف الإمام، بدليل أن روايته التي رويت عنه من طريق عاصم عن زر بن حبيش موافقة للمصحف العثماني تمام الموافقة وهي نسخة الكوفة التي أرسلها إليهم عثمان، وبقاء نسخته "التي غلها" مرجعها إلى الاجتهاد في الإبقاء على ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فهو لم يخالف الإجماع في حمل الناس على المصحف الجامع، وإنما خالف في عزم الخليفة على إحراق المصاحف الأخرى، وشتان بين الأمرين.
3- أما مسألة شرب الخمر فاستدلالك بها أيضا غير مفيد؛ لأن شرب الخمر قد وقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم شهوة وضعفا من بعض الصحابة، ووقع بعده لنفس العلة، ووقع بعده ممن ذكرت وغيرهم بالتأويل، حينما تأولوا ذلك بأي نوع من أنواع التأويل كتقييد ونحوه، ويدلك على صحة عدم استدلالك بها ما جاء في تاريخ دمشق24 / 389-390 لابن عساكر بإسناده عن الربيع وأبي المجالد وأبي عثمان وأبي حارثة قالوا كتب أبو عبيدة إلى عمر إن نفرا من المسلمين أصابوا الشراب منهم ضرار وأبو جندل فسألناهم فتأولوا وقالوا خيرنا فاخترنا قال "فهل أنتم منتهون" ولم يعزم فكتب إليه عمر فذلك بيننا وبينهم " فهل أنتم منتهون " يعني فانتهوا وجمع الناس فاجتمعوا على أن يضربوا فيها ثمانين جلدة وتضمنوا النفس ومن تأول عليها مثل هذا فإن أبي قتل وقالوا من تأول على ما فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم منه بالفعل والقتل فكتب عمر إلى أبي عبيدة أن ادعهم فإن زعموا أنها حلال فاقتلهم وإن زعموا أنها حرام فاجلدهم ثمانين فبعث إليهم فسألهم على رؤوس الأشهاد فقالوا حرام فجلدهم ثمانين ثمانين...الخ.
4- أما مسألة مانعي الزكاة -غير المرتدين- فلم يحدث الإنكار على الفرضية وإنما الإنكار كان لأنهم فهموا أن الزكاة حق للرسول صلى الله عليه وسلم باعتباره الرسول النبي وليس باعتباره الإمام الحاكم، فمنعوها لوجود الشرط، فحينما عزم الصحابة رجع كثير إلى هذا الرأي بغير قتال، ومن أبى قوتل لأنه ليس متأهلا للاجتهاد ولا مستوفيا لشرائطه، ألا ترى أنه لم يوجد فيهم صحابي واحد، وإنما كان بعضهم قد رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤية وهؤلاء لم يكونوا معهم، فدل على أن امتناعه كان لجاجة ومماحكة لا اجتهادا.
5- والاستدلال بقصة ابن عباس في المتعة غير واردة في محل النزاع، فهو قد جهل التحريم ولم ينكر الإجماع، وفرق بين جهل المستند وإنكار الحكم؛ فهو قد رأى وعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم الإباحة لها، ولم يعلم بالناسخ، فكان على حكم الأصل حتى ثبت له النسخ فرجع إليه وفرق بين الاستدلالين كما تعلم.
ثم إن قولك لي في آخر المشاركة:
ما تقول في تقليد ابن مسعود في حك المعوذتين؟ وتقليد أبي جندل في حل الخمر وتقليد ابن عباس في متعة النساء وتقليد أبي ذر في تحريم الادخار وتقليد عائشة في رضاع الكبير وقليد أبي الدرداء في قراءة (والذكر والأنثى) إلى عدد من المسائل التي جاءت مروية بأسانيد صحيحة في هذه الكتب التي تشير إلى رقيها وتقدمها على كتب المذاهب الأربعة؟؟ أتجيز لي فضيلتك الاستفادة منها والقول والعمل بها أم ستصدني عن الانتفاع بهذه الاجتهادات بحجج واهية
لا يلزمني، وإنما يلزمني لو لم ينعقد الإجماع على خلاف أمثلتك المسرودة؛ ومحل التنازع بيني وبينك في غير هذا، فإن أبا جندل لم يقل بحل الخمر، وابن عباس قد رجع عن قوله وانعقد الإجماع على غير ذلك، ونفس الشيء تقليد أبي ذر وعائشة وقراءة من لم يقرأ بغير مصحف عثمان؛ وإنما لو كنت في زمنهم ولم ينعقد الإجماع بعد للزمني كلامك وهو الآن غير لازم.
إذن قد ثبت أن ما استدللت به غير وارد مورد النزاع وبقي عليك الإجابة على ما استشكلتُ أولا، ولا يفيدك في هذا أيضا وجود القدرة الأولى في عهد الصحابة لأنهم كانوا أهل الإجماع، وقد كانوا جميعا ضدهم؛ فعلم ان قولهم خرق للإجماع لا مخالفة في أصل الإجماع، وها قد حللت لك الإشكال على أصلي وبقي حله على أصلك فإن قولك:
ولا أوافقكم على إمكان الطعن فيه بشيء ولا يجيء شيء يكون أقوى من المتواتر أصلا كما لا يخفى، ولا يتصور متواتر أقوى من عمل أهل المدينة لا من حيث عدد النقلة ولا من حيث السلامة من النسخ والتخصيص والتقييد ونحوها
متناقض مع قولك:
وثانيا نقول على أصلنا لا نسلم وجود منكر لحجية عمل أهل المدينة إذا استوفى شروطه، وجميع الأئمة يحتجون به حتى أبو حنيفة والشافعي وأحمد، ومن خالف المالكية منهم لم يخالفهم لإنكاره حجية عمل أهل المدينة بل لاعتبارات أخرى لا مجال لشرحها الآن
لأنه مهما كانت هذه الاعتبارات -والتي أرجو بيانها أو الإيماء إليها- فإن مخالفة هؤلاء الأئمة لهذا الأصل بهذا الاعتبار تعتبر مخالفة للإجماع، ولازمه نعوذك من القول به.
على أن قولك:
ويكفي في الجواب أن نقول إن رد حديث رسول الله يوجب الكفر والفسق باتفاق عندنا وعند مخالفينا فلم يحكموا بتفسيق بعضهم إذ خالف كل فريق ما احتج به الآخر من الأخبار، فالجواب هو الجواب، والحدود تدرأ بالشبهات
حيدة في الجواب؛ لأن الأخبار يمكن تخصيصها وتقييدها وادعاء النسخ فيها والتعلل لها بشتى أنواع التعليلات كمخالفة الكتاب والعمل والقياس الجلي...الخ، ويمكن تضعيف سندها، ومناقشة دلالة لفظها؛ ولكنك تدعي في عمل أهل المدينة منزلة أكبر من هذا، فهو الناسخ وهو المقيِّد، وهو صريح الحقيقة لا احتمال للمجاز فيه، ولا يمكن النظر في سنده...الخ مما هو لازم قولك، وبناء عليه فما زلت أنتظر حل الإشكال من سيادتكم؛ بل أني ازيد أن مالكا كان له في كثير من المسائل رأيان؛ أحدهما موافق للعمل، والآخر على العكس منه، فما تعليقك.
ختاما -وقد أطلت- أرجو أن يتسع صدرك لي، وما نحن إلا طلبة نريد التعلم والاستفادة ما نبغي بذلك جدلا ولا مراء، ولسنا نريد نقض المذهب ولا أصوله، ولا الإزراء بصاحبه ولا بأتباعه، ولكنها مذاكرة بين طالبين، ومناقشة بين متحاورين، والله الموفق.

الأزهري
29-07-2008, 03:26 AM
ما ذكرته من محل الاتفاق هذه المرة أوافقك عليه. وقولكم: (وأنا أحتاج منك الآن التدليل على أن جميع المجتهدين كانوا في المدينة فهذه لم أجد لها مستندا بعد فيما قد قرأتُ ودرستُ) أنت أقررت بهذا بنفسك حينما قلت بأن منهم من خرج من المدينة في أيام أبي بكر وأن عمر وإن كان يضيق عليهم فقد خرج بعضهم بأمره وإذنه، فهذا إقرار منك بأن المجتهدين الذين خرجوا من المدينة قد كانوا في المدينة، فقبل خروجهم أين كانوا؟؟؟ قد كان مجتهدو أصحاب رسول الله في المدينة وباجتماعهم الأول تكون عمل أهل المدينة ولم يتغير، فما الحاجة إلى الدليل على أمر أنت تقره؟

ثم قلتم: (بل أقول أن كثيرا ممن خرج من المدينة قد خالف أهل المدينة إذ قد تغيرت ظروف الاجتهاد وملابساته) فأقول: ههنا أمر أحب أن تنتبه إليه على الدوام ولا يغيب عن بالك، وهو أن قولنا بحجية عمل أهل المدينة يعني هو حجة في الإثبات لا النفي، إذ غير محال ولا بعيد أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أقر شيئين اثنين ومشى على أحدهما أكثر من الآخر، فمشى الصحابة على الأكثر حتى كاد هذا الأكثر أن ينسي الناس ذاك الأقل، فجائز أن يكون بعض من خرج من المدينة جاء بذلك الأقل تذكيرا، وهذا إذا كان محتملا لم نجعل عمل أهل المدينة حجة في رده ودفعه والطعن عليه، وإنما جعلنا عمل أهل المدينة حجة في تصحيح وإثبات ما هم عليه، فلذلك لا يلزم إذا ثبت شيء يخالف عمل أهل المدينة أن يكون عمل أهل المدينة ليس بحجة، فليكن هناك سنتان اثنتان، وعمل أهل المدينة على الأكثر والأشهر منهما، هذا إذا ثبت خلاف عمل أهل المدينة ثبوتا قويا، وأما أن يثبت شيء يضاد عملهم ويرده ويجعل من عملهم خلاف السنة فهذا الذي نرده ونـأباه، فلذلك نرى أن ما بين القوسين أعلاه من كلامك خارج عن محل النزاع أصلا، لأن هذا المجتهد إن خالف أهل المدينة فلعل مخالفته في إثبات سنة كادت تندثر مع إقراره عمل أهل المدينة، ولعله اجتهد فيما يسوغ له الاجتهاد فيه مما لم يجمع أهل المدينة فيه على شيء، وأما أن يجتهد فيما ينكره عليه أهل المدينة بقوة وشدة كما فعل النفر الذين شربوا الخمر فهذا لا يعد فعله اجتهادا صائبا، فلا ينكر عليه إن خالفهم فيما يجوز أن يتغير حكمه بتغير الظروف، فالأحكام تدور مع عللها وجودا وعدما، فهذا يجوز له ذلك وليس هذا محل خلاف، وكذلك يخرج عن مخل النزاع من اجتهد اجتهادا في أيامهم فأقروه، فكيف تجعل من اجتهد فأقر أهل المدينة اجتهاده حجة في الطعن على عمل أهل المدينة؟؟؟ هذا لا يعقل، وليس من محل الخلاف أصلا. فقولكم: (إلا ترى إلى معاوية في قصته مع عمر حينما أنكر عليه الزخارف والأبهة، فتعلل له بعادة أهل الشام) فهذا إن صح فهو خارج عن محل النزاع، لأنك أولا تذكر خلافا بين صحابيين اثنين فقط، فما دخل هذا بمخالفة عمل أهل المدينة؟ لعلك ظننت أن رأي عمر وحده يمثل عمل أهل المدينة؟ فهذا خطأ في تصور المسألة، ثم هب أن قول عمر يمثل عمل أهل المدينة فإذا أقر عمر معاوية على اجتهاده فأين الخلاف؟؟ بل يصح أن نقول بأن أهل المدينة أقروا معاوية، فأين في هذه القصة ما يصلح حجة لك في أن الصحابة خالفوا أهل المدينة؟؟ أترى لو أن عمر نهاه ولم يقبل بعذره الذي اعتذر به أتراه مقدم على الزخارف والأبهة ؟؟؟ لا والله، هذا إن صحت القصة أصلا. وأما قولكم: ( وهذا ابن مسعود كان يفتي بنقض الوضوء من القهقهة كما هو مذهب الكوفيين) فغير صحيح، وهذه الكتب موجودة فأوقفني على فتوى ابن مسعود هذه ولك الشكر، والمعروف لدينا أنه من اجتهاد بعض متأخري أهل الكوفة فقط، والعمل في المدينة على خلاف ذلك فعن عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه قال: كان من أدركت من فقهائنا الذين ينتهى إلى قولهم منهم: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وأبو بكر ابن عبد الرحمن، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعبيدالله بن عبد الله بن عتبة ـ [وهذا ابن ابن أخي ابن مسعود] ـ وسليمان بن يسار في مشيخة جلة سواهم يقولون فيمن رعف غسل عنه الدم ولم يتوضأ وفيمن ضحك في الصلوة أعادها ولم يعد وضوءه. فلا نسلم أن ابن مسعود هو من أفتى بهذا مخالفا أهل المدينة، ولو سلمنا أنه أفتى بهذا فلا نسلم أن هذا الاجتهاد منه فيه رد لحجية عمل أهل المدينة، بل الواجب على العاقل أن يقول بأن ما عليه أهل المدينة من ترك الوضوء حق وصدق ولا شك، وأن ما أفتى به من أفتى محمول على المبالغة في الزجر عن القهقهة في الصلاة، وهذا أحد القولين في تعليل نقض الوضوء عند الحنفية، وكذلك ما تأتي به من الأمثله إن صح لا يثبت أن عمل أهل المدينة ليس حجة، بل يثبت أن ثم عملا آخر جائزا معه، وهذا مثل خبرين متواترين يخبر أحدهما بشيء ويخبر الآخر بشيء لا يضاد الأول ولا ينقضه فليس هذا الثاني بما اشتمل عليه من الخبر براد حجية الأول، ولا الأول براد حجية الثاني إذا استويا في القوة والحجية وثبتا كلاهما ولم يمكن الجمع بينهما .. وقولكم: (ويكفيك النظر في مصنفي عبدالرزاق وابن أبي شيبة لترى أقوال الكوفيين والمدنيين) فعجيب منك هذا، لأن هذين الكتابين الذين أحلت عليهما لم يشاهدهما الناس مطبوعين إلا في هذا العصر، وقبل هذا لم يكونا في أيدي الناس اللهم إلا نفر قليل ممن لهم عناية بالمخطوطات، وهذا مصنف عبد الرزاق لا يزال إلى اليوم ناقصا، سقط من أوله قطعة كبيرة، وقد تعب السيد أحمد الغماري ليصل إلى نسخة منه في اليمن فلم يتمكن! وهذا يعني أنه لا يوجد منه نسخة كاملة بله نسختين تصلحان للمقابلة !! وأما مصنف ابن أبي شيبة فيكفيك قول آخر محققيه الشيخ محمد عوامة : [فمما يلفت النظر كثرة ما أنبه إليه في التعليق بقولي: اتفقت النسخ على كذا، وصوبته إلى كذا، أو: في النسخ كذا سوى نسخة كذا، ومعنى ذلك أن أكثر النسخ اتفقت على الخطأ، فكأن مصدر هذه النسخ ـ أو أكثرها ـ واحد والله أعلم] ويكفيك قوله: [لم أقف على نسخ ـ أو نسخة ـ يمكنني أن أجعلها أصلا أصيلا] فهذه الكتب التي تحيلني عليها لم تكن في أيدي الناس قرون طويلة، فلا يمكن أن تصمد أمام عمل أهل المدينة المتواتر يا أخي، فلا نقدم ما في هذه الكتب المنقطعة على ما تواتر من عمل أهل المدينة ولا نقيمها حكما على ما هو أقوى ثبوتا منها، هذا إن وجدنا فيها ما يخالف عمل أهل المدينة حقا. وأما قولكم: (ولو كان هذا الأمر صحيحا كما زعمت فهذا الليث بن سعد قرين مالك ويخالفه، وهذا الشافعي تلميذ مالك يرد عليه في كتاب "الاختلاف"، وهذا محمد بن الحسن يقر بعضا من عمل المدنيين ويخالف بعضا؛ والسر في ذلك أن هؤلاء قد رأوا حجة أقوى من حجية المدنيين) محال ولا يمكن، وأخالفك في أن هؤلاء الأعلام الليث ومحمدا والشافعي رأوا أهل المدينة مجتمعين على شيء فخالفوهم، وإنما يتجرأ هؤلاء على الاجتهاد فيما رأوا نفرا من أهل المدينة على خلاف الأكثرين منهم، وبمعنى آخر أنهم لا يسلمون أن أهل المدينة قد أجمعوا، فليس في هذا ردهم لحجية عمل أهل المدينة، وإنما يرون أن أهل المدينة إذا اختلفوا فقال الأكثرون قولا وقال بعضهم بخلاف الأكثرين لم يجب أن يكون ما قاله الأقلون خطأ بل جائز أن يكون حقا وسنة، وهذا شرحناه من قبل، فهم لا يردون حجية عمل أهل المدينة، ودليل ذلك أن الشافعي نفسه صرح ـ كما في مناقب البيهقي مسندا ـ أن ما عليه متقدمو أهل المدينة حق لا شك، فلم ينقض الشافعي قوله هذا، ولكنه لما رأى بعض أهل المدينة على خلاف الأكثرين رأى أن هذه سنن قد تموت فأحياها، وكذلك رأيناه يصنع فيما يخالف فيه المالكية يقول بأن فلانا وفلانا من أهل المدينة ورد عنهم خلاف ما هو معروف عند أهل المدينة، وكذلك كان يصنع الليث، وليس فيما صنعاه ما يدل على أنهم لا يحتجون بعمل أهل المدينة في الإثبات، وإنما لا يحتجون به في النفي إذا ورد غيره فتدبر هذا جيدا حتى نحرر محل الخلاف أكثر فلا نختلف فيما لا اختلاف فيه.

الأزهري
29-07-2008, 05:27 AM
ثم قولكم : (النقطة الثانية: الكلام على شبهة مخالفات الصحابة للإجماع) أولا هذه المسألة خارج محل النزاع الآن، لأن كلامنا عن عمل أهل المدينة لا الإجماع، وإنما أردت بها أن أبين أن الخلاف إذا وردنا آحادا معارضا لما هو أقوى منه كالإجماع معارضة واضحة لم يلتفت إليه، ثانيا أنا لا أقول أن الصحابة يخالفون الإجماع هكذا بهذا الإطلاق، ولكن الأخبار التي ترد تقول هذا، ومنها الأمثلة التي ضربناها، وهي مسألة المعوذتين وغل المصحف وإباحة الخمر ومنع الزكاة .. وأنت لم تعتبر هذه الأخبار صالحة لنقض الإجماع أبدا، وقد دفعتها بطرق منها: تكذيب الخبر: كما فعلت مع خبر المعوذتين ومنها تأويل الخبر: كما فعلت مع غل المصحف ومانعي الزكاة، والذي يقول بحجية عمل أهل المدينة لا يزيد على مثل ما فعلت إذا ورد ما يضاده فلا يجوز أن يقال عنه رد الخبر أو تأوله اعتباطا، ولكن الذي لم أفهم مقصودك وجوابك عليه هو مسألة إباحة الخمر فلا أدري ما الجواب فإنك لم تزد على ذكر القصة، نعم إن أردت أنهم رجعوا فهذا ليس بجواب لأنه قد يقال بأنهم رجعوا خوفا من القتل كما امتنع ابن عباس من رد العول خوفا من درة عمر .. وعليه فهل يجوز أن يقلدهم أحد في إباحة الخمر ويحمل رجوعهم على أنه كان خوفا؟؟؟ والحاصل أن مرادي الأساس من هذا المبحث أن الإجماع لا ينتقض بمثل هذه الأخبار إذا وردت، وأن مخالفة المبتدع المعاصر لا تؤثر في الإجماع، بل ولا غير المبتدع لشبهة علقت بذهنه، ولكن المهم في المسألة هو أن تكذيبك للأخبار أو تأويلك إياها حتى لا يحصل خرق للإجماع هو بعينه ما قد يقول به من يحتج بعمل أهل المدينة إذا ورد ما يخالفه فلا يقال حينها كذب الخبر وتأوله اعتباطا كما يقوله بعض السخفاء. ثم إنك لما قلت سابقا: (إن التحجج بأن مذاهب غير الأربعة لا يمكن تقليدها لانعدام تأليف في ضبطها أكبر حجة واهية للصد عن الاستفادة من جهود آلاف المجتهدين من الصحابة) سألتك أنا قائلا: (ما تقول في تقليد ابن مسعود في حك المعوذتين؟ وتقليد أبي جندل في حل الخمر وتقليد ابن عباس في متعة النساء وتقليد أبي ذر في تحريم الادخار وتقليد عائشة في رضاع الكبير وتقليد أبي الدرداء في قراءة (والذكر والأنثى) إلى عدد من المسائل التي جاءت مروية بأسانيد صحيحة في هذه الكتب التي تشير إلى رقيها وتقدمها على كتب المذاهب الأربعة؟؟ أتجيز لي فضيلتك الاستفادة منها والقول والعمل بها أم ستصدني عن الانتفاع بهذه الاجتهادات بحجج واهية) فأجبت أنت قائلا الآن: (لا يلزمني، وإنما يلزمني لو لم ينعقد الإجماع على خلاف أمثلتك المسرودة؛ ومحل التنازع بيني وبينك في غير هذا) لكن خصمك قد يقول لك بأن الإجماع لم ينعقد لمخالفة مثل هؤلاء المعاصرين من الأكابر فكيف تدعي الإجماع وهو لم يثبت أصلا، أم كيف يثبت وهؤلاء خالفوه؟؟؟ ثم قلت: ( فإن أبا جندل لم يقل بحل الخمر) لا إله إلا الله !! وكيف ذلك مع أنك نفسك نقلت قصته ـ فانظرها في مشاركتك السابقة ـ وفيها أنه شرب الخمر صراحة هو وجماعة وتأول الآية بما يخرجها عن الدلالة على التحريم وزعم أنه مخير فيها وأنه لم يعزم عليهم أي لم يشدد عليهم فيها وأنت رأيت أن عمر كاد يقتلهم فكيف تنكر ذلك؟؟ وأما إن أردت أنه رجع فلقائل أن يقول رجع كما يرجع كل من يخاف الموت على نفسه كما فعل ابن عباس في العول لما خاف درة عمر فما جوابك هنا؟؟؟ فنفيك أن أبا جندل قال بحل الخمر غير معقول. وقولكم: (وابن عباس قد رجع عن قوله وانعقد الإجماع على غير ذلك) لم يصح أن ابن عباس رجع عن قوله هذا، والمروي في الطبراني الكبير من رجوعه ضعيف والثابت أنه قال بالمتعة ولم يثبت الرجوع فأثبته فالإشكال قائم لا يزال فإن خصمك قد لا يسلم لك الإجماع مع مخالفة مثل ابن عباس، كما أنكم لا تسلمون عمل أهل المدينة لأدنى مخالفة فيها أو خارجها. وقولكم : (ونفس الشيء تقليد أبي ذر وعائشة وقراءة من لم يقرأ بغير مصحف عثمان؛ وإنما لو كنت في زمنهم ولم ينعقد الإجماع بعد للزمني كلامك وهو الآن غير لازم) وهذا أيضا قد يعترض عليك فيه معترض قائلا وما يدريك لعلهم اختلفوا بعد واستمر الخلاف؟ ثم قلت : (ولا يفيدك في هذا أيضا وجود القدرة الأولى في عهد الصحابة لأنهم كانوا أهل الإجماع، وقد كانوا جميعا ضدهم) بل هذا يرد عليك قولك بأن مخالفة المبتدع للإجماع تنقض الإجماع مطلقا، فهؤلاء مبتدعة اجتهدوا في عصر الصحابة وهأنت لم تقبل اجتهادهم وعددتهم خارجين عن الإجماع، فهذا ينقض قولك بالاعتداد بهم في الإجماع، ومحاولة التفرقة بين المجتهدين المتعاصرين بأن هؤلاء صحابة دون هؤلاء فغير موفقة في رأيي وحادثة أبي جندل أدل من هذه ولم أرك أجبت فيها بشيء قوي. وأما قولك: (لأنه مهما كانت هذه الاعتبارات .. إلخ) قد شرحتها لك أول الرد السابق والتي ذكرت فيها أن المخالفة منهم ليست إنكارا لحجية عمل أهل المدينة في الإثبات بل إنكارا لحجيته في النفي إذا ورد ما تقوم به الحجة عندهم بخلاف العمل، وجائز أن يكون مخالفة بعض أهل المدينة لما هو معروف معمول به جعلتهم يشكون في وجود عمل متوارث مجمع عليه، وإلماحك إلى أنه يلزمني تضليلهم مردود بأنه لو لزمني تضليلهم لمخالفة عمل أهل المدينة للزمك تضليل من تقدم من الصحابة لمخالفة الإجماع، فانظر كيف أنك لم تنكر الإجماع وإنما أنكرت مخالفتهم له ثم شرعت تدافع عنه بتكذيب الخبر مرة وتأويله مرة .. فهل نعجز نحن عن فعل ذلك للدفاع عن الأئمة الذين خالفوا عمل أهل المدينة الذي لا يقوم مقام الإجماع؟؟ بل دفاعنا أسهل لأن غالب اجتهادات من خالف أهل المدينة يجوز اجتماعها مع عمل المدنيين بأن يكون هذا حق وهذا حق وأما مسألة شرب الخمر والمعوذتين ونحوها فلا يمكن الجمع بينها وبين الإجماع بحال، فالأمر واضح. وأما قولك: (حيدة في الجواب؛ لأن الأخبار يمكن تخصيصها وتقييدها وادعاء النسخ فيها والتعلل لها بشتى أنواع التعليلات كمخالفة الكتاب والعمل والقياس الجلي...الخ، ... وبناء عليه فما زلت أنتظر حل الإشكال من سيادتكم) قد تقدم ما فيه جواب هذا، لكن جواز التخصيص والتقييد .. إلخ لا يحل الإشكال في الأخبار، فالإشكال الوارد عليكم لا يزال قائما لأن احتمال الخبر للتخصيص أو التقييد أو النسخ إنما هو في الجملة لا في التفصيل وإلا فإن من يحتج بعموم الخبر المعين لا يقول بتخصيصه ومن يقول بتخصيصه لا يحتج بعمومه فبينهما تعارض فكل منهما الآن منكر للخبر عند الآخر فلا يصلح جوابك في المسائل المعينة وإنما يصلح في الجملة بغض النظر عن أعيان المسائل، ولهذا نقول بأن الشافعي الذي يعمل بخبر (أحسنكم قضاء) لا يضلل الحنفي الذي لا يعمل به ويراه منسوخا، فمحاولة دفع التفسيق بأن الأخبار تقبل النسخ لا تنطبق على الأخبار المعينة، فهذا مثلا الآن لا يقبل النسخ عند الشافعي فهو معمول به ويقبله عند الحنفي فهو لا يعمل به فهما على طرفي نقيض فلا شك أن كل طرف قد رد الخبر عند الآخر ومع هذا لم يحصل التفسيق؟؟ فكذلك نحن لا نجوز نسخ عمل أهل المدينة كما لا يجوز الشافعي نسخ هذا الخبر السالف، ولكننا لا نفسق خصومنا إذا اعتقدوا جواز النسخ كما اعتقده الحنفي في هذا الخبر السالف، وهذا على سبيل المثال فقط. ثم قلت : (بل أني ازيد أن مالكا كان له في كثير من المسائل رأيان؛ أحدهما موافق للعمل والآخر على العكس منه، فما تعليقك) إن صح هذا ـ ولا أراه يصح ـ حملناه على أنه كذب عليه تماما كما دافعت أنت عن ابن مسعود، أو نقول اعترته شبهة فترك العمل ثم عاد إليه كما عاد إليه أبو جندل بزعمك وهكذا ننظر في طرق دفاعك السابقة عن الصحابة لئلا يكونوا مخالفين للإجماع فنقول بمثلها في إمامنا مالك لئلا يكون مخالفا لعمل أهل المدينة الذي عاش عمره ينصره ويرد الأخبار التي تعارضه، فهكذا يقول العقل والمنطق. ثم قلت أخيرا: (ختاما -وقد أطلت- أرجو أن يتسع صدرك لي .. ) نعم هو بحمد الله واسع، وما رأيت منك إلا حلية أهل العلم وإني لأستمتع بحوارك وأنتفع وأستفيد ويستفيد القراء إن شاء الله تعالى.

أبوالفضل المالكي
29-07-2008, 06:29 AM
نقاش رائع..

لا فض فوك سيدي ومولاي الأزهري حفظكم الله..

الأسمري
29-07-2008, 07:55 AM
بارك الله في المتحاورين ونفعنا الله بكما .....

الطاهر عمر الطاهر
29-07-2008, 03:07 PM
أخي الكريم بما أن صدرك قد اتسع لي ورأيت أن هذه المناقشات مصنفة في جملة "الإفادة والاستفادة"[ وقد رضيت عني الإدارة فجعلتني مشاركا نشيطا:)] فقد أزحت عني ثقلا لكوني كنت أعتقد أني مثقل عليك في هذا الحوار، خاصة أنه في موضوع نظري دقيق وله تعلق بعلمي الأصول والفقه والتاريخ وسير الصحابة، واعلم كذلك أني مستمع بمثل هذه النقاشات وهذه الحوارات واظن -كما يظهر من مشاركات بعض اللإخوة- أن هناك استحسانا عاما لمناقشة هذه المواضيع من طرف المنتسبين للمنتدى.

الطاهر عمر الطاهر
29-07-2008, 03:10 PM
وعودا لموضوع النقاش أقول:
بما أننا قد حصر في هذا المستوى الآن بمسألة كون مجتهدي الأمة كانوا من ساكني المدينة، وأنا ما زلت مقتنعا بخطأ هذه الدعوى التي تدعيها فقولك:
أنت أقررت بهذا بنفسك حينما قلت بأن منهم من خرج من المدينة في أيام أبي بكر وأن عمر وإن كان يضيق عليهم فقد خرج بعضهم بأمره وإذنه، فهذا إقرار منك بأن المجتهدين الذين خرجوا من المدينة قد كانوا في المدينة، فقبل خروجهم أين كانوا؟؟؟ قد كان مجتهدو أصحاب رسول الله في المدينة وباجتماعهم الأول تكون عمل أهل المدينة ولم يتغير، فما الحاجة إلى الدليل على أمر أنت تقره؟
أقول لو رجعت إلى كلامي السابق فإنك لا تجدني أقرك على النتيجة التي خلصت إليها، فكلامي كان على خلافة أبي بكر وعمر وهذه الفترة لا تمثل إلا اثنتي عشرة سنة من "عمر المدينة" أو من "زمن عمل أهل المدينة" بالبصرة والكوفة التي بنيتا ما بين سنة 14 إلى سنة 16 واستوطن الكوفة أكثر من 300 صحابي كما ذكر ابن القيم في إعلام الموقعين يدلك على أن الكلام الذي ذكرت غير دقيق لعلتين:
أولاهما أنك تحتاج إلى حصر المجتهدين والمفتين من الصحابة و(قد جاوز بهم ابن حزم المائة) ثم تثبت أنهم كانوا من سكان المدينة، وهذا أمر ينافي الكثير مما هو معلوم من سيرتهم، فلم يكونوا كلهم بالمدينة ففيهم من سكن ضواحيها، ومنهم من ابتعد عنها إما رجوعا لقومه بعد إقراره بالإسلام أو قاضيا أو رسولا إلى آخرين من طرفه صلى الله عليه وسلم.
ثانيا: سلمنا؛ ولكن زمن التضييق على خروج الصحابة من المدينة إنما امتد فقط إلى مطلع خلافة عثمان [سنة 23هـ] يعني اثني عشر سنة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط؛ وهذه المدة لا يمكنها أن تشكل مفهوم "العمل الممتد" لقصرها أولا، ولخروج الكثيرين من أبناء المدينة في حركات الفتح الواسعة في عهد عمر.
وهذا الاعتبار الزمني للعمل مما نحتاج نقاشه الآن فإني لم أطلع في الكتب عن تحديده اللهم إلا قولا بحصره من زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى زمن الفتنة في عهد ثمان، وهذا زمن قصير جدا، فعن أي عمل نتحدث الآن؟
إن قلت بهذا القول -ولا أظنك قائل به- فالإشكالات الواردة عليه كثيرة جدا حتى إنها لتكاد تقضي فيه على مفهوم الحجية.
وإن قلت إنه العمل الذي استمر حتى نقله مالك ودونه في الموطأ أو أفتى به الناس ونقله عنه أصحابه كالحجة لما أفتى به -وهذا القول هو الشائع في كتب المالكية -فقهاء وأصوليين- فإني سأعترض عليك بما يلي: "ما الضابط في التمييز بين ما كان عملا نبويا -أو ما في حكمه- وبين ما كان من عمل الولاة والأمراء بعد الخلفاء الراشدين؟"
إن قراءة تاريخ المدينة وما وقع فيها من أحداث يفيدنا أن كثيرا من البدع قد دخل المدينة كسب علي بن أبي طالب من خلفاء بني أمية على المنابر كما في مسلم وغيره، وكحديث بعض الصحابة في أنه لا يعرف من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا القبلة وفي بعضها إلا الأذان، وفي بعضها إلا الصلاة، وهذا التغزل والتخنث ظهر في المدينة وظهر فيها الغناء ولم يكن شيء من ذلك في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه عائشة تقول أن أول بدعة حدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المناخل، كأنها تشير إلى حياة التترف التي اختارها المدنيون بعد انبساط المال عليهم في زمن من الأزمان؛ ويؤيدها امتعاض سعيد ابن المسيب من إزالة الحجر النبوية من المسجد وتعليله ذلك بأنها كانت تذكر الناس بأحوال الصحابة وأمهات المؤمنين؛ والأمثلة تطول.
ثم إن قولك:
وأما قولكم: (ولو كان هذا الأمر صحيحا كما زعمت فهذا الليث بن سعد قرين مالك ويخالفه، وهذا الشافعي تلميذ مالك يرد عليه في كتاب "الاختلاف"، وهذا محمد بن الحسن يقر بعضا من عمل المدنيين ويخالف بعضا؛ والسر في ذلك أن هؤلاء قد رأوا حجة أقوى من حجية المدنيين) محال ولا يمكن، وأخالفك في أن هؤلاء الأعلام الليث ومحمدا والشافعي رأوا أهل المدينة مجتمعين على شيء فخالفوهم، وإنما يتجرأ هؤلاء على الاجتهاد فيما رأوا نفرا من أهل المدينة على خلاف الأكثرين منهم، وبمعنى آخر أنهم لا يسلمون أن أهل المدينة قد أجمعوا، فليس في هذا ردهم لحجية عمل أهل المدينة، وإنما يرون أن أهل المدينة إذا اختلفوا فقال الأكثرون قولا وقال بعضهم بخلاف الأكثرين لم يجب أن يكون ما قاله الأقلون خطأ بل جائز أن يكون حقا وسنة
هذه دعوى عريضة جدا، من أين لك إثباتها، فإنه لا يكفي ذاك النقل الذي نقلته عن مناقب البيهقي، فإن الشافعية يأبونه ويأبون ما ذهبت إليه، وقد قال أصحاب الشافعي -ما عدا الصيرفي- بأن عمل المدينة لا يكون حجة إلا فيما كان نقلا، فهم لم يعتبروه عملا خاصا بالمدنيين، وإنما اعتبروا فيه النقل بشروطه المعتبرة، وها هي كتبهم في الفقه والأصول فأتني بدليل يفيد أن خلاف مالك مع الشافعي ومحمد والليث إنما كان فيما كان لأهل المدينة فيه اختلاف؛ هذا يعجز عنه الآن المجامع واللجان فكيف استندت إليه لإثبات هذه القضية؟

الطاهر عمر الطاهر
29-07-2008, 03:11 PM
هذه نقطة أولى من نقاط التعقيب، والثانية تتعلق بقولك:
ههنا أمر أحب أن تنتبه إليه على الدوام ولا يغيب عن بالك، وهو أن قولنا بحجية عمل أهل المدينة يعني هو حجة في الإثبات لا النفي، إذ غير محال ولا بعيد أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أقر شيئين اثنين ومشى على أحدهما أكثر من الآخر، فمشى الصحابة على الأكثر حتى كاد هذا الأكثر أن ينسي الناس ذاك الأقل، فجائز أن يكون بعض من خرج من المدينة جاء بذلك الأقل تذكيرا، وهذا إذا كان محتملا لم نجعل عمل أهل المدينة حجة في رده ودفعه والطعن عليه، وإنما جعلنا عمل أهل المدينة حجة في تصحيح وإثبات ما هم عليه، فلذلك لا يلزم إذا ثبت شيء يخالف عمل أهل المدينة أن يكون عمل أهل المدينة ليس بحجة، فليكن هناك سنتان اثنتان، وعمل أهل المدينة على الأكثر والأشهر منهما، هذا إذا ثبت خلاف عمل أهل المدينة ثبوتا قويا، وأما أن يثبت شيء يضاد عملهم ويرده ويجعل من عملهم خلاف السنة فهذا الذي نرده ونـأباه، فلذلك نرى أن ما بين القوسين أعلاه من كلامك خارج عن محل النزاع أصلا
أنت تجعل هذا الكلام مبنيا على التسليم بأصلين أحدهما أن عمل أهل المدينة لم يخالف فيه أحد، وهذا غير صحيح، فإن المالكية أنفسهم مختلفين في العمل اختلافا بينا؛ وهم وإن اتفقوا على التسليم بحجية ما كان منقولا ومرفوعا فإنهم قد اختلفوا في ما كان مستنده الاجتهاد فقبله المغاربة منهم وأباه البغداديون، ورأى غيرهم أن حجة ولا تحرم مخالفته كأنهم ذهبوا إلى أنه قرينة ترجيح لا أنه أصل في الاستدلال.
والأصل الثاني: أن السنة كلها أو غالبها كان محفوظا في المدينة ومعمولا به، ودون إثبات هذا خرط القتاد، فإن مالكا نفسه جهل أحاديث باعترافه هو كما في مسألة تخليل أصابع القدمين وفي مسألة التسبيح في الركوع والسجود في المدونة ونحوها، بل هذا عمر وأبو بكر وغيرهما من كبار الصحابة جهلوا كثيرا من السنن حتى رواها لهم غيرهم من غير أهل المدينة وهو معلوم في السيرة مشهور.
ومن جهة أخرى فإن قولك أنه حجة في الإثبات لا في النفي تأباه واضحات النصوص في الموطأ والمدونة من اعتباره فيهما جميعا، ولا أدري من أين خلصت إلى هذه النتيجة -فإن هذا الرأي الذي أثبته لم أجد من نبه عليه أو أشار إليه، فليتك توضح ذلك بشيء من البيان- والكتابان مليئان بجنس: "ليس عليه العمل" وهو حجة في النفي، و"عليه العمل" وهو حجة للإثبات.
لأن هذا المجتهد إن خالف أهل المدينة فلعل مخالفته في إثبات سنة كادت تندثر مع إقراره عمل أهل المدينة، ولعله اجتهد فيما يسوغ له الاجتهاد فيه مما لم يجمع أهل المدينة فيه على شيء
ولم لا يجوز أن يكون خالفهم لأنه لا يرى رأيهم، فإن مالكا قد أقر في مسألته مع المنصور بهذا: "إن أهل العراق لا يرضون علمنا ولا يرون في عملهم رأينا"، وقال للرشيد:"" فإن أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ اختلفوا في الفروع وتفرقوا في البلاد ، وكل مصيب"، ولم لا يجوز أن يكونوا بأهل النقل من شيوخهم أوثق من أهل النقل بالمدينة كالكوفيين الذين يرون عبدالله بن مسعود وعلي بن أبي طالب أعلم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قد انتهى إليهم علم أصحابه كما جاء ذلك في أحاديثهم.
فلا ينكر عليه إن خالفهم فيما يجوز أن يتغير حكمه بتغير الظروف، فالأحكام تدور مع عللها وجودا وعدما، فهذا يجوز له ذلك وليس هذا محل خلاف، وكذلك يخرج عن محل النزاع من اجتهد اجتهادا في أيامهم فأقروه، فكيف تجعل من اجتهد فأقر أهل المدينة اجتهاده حجة في الطعن على عمل أهل المدينة؟؟؟
يبدو أنك مسرف في عمل أهل المدينة، كيف تجعل لهم الحق في إقرار المجتهد المستجمع للشروط الحائز لها فلا يمضي اجتهاده ما لم يمضوه؛ هذا غلو كبير في الاعتراف والاحتجاج بعمل لم يوافق عليه إلا فئة قليلة من الناس، وهؤلاء أهل المدن والأمصار لم يزالوا مخالفين لأهل المدينة منذ زمن الصحابة الأوائل ولم يحتج أحد بمثل ما احتججت؛ بل إن مالكا لم يقل في كتابه عن عمل أهل المدينة ما تقوله الآن فيه؟ قد كان يجنح إلى التعبير بأسلوب أقرب إلى اعتبار العرف فيقول: العمل عندنا العمل المجتمع عليه عندنا...الخ.

الطاهر عمر الطاهر
29-07-2008, 03:13 PM
بقي الآن الكلام على نقاط أخرى تتعلق بما سبق من مشاركتك أخي:
أولها: قولك أن ابن مسعود لم يفت بإيجاب الوضوء من القهقهة.
أقول هذا الكلام صحيح وإنني تسرعت بالعزو إليه فالمحكي عنه خلاف هذا كما ذكره النووي في المجموع، وسبب ذلك التسرع نقلي من الذاكرة وتحدثي من مصادر لا تطالها يدي ساعة الكتابة؛ وقد كنت بحثت قديما في هذه المسألة حينما وقعت واقعة عندنا أنكر فيها مالكي على حنفي أن يكون قد ثبت شيء في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في إبطال الوضوء من الضحك فكتبت شيئا من ذلك تعليقا عليه، وعلق بالبال منها أشياء وغابت أشياء؛ وإن شئت قلت أن هذا الأمر كان مني على سبيل "نصر ما أنا فيه في الوقت" -كما يقول ابن حزم عن مخالفيه- فلك ذلك ولا تثريب عليك، فهذا لا يخلو منه المناظر إلا من رحم ربك.
إلا أن قولك أنه "اختيار لبعض متأخري الكوفة غير دقيق" لأنه كما قال النووي مروي عن الحسن البصري وابراهيم النخعي وسفيان الثوري وأبي حنيفة ورواية عن الأوزاعي؛ إلا أن يكون قصدك تأخر في الرتبة فلا أدري أقال بهذا بعض الصحابة أم لا؟ وهنا فائدة يجب أن تحرر تذكرتها عند قولك: "وأن ما أفتى به من أفتى محمول على المبالغة في الزجر عن القهقهة في الصلاة، وهذا أحد القولين في تعليل نقض الوضوء عند الحنفية" وهي تعليل ابن القيم للمسألة في حاشيته على أبي داود من حمله المسألة على أنها معصية، وما من معصية إلا وقد أمر بأن يعقبها وضوء وصلاة حتى تمحى، وهي تحتاج إلى نظر.
قولك:
وقولكم: (ويكفيك النظر في مصنفي عبدالرزاق وابن أبي شيبة لترى أقوال الكوفيين والمدنيين) فعجيب منك هذا، لأن هذين الكتابين الذين أحلت عليهما لم يشاهدهما الناس مطبوعين إلا في هذا العصر، وقبل هذا لم يكونا في أيدي الناس اللهم إلا نفر قليل ممن لهم عناية بالمخطوطات، وهذا مصنف عبد الرزاق لا يزال إلى اليوم ناقصا، سقط من أوله قطعة كبيرة
يا سيدي، بل أنا الذي يعجب من هذا التعليق، فلم يكن إيرادي للكتابين في السياق الذي تتكلم عنه، وإنما أردت أن أحيل إلى كتاب ينقل الخلاف بين الصحابة والتابعين وغيرهم مسندا وهذا الخلاف كان معلوما ومشهورا بين الناس حتى أنه دُون في الكتب في وقت قريب من زمن الإمام مالك؛ ولا يعني ما ذكرتَه حقيقة الواقع؛ فإن الخلاف بينهم مشتهر معلوم، وقد بينت لك ما يفيد أن مالك قد علل منع حمل الناس على كتابه باختلاف النالس وتفرق الصحابة.
فهذه الكتب التي تحيلني عليها لم تكن في أيدي الناس قرون طويلة، فلا يمكن أن تصمد أمام عمل أهل المدينة المتواتر يا أخي، فلا نقدم ما في هذه الكتب المنقطعة على ما تواتر من عمل أهل المدينة ولا نقيمها حكما على ما هو أقوى ثبوتا منها، هذا إن وجدنا فيها ما يخالف عمل أهل المدينة حقا
هذا كلام غير مستو ولا دقيق، فمن قال لك هذا الكلام ومن أحالك إليه، فكتب أهل الحديث ملأى بالنقل عنهما سواء المتأخرة أو المتقدمة ودونك ما ينقله الزرقاني في شرح المواهب والمناوي في شرح الجامع وابن حجر في شرح البخاري وغيره، بل إن المصنفين في الخلاف العالي من القدامى والمحدثين لا ينقلون خلافا بين الصحابة والتابعين إلا والكتابان أحد مراجعهم ودونك مجموع النووي ومغني ابن قدامة وقبلهما أوسط ابن المنذرونحوه، ولا يعني الآن عدم وجود نسخة تامة عدمها في القديم، فكلامك الذي ذكرت من وجود الانقطاع مطروح لانبنائه على فكرة خاطئة بالأساس.
فنفيك أن أبا جندل قال بحل الخمر غير معقول
بل يا سيدي غير المعقول هو عكس هذا، وهذا الصحابي من البدريين كما ذكرت، فكيف يخفى عليه حكم الخمر، إن القول بهذا إزراء عظيم به وقد قال هو بالحرمة، ولا تجعل من القصتين تشابها وتعليلا، فابن عباس صغير السن وحدث العمر لم يكن ليجرؤ على عمر فيخالفه وهو في ذلك السن على خلاف أبي جندل فالرجل بدري وله سابقة محفوظة، والقول بأن التأويل الذي تأوله محل إشكال أولى من تقويله بحلية الخمر؛ وما ذكرته عن ابن عباس من تضعيف القول برجوعه يحتاج إلى مراجعة فالحافظ قد قوى الحديث بتعدد الطرق في الفتح كما أذكر [أرجو أن لا أكون ناسيا:(]
وما ذكرته من قولك:
قائلا وما يدريك لعلهم اختلفوا بعد واستمر الخلاف؟
فلا يلتفت إليه لأنه لو سرنا بهذا المنهج ما تم لنا إجماع قط، وهذه هي عينها حجة منكري الإجماع: وما أدراك أنهم لم يختلفوا، وإنما الشأن أن تثبت الخلاف، وإلا لجاز لي أن أقول بأي بدعة كانت ثم أقول لك: "وما أدراك أنها لم تنقل"..، وكذلك لا يلتفت إلى قولك:
احتمال الخبر للتخصيص أو التقييد أو النسخ إنما هو في الجملة لا في التفصيل
لأن حديثنا الآن في علم الأصول، وهو حديث جملي، ولم نتحدث في الفقه حتى يكون تفصيليا، وأنت جعلت عمل أهل المدينة حجة على المخاصم بمنزلة الإجماع، أو بمنزلة المتواتر غير القابل للتخصيص ولا للتقيد ولا للنسخ ولا للبيان لأنه هو المخصص والمقيد والناسخ والمبين، ولا ريب أن ما رأيته أنت بهذا الوضوح لا يراه غيرك كذلك؛ فالعلم بمواضع الإجماع أحد شرائط الاجتهاد، وهم قد علموه وخالفوه، ولو رحنا نسرد لك ذلك لرأيت أشياء كثيرة.

الطاهر عمر الطاهر
29-07-2008, 03:24 PM
كلمة للإخوة الذين يشكرون هذا الحوار ويثنون عليه:
شاركونا برأيكم ولا تكفتوا بالفرجة

الطاهر عمر الطاهر
29-07-2008, 09:07 PM
تذييل:
كنت قد قلت سابقا في الحوار مع الأزهري:
...إلا أن قولك أنه "اختيار لبعض متأخري الكوفة غير دقيق" لأنه كما قال النووي مروي عن الحسن البصري وابراهيم النخعي وسفيان الثوري وأبي حنيفة ورواية عن الأوزاعي؛ إلا أن يكون قصدك تأخر في الرتبة فلا أدري أقال بهذا بعض الصحابة أم لا؟...
ثم وجدت في مكتبة الحنفية عندنا كتاب "الحجة على أهل المدينة" لمحمد بن الحسن وفيه هذا النص المهم 1/ 204:
أخبرنا إسماعيل بن عياش، قال حدثني عبدالعزيز بن عبيدالله عن نافع عن ابن عمر، قال: "إذا قهقه الرجل في صلاته أعاد الوضوء والصلاة".
وسبب التذييل هنا أمران:
- أن هذا القول إذا صحت نسبته منسوب لبعض الصحابة.
- وأنه قد وجد في "أهل المدينة" من يقول بخلاف الشائع عندهم.
والأمران معا صالحان للتعقب على شيخنا الأزهري، أعاننا الله وإياه على إظهار الحق، وجعل الحق هدفنا وإياه، وإنما أفردت هذا التذييل ولم أعدله مخافة أن يكون محاوري قد قرأ ما سبق وبنى عليه أحكامه وردوده، فأحببت تنبيهه بأن هذه إضافة متأخرة عن الوقت الذي كتبت فيه المشاركات الأولى، والله الموفق

الطاهر عمر الطاهر
30-07-2008, 03:05 PM
ثم وجدت الآن أن عبد العزيز بن عبيد الله واسمه الكامل عبد العزيز بن عبيد الله بن حمزة بن صهيب أحد رجال ابن ماجه ضعيف ضعفه ابن المديني كما في سؤالات ابن أبي شيبة له.
والكلام عن إسماعيل معروف إذا روى عن غر الشاميين.
وبهذا يسقط الاستدلال على ما أردتُ اللهم إلا إن كان الاحتجاج بالضعيف في الأحكام مذهبا للأزهري، والله الموفق

الطاهر عمر الطاهر
31-07-2008, 12:48 PM
يبدو أن الشيخ الأزهري قد شغل عنا لعارض ما، وإلى أن يعود أرجو من الإخوة المتتبعين للموضوع النظر في هذا النصين التاليين:
النص الأول: قال مالك في الموطأ [برواية يحيى الليثي]1/ 85-86:
باب ترك القراءة خلف الإمام فيما جهر فيه
حدثني يحيى عن مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان إذا سئل هل يقرأ أحد خلف الإمام قال إذا صلى أحدكم خلف الإمام فحسبه قراءة الإمام وإذا صلى وحده فليقرأ قال وكان عبد الله بن عمر لا يقرأ خلف الإمام.
قال يحيى سمعت مالكا يقول الأمر عندنا أن يقرأ الرجل وراء الإمام فيما لا يجهر فيه الإمام بالقراءة ويترك القراءة فيما يجهر فيه الإمام بالقراءة
لاحظ أن تعليل الإمام مالك رحمه الله أن ترك القراءة فيما يجهر به الإمام مسند إلى عمل أهل المدينة: "الأمر عندنا"، وانتبه إلى أن هذا النقل يشبه أن يكون من القسم الأول "المتفق على حجيته" وهو ظاهر في أن هذا العمل لا بد وأن يكون متصلا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جيلا عن جيل، لأنه كما قال الأزهري في مشاركة سابقة:
فلا أظن أحدا يجرؤ أن يسأل نافعا وسالما وسعيد بن المسيب وأضرابهم ممن يصلون في مسجد رسول الله فيقول لهم عمن تنقلون هذه الصلاة وهذه العبادة التي تفعلون؟؟ لا أظن أحدا يصير في ذلك الزمان والآن والموقف يجرؤ على مثل هذا السؤال ولا أظنه إذا تجرأ أن يسألهم أنه سيسمع منهم غير النقل المرفوع إلى آبائهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعمن تراهم أخذوا صلاتهم وعباداتهم؟؟ أليس هذا السؤال يحمل من السخف شيئا غير قليل؟ ويحمل تهمة مبطنة للسلف الصالح؟؟ ولو كان هذا السائل قد رأى أمرا شاذا فسأل صاحبه عمن نقلت لكان له عذر وأما أن يرى فقهاء وعلماء مسجد رسول الله كلهم على شيء فيأتيه الشك والريب فهذه وساوس من عمل الشيطان، فمن يشترط على أهل المدينة وفقهائها من أبناء المهاجرين والأنصار وأكابر التابعين أن يبينوا له أسانيدهم ويعنعنوا له طرائق صلاتهم على مصطلح أهل الحديث المتأخر وإلا خالفهم فهو إنسان مريض يحتاج إلى علاج
أظن أن هذا أمر واضح، لكن انظر معي إلى النص الثاني:
قال محمد بن الحسن في كتاب الحجة على أهل المدينة1/ 116-122:
باب القراءة خلف الإمام
قال أبو حنيفة: لا قراءة خلف الإمام في شيء من الصلاة ما يجهر بالقراءة وما لا يجهر فيه بالقراءة.
وقال أهل المدينة: لا يقرأ خلف الإمام فيما يجهر فيه، ويقرأ خلفه فيما لا يجهر فيه بأم القرآن وسورة كما يقرأ وحده.
وقال محمد بن الحسن: وكيف كانت القراءة خلف الإمام فيما لا يجهر فيه؟
قالوا: لأن القاسم بن محمد وعروة بن الزبير ورافع بن جبير بن مطعم وابن شهاب كانوا يقرؤون خلف الإمام فيما لا يجهر فيه الإمام بالقراءة.
قيل لهم: فهؤلاء كانوا عندكم أعلم وأوثق أم عبدالله بن عمر وجابر بن عبد الله؟
قالوا: بل عبدالله وجابر.
قيل لهم: فقد أخبرنا فقيهكم مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا سئل هل يقرأ أحد مع الإمام، قال: إذا صلى أحدكم خلف الإمام فحسبه قراءة الإمام.
زاد يحيى بن يحيى عن مالك: وإذا صلى وحده فليقرأ، قال: وكان ابن عمر لا يقرأ مع الإمام.
أخبرنا مالك بن أنس أيضا عن أبي نعيم وهب بن كيسان أنه سمع جابر بن عبدالله يقول: من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا وراء الإمام.
فهذان أفقه ممن أخذتم عنه القراءة، وفقيهكم روى الحديثين جميعا مع أحاديث كثيرة من أحاديث وترك قولكم.
أرأيتم من رأى القراءة خلف الإمام بأم القرآن وسورة إن فرغ الإمام من قراءته فركع قبل أن يفرغ الرجل الذي خلفه من أم القرآن كيف ينبغي له أن يصنع؟ أيقوم أم يتابع الإمام؟
قالوا: بل يتابع الإمام في ركوعه.
قيل لهم: فإن أبطأ بها عن ذلك أو كان شيخا كبيرا فلم يقرأ شيئا حتى فرغ الإمام من القراءة وركع أيتبع الإمام فيركع معه أم يقرأ ثم يتبعه؟
قالوا: بل يتبع الإمام في ركوعه ويرتك القراءة.
قيل لهم: فهذا يدلكم على أنه لا قراءة خلف الإمام إذا كانت القراءة يؤمر بتركها في بعض المواضع.
أخبرنا عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: من صلى خلف الإمام كفته قراءة الإمام.
أخبرنا أبو حنيفة قال حدثنا أبو الحسن بن موسى بن أبي عائشة عن عبدالله بن شداد بن الهاد عن جابر بن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من صلى خلف الإمام فإن قراءة الإمام له قراءة.
أخبرنا أسامة بن زيد المديني قال حدثنا سالم بن عبدالله بن عمر قال: كان ابن عمر لا يقرأ خلف الإمام، قال فسألت القاسم بن محمد عن ذلك فقال: إن تركته فقد تركه ناس يقتدى بهم، وإن قرأت فقد قرأه ناس يقتدى بهم، وكان القاسم ممن لا يقرأ.
أخبرنا سفيان بن عيينة عن منصور بن المعتمر عن أبي وائل، قال: سئل عبدالله بن مسعود عن القراءة خلف الإمام، قال: أنصت فإن في الصلاة شغلا، وسيكفيك الإمام ذلك.
أخبرنا محمد بن أبان بن صالح عن حماد عن إبراهيم النخعي عن علقمة بن قيس أن عبدالله بن مسعود كان لا يقرأ خلف الإمام فيما يجهر فيه وفيما يخافت فيه، لا في الأوليين ولا في الأخريين، وإذا صلى وحده قرأ في الأوليين فاتحة الكتاب وسورة سورة، ولم يقرأ في الأخريين شيئا.
أخبرنا سفيان الثوري قال حدثنا منصور عن أبي وائل عن عبدالله بن مسعود قال: أنصت للقرآن فإن في الصلاة شغلا وسيكفيك الإمام.
أخبرنا بكير بن عامر قال حدثنا إبراهيم النخعي عن علقمة بن قيس قال: لأن أعض على جمرة أحب إلي من أن أقرأ خلف الإمام.
أخبرنا إسرائيل قال حدثنا منصور عن إبراهيم النخعي قال: أول من قرأ خلف الإمام كان رجلا اِتُّهِم.
أخبرنا إسرائيل بن يونس قال حدثنا موسى بن أبي عائشة عن عبدالله بن شداد بن الهداد، قال: أمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس في العصر قال: فقرأ رجل خلفه فغمزه الذي يليه فلما أن صلى قال: لم غمزتني؟، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قدَّامك فكرهت أن تقرأ خلفه، قال: فسمعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة.
أخبرنا داود بن قيس الفراء قال أخبرنا بعض ولد سعد بن أبي وقاص أنه ذكر له أن سعدا قال: وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام في فيه جمرة.
أخبرنا داود بن قيس الفراء قال أخبرني محمد بن عجلان أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ليت في فم الذي يقرأ خلف الإمام حجرا.
أخبرنا داود بن قيس المديني الفراء قال حدثنا عمر بن محمد بن زيد عن موسى بن سعد بن زيد بن ثابت يحدثه عن جده أنه قال: من قرأ مع الإمام فلا صلاة له.

لا بد أنك لاحظت أخي الكريم أن النص المنقول عن محمد بن الحسن يدلك على جملة أشياء:

أولها أن هناك اختلافا بين المدنيين أنفسهم في هذه المسألة، وانتبه كذلك أن كثير ممن سماهم محمد بن الحسن مدنيون، وأن مالك قد اختار أحد الأقوال في المسألة.

ثانيا: أن إسناد الإمام مالك رأيه إلى العمل المدني بما نفهمه نحن الآن من هذا الإطلاق أمر يحتاج إلى إعادة نظر، فاختياره لرأي من رأيين وإسناده لـ"الأمر الذي عندنا"

ثالثا:أن عبدالله بن مسعود نقل إلى الكوفة مذهبا غير مذهب "أهل المدينة" وأفتى به، وهذا خلاف ما كان يقوله الأزهري في مشاركته:
لا نعتقد أن أهل المدينة الذين خرجوا منها في العصر الأول خرجو منها وتركوا مذهبها وما تعلموه فيها، ولهذا نظنهم على خير وأنهم على عمل أهل المدينة لم يدعوه ولم يتركوه، ومن زعم أنهم تركوه جملة وعامة فقد أزرى عليهم وعابهم، فعليه الدليل، وإن كانوا تركوه فمن الذي أوصله إلى العراق والشام والمغرب الأقصى؟؟
وأرجو من الإخوة -الأزهري وغيره- أن يتأملوا النصين معا، وأن يعلقوا على هذا بما يرونه، لكن لا يحولوا النقاش إلى خلاف فقهي فالمسألة الآن أصولية، والله الموفق

الزيتوني
31-07-2008, 08:20 PM
كلمة للإخوة الذين يشكرون هذا الحوار ويثنون عليه:
شاركونا برأيكم ولا تكفتوا بالفرجة

كلما أردت أن أكتب وأشارك أرى أن فيكم الكفاية، وأنا ما زلت مصرا على عدم المشاركة لهذا السبب..
وسبب آخر ازددت به الآن قناعة؛ وهو أن من تناقشه ليس بالذي يرضى أن يُناقشه أي أحد! ولا أدري ما السر في ذلك! لكن ما دام ارتضاك فليقتصر النقاش عليكما، ومن أراد إفادة أي طرف فليكن على الخاص، هذا رأيي..
والله يعينكم..

الأزهري
01-08-2008, 04:17 AM
قولك: ( أولاهما أنك تحتاج إلى حصر المجتهدين والمفتين من الصحابة ..) على هذا فإن من يقول بحجية الإجماع ـ وهم أهل السنة قاطبة ـ أحوج إلى هذا الحصر الذي تريده، فلم لم يعكر هذا على الإجماع لديك ما دمت سنيا؟ وقولك: (اثني عشر سنة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط؛) وقبل وفاته ألم يكن ثم عمل؟ فهذه 11 سنة بالمدينة و12 سنة بعده فهي 23 وعشرون سنة، وهي مدة كافية لينشأ ويترعرع جيل جديد على عمل منضبط يويما في المسجد وخارجه في مجتمع المدينة، ولا يخفى على فضيلتكم أن مالكا أفتى الناس ولم يبلغ 23 سنة بعد. فقولكم: ( وهذه المدة لا يمكنها أن تشكل مفهوم "العمل الممتد" لقصرها أولا) غير صحيح فهي ليست قصيرة، ولا أدري لماذا ألغيت عمل أهل المدينة في حياة رسول الله أيضا! ولا شك أن هذه المدة الزمنية وأقصر منها بكثير كاف، وإلا فكيف كانوا يصلون ويحجون ويزكون دون عمل منضبط معروف؟؟ ألا ترون أن رأيكم يعني أن المدينة في طول هذه السنوات كانت مجتمعا فوضويا بلا قانون؟؟ ثم قولكم: (ولخروج الكثيرين من أبناء المدينة) وهذا القول قد أكثرتم منه، ولا أدري لم يشكل الدخول والخروج عندكم هذه الأهمية بحيث تتصورون أن من دخل المدينة رآها فوضى ومن خرج منها خرج من فوضى؟؟ ولماذا لا تعكسون المسألة فتقولون بأن الخروج والدخول هو الذي لم يكن له ضابط؟ فلا ينبغي أن تتصور أن 300 صحابي خرجوا من المدينة معا في جيش واحد فتركوا المدينة خاوية على عروشها بلا عمل ولا عاملين ولا ضبط، وهذا الجيش نفسه الذي خرج إذا اجتمع للصلاة فهو في فوضى ومذاهب أشتى وأعمال مختلفة متلونة إلى أن يعود؟؟ يا سيدي الكريم لو كان المسلمون في خروجهم من المدينة ودخولهم إليها على هذا النحو الذي صورته لما اسطاعوا فتحا ولا تقدما ولا رقيا أصلا، ولضاع دينهم منذ اللحظة التي صارت المدينة بلا عمل منضبط، ولا أدري هل يمكن لك أو للقارئ الكريم أن يتصور جيشا مسلما قبل انطلاقه من المدينة كان مشتت الأفكار ملون الآراء ليس لهم مذهب يجمعهم ولا عمل يضبطهم، ثم خرجوا فازداوا فرقة وتشتتا فهل يتصور أن هؤلاء ينتصرون أو يجتمعون في جماعة واحدة؟؟ لا نعلم أن شيئا قارب هذا الحال المزري إلا حادثة اختلاف القراءات بين شباب المجاهدين والتي وأدها عثمان في مهدها رضي الله عنه، أرجو أن تعيدوا النظر في تصوركم عن مجتمع المدينة. وكم آلمني قولكم: (إن قراءة تاريخ المدينة وما وقع فيها من أحداث يفيدنا أن كثيرا من البدع قد دخل المدينة كسب علي بن أبي طالب) فعجبا عجبا ! ما هكذا يا سعد تورد الإبل، فأين: الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها؟ وأين: المدينة كالكير تنفي خبيثها وينصع طيبها؟ وأين: والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون؟ وأين: لا يخرج أحد من المدينة رغبة عنها إلا أبدلها الله خيرا منه؟ لم نسيت هذا كله وتذكرت بدعة تسللت إلى المدينة؟؟ إن المدينة لو لم يكن فيها عمل منضبط ثم دخلها سب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لبقي هذا السب فيها حتى يصير هو مذهبا قائما برأسه بين السلف من أهل المدينة، لا سيما والمدينة في نظرك آراء مفرقة لا يجمعها جامع؟ فسل نفسك هل دخول بدعة إلى بلد ينفي وجود سنة وعمل منضبط فيها قبل دخول البدعة؟ إن المدينة في تلك القرون المفضلة هي أولى المدن بنفي أي بدعة تتسلل إليها لوجود عمل منضبط متواتر متوارث فيها، فذكرك للبدعة التي تسللت وسكوتك عن ذكر موقف السلف من أهل المدينة من هذه البدعة لشيء غريب، فإن مواقفهم المسجلة في بطون الكتب في الثناء على الصحابة الكرام لا سيما الخلفاء الراشدين لأكبر دليل على أن عملا جليلا كان قد تبلور في المدينة قبل دخول البدعة المذكورة، ولهذا لم تصمد تلك البدعة ولقيت حتفها، وأذكرك أنه لم يكن في المدينة إلا منبر واحد هو منبر رسول الله فهل تزعم أن سب علي صار سنة على هذا المنبر وعملا لأهل المدينة؟. وقولك: (هذه دعوى عريضة جدا، من أين لك إثباتها، فإنه لا يكفي ذاك النقل الذي نقلته عن مناقب البيهقي، فإن الشافعية يأبونه) إن اللجوء إلى تكذيب الأخبار الصحيحة هكذا بسهولة لا يعد منهجا صحيحا، فأنت تتمسك بخبر واحد لنقض عمل أهل المدينة كله، وفي المقابل نأتيك برواية عن الشافعي صحيحة فتنقضها وتردها وتكذبها بسهولة بحجة أن الشافعية يأبونه!! فانظر كيف قلت :الشافعية يأبونه. رددت به النقل الصحيح، وأنت تأبى عمل أهل المدينة وترده بالخبر الواحد !! ألا تلاحظ معي أن هذا تناقض وازدواجية في التعامل مع المسائل؟؟؟ نأتيك بعمل أهل المدينة فتنقضه بخبر واحد، ونأتيك بخبر واحد فتنقضه بالشافعية يأبونه؟؟ فهل هذا التصرف جيد برأيك؟ وأيهما أجود هذه الطريقة الغريبة أم ما بينته لك من الجمع بين الروايات من أن الإمام الشافعي وأضرابه لا ينكرون عمل أهل المدينة إذا اجتمعت شرائطه لديهم؟؟ فتدبر فتح الله علينا وعليكم.

الأزهري
01-08-2008, 05:52 AM
قولك: (أنت تجعل هذا الكلام مبنيا على التسليم بأصلين أحدهما أن عمل أهل المدينة لم يخالف فيه أحد وهذا غير صحيح) وهذا الكلام قد يورده غيرك على الإجماع نفسه بأن هناك من خالف في حجيته وكذلك الإجماع السكوتي، وأنت نفسك ترى أن الإجماعات التي خالف فيها المبتدعة ليست بشيء !! فأين العجب من محاولة التقليل من شأن عمل أهل المدينة؟ وقولك: ( بل هذا عمر وأبو بكر وغيرهما من كبار الصحابة جهلوا كثيرا من السنن حتى رواها لهم غيرهم من غير أهل المدينة وهو معلوم في السيرة مشهور) إضافة الجهل بكثير من السنن إلى مثل أبي بكر وعمر أمر مستبشع غاية البشاعة عند أهل الذوق، ولكن أشد منه إضافة الجهل بذلك إلى عمل أهل المدينة كافة ولا شك، ومن كان ذا عقل وفهم فليحكم. وقولك: (قولك أنه حجة في الإثبات لا في النفي تأباه واضحات النصوص) هات نصا واحدا واضحا عندك يدل على قولك. ثم قلت: (ولم لا يجوز أن يكون خالفهم لأنه لا يرى رأيهم) إن عنيت مالكا فمحال لأن عمل أهل المدينة عنده حجة، وإن عنيت الشافعي ونحوه فقد بينا لك ذلك من قبل، ثم قلت: ( فإن مالكا قد أقر في مسألته مع المنصور بهذا: "إن أهل العراق لا يرضون علمنا ولا يرون في عملهم رأينا") مع احتياج هذا الخبر إلى التخريج لنعرف صحته من عدمها وهو ما لم تفعله، فإنه يبقى خبرا واحدا فلم رددت عمل أهل المدينة بخبر واحد ولما أتيناك برواية الشافعي رددتها بحجة أن الشافعية يأبونه؟ ثم قلت: (ولم لا يجوز أن يكونوا بأهل النقل من شيوخهم أوثق من أهل النقل بالمدينة) لأننا رأينا الكوفيين أنفسهم يرحلون إلى أهل المدينة فيسمعون منهم ويأخذون عنهم كما فعل أبو حنيفة وكما فعل محمد بن الحسن في الرحلة إلى مالك، والموطأ من روايته عن مالك مشهور، ولم يكن أهل الحجاز يرحلون إلى العراقيين للنقل عنهم وخاصة أن أهل الحجاز كانوا لا يعترفون بصحة خبر لا يوجد له أصل بالحجاز، وهذا القول أيضا منقول عن الشافعي نفسه، ثم مال بعد إلى قبول الخبر بصحة شروطه بغض النظر عن مخرجه. ثم قلت : (يبدو أنك مسرف في عمل أهل المدينة ..) عمل أهل المدينة هو نقل متواتر عن رسول الله وصحابته الكرام لا يداخله شك، فكيف تسمي احتجاجي بهذا إسرافا؟؟ أيقال لإنسان بأنك مسرف في الاحتجاج بالقرآن أو بالسنة أو بالمتواتر من الأخبار؟؟ وإذا أردت ما لا يحمد الإسراف فيه فارجع إلى قول مالك : (أقلا منه وتفقها) وقول غيره: (ما أكثر أحد من الحديث فأنجح) وجد لها تأويلات، وأما العمل فلم يزلم محمودا التمسك به والإسراف في مدحه. ثم قلت: ( وإنني تسرعت بالعزو إليه فالمحكي عنه خلاف هذا ..) وإنا لنرجو منك أن تتحرى في كل خبر تنقله حتى لا ينبني كلام كثير على خطأ فيضيع الوقت والجهد بلا طائل. وقلت : (إلا أن قولك أنه "اختيار لبعض متأخري الكوفة غير دقيق ..) أنت نسبتها إلى فتوى ابن مسعود فتبين لك أن نسبتها إليه خطأ، فالآن قلت بأنها من رواية النخعي والبصري وهذه طبقة متأخرة بالنسبة لابن مسعود فأين الخطأ في كلامي؟؟ وقولكم: (وقد بينت لك ما يفيد أن مالك قد علل منع حمل الناس على كتابه باختلاف النالس وتفرق الصحابة) إن صح هذا فمحمول على خشية الفتنة لا إسقاطا لحجية العمل المدني. ثم قلت : ( ولا يعني الآن عدم وجود نسخة تامة عدمها في القديم ) ومن أين لك القديم الآن ؟؟ فاصبر حتى تجد أصلا صحيحا أو ناقل عن أصل صحيح بسند صحيح ثم انقل عنه وأما من غير ذلك فلا، وتساهل الناس في هذا الباب مذكور في مصطلح الحديث، ثم قلت دفاعا عن أبي جندل: ( وهذا الصحابي من البدريين كما ذكرت، فكيف يخفى عليه حكم الخمر، إن القول بهذا إزراء عظيم به وقد قال هو بالحرمة،) فأنت أولى الناس بهذا الرد منك فأنت القائل آنفا: ( بل هذا عمر وأبو بكر وغيرهما من كبار الصحابة جهلوا كثيرا من السنن حتى رواها لهم غيرهم من غير أهل المدينة وهو معلوم في السيرة مشهور) فإذا كان أبو بكر وعمر وأهل المدينة قاطبة بهذه المنزلة فلم خصصت أبا جندل من بينهم؟ ألأنه خرج من المدينة إلى الشام؟؟؟ فالإزراء على أبي جندل لا يجوز فمن أجازه على الشيخين وأهل المدينة؟؟؟ ثم قلت: ( وما ذكرته عن ابن عباس من تضعيف القول برجوعه يحتاج إلى مراجعة ..) فراجع ثم أخبرني وقد نظرت في القصة قبلك وهذا ما تبين لي، ومع هذا فلا نعتد بهذا الخلاف ولا ننقض به الإجماع والعمل المتواتر وإن صح خلافه عن ابن عباس. ثم قلت عن عبارة لعلهم اختلفوا : (فلا يلتفت إليه لأنه لو سرنا بهذا المنهج ما تم لنا إجماع قط، وهذه هي عينها حجة منكري الإجماع) نعم صحيح ولكنها أيضا من حججك التي أكثرت منها لنقض عمل أهل المدينة فإنك كررت أن الصحابة خرجوا منها وتفرقوا في الأمصار فافترضت اختلافهم لمجرد خروجهم دون علم يقيني بهذا، فهذه الحجة هي هي التي قد يحتج بها ناقض الإجماع فلم أنكرتها؟

ثم ذكرتم مسألة فرعية أردتم بها أن تنقضوا عمل أهل المدينة ثم قلت: ( أن عبدالله بن مسعود نقل إلى الكوفة مذهبا غير مذهب "أهل المدينة" وأفتى به، وهذا خلاف ما كان يقوله الأزهري في مشاركته) ثم إنك رددت على نفسك بنفسك لما تبين لك ضعف الخبر فقلت: (وبهذا يسقط الاستدلال على ما أردتُ اللهم إلا إن كان الاحتجاج بالضعيف في الأحكام مذهبا للأزهري، والله الموفق ) إذن فإنك كنت تريد أن تثبت أن ابن مسعود ذهب إلى الكوفة فأفتى هناك بخلاف المعروف عند أهل المدينة وقد تبين لك أن هذا الخبر عن ابن مسعود لا يصح إذن لم يثبت مدعاك من الأساس، فما الحاجة إلى قولك (إلا إن كان الاحتجاج بالضعيف في الأحكام مذهبا للأزهري، والله الموفق) !! أي إن كنت أنا ممن يحتجون بالضعيف لزمني أن ابن مسعود خالف أهل المدينة !! وأقول لك لا أحتج بالضعيف، ولو أن خر صح لم يلزمني أيضا لأنني بينت مرارا أن ابن مسعود لا يخالف عمر وحده بله أهل المدينة ـ مخالفة لا جمع معها ولا مجال ـ إلا أن يكون ثم جواب كجوابك على تكذيب خبر المعوذتين أو تأويلك لأبي جندل وابن عباس .. فهذا حسن.

أخيرا بالنسبة للخبر التالي الذي أتيت به وهو:

أخبرنا إسماعيل بن عياش، قال حدثني عبدالعزيز بن عبيدالله عن نافع عن ابن عمر، قال: "إذا قهقه الرجل في صلاته أعاد الوضوء والصلاة".

فإنك ذكرته ثم قلت بعده:

وسبب التذييل هنا أمران:
- أن هذا القول إذا صحت نسبته منسوب لبعض الصحابة.
- وأنه قد وجد في "أهل المدينة" من يقول بخلاف الشائع عندهم.
والأمران معا صالحان للتعقب على شيخنا الأزهري ..

فأول شيء أن هذا خبر باطل ولا يصح فلا يترتب عليه شيء مما ذكرت، ففي سنده عبد العزيز بن عبيد الله وهو واه متروك فلا قيمة لهذا الخبر المنكر، والمعروف عن أهل المدينة خلاف هذا، وعلى فرض صحته فأين في هذا الخبر ما يدل على أن عمل أهل المدينة ليس حجة؟؟؟ بل عمل أهل المدينة حجة في الإثبات كما قلنا فيحمل الأمر بالوضوء على مجرد الزجر لا على نقض الوضوء، أو يكون منسوخا .. إلخ والجمع بين الأخبار هكذا حتى تلتئم أحسن من ردها، وعلى فرض أنه لا يقبل الجمع فطرح الخبر هنا متعين لأن معارضه أقوى منه لكن الجمع بحمد الله سائغ.

الأزهري
01-08-2008, 06:03 AM
من تناقشه ليس بالذي يرضى أن يُناقشه أي أحد! ولا أدري ما السر في ذلك!

النقاش الطويل يحتاج إلى جهد وكد وتعب ومتابعة، وفي هذا ما فيه، فإذا انضاف إلى ذلك كله غلظة المحاور وسوء أدبه وعدم مراعاة خواطر أهل المذاهب الأربعة ومذاهبهم ـ كما يفعل عنبر والذي كرر التعبير بالوهم والموهوم ـ فالمشقة هنا تزداد، ولهذا لا أحب أن أتحاور مع خصمي وأنا أحمل في نفسي عليه أو وهو يكلفني مشقة النفس بقراءة طعونه المسماة نقاشا، فهذا هو السر قد كشفناه للسائل. والأخ الطاهر قد سلك سبيل الأدب وحسن الحوار منذ بدأ ولهذا مررت معه وإن كانت تصدر منه عبارات تؤذي ولكن لها حدود لا تتعداها فلهذا طاب الحوار معه.

أبوالفضل المالكي
01-08-2008, 07:45 AM
حصر الحوار بين متحاورين اثنين أفضل بكثير من تشعبه بين أكثر منهما، لما يؤدي إليه من تشتت الأفكار وعدم تلاقحها..

فيا حبذا لو يكتفي الأخوة الفضلاء بمتابعة النقاش حتى نستخلص الفائدة مما يناقش..

الطاهر عمر الطاهر
04-08-2008, 04:43 PM
بداية أعتذر عن هذا التأخر الذي خرج عن إرادتي، وكنت قد قرأت ما كتبه الأزهري يوم الجمعة وأعددت ردي عليه، لكن وقع ما لم أكن أحسبه؛ حتى إذا زال عدت إليكم معتذرا عن هذا التأخر ملتمسا قبوله منكم، وما دام الحديث قد ابتدأ بالمشاعر والعواطف فلأعرج على كلمة الأزهري التي كتبها في آخر مشاركة حينما قال عني:
والأخ الطاهر قد سلك سبيل الأدب وحسن الحوار منذ بدأ ولهذا مررت معه وإن كانت تصدر منه عبارات تؤذي ولكن لها حدود لا تتعداها فلهذا طاب الحوار معه
وأقول له أن هذه الشهادة تحل مني موضع التقدير، ويا سيدي إن صدر مني ما قد يكون فيه تعد على الحدود، فإني أستغفر الله منه وتائب إليه ومعتذر منه إن تعلق بأحد من الناس؛ ويعلم الله أن هذا ما هو إلا بركة شيوخنا الذين تتلمذنا عنهم؛ فكانوا يقولون دائما: "الأدب قبل الطلب" ويحيلون إلى قصة ابن القاسم مع مالك؛ وشهرتها تغني عن ذكرها.
وأحيي الإخوة الممتنعين عن المشاركة اكتفاء بما نكتب؛ فليجعلنا الله أحسن ظنهم، وعودا لموضوع النقاش أقول سيكون تعقيبي على الأخ الأزهري في النقاط التالية:

الطاهر عمر الطاهر
04-08-2008, 04:44 PM
النقطة الأولى: علاقة عمل أهل المدينة بالإجماع
لا يزال أخونا الأزهري يصر وبشكل متكرر على إلحاق عمل أهل المدينة بالإجماع؛ ومباحث الإجماع الذي تطرقنا إليها في هذا الحوار أحد الدلائل على "صدق هذا الإصرار" كقوله:
على هذا فإن من يقول بحجية الإجماع ـ وهم أهل السنة قاطبة ـ أحوج إلى هذا الحصر الذي تريده، فلم لم يعكر هذا على الإجماع لديك ما دمت سنيا؟
أقول:
وهذا الإلحاق -إلحاق عمل أهل المدينة بالإجماع- خطأ في علم الأصول عموما، وكبوة في أصول المالكية خصوصا:
فأما أولا فإن المالكية شنعوا على أهل المذاهب الأخرى في هذه النقطة بالذات حين أدرجه هؤلاء في الإجماع وناقشوه ثمة، وجعلوه في عداد المسائل التي لا يثبت إجماع بها، وهذا القرافي يعقب على الرازي في هذه النقطة بالذات، وكذلك تجد نفس الكلام عند القاضي عياض والقاضي عبدالوهاب والباجي وابن القصار والأبياري وابن الفخار وغيرهم من المالكية، وكلهم يؤكدون ان المخالف لم يحرر محل النزاع وقد قالها القاضي عياض على هذا النحو في ترتيب المدارك وراجع ما أحلتك إليه من مراجع لتجد أن إلحاقك هذا بهذا خلاف ما يقوله المالكية قاطبة.
ولنكتفي على سبيل التمثيل بهذا النقل ليبين لك أن الأزهري تبع مخالفي المذهب في عد الإجماع:
قال القاضي عياض:
((وكثر تحريف المخالف فيما نقل عن مالك من ذلك سوى ما قدمناه: فحكى أبو بكر الصيرفي وأبو حامد الغزالي أن مالكاً يقول لا يعتبر إلا بإجماع أهل المدينة دون غيره وهذا ما لا يقوله هو ولا أحد من أصحابه، وحكى بعض الأصوليين أن مالكاً يرى إجماع الفقهاء السبعة بالمدينة إجماعاً، ووجه قوله بأنه لعله كانوا عنده أهل الاجتهاد في ذلك الوقت دون غيرهم وهذا ما لم يقله مالك ولا روي عنه.
وحكى بعضهم عنا إنا لا نقبل من الأخبار إلا ما صححه عمل أهل المدينة؛ وهذا جهل أو كذب، لم يفرقوا بين قولنا برد الخبر الذي في مقابله عملهم وبين من لا يقبل منه إلا ما وافقه عملهم وكيف يقوله وهو يرى أن الإجماع حجة)) الخ كلامه من ترتيب المدارك.
فأنت تراه ينكر على المخالف (الأحناف والشافعية والحنابلة والظاهرية) إلحاقهم عمل أهل المدينة بالإجماع ومناقشتهم له على هذا الأساس، والمالكية يجعلونه قسيما له في الحجية لا نوعا من أنواعه كما تراه في كتبهم الأصولية.
لأجل ذلك أنا أطلب من الأزهري أن يعيد تحرير مفهوم العمل عند المالكية حتى يستقيم نقاشنا على خط مستبين.
وأما ثانيا فإن الإجماع هو اتفاق فقهاء الأمة، ولم يشترطوا فيه المكان، وقد كنت أطالبك بدليل حصرك المجتهدين في المدينة، لأنه لا يصح المطابقة بين الإجماع والعمل إلا بهذا الحصر، وقد تنكبت لحد الساعة عن إعطائه.
وعليه فإن قولك فيما بعد:
وهذا الكلام قد يورده غيرك على الإجماع نفسه بأن هناك من خالف في حجيته وكذلك الإجماع السكوتي، وأنت نفسك ترى أن الإجماعات التي خالف فيها المبتدعة ليست بشيء !! فأين العجب من محاولة التقليل من شأن عمل أهل المدينة؟
لا علاقة له بمحل النزاع، على أني لا أقول بأن الاجماعات التي خالف فيها المبتدعة ليست بشيء، بل أقول أنه لا ينعقد الإجماع بدونهم [إذا لم تكن بدعتهم مكفرة طبعا]، ولا يضر مخالفتهم إذا انعقد، وشتان بين الأمرين.
وكذلك قولك:
فعجبا عجبا ! ما هكذا يا سعد تورد الإبل، فأين: الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها؟ وأين: المدينة كالكير تنفي خبيثها وينصع طيبها؟ وأين: والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون؟ وأين: لا يخرج أحد من المدينة رغبة عنها إلا أبدلها الله خيرا منه؟ لم نسيت هذا كله وتذكرت بدعة تسللت إلى المدينة؟؟....
فإنه مبني على الاستدلال لغير محل المناظرة؛ ففضائل المدينة لا ينكرها أحد إلا جاهل أو حسود؛ ولكن أي هذه المناقب يدل على الحجية؟ وبأي نوع من أنواع الدلالة يدل -كما يقول الشوكاني- أبالمطابقة أم بالضتمن أم بالالتزام؟، وما دمت تستشهد بهذه الأحاديث في مناقب المدينة وتراها صالحة لجعل المدينة وعملها "مصدرا تشريعيا"، فما المانع من جعل مكة والشام واليمن ومدن أخرى صحت فيها فضائل مثل هذه؟ ألا ترى في شهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل اليمن بالعلم والإيمان ما يصلح لجعل فقههم وإيمانهم موضع تقليد؟ وكذا الشام ذات الفضائل الكبيرة...
ثم إن الاحتجاج بأحاديث المناقب في هذه المسألة لا يفيد للعلة التي ذكرتها، ولعة أخرى نبه عليها القرافي في نفائس الأصول، وهي أن احتجاج مالك بعمل أهل المدينة ليس لكونه عمل المدينة، بل لما توفر فيها من شرائط أخرى، بمعنى أنه لو فرض أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في الطائف أو غيرها لكان مالك يحتج بعمل الطائف أو غيرها من الأمصار.
وهذه الفكرة منه رحمه الله تدلك على أصل اعتماد عمل أهل المدينة في المذهب، أي أن المالكية يعتمدون عمل أهل المدينة كـ"منقول" وليس كـ"إجماع" [وهذه الفكرة ليست محل إجماع بين المالكية أنفسهم]، وإنما انفرد "العمل" عن سائر "الأخبار" وألحق بالمتواتر بالاستغناء عن طلب السند فيه، وهذه الفكرة إن أردت أن ازيدها شرحا شرحتُ فهي اعتقادي في مفهوم عمل أهل المدينة الحجة.
وقولك لي بعد ذلك:
وهذا القول قد أكثرتم منه، ولا أدري لم يشكل الدخول والخروج عندكم هذه الأهمية بحيث تتصورون أن من دخل المدينة رآها فوضى ومن خرج منها خرج من فوضى؟
إضافة الجهل بكثير من السنن إلى مثل أبي بكر وعمر أمر مستبشع غاية البشاعة عند أهل الذوق، ولكن أشد منه إضافة الجهل بذلك إلى عمل أهل المدينة كافة ولا شك،
وما تفرع عنه من كلام واستشناع؛ فأنت تعلم أني لا أقصده ولا أريده ويستحيل أن يخطر ببال مسلم؛ ولتشل يمينٌ تعتقد هذا؛ لكن أنت تعلم أن الصحابة ما كانوا كلهم في المدينة، وأنهم اختلفوا في المدينة وخارج المدينة وأن دعوى كون العمل مستمرا من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى زمن مالك دعوى كبيرة تحتاج إلى نقاش موسع والأمثلة الدالة على خلاف مرادك كثيرة ومن عند المالكية أنفسهم
وخروج الصحابة من المدينة أمر واقع، ولا أفهم لم استبشعت إكثاري منه، وأهل الأصول من المخالفين يتعلقون بهذا، فهم يرون أن المدينة لم تحصر أهل الفتوى والاجتهاد من الصحابة، ويرون أن خلافهم في الفروع كان متعددا وجليا.

الطاهر عمر الطاهر
04-08-2008, 04:44 PM
على أن أغرب ما سمعت منك قولك:
لأننا رأينا الكوفيين أنفسهم يرحلون إلى أهل المدينة فيسمعون منهم ويأخذون عنهم كما فعل أبو حنيفة وكما فعل محمد بن الحسن في الرحلة إلى مالك، والموطأ من روايته عن مالك مشهور، ولم يكن أهل الحجاز يرحلون إلى العراقيين للنقل عنهم وخاصة أن أهل الحجاز كانوا لا يعترفون بصحة خبر لا يوجد له أصل بالحجاز، وهذا القول أيضا منقول عن الشافعي نفسه، ثم مال بعد إلى قبول الخبر بصحة شروطه بغض النظر عن مخرجه
فالكوفيون -كما يقول ابن تيمية في رسالته عن أهل المدينة- يرون أنفسهم كفؤا للمدنيين خلافا لباقي الأمصار الأخرى، والحديث كان بها ظاهرا، وإن لم يكن في درجة وثاقة المدنيين، إلا أنه حديث إذا استجمع شرائط القبول قبل وإلا فلا؛ وهذا البخاري وهو طبقة متأخرة عن مالك يصرح بدخوله الكوفة مرارا في طلب الحديث رغم أن بغداد كانت في ذلك الوقت قد استولت على أمجاد الكوفة والبصرة، وهذا وحده كاف للدلالة على عكس مرادك، فإذا أضفت إليه شيئا من مطالعة نصب الراية التي كتبها الكوثري دلك على أن التفضيل بين المدينة والكوفة من هذه الحيثية إنما هو تفضيل جملي لا تفصيلي، ورحلة المدنيين إلى الكوفة طلبا للحديث والعلم شهيرة، وقد كتبت فيها دراسات عنت في بعض فصولها بهذه الحيثية آخرها فيما أعلم "مدرسة مكة والمدينة في الحديث"
وقولك: (هذه دعوى عريضة جدا، من أين لك إثباتها، فإنه لا يكفي ذاك النقل الذي نقلته عن مناقب البيهقي، فإن الشافعية يأبونه) إن اللجوء إلى تكذيب الأخبار الصحيحة هكذا بسهولة لا يعد منهجا صحيحا، فأنت تتمسك بخبر واحد لنقض عمل أهل المدينة كله، وفي المقابل نأتيك برواية عن الشافعي صحيحة فتنقضها وتردها وتكذبها بسهولة بحجة أن الشافعية يأبونه!! فانظر كيف قلت :الشافعية يأبونه. رددت به النقل الصحيح، وأنت تأبى عمل أهل المدينة وترده بالخبر الواحد
أنت تعلم أن الشافعي نفسه رد عمل أهل المدينة، وهذا الذي نقله عنه أصحابه من أهل الأصول وهم -أعني الشافعية- أشد الناس نقاشا واعتراضا على عمل أهل المدينة إذا استثنينا ابن حزم في الإحكام
فالشافعي يقول في كتاب الاختلاف مع مالك7/ 221: ((وما عرفنا ما تريد بالعمل إلى يومنا هذا وما أرانا نعرفه ما بقينا))، ويقول7/ 269 عن قولة مالك: "الأمر عندنا": ((وما كلمت أحدا منكم قط فرأيته يعرف معناها)) فهذان نصان عن الشافعي في كتابه الذي كتبه بعد تأهله للاجتهاد، والعبارة التي نقلت قد تكون قبل ذلك.
فبان من هذا أن الشافعي لا يوافق على العمل كما ادعيت من قبل، وإلا فهاهي كتب الأصول الشافعية ما فيها قول بذاك ولو ضعيفا، وإنما الذي أعرفه أن بعض الشافعية وافق على العمل باعتباره مرجحا.

الطاهر عمر الطاهر
04-08-2008, 04:48 PM
إثبات بطلان دعوى الأزهري بمسلكين: أحدهما نقل كلام علماء المذهب الذين دافعوا عن حجية هذا الدليل، وتصريحهم بأن المنفيات في عمل أهل المدينة حجة؛ والثاني ذكر أمثلة اعتمدها المالكية في فتاواهم استنادا إلى النوع الذي نفاه الأزهري.
فأما المسلك الأول، فنقل القرافي حاشيته على محصول الرازي "نفائس الأصول" 3/ 421 عن القاضي عبدالوهاب المالكي قوله: ((إجماع المدينة نقل واجتهاد، فالأول ثلاثة أقسام:
1- نقل شرع مبتدَأٍ بقول أو فعل أو إقرار ونقل ترك كالصاع والأذان والأحباس والمنبر.
2- كنقلهم العمل المتصل في عهدة الرقيق.
3- كترك أخذ الزكاة من الخضروات مع كثرتها بالمدينة، ولم يأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا الخلفاء من بعده منها زكاة.
فهذه حجة عندنا اتفاقا يترك لأجلها الأخبار والقياس والاجتهاد....الخ))
وقال في فروقه في الفرق بين قاعدة خيار المجلس وقاعدة خيار الشرط وهو يعدد أوجه إسقاط الاحتجاج بخبر البيعان: ((( العاشر ) عمل أهل المدينة وهو مقدم على خبر الواحد فإن تكرر البيع عندهم مع الأنفاس، فعدم المجلس بين أظهرهم يدل على عدم مشروعية دلالة قاطعة والقطع مقدم على الظن))
وكذا نقل الباجي في إحكام الفصول ص480 من أنواع الحجة في عمل أهل المدينة: (( نقل تركهم لأمور وأحكام لم يلزمهم إياها مع شهرتها لديهم وظهورها فيهم))
وكذا نقل ابن القيم في إعلام الموقعين مثل هذا فقال: ((فصل: نقل الترك: وأما نقلهم لتركه صلى الله عليه وسلم فهو نوعان، وكلاهما سنة؛ أحدهما: تصريحهم بأنه ترك كذا وكذا ولم يفعله، كقوله في شهداء أحد: "ولم يغسلهم ولم يصل عليهم" وقوله في صلاة العيد "لم يكن أذان ولا إقامة ولا نداء" وقوله في جمعه بين الصلاتين "ولم يسبح بينهما ولا على أثر واحدة منهما" ونظائره.
والثاني: عدم نقلهم لما لو فعله لتوفرت هممهم ودواعيهم أو أكثرهم أو واحد منهم على نقله؛ فحيث لم ينقله واحد منهم ألبتة ولا حدث به في مجمع أبدا علم أنه لم يكن، وهذا كتركه التلفظ بالنية عند دخوله في الصلاة، وتركه الدعاء بعد الصلاة مستقبل المأمومين وهم يؤمنون على دعائه دائما بعد الصبح والعصر أو في جميع الصلوات، وتركه رفع يديه كل يوم في صلاة الصبح بعد رفع رأسه من ركوع الثانية، وقوله: "اللهم اهدنا فيمن هديت" يجهر بها ويقول المأمومون كلهم " آمين ".
ومن الممتنع أن يفعل ذلك ولا ينقله عنه صغير ولا كبير ولا رجل ولا امرأة ألبتة وهو مواظب عليه هذه المواظبة لا يخل به يوما واحدا، وتركه الاغتسال للمبيت بمزدلفة ولرمي الجمار ولطواف الزيارة ولصلاة الاستسقاء والكسوف، ومن ها هنا يعلم أن القول باستحباب ذلك خلاف السنة؛ فإن تركه صلى الله عليه وسلم سنة كما أن فعله سنة، فإذا استحببنا فعل ما تركه كان نظير استحبابنا ترك ما فعله، ولا فرق)) وهو كلام نفيس فتأمله ومليء بالأمثلة.
ولا تحتمل المشاركة في المنتديات الإطالة أكثر من هذا...
المسلك الثاني في أمثلة مما احتاج به المالكية من عمل أهل المدينة مما قد تركوه ونفوا العلم به أو علموه ونفوا الاحتجاج بغيره:
1- إباحة وطء المستحاضة
2- إباحة التطوع وقت انتصاف النهار
3- ترك البسملة في الفاتحة في الصلاة
4- ترك التسليمة الثانية في الصلاة
5- ترك القراءة فيما جهر به الإمام (كما سبق)
6-ترك الأذان والإقامة للعيدين
7- ترك الزكاة في الخضر والفاكهة
8- ترك حلق الحاج رأسه حتى ينحر هديه.
9- ترك العمل بخيار المجلس
10- ترك العمل بالشفعة مطلقا إلا للشريك
11- ترك القود بين الصبيان
12- وتركه في المأمومة والجائفة
13- ترك العقل المسمى فيما دون الموضحة
14- ترك القطع على السارق إذا لم يخرج المسروق من البيت
15- ترك القطع في الاختلاس
فهذه خمس عشرة مسألة مما يحتج به على الأزهري وهي مقتبسة من رسالة محمد بوساق التي جمع فيها مسائل عمل أهل المدينة
وبهذا يتبين أن التوجيه والتنبيه الذي كتبه الأزهري في مشاركته السابقة غير صحيح، والله الموفق.

الطاهر عمر الطاهر
04-08-2008, 04:55 PM
بقيت بعض النقاط الأخرى سأكمل التعقيب عليها بعد إن شاء الله، وأذكر الأخ الأزهري بالتعليق على ما نقلته في المشاركة رقم: 71

الزيتوني
04-08-2008, 07:51 PM
فتح الله عليكم يا شيخ الطاهر، ووالله إن فيكم الكفاية..
لكن حبذا يا شيخ لو تكبرون الخط وتغيرون اللون حتى ترتاح العيون وهي تقرأ..

الطاهر عمر الطاهر
05-08-2008, 01:52 PM
النقطة الثالثة في إثبات بعض القضايا محل الاستدلال:
قد طالب الأخ الأزهري بإثبات أخبار وحجج تم الاستدلال بها أثناء النقاش، وهي:
1- قصة تأليف الموطأ:
قد استدللت بقصة تأليف الموطأ وامتناع مالك رحمه الله حمل الناس عليه على قضيتين إحداهما ترجع إلى مفهومه لعمل أهل المدينة، وأنا أرجح أنه يشمل فيما يشمل "عرفا محليا خاصا" وسيأتي الكلام بإذن الله على "اصطلاح العمل عند مالك ومفهومه عنده"، والثانية: إقراره باختلاف الصحابة و"خروجهم" وأن أتباع مذاهبهم لا يرجعون إلى قول المدينة [يعني العراقيين].
لكن الأخ الأزهري شكك في هذه القضية من حيث ثبوت القصة أصلا، وطالب بإثباتها، فأقول: أنه يعلم أن أمثال هذه الروايات يتساهل فيها عند أهل النقل والإسناد، فلا يطلب فيها درجة الموثوقية المطلوبة في الأخبار، لأنها لا تفيد حكما من أحكام الشريعة ولا يتعلق به في فهمه ولا في تطبيقه شيء من ذلك، وكانوا يكتفون من ذلك بكون القصة مما لا تتعارض مع طبيعة تلك الشخصية وقيمتها ومستواها ولأجل ذلك كثر اختلافهم في ألفاظها وصيغها، فإن نقلها تلاميذه وأتباعه من غير نكير كانت كالثابتة بالنسبة له، وإلا فمنكرها هو المطالب بالإثبات.
وهذه القصة ما كتب في سيرة مالك كتاب ولا ألف فيه تأليف إلا وسردها ولم يطعن فيها أحد منهم، وهذا دليل كاف وحده لمن تأمله فالقصة مذكورة في ترتيب المدارك ومناقب مالك وغيرهما فلا أعلم لها منكرا؛ والمعاصرون أيضا ممن كتب في سيرته وفقهه وأصوله لا ينكرونها، فالحجة متجهة على النافي الآن.
والقصة رواها أبو نعيم في الحلية مسندة: حدثنا أحمد بن عبيد الله ابن محمود، قال: سمعت أبا أحمد عبيد الله ابن محمد الفقير، يقول: سمعت عبد الله ابن محمد بن علي القاضي - بالدينور - يقول: سممت أبا زرعة الدمشقي، يقول: سمعت أبا مسهر، يقول: سأل المأمون مالك بن أنس هل لك دار؟ فقال: لا، فأعطاه ثلاثة آلاف دينار وقال: اشتر لك بها داراً، قال: ثم أراد المأمون الشخوص وقال لمالك: تعال معنا فإني عزمت أن أحمل الناس على الموطأ كما حمل عثمان الناس على القرآن، فقال له: مالك إلى ذلك سبيل، وذلك أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم افترقوا بعده في الأمصار فحدثوا، فعند كل أهل مصر علم، ولا سبيل إلى الخروج معك فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون " . وقال: " المدينة تنفي خبثها كما ينفى الكير خبث الحديد " ، وهذه دنانيركم فإن شئتم فخذوه، وإن شئتم فدعوه.
والقصة رواها ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل مختصرة: حدثنا عبد الرحمن نا يونس بن عبد الاعلى نا خالد بن نزار قال بعث أبو جعفر إلى مالك حين قدم فقال له: ان الناس قد اختلفوا بالعراق فضع للناس كتابا تجمعهم عليه، فوضع الموطأ.
وهذا إسناد موثوق والحمد لله فيونس تلميذ الشافعي، وخالد تلميذ مالك روى له بعض أصحاب السنن ووثقه ابن حبان والذهبي وغيرهما.
2- تراجع ابن عباس عن الفتوى بإباحة المتعة
قد قوى ابن حجر في فتح الباري أحاديث التراجع لاعتضادها؛ على أنه حتى لو سلم عدم صحة التراجع ما كان دالا على مرادك، لأن قد قلت لك في مشاركة سابقة:
على أني لا أقول بأن الاجماعات التي خالف فيها المبتدعة ليست بشيء، بل أقول أنه لا ينعقد الإجماع بدونهم [إذا لم تكن بدعتهم مكفرة طبعا]، ولا يضر مخالفتهم إذا انعقد، وشتان بين الأمرين
وهذه لا تخص المبتدعة وحدهم فقط، بل كل من خالف قبل وقوع الإجماع ممن يتأهل للاجتهاد فحكمه هذا، فإذا انعقد الإجماع فلا مخالفة، وسقط بذلك مرادك فيما سبق من التعقيب عليَّ، ولأجل هذه العلة لم يرتب الشافعية حدا على المتمتع لشبهة الخلاف الأصولي لا لشبهة الخلاف الفقهي كما تراه جليا واضحا في مجموع النووي، وهذا من نفائس ما كتب رضي الله عنه الدال على تمنه في مقام "مشيخة الإسلام".
3-سب علي في المنبر بالمدن:
وأما هذه المسألة فإن شئت أن نتكلم فيها إثباتا ونفيا فليكن، لأنها مسألة طويلة الذيل وتتشعب بنا لأمور وأمور، ويكفيك لإثباتها ما روى مسلم عن سهل بن سعد قال : "استعمل على المدينة رجل من آل مروان ، قال فدعا سهل بن سعد فأمره أن يشتم عليا ، قال : فأبى سهل ، فقال له : أمّا إذ أبيت فقل : لعن الله أبا تراب"، والدلالة في هذا كافية، والله الموفق.

الطاهر عمر الطاهر
05-08-2008, 02:01 PM
فتح الله عليكم يا شيخ الطاهر، ووالله إن فيكم الكفاية..

آمين، يا رب العالمين؛ وبارك الله فيكم على حسن ظنكم بالفقير، فما أنا إلا طالب علم لست شيخا ولا غير ذلك.


لكن حبذا يا شيخ لو تكبرون الخط وتغيرون اللون حتى ترتاح العيون وهي تقرأ..
هل ما كتبت به المشاركة السابقة مناسب أم لا؛ إن لم يكن فدلني على المناسب

الزيتوني
06-08-2008, 12:21 PM
جميل جدا..
لكن هذا لم نفهمه منكم، فحبذا إيضاحه بالتفصيل..
ويكفيك لإثباتها ما روى مسلم عن سهل بن سعد قال : "استعمل على المدينة رجل من آل مروان ، قال فدعا سهل بن سعد فأمره أن يشتم عليا ، قال : فأبى سهل ، فقال له : أمّا إذ أبيت فقل : لعن الله أبا تراب"، والدلالة في هذا كافية، والله الموفق.

الطاهر عمر الطاهر
06-08-2008, 03:09 PM
جميل جدا..
لكن هذا لم نفهمه منكم، فحبذا إيضاحه بالتفصيل..

سيدي الكريم
إيراد الحديث من صحيح مسلم قصده إثبات ما طلبه الأخ الأزهري أن سب علي بن أبي طالب رضي الله عنه قد كان في المدينة من طرف ولاة بني أمية.
ولم أشأ التطويل بالتمثيل لخروجه أولا عن موضع النقاش، ولكونه -من جهة ثانية- قد يساء فهمه من طرف "بعضهم"، وأنا في غنى عن المشاكل الآن على الأقل:)

الزيتوني
06-08-2008, 08:04 PM
نعم، لكن ليس في الحديث دلالة أن الصحابي سهل بن سعد قبل السب..
على كل -كما قلتم من قبل- حبذا عدم فتح الموضوع هذا إذ فيه شوشرة على الموضوع الأصل، وفيه كما قلتم..
قد يساء فهمه من طرف "بعضهم"، وأنا في غنى عن المشاكل الآن على الأقل

الطاهر عمر الطاهر
07-08-2008, 12:02 PM
سيدي الكريم الزيتوني
راوي الحديث يصرح بإباء سهل السب: ((فأبى سهل))، والمقصود من الاحتجاج ليس إثبات أن الصحابة سبوا عليا أم لا؛ بل إثبات أن سب علي عليه السلام بدعة دخلت المدينة من حكام وولاة الأمويين، وفي كتب الأخبار والتواريخ أنها لم تنقطع إلا في خلافة عمر بن عبدالعزيز.
ولا نريد أن نفتح هذا الموضوع إلا بإذن من إدارة المنتدى، لأني أعلم أنه قد يسيء إلى كثيرين وقد يضطر آخرين لتغيير مفاهيم وقناعات سابقة لديهم.

الطاهر عمر الطاهر
07-08-2008, 12:55 PM
بما أن الأزهري لم يدخل المنتدى منذ يومين وقد كان معتادا على الدخول يوميا، فأنا أفترض شغلا طارئا وقع أو عارضا مستجدا منع؛ فالله يجعله خيرا له إن كان.
ولكن لا نحب ان نخلي المتتبعين للموضوع من بعض الفوائد المتعلقة بالموضوع، وأحببت أن يكون ذلك في بيان أن المالكية لم يصنفوا عمل أهل المدينة كـ"نوع" من أنواع الإجماع؛ بل كـ"قسيم" للإجماع من حيث الاحتجاج، فمصادر التشريع عندهم الكتاب والسنة والإجماع والقياس وعمل أهل المدينة...الخ.
وهذه النقطة لم يفهمها المخالفون للمذهب من الشافعية والظاهرية خصوصا[ومشى عليه الأزهري في هذا الحوار]، فكثر تشنيعهم عليها حتى وصل الأمر كما قال القاضي عياض إلى الثلب في المدينة والطعن فيها، وكل هذا من عدم تحرير مفاهيم العمل عند المالكية أنفسهم.

قال القاضي عياض ترتيب المدارك1/67-68:
اعلموا أكرمكم الله أن جميع أرباب المذاهب من الفقهاء والمتكلمين وأصحاب الأثر والنظر إلبٌ واحد على أصحابنا على هذه المسألة؛ مُخطِّؤون لنا فيها بزعمهم، محتجون علينا بما سنح لهم، حتى تجاوز بعضهم حد التعصب والتشنيع إلى الطعن في المدينة وعد مثالبها، وهم يتكلمون في غير موضع خلاف؛ فمنهم من لم يتصور المسألة ولا تحقق مذهبنا، فتكلموا فيها على تخمين وحدس، ومنهم من أخذ الكلام فيها ممن لم يحققه عنا، ومنهم من أطالها وأضاف إلينا ما لا نقوله فيها، فأوردوا عنا في المسألة ما لا نقوله، واحتجوا علينا بما يحتج به على الطاعنين في الإجماع
فانتبه رحمك الله إلى أن إلحاق عمل أهل المدينة بالإجماع ليس مذهب المالكية، وأن رد المخالفين ومناقشاتهم للموضوع خارج عن موضع الخلاف، وهذا كثير جدا بين أصحاب المذاهب كما حدث مع الاستحسان بين الحنفية المثبتين له، والشافعية النافين له بناء على تغاير مفهوم الاستحسان لدى الفريقين...والأمثلة كثيرة
وقال الباجي في إحكام الفصول ص480:

حمل بعض المالكية عمل أهل المدينة على غير وجهه فشنع به المخالف على مالك، وعدل عما قرره المحققون من أصحابه

وهذا النص تراه يفيد بأن بعض المالكية لم يفهموا العمل على حقيقته فانعكس ذلك على غيرهم من أصحاب المذاهب الأخرى فانكب نقاشهم على الفهم غير المحرر للموضوع.
ومسألة عدم فهم العمل صرح بها الشافعي وهو تلميذ مالك في موضعين من كتاب الاختلاف كما سبق نقله أعلاه، وصرح بها أيضا محمد بن الحسن في كتاب "الحجة على أهل المدينة" الذي ألفه مناقشا لهذا الأصل بالذات كما تراه واضحا جليا في الكتاب. كقوله: "يتركون ما عليه أوائلهم" التي تكررت في الكتاب في أكثر من موضع.
ومنهجه فيه أن يذكر المسألة ثم يتبعها بقول أبي حنيفة ثم بقول أهل المدينة -وكثيرا ما يخص مالكا بالذكر- ثم يأتي بحجج الطرفين على سبيل الاختصار ثم يناقش المدنيين في حجتهم ويثبت خلاف ما خالف من أهل المدينة لما عليه غالبهم.
وللفائدة هذا رابط الكتاب وأوصي بشدة بقراءته قراءة متعمقة

(http://ahlalhdeeth.net/omar/Hodjh_Madenh/Hodjh_Madenh_0P.pdf)الواجهة (http://ahlalhdeeth.net/omar/Hodjh_Madenh/Hodjh_Madenh_0P.pdf) (http://ahlalhdeeth.net/omar/Hodjh_Madenh/Hodjh_Madenh_0P.pdf)المقدمة (http://ahlalhdeeth.net/omar/Hodjh_Madenh/Hodjh_Madenh_00.pdf) (http://ahlalhdeeth.net/omar/Hodjh_Madenh/Hodjh_Madenh_0P.pdf)الجزء الأول (http://ahlalhdeeth.net/omar/Hodjh_Madenh/Hodjh_Madenh_01.pdf) (http://ahlalhdeeth.net/omar/Hodjh_Madenh/Hodjh_Madenh_0P.pdf)الجزء الثاني (http://ahlalhdeeth.net/omar/Hodjh_Madenh/Hodjh_Madenh_02.pdf) (http://ahlalhdeeth.net/omar/Hodjh_Madenh/Hodjh_Madenh_0P.pdf)الجزء الثالث (http://ahlalhdeeth.net/omar/Hodjh_Madenh/Hodjh_Madenh_03.pdf) (http://ahlalhdeeth.net/omar/Hodjh_Madenh/Hodjh_Madenh_0P.pdf)الجزء الرابع (http://ahlalhdeeth.net/omar/Hodjh_Madenh/Hodjh_Madenh_04.pdf) (http://ahlalhdeeth.net/omar/Hodjh_Madenh/Hodjh_Madenh_0P.pdf)
(http://ahlalhdeeth.net/omar/Hodjh_Madenh/Hodjh_Madenh_0P.pdf)
وأوضح من النصوص السابقة هذا النص الذي يقول فيه أبو العباس القرطبي كما في التقرير والتحبير 3/100:

إجماع أهل المدينة ليس بحجة من حيث إجماعهم، وإنما حجيته من جهة نقلهم المتواتر، أو جهة مشاهدتهم الأحوال الدالة على مقاصد الشرع

وهو كاف في الدلالة على مرادنا وإثبات خطأ الأزهري.

الطاهر عمر الطاهر
07-08-2008, 01:19 PM
وهذه قصة وقعت في مجلس عمر بن الخطاب رضي الله عنه :

عن عبيد بن رفاعة بن رافع، عن أبيه رفاعة، قال: كنتُ عند عُمَر، فقيل له: إنّ زيدَ بن ثابت يُفتي برأيه في الذي يُجامعُ ولا يُنْزِلُ، فدعاه، فقال: أَيْ عدوَّ نفسِه! قد بَلَغْتَ أنْ تُفتيَ النّاسَ في مسجدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيك؟!
قال: ما فعلتُ، ولكنْ حدّثني عُمُومتي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: أيُّ عمُومتكَ؟
قال: أُبَيُّ بن كعب، وأبو أيّوب، ورفاعة بن رافع.
قالَ : فالتفت عمر إلي ، فقلت : كنا نفعله على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: فسألتم عَنهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قال: كنّا نفعلُه على عهدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: فجمع النّاسَ، وأصفقَ النّاسُ على أنّ الماء لا يكونُ إلا من الماء، إلا رجلين: عليّ بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، قالا: إذا جاوزَ الختانُ الختانَ وجبَ الغسلُ.
فقال عليٌّ: يا أميرَ المؤمنين! إنّ أعلمَ النّاسِ بهذا أزواجُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فأرسلَ إلى حفصةَ،
فقالت: لا عِلمَ لي، فأرسل إلى عائشةَ،
فقالت: إذا جاوزَ الختانُ الختانَ وجبَ الغسلُ.
قال: فتَحطّم عُمَرُ. - يعني: تغيّظ -،
ثُمَّ قال: لا يبلغُني أنّ أحدًا فعلَه ولم يغتسل إلّا أنهكتُه عقوبةً.

مصدر القصة:

قال في مجمع الزوائد:
رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجال أحمد ثقات إلا أن ابن إسحاق مدلس وهو ثقة وفي الصحيح طرف منه
وقال ابن رجب في فتح الباري بعد إيراد القصة:
خرجه الإمام أحمد وبقي بن مخلد في (( مسنديهما )) ، ومسلم في (( كِتابِ التفصيل )) وَهوَ (( كِتابِ الناسخ والمنسوخ )) لَهُ.
ثُمَّ خرجه مِن طريق عبد الله بنِ صالح، عَن الليث: حدثني يزيد بنِ أبي حبيب، عَن معمر بنِ أبي حيية، عَن عبيد بنِ رفاعة، أن زيد بنِ ثابت كانَ يقول -فذكره بنحوه، ولم يقل: ((عَن أبيه))، ومعمر بنِ أبي حيية -ويقال ابن أبي حبيبة- وثقه ابن معين وغيره؛ وعبيد بنِ رفاعة، ذكره ابن حبان في((ثقاته)) .

فانتبه أخي الكريم إلى أن عمر بن الخطاب جمع الناس فاتفقوا على رأي واحد ما عدا رجلين حتى إذ سألوا عائشة اتضح لعمر خطأ رأيه وخطأ رأي الناس المجتمعين عنده وهم أهل المدينة.
إذن: قد كان العلم بالسنة عند ثلاثة أناس وقد جهلها غالبيتهم، فكيف ندعي ما ندعيه في عمل أهل المدينة من الاحتجاج بـ"ظهور العمل"؟
سؤال موجه للإخوة المالكية

الطاهر عمر الطاهر
07-08-2008, 01:33 PM
ويتعلق بهذه القصة فائدة أحب نقلها هنا وهي تعليق للحافظ ابن رجب الحنبلي عليها في كتابه "فتح الباري" وأنقل هنا ما يتعلق بأصل المناقشة لا بأصل الموضوع الفقهي:
قال في كتابه بعد إيراد القصة: 1/379 وما بعدها:

وهذه الرواية يستفاد منها أمور:
منها: أن كثيراً مِن الأنصار كانَ يقلد بعضهم بعضاً في هَذهِ المسألة ، ولم يسمع ذَلِكَ مِن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا قليل مِنهُم .
ومنها: أنَّهُ لَم يظهر في ذَلِكَ المجلس شيء مِن روايات الأنصار الصريحة عَن النبي -صلى الله عليه وسلم -، وإنما ظهر التمسك بفعل كانوا يفعلونه على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فسأله عمر: هل علم بهِ النبي - صلى الله عليه وسلم- ؟ فلم يكن لَهُم جواب، وهذا مما يدل على أن تلك الروايات التصريحية حصل الوهم في نقلها مِن بعض الرواة .
ومنها : أن المهاجرين الذين روي أنهم كانوا يخالفون في ذَلِكَ ويروون عَن النبي -صلى الله عليه وسلم- خلافه كعثمان رجعوا عما سمعوه منهُ ، وكذلك الأنصار ...،
وقد ذكر الشَافِعي : أنَّهُ اتفق هوَ ومن ناظره في هَذهِ المسألة على أن هَذا أقوى مما يستدل بهِ عليها .....
وقال:

وقد قالَ عمر هَذا بمحضر مِن المهاجرين والأنصار، ولم يخالف فيهِ أحد، والظاهر : أن جميع مِن كانَ يخالف فيهِ مِن الأنصار رجع عَنهُ

وقال:

اعلم أن هَذا الضعف إنما هوَ في الطرق التي وصلت إلينا منها هَذهِ الأخبار، فأما المجمع الذِي جمع عمر فيهِ المهاجرين والأنصار، ورجع فيهِ أعيان مِن كانَ سمع مِن النَّبيّ -صلى الله عليه وسلم- الرخصة ، فأنهم لَم يرجعوا إلا لأمرٍ ظهر لَهُم في ذَلِكَ الجمع وبعده، وعلموه وتيقنوه، وإن كانت تفاصيله لَم تنقل إلينا، واستقر مِن حينئذ العمل على الغسل مِن التقاء الختانين، ولم يصح عَن أحد مِن الصحابة بعد ذَلِكَ إظهار الفتيا بخلافه، فوجب اتباع سبيل المؤمنين، والأخذ بما جمع عليهِ الأمة أمير المؤمنين، والرجوع إلى مِن رجعت إليه الصحابة في العلم بهذه المسألة، وهي أم المؤمنين.
والمخالف يشغب بذكر الأحاديث التي رجع عنها رواتها، ويقول: هي صحيحة الأسانيد، وربما يقول: هي أصح إسناداً مِن الأحاديث المخالفة لها.
ومن هنا كره طوائف مِن العلماء ذكر مثل هَذهِ الأحاديث والتحديث بها لأنها تورث الشبهة في نفوس كثير مِن الناس.

فتأمل هذا جيدا وقارنه بما سقناه أعلاه

الأزهري
07-08-2008, 02:35 PM
بما أن الأزهري لم يدخل المنتدى منذ يومين وقد كان معتادا على الدخول يوميا، فأنا أفترض شغلا طارئا وقع أو عارضا مستجدا منع؛ فالله يجعله خيرا له إن كان.

الأخ الطاهر إذا كان الحوار سيستمر هكذا حتى يصل إلى صفحات دون أن تنتظرني فما هو بحوار بل محاضرة، وأنا ملزم كما تعلم بالرد كل كل مسألة جذرية تأتي بها، فإما أن تختار الحوار فتنتظر حتى أفرغ، وإما أن تعلن التوقف عن الحوار وتستمر في الإفادة بما تحب إن أردت، وأنا أفضل غلق الموضوع مؤقتا حتى أتفرغ فقد جاءني شغل كثير قد يقطعني مدة.

الطاهر عمر الطاهر
07-08-2008, 02:57 PM
الأخ الطاهر إذا كان الحوار سيستمر هكذا حتى يصل إلى صفحات دون أن تنتظرني فما هو بحوار بل محاضرة، وأنا ملزم كما تعلم بالرد كل كل مسألة جذرية تأتي بها، فإما أن تختار الحوار فتنتظر حتى أفرغ، وإما أن تعلن التوقف عن الحوار وتستمر في الإفادة بما تحب إن أردت، وأنا أفضل غلق الموضوع مؤقتا حتى أتفرغ فقد جاءني شغل كثير قد يقطعني مدة.
سيدي الأزهري
لا عليك اغلق الموضوع مؤقتا وسأنقطع عن الكتابة عن عمل أهل المدينة حتى تعود وأتمنى أن تكون عودتك سريعة :)
وسأنقل تلك النصوص إلى مواضيع مستقلة حتى يناقشها الإخوة
أعانك الله على ما أنت فيه

الطاهر عمر الطاهر
18-08-2008, 02:59 PM
للتذكير فقط
حتى لا ينسى الموضوع

الأزهري
18-08-2008, 05:52 PM
حتى الآن لم أستقر فقد أسافر في أي وقت، وإذا بقيت عدت إن شاء الله.

جمال الصغير
21-09-2008, 12:38 AM
هل الطاهر عمر هنا شيعي ؟
أو هو نوع جديد من المالكية ؟

الواعي
05-10-2008, 01:01 PM
سؤال متعلق بالموضوع موجه إلى الطاهر،
هل مفهوم الأزهري يفيد في أن عمل المدينة يمكن أن يكون وسيلة لتضعيف الأحاديث المخالفة أو القول بنسخها؟

عن عبيد بن رفاعة بن رافع، عن أبيه رفاعة، قال: كنتُ عند عُمَر، فقيل له: إنّ زيدَ بن ثابت يُفتي برأيه في الذي يُجامعُ ولا يُنْزِلُ، فدعاه، فقال: أَيْ عدوَّ نفسِه! قد بَلَغْتَ أنْ تُفتيَ النّاسَ في مسجدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيك؟!
قال: ما فعلتُ، ولكنْ حدّثني عُمُومتي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: أيُّ عمُومتكَ؟
قال: أُبَيُّ بن كعب، وأبو أيّوب، ورفاعة بن رافع.
قالَ : فالتفت عمر إلي ، فقلت : كنا نفعله على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: فسألتم عَنهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قال: كنّا نفعلُه على عهدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: فجمع النّاسَ، وأصفقَ النّاسُ على أنّ الماء لا يكونُ إلا من الماء، إلا رجلين: عليّ بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، قالا: إذا جاوزَ الختانُ الختانَ وجبَ الغسلُ.
فقال عليٌّ: يا أميرَ المؤمنين! إنّ أعلمَ النّاسِ بهذا أزواجُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فأرسلَ إلى حفصةَ،
فقالت: لا عِلمَ لي، فأرسل إلى عائشةَ،
فقالت: إذا جاوزَ الختانُ الختانَ وجبَ الغسلُ.
قال: فتَحطّم عُمَرُ. - يعني: تغيّظ -،
ثُمَّ قال: لا يبلغُني أنّ أحدًا فعلَه ولم يغتسل إلّا أنهكتُه عقوبةً.

أخي الطاهر، وهل أمرهم عمر بإعادة صلاتهم؟؟ أو هل عليهم إعادة الصلوات؟؟

الأزهري
05-10-2008, 06:03 PM
قد غبت فترة عن هذا الموضوع وعدت لأجد الأخ الطاهر قد سبقني بمراحل وفاتني بعدة مشاركات، بحيث كثر علي الكلام بدءا من المشاركة 73 ونظرا لظروف غيابي فأنا معذور، وحيث أني عدت وانقضى رمضان والعيد وتفرغنا بحمد الله فأنا ملتزم بهذا الحوار ولي رغبة في نقض ما ذكره الأخ الطاهر نقضا مبرما ومناقشة ما فيه ولكن لي مطلبان لا يبخل بهما أهل الكرم:

الأول: أن يقوم الأخ الطاهر بتلخيص إشكالاته في كل مشاركاته ابتداء من المشاركة رقم 73 فما بعدها وجعلها في مشاركة واحدة بمقدرا صفحة ونصف على الأكثر لأتمكن من الرد دون تعب فإني عيني صارت تتعب كثيرا.

الثاني: بعد أن يقوم الأخ الطاهر بالتلخيص يتكرم المشرف بحذف المشاركات بدءا من رقم 73 إلى أن يبقى تلخيص الأخ الطاهر حتى يتسلسل الموضوع وتقل الصفحات ويتقارب الكلام ويتصل.

الطاهر عمر الطاهر
05-10-2008, 07:18 PM
سأفعل ذلك إن شاء الله فأمهلني بعض الوقت حتى أعيد قراءة كل ما كتبت وتتلخيص ما طلبت

بديع الزمان
09-10-2008, 06:51 PM
سلامة عينك اخى الازهرى وسلمك الله من كل سوء