أبو توفيق
22-07-2008, 09:02 AM
كوسوفو بين الماضي والحاضر
نشر: 19/7/2008 الساعة .GMT+3 ) 00:55 a.m )
د. يوسف ربابعة*
في كتابه الجديد الصادر عن الدار العربية للعلوم، يرى الدكتور محمد الأرناؤوط أنه من الصعوبة بمكان فهم الحاضر في كوسوفو بمعزل عن الماضي، لأن المشكلة تكمن في الخلاف والنزاع على التاريخ وليس على الأرض فقط، إذ إن لكل طرف "تاريخه" المختلف عن الآخر، ومن هنا جاء هذا الكتاب بحثا معمقاً في التاريخ قبل الحكم على الحاضر، ولأن المسلمين البلقان في كوسوفو يُتهمون بأنهم مهاجرون وطارئون، فقد قدّم الكتاب تاريخاً مفصلاً ومدعماً بالحقائق يثبت أن الألبان ينحدرون من السكان القدماء للبلقان وهم الأليريون، وتتبع الكتاب مسيرتهم وتشكل دولهم عبر الزمن ومراحل ضعفهم وقوتهم وحروبهم وانتصاراتهم وهزائمهم، ثم بيّن كتبهم وعلماءهم ومؤرخيهم.
كانت معركة العام 1389م مفصلا مهماً في تاريخ كوسوفو، ويرى الكاتب أن تفاصيل المعركة بقيت غامضة ومتضاربة بين العثمانيين والصربيين، ولكن من المؤكد أنها كانت عنيفة وانتهت بخسائر كبيرة من الطرفين، ولا تشير المصادر الواردة إلى تفاصيل واضحة وأكيدة، والأهم في هذه المعركة انقسام الصرب والألبان في تقييم نتائجها، فهي عند الألبان مقدسة ومطلب وجودي لنشر الدين الحنيف والعدل، أما الصرب فينظرون إليها على أنها الشر الذي جاء به الأتراك إلى بلادهم، وهكذا كانت معركة كوسوفو بداية الفتح الذي استمر حتى سقوط الدولة العثمانية.
ويعد اعتناق معظم الألبان للإسلام، من التطورات المهمة التي كان لها أثر كبير في تحديد العلاقة مع الشعوب المجاورة ومع الدولة العثمانية، وتشير المصادر إلى أن العثمانيين انتهجوا سياسة متسامحة مع شعوب تلك المنطقة ولم يمارسوا العنف لإرغامهم على الدخول في الإسلام، وذلك من أجل استمرار الموارد الآتية من دفع الجزية، ومع ذلك فقد دخلت شعوب البلقان بأغلبيتها في الإسلام، وربما يعود السبب إلى سعي هذه الشعوب للتساوي مع المسلمين والحصول على المكتسبات والوصول إلى مواقع عليا في الدولة.
ويتتبع الكتاب انبعاث الصرب من جديد، إذ لم يتعايشوا مع الدولة العثمانية، وبقي هاجسهم متجهاً نحو أوروبا بوصفها شريكهم في الديانة، بالإضافة إلى أنهم كانوا ينظرون إلى الدولة العثمانية على أنها طارئة ومحتلة، ويتطلعون إلى الخلاص منها، وهذا ما حدث بالفعل، فعندما ضعفت الدولة العثمانية وانهزمت في مواجهات كثيرة مع الدول الأوروبية، فضلاً عما كانت تعانيه من رفض داخلي لسلوك الولاة الذين كانوا يمارسون سياسات القمع والظلم والقهر، ضعف معها موقف المسلمين في تلك المناطق، ودليل ذلك أن جيوش البلقان التي كانت تنادي بالتحرر من الحكم العثماني، مارست الترويع ضد السكان المسلمين في تلك المناطق، فقتلت الرجال والنساء وأحرقت المحاصيل، ودمرت المنشآت الدينية لدفع السكان إلى الهجرة من بلادهم.
وبعد خروج العثمانيين من البلقان، دخلت كوسوفو مرحلة جديدة، إذ ضُمت إلى صربيا، وبدأ العمل على التخلص من الأغلبية غير المرغوب فيها، كي يظهر بالفعل الطابع الصربي التاريخي المقدّس، ومورست عمليات التنصير والتهجير وتوطين الصرب في كوسوفو بهدف تغيير الطبيعة الديموغرافية للمنطقة، وكان يمكن لهذه السياسة أن تنجح لولا الظروف المحلية والإقليمية والدولية غير المناسبة في ذلك الوقت، فقد كانت المقاومة الألبانية المسلحة (الكاتشاك) ظاهرة مميزة في العشرينيات، حيث جعلت منطقة كوسوفو تبدو غير مستقرة بالإضافة إلى المعارضة السياسية المسلحة واليسارية ضد القمع العنيف الذي كان يمارس ضد الألبان، كل ذلك أدى إلى تقوية موقف ألبان كوسوفو، إلا أن ذلك لم يدم طويلاً، فقد أدت المظاهرات الطلابية التي خرجت في العام 1981 تطالب بالحقوق السياسية للألبان، إلى التراجع عن دستور العام 1974 وإحكام القبضة الأمنية على الشعب، وقمع أية مظاهر للاحتجاج، وبقيت تلك السياسة قائمة بل وازدادت مع ظهور سلوبودان ميلوسيفتش، إلا أن مقاومة الألبان لم تنته ولم تخبُ وبدأت تأخذ طابعاً سياسياً مع بروز نجم إبراهيم راغوفا، الذي أدرك الوضع الحرج لمنطقة كوسوفو، ثم تحولت المقاومة السياسية إلى عمل عسكري على يد جيش تحرير كوسوفو، ونتيجة لتطور الأحداث والخشية على الأوضاع الهشة في الدول المجاورة، أخذ الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية يزيدان الضغط على الأطراف كافة للتوصل إلى حل يقبله الجميع، وكان ميلوسفيتش يرفض أي تدخل خارجي، ومع تصاعد الأحداث تحرك حلف الأطلسي في العام 1998 وفرض التفاوض على الطرفين.
يستعرض الكتاب بعد ذلك التطورات التي حدثت في الجانبين السياسي والعسكري لحلف الأطلسي، لفرض الحل على الأرض، حتى تم إعلان استقلال كوسوفو الذي عارضه الصرب معارضة شديدة متذرعين بمجموعة من الأخطار، أولها: خطر تحول كوسوفو إلى دولة إسلامية، وحاولوا اللعب على هذه الورقة حيث حذروا أوروبا من الخطر الإسلامي القادم، وثانيها التحذير من بروز "ألبانيا كبرى" تقلب الموازين في المنطقة، وثالثها التحذير من تأثير الاستقلال على الوضع الهش في البلقان، وتهديده بانهيار الحدود القائمة في المنطقة، وكل ذلك لم يحل دون إعلان البرلمان الكوسوفي الاستقلال عن صربيا بمباركة من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية، واعترفت به بعض الدول الإسلامية وما زالت دولة كوسوفو الحديثة تنتظر الاعتراف من بقية الدول العربية والإسلامية.
المهم في هذا الكتاب هو محاولة إبراز ملامح دولة كوسوفو الجديدة، فهي دولة ديمقراطية تعترف بالتعددية السياسية والحرية الدينية، وكذلك نص الدستور على أن اللغتين الألبانية والصربية لغتان رسميتان للجمهورية، كما أن هناك لغات رسمية لبعض المحافظات، والأهم من ذلك أن الدستور نص على أن: "جمهورية كوسوفو دولة علمانية ومحايدة تجاه شؤون العقائد الدينية"، ويبدو الدستور متسامحاً مع الطوائف والملل والأعراق، وهذه ميزة تناسب الواقع الذي تعيشه دولة كوسوفو.
أخيراً، يشير مؤلف الكتاب إلى العلاقات المميزة بين كوسوفو والدول الأخرى التي بعثت ممثليها إلى العاصمة، إلا أن الدول العربية تبدو غائبة عن المشهد، وهنا نلاحظ المسافة الجغرافية وغير الجغرافية التي تفصل المسلمين في كوسوفو عن إخوانهم في الدول العربية، ومع ذلك فقيادة كوسوفو واعية للتحديات التي تواجهها، وأنها ستكون بمثابة التجربة التي يحكم من خلالها على مدى الانسجام بين الإسلام وأوروبا، والإسلام والمواطنة والديمقراطية، فضلاً عن كونها صورة جديدة للتعايش بين الشرق والغرب، والتسامح بين الأديان.
* أكاديمي أردني
نشر: 19/7/2008 الساعة .GMT+3 ) 00:55 a.m )
د. يوسف ربابعة*
في كتابه الجديد الصادر عن الدار العربية للعلوم، يرى الدكتور محمد الأرناؤوط أنه من الصعوبة بمكان فهم الحاضر في كوسوفو بمعزل عن الماضي، لأن المشكلة تكمن في الخلاف والنزاع على التاريخ وليس على الأرض فقط، إذ إن لكل طرف "تاريخه" المختلف عن الآخر، ومن هنا جاء هذا الكتاب بحثا معمقاً في التاريخ قبل الحكم على الحاضر، ولأن المسلمين البلقان في كوسوفو يُتهمون بأنهم مهاجرون وطارئون، فقد قدّم الكتاب تاريخاً مفصلاً ومدعماً بالحقائق يثبت أن الألبان ينحدرون من السكان القدماء للبلقان وهم الأليريون، وتتبع الكتاب مسيرتهم وتشكل دولهم عبر الزمن ومراحل ضعفهم وقوتهم وحروبهم وانتصاراتهم وهزائمهم، ثم بيّن كتبهم وعلماءهم ومؤرخيهم.
كانت معركة العام 1389م مفصلا مهماً في تاريخ كوسوفو، ويرى الكاتب أن تفاصيل المعركة بقيت غامضة ومتضاربة بين العثمانيين والصربيين، ولكن من المؤكد أنها كانت عنيفة وانتهت بخسائر كبيرة من الطرفين، ولا تشير المصادر الواردة إلى تفاصيل واضحة وأكيدة، والأهم في هذه المعركة انقسام الصرب والألبان في تقييم نتائجها، فهي عند الألبان مقدسة ومطلب وجودي لنشر الدين الحنيف والعدل، أما الصرب فينظرون إليها على أنها الشر الذي جاء به الأتراك إلى بلادهم، وهكذا كانت معركة كوسوفو بداية الفتح الذي استمر حتى سقوط الدولة العثمانية.
ويعد اعتناق معظم الألبان للإسلام، من التطورات المهمة التي كان لها أثر كبير في تحديد العلاقة مع الشعوب المجاورة ومع الدولة العثمانية، وتشير المصادر إلى أن العثمانيين انتهجوا سياسة متسامحة مع شعوب تلك المنطقة ولم يمارسوا العنف لإرغامهم على الدخول في الإسلام، وذلك من أجل استمرار الموارد الآتية من دفع الجزية، ومع ذلك فقد دخلت شعوب البلقان بأغلبيتها في الإسلام، وربما يعود السبب إلى سعي هذه الشعوب للتساوي مع المسلمين والحصول على المكتسبات والوصول إلى مواقع عليا في الدولة.
ويتتبع الكتاب انبعاث الصرب من جديد، إذ لم يتعايشوا مع الدولة العثمانية، وبقي هاجسهم متجهاً نحو أوروبا بوصفها شريكهم في الديانة، بالإضافة إلى أنهم كانوا ينظرون إلى الدولة العثمانية على أنها طارئة ومحتلة، ويتطلعون إلى الخلاص منها، وهذا ما حدث بالفعل، فعندما ضعفت الدولة العثمانية وانهزمت في مواجهات كثيرة مع الدول الأوروبية، فضلاً عما كانت تعانيه من رفض داخلي لسلوك الولاة الذين كانوا يمارسون سياسات القمع والظلم والقهر، ضعف معها موقف المسلمين في تلك المناطق، ودليل ذلك أن جيوش البلقان التي كانت تنادي بالتحرر من الحكم العثماني، مارست الترويع ضد السكان المسلمين في تلك المناطق، فقتلت الرجال والنساء وأحرقت المحاصيل، ودمرت المنشآت الدينية لدفع السكان إلى الهجرة من بلادهم.
وبعد خروج العثمانيين من البلقان، دخلت كوسوفو مرحلة جديدة، إذ ضُمت إلى صربيا، وبدأ العمل على التخلص من الأغلبية غير المرغوب فيها، كي يظهر بالفعل الطابع الصربي التاريخي المقدّس، ومورست عمليات التنصير والتهجير وتوطين الصرب في كوسوفو بهدف تغيير الطبيعة الديموغرافية للمنطقة، وكان يمكن لهذه السياسة أن تنجح لولا الظروف المحلية والإقليمية والدولية غير المناسبة في ذلك الوقت، فقد كانت المقاومة الألبانية المسلحة (الكاتشاك) ظاهرة مميزة في العشرينيات، حيث جعلت منطقة كوسوفو تبدو غير مستقرة بالإضافة إلى المعارضة السياسية المسلحة واليسارية ضد القمع العنيف الذي كان يمارس ضد الألبان، كل ذلك أدى إلى تقوية موقف ألبان كوسوفو، إلا أن ذلك لم يدم طويلاً، فقد أدت المظاهرات الطلابية التي خرجت في العام 1981 تطالب بالحقوق السياسية للألبان، إلى التراجع عن دستور العام 1974 وإحكام القبضة الأمنية على الشعب، وقمع أية مظاهر للاحتجاج، وبقيت تلك السياسة قائمة بل وازدادت مع ظهور سلوبودان ميلوسيفتش، إلا أن مقاومة الألبان لم تنته ولم تخبُ وبدأت تأخذ طابعاً سياسياً مع بروز نجم إبراهيم راغوفا، الذي أدرك الوضع الحرج لمنطقة كوسوفو، ثم تحولت المقاومة السياسية إلى عمل عسكري على يد جيش تحرير كوسوفو، ونتيجة لتطور الأحداث والخشية على الأوضاع الهشة في الدول المجاورة، أخذ الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية يزيدان الضغط على الأطراف كافة للتوصل إلى حل يقبله الجميع، وكان ميلوسفيتش يرفض أي تدخل خارجي، ومع تصاعد الأحداث تحرك حلف الأطلسي في العام 1998 وفرض التفاوض على الطرفين.
يستعرض الكتاب بعد ذلك التطورات التي حدثت في الجانبين السياسي والعسكري لحلف الأطلسي، لفرض الحل على الأرض، حتى تم إعلان استقلال كوسوفو الذي عارضه الصرب معارضة شديدة متذرعين بمجموعة من الأخطار، أولها: خطر تحول كوسوفو إلى دولة إسلامية، وحاولوا اللعب على هذه الورقة حيث حذروا أوروبا من الخطر الإسلامي القادم، وثانيها التحذير من بروز "ألبانيا كبرى" تقلب الموازين في المنطقة، وثالثها التحذير من تأثير الاستقلال على الوضع الهش في البلقان، وتهديده بانهيار الحدود القائمة في المنطقة، وكل ذلك لم يحل دون إعلان البرلمان الكوسوفي الاستقلال عن صربيا بمباركة من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية، واعترفت به بعض الدول الإسلامية وما زالت دولة كوسوفو الحديثة تنتظر الاعتراف من بقية الدول العربية والإسلامية.
المهم في هذا الكتاب هو محاولة إبراز ملامح دولة كوسوفو الجديدة، فهي دولة ديمقراطية تعترف بالتعددية السياسية والحرية الدينية، وكذلك نص الدستور على أن اللغتين الألبانية والصربية لغتان رسميتان للجمهورية، كما أن هناك لغات رسمية لبعض المحافظات، والأهم من ذلك أن الدستور نص على أن: "جمهورية كوسوفو دولة علمانية ومحايدة تجاه شؤون العقائد الدينية"، ويبدو الدستور متسامحاً مع الطوائف والملل والأعراق، وهذه ميزة تناسب الواقع الذي تعيشه دولة كوسوفو.
أخيراً، يشير مؤلف الكتاب إلى العلاقات المميزة بين كوسوفو والدول الأخرى التي بعثت ممثليها إلى العاصمة، إلا أن الدول العربية تبدو غائبة عن المشهد، وهنا نلاحظ المسافة الجغرافية وغير الجغرافية التي تفصل المسلمين في كوسوفو عن إخوانهم في الدول العربية، ومع ذلك فقيادة كوسوفو واعية للتحديات التي تواجهها، وأنها ستكون بمثابة التجربة التي يحكم من خلالها على مدى الانسجام بين الإسلام وأوروبا، والإسلام والمواطنة والديمقراطية، فضلاً عن كونها صورة جديدة للتعايش بين الشرق والغرب، والتسامح بين الأديان.
* أكاديمي أردني