فاروق العطاف
30-03-2008, 04:06 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه لقد أعدت الموضوع مع تصرف يسير حيث أضفت إلى مقال الكاتب _ وفقنا الله وإياه _ ما يحتاج إضافته كأدب مع سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام ككلمة سيدنا قبل ذكر اسمه سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وأيضاً مع العلماء رحمهم الله تعالى ككلمة الحافظ أو الإمام أو نحو ذلك :
قال يونس بوعلام
حقوق _ سيدنا _ المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم علينا عظيمة، لا يضاهيه فيها أحد من الخلق، فبعد الإيمان به، وتصديق نبوته فرض الله تعالى علينا طاعتَه، و اتباعَ هديه، والتزامَ سنته، وأوجب علينا التأدب مع جنابه، وأمرنا بالصلاة عليه في محكم تنزيله فقال: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما).( الأحزاب 55)
وقد وردت في السنة أحاديث كثيرة في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، واستحبابها في مواطن كثيرة، ومن هذه المواطن: الصلاةُ عليه عند كتابة اسمه صلى الله عليه وسلم مع إثبات تلك الصلاة رسماً.وللعلماء في بيان فائدة الصلاة في هذا المقام وفضلها، والتنبيه على ما ينبغي اجتنابه عند الإتيان بها كلام مفيد:
فمن أقوالهم في استحبابها :
قال التجيبي في كتاب "أنوار الآثار في فضل الصلاة على النبي المختار" (وكما تصلي على نبيك صلى الله عليه وسلم بلسانك كذلك تَخُطُّ الصلاة عليه وسلم ببنانك مهما كَتبتَ اسمه الشريف في كتاب صلى الله عليه وسلم، فإن لك بذلك أعظم الثواب). (فتح المغيث _ للحافظ _ السخاوي 2/180).
وقال الخطيب البغدادي (ينبغي إذا كَتَبَ اسم النبي صلى الله عليه وسلم أن يَكْتُب معه الصلاة عليه). (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 1-419 )
وقال الإمام ابن الصلاح (ينبغي له أن يُحافظ على كِتْابة الصلاة والتسليم على رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عند ذكره، ولا يسأم من تكرير ذلك عند تَكَرره، فإن ذلك من أكبر الفوائد التي يتعجلها طلبة الحديث وكَتَبَتُه، ومَن أغفل ذلك حُرم حَظاًّ عظيماً، وقد رُوينا لأهل ذلك منامات صالحة).
إلى أن قال: (وهكذا الأمر في الثناء على الله سبحانه عند ذكر اسمه، نحو "عز وجل" و " تبارك وتعالى" وما ضاهى ذلك ...). (علوم الحديث ص188)
ومن أخبار السلف في حرصهم على هذا الأدب:
ما روي عن الإمام العنبري والإمام ابن المديني قالا (ما تركنا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في كل حديث سمعناه، وربما عَجلنا فَنُبَيِّض الكتاب في حديث حتى نرجع إليه).
يريدان أنهما لم يتركا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في كل حديث سمعاه، سواء وقعت الصلاة في الرواية أم لا، وإذا دعاهما الاستعجال إلى ترك كتابتها بَيضا لها في الكتاب ليتيسر لهما كتابتها فيما بعد. (علوم الحديث لابن الصلاح ص: 188)
وأنشد أبو بكر البرقاني المحدث لنفسه (تاريخ بغداد للخطيب 4-375 )
أُعلل نفسي بكَتب الحديث وأحمل فيه لها الموعــدا
وأشغل نفسي بتصنـيفه وتدبيجه دائمـاً سـرمــدا
فَطَوْراً أصنفه في الشـيو خ وطَوْراً أصنفه مُسنـــدا
إلى أن قال:
وأرجو الثواب بكَتب الصـلا ة على السيد المصطفى أحمـدا
وأسأل ربـي إلـه الـعـبـا د جريا على مـا بـه عــودا
وقد أورد ابن القيم في كتابه النفيس "جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام" طائفة من الأخبار و المنامات الصالحة رُئيت لبعضهم- على ضعف في بعض طرقها
- ومن ذلك ما رواه الخطيب البغدادي عن أبي إسحاق إبراهيم بن دارم الدارمي المعروف بنهشل قال (كنت أكتب في تخريجي للحديث (قال النبي صلى الله عليه وسلم تسليماً)، قال: فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام كأنه قد أخذ شيئاً مما أكتبه فنظر فيه، قال: فقال: هذا جيد".(جلاء الأفهام ص223 )
وما روي عن سفيان بن عيينة قال:" كان لي أخ مُؤاخ في الحديث فمات فرأيته في النوم فقلت: ما فعل الله بك؟قال:غفر لي، قلت: بماذا؟ قال:كنت أكتب الحديث فإذا جاء ذكر النبي صلى الله عليه وسلم كَتبتُ (صلى الله عليه )أبتغي بذلك الثواب فغفر الله لي بذلك). (الجامع1-421)
و ما روي عن أحد المحدثين قال(كان لي صديق يطلب الحديث فتوفي، فرأيته في منامي عليه ثياب خضر يرفل فيها، فقلت له: أليس كُنتَ يا فلان صديقا لي وطلبت معي الحديث؟ قال: بلى، قلت: فبِم نِلت هذا؟ قال: لم يكن يمر حديث فيه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم إلا كتبت فيه (صلى الله عليه وسلم) فكافأني بهذا). (جلاء الأفهام ص223 )
وفي بيان صفتها:
قال _ الإمام _ السيوطي: [/color](ينبغي أن يجمع ذكره صلى الله عليه وسلم بين الصلاة عليه بلسانه وبَنانه..، ولا يتقيد فيه -أي ما ذكر من كتابة الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم- بما في الأصل إن كان ناقصا، بل يكتبه ويتلفظ به عند القراءة مطلقاً، وكذا الثناء على الله سبحانه وتعالى كعز وجل وشبهه، وكذا الترضي والترحم على الصحابة والعلماء وسائر الأخيار ...). (تدريب الراوي 2/74-76)
وقال الحسين بن منصور اليمني (وكلما كتب اسم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كتب بعده الصلاة والسلام عليه وعلى آله، ويصلي هو عليه وعليهم بلسانه أيضاً. وجرت عادة السلف والخلف بكتابة صلى الله عليه وعلى آله وسلم لموافقة الأمر في قوله تعالى: (صلوا عليه وسلموا تسليما)).
وفي بيان ما يكره في إثباتها :
قال الحافظ ابن الصلاح: (ثم ليتجنب في إثباتها نقصين:أحدهما: أن يكتبها منقوصة صورة، يرمز إليها بحرفين، أو نحو ذلك.
والثاني: أن يكتبها منقوصة معنى، بأن لا يكتب "وسلم"، وإن وُجِد ذلك في خط بعض المتقدمين.
ورُوي عن حمزة الكناني قال (كنت أكتب الحديث، وكنت أكتب عند ذكر النبي (صلى الله عليه)، ولا أكتب (وسلم)، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: مالَك لا تتم الصلاة علي؟ قال: فما كتبت بعد ذلك (صلى الله عليه) إلا كتبت (وسلم)). (علوم الحديث لابن الصلاح ص189)
وقال الإمام السيوطي: (ويُكره الرمز إليهما -أي الصلاة والتسليم - في الكتابة بحرف أو حرفين، كمن يكتب (صلعم)، بل يكتبهما بكمالهما، ويقال إن أول من رمزهما ب(صلعم) قطعت يده). (تدريب الراوي 2/77)
وزاد (ولا يستعمل عز وجل ونحوه في النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان عزيزا جليلا، ولا الصلاة والسلام في الصحابة استقلالا ويجوز تبعا). (تدريب الراوي2-76 )
وقال _ الإمام _ السخاوي (واجتنب أيها الكاتب الرمز لها -أي للصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم- في خَطِّكَ بأن تقتصر منها على حرفين ونحو ذلك فتكون منقوصة صورة كما يفعله الكسائي -يقصد النحوي المشهور-، والجهلة من أبناء العجم غالبا وعوام الطلبة، فيكتبون بدلا عن (صلى الله عليه وسلم)، (ص) أو (صم)، أو (صلم)، أو(صلعم) فذلك لما فيه من نقص الأجر لنقص الكتابة خلافُ الأولى). (فتح المغيث2-182).
وروى النميري عن أبيه قال (كتب رجل من العلماء نسخة من "الموطأ" وتأنق فيها، لكنه حذف منها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم حيث ما وقع له فيه ذكر، وعوض عنها (ص) وقصد بها بعض الرؤساء ممن يرغب في شراء الدفاتر، وقد أمل أن يرغب له في ثمنه ودفع الكتاب إليه، فحسن موقعه، وأعجب به، وعزم على إجزال صلته، ثم إنه تنبه لفعله ذلك فيه، فصرفه وحرمه وأقصاه، ولم يزل ذلك الرجل مُقترا عليه). (فتح المغيث2-183)
وقال الحسين بن منصور اليمني (ولا يختصر الصلاة في الكتابة، ولو وقعت في السطر مراراً كما يفعل البعض، فيكتب (صلع)، أو(صلم)، أو(صلعم)، وكل ذلك غير لائق بحقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم).
و قال الخطيب البغدادي(ومما أكرهه أيضا أن يكتب (قال رسول) في آخر السطر، ويكتب في أول السطر الذي يليه (الله صلى الله عليه وسلم)، فينبغي التحفظ من ذلك). (الجامع 1/415)
أما ما نقل عن الإمام أحمد – و أيده في ذلك _ الإمام _ابن دقيق العيد-، من أنه كان كثيرا ما يكتب اسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يكتب الصلاة عليه خلافا لغيره من الأئمة المتقدمين، فقد حمله بعضهم على الاستعجال، قال في "توجيه النظر في أصول الأثر": (ويحتمل أن يكون إغفال أحمد ابن حنبل له للاستعجال، إما لكونه في حال الرحلة أو لنحو ذلك). (2-776)
و هو مع هذا كان يصلي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم نُطقًا، قال الخطيب: (وبلغني أنه كان يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم نُطقًا لا خَطًّا...). (الجامع 1-422)
وحَمَلهُ آخرون على أنه كان يرى التقيد بما في الرواية من باب الأمانة في النقل، ووجوب مطابقة الإخبار للواقع، ويؤيد ذلك ما ذكره ابن الصلاح في مبحث صفة الرواية حيث قال: (ثبت عن عبد الله بن أحمد بن حنبل أنه رأى أباه إذا كان في الكتاب (عن النبي)، فقال المحدث (عن رسول الله) ضَرَب وكَتَب: (عن رسول الله)). (علوم الحديث ص233)
واعترض الخطيب البغدادي فقال(هذا غيرُ لازِم، وإنما استحب أحمد اتباع المحدث في لفظه، وإلا فمذهبه الترخيص في ذلك)، ثم ذكر بإسناده عن صالح بن أحمد بن حنبل قال: (قلت لأبي: يكون في الحديث (قال رسول الله)، فيجعله الإنسان (قال النبي)؟ فقال: أرجو أن لا يكون به بأس). (الكفاية ص:244)
وروي من طريق جعفر الزعفراني قال: سمعت خالي الحسن بن محمد يقول: (رأيتُ أحمد بن حنبل في النوم فقال لي: (يا أبا علي لو رأيت صلاتنا على النبي صلى الله عليه وسلم في الكتب، كيف تُزهر بين أيدينا). (جلاء الأفهام ص 222 -فتح المغيث 2-182 )
والخلاصة أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم كِتابةً هي كما قال _ الحافظ _ ابن الصلاح: (دعاء يُثبِته، لاكلام يرويه). ( علوم الحديث ص188 )
وتركُها خطاًّ -حتى مع الإتيان بها نطقا-، إخلال بأدب جليل، وإهدار لثواب جزيل، -لا محالة- و هو ما ظهر جليا من خلال النصوص المتقدمة.
فلا يسع المرء إلا التزام هذا الأدب قولا ورسمًا في عموم ما يَخُطه من رسائل و مُكاتبات، وفي جميع ما يباشر طبعه وإخراجه، إعزازاً لشخصه صلى الله عليه وسلم وإظهاراً لمحبته، سيما ونحن في زمن اشتدت فيه الهجمة على الإسلام ورموزه، ونشطت الحملات لطمس معالمه ورسومه.
.انتهى نقلته للفائدة نسأل الله من فضله
وصلى الله وسلم على سيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه لقد أعدت الموضوع مع تصرف يسير حيث أضفت إلى مقال الكاتب _ وفقنا الله وإياه _ ما يحتاج إضافته كأدب مع سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام ككلمة سيدنا قبل ذكر اسمه سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وأيضاً مع العلماء رحمهم الله تعالى ككلمة الحافظ أو الإمام أو نحو ذلك :
قال يونس بوعلام
حقوق _ سيدنا _ المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم علينا عظيمة، لا يضاهيه فيها أحد من الخلق، فبعد الإيمان به، وتصديق نبوته فرض الله تعالى علينا طاعتَه، و اتباعَ هديه، والتزامَ سنته، وأوجب علينا التأدب مع جنابه، وأمرنا بالصلاة عليه في محكم تنزيله فقال: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما).( الأحزاب 55)
وقد وردت في السنة أحاديث كثيرة في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، واستحبابها في مواطن كثيرة، ومن هذه المواطن: الصلاةُ عليه عند كتابة اسمه صلى الله عليه وسلم مع إثبات تلك الصلاة رسماً.وللعلماء في بيان فائدة الصلاة في هذا المقام وفضلها، والتنبيه على ما ينبغي اجتنابه عند الإتيان بها كلام مفيد:
فمن أقوالهم في استحبابها :
قال التجيبي في كتاب "أنوار الآثار في فضل الصلاة على النبي المختار" (وكما تصلي على نبيك صلى الله عليه وسلم بلسانك كذلك تَخُطُّ الصلاة عليه وسلم ببنانك مهما كَتبتَ اسمه الشريف في كتاب صلى الله عليه وسلم، فإن لك بذلك أعظم الثواب). (فتح المغيث _ للحافظ _ السخاوي 2/180).
وقال الخطيب البغدادي (ينبغي إذا كَتَبَ اسم النبي صلى الله عليه وسلم أن يَكْتُب معه الصلاة عليه). (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 1-419 )
وقال الإمام ابن الصلاح (ينبغي له أن يُحافظ على كِتْابة الصلاة والتسليم على رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عند ذكره، ولا يسأم من تكرير ذلك عند تَكَرره، فإن ذلك من أكبر الفوائد التي يتعجلها طلبة الحديث وكَتَبَتُه، ومَن أغفل ذلك حُرم حَظاًّ عظيماً، وقد رُوينا لأهل ذلك منامات صالحة).
إلى أن قال: (وهكذا الأمر في الثناء على الله سبحانه عند ذكر اسمه، نحو "عز وجل" و " تبارك وتعالى" وما ضاهى ذلك ...). (علوم الحديث ص188)
ومن أخبار السلف في حرصهم على هذا الأدب:
ما روي عن الإمام العنبري والإمام ابن المديني قالا (ما تركنا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في كل حديث سمعناه، وربما عَجلنا فَنُبَيِّض الكتاب في حديث حتى نرجع إليه).
يريدان أنهما لم يتركا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في كل حديث سمعاه، سواء وقعت الصلاة في الرواية أم لا، وإذا دعاهما الاستعجال إلى ترك كتابتها بَيضا لها في الكتاب ليتيسر لهما كتابتها فيما بعد. (علوم الحديث لابن الصلاح ص: 188)
وأنشد أبو بكر البرقاني المحدث لنفسه (تاريخ بغداد للخطيب 4-375 )
أُعلل نفسي بكَتب الحديث وأحمل فيه لها الموعــدا
وأشغل نفسي بتصنـيفه وتدبيجه دائمـاً سـرمــدا
فَطَوْراً أصنفه في الشـيو خ وطَوْراً أصنفه مُسنـــدا
إلى أن قال:
وأرجو الثواب بكَتب الصـلا ة على السيد المصطفى أحمـدا
وأسأل ربـي إلـه الـعـبـا د جريا على مـا بـه عــودا
وقد أورد ابن القيم في كتابه النفيس "جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام" طائفة من الأخبار و المنامات الصالحة رُئيت لبعضهم- على ضعف في بعض طرقها
- ومن ذلك ما رواه الخطيب البغدادي عن أبي إسحاق إبراهيم بن دارم الدارمي المعروف بنهشل قال (كنت أكتب في تخريجي للحديث (قال النبي صلى الله عليه وسلم تسليماً)، قال: فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام كأنه قد أخذ شيئاً مما أكتبه فنظر فيه، قال: فقال: هذا جيد".(جلاء الأفهام ص223 )
وما روي عن سفيان بن عيينة قال:" كان لي أخ مُؤاخ في الحديث فمات فرأيته في النوم فقلت: ما فعل الله بك؟قال:غفر لي، قلت: بماذا؟ قال:كنت أكتب الحديث فإذا جاء ذكر النبي صلى الله عليه وسلم كَتبتُ (صلى الله عليه )أبتغي بذلك الثواب فغفر الله لي بذلك). (الجامع1-421)
و ما روي عن أحد المحدثين قال(كان لي صديق يطلب الحديث فتوفي، فرأيته في منامي عليه ثياب خضر يرفل فيها، فقلت له: أليس كُنتَ يا فلان صديقا لي وطلبت معي الحديث؟ قال: بلى، قلت: فبِم نِلت هذا؟ قال: لم يكن يمر حديث فيه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم إلا كتبت فيه (صلى الله عليه وسلم) فكافأني بهذا). (جلاء الأفهام ص223 )
وفي بيان صفتها:
قال _ الإمام _ السيوطي: [/color](ينبغي أن يجمع ذكره صلى الله عليه وسلم بين الصلاة عليه بلسانه وبَنانه..، ولا يتقيد فيه -أي ما ذكر من كتابة الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم- بما في الأصل إن كان ناقصا، بل يكتبه ويتلفظ به عند القراءة مطلقاً، وكذا الثناء على الله سبحانه وتعالى كعز وجل وشبهه، وكذا الترضي والترحم على الصحابة والعلماء وسائر الأخيار ...). (تدريب الراوي 2/74-76)
وقال الحسين بن منصور اليمني (وكلما كتب اسم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كتب بعده الصلاة والسلام عليه وعلى آله، ويصلي هو عليه وعليهم بلسانه أيضاً. وجرت عادة السلف والخلف بكتابة صلى الله عليه وعلى آله وسلم لموافقة الأمر في قوله تعالى: (صلوا عليه وسلموا تسليما)).
وفي بيان ما يكره في إثباتها :
قال الحافظ ابن الصلاح: (ثم ليتجنب في إثباتها نقصين:أحدهما: أن يكتبها منقوصة صورة، يرمز إليها بحرفين، أو نحو ذلك.
والثاني: أن يكتبها منقوصة معنى، بأن لا يكتب "وسلم"، وإن وُجِد ذلك في خط بعض المتقدمين.
ورُوي عن حمزة الكناني قال (كنت أكتب الحديث، وكنت أكتب عند ذكر النبي (صلى الله عليه)، ولا أكتب (وسلم)، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: مالَك لا تتم الصلاة علي؟ قال: فما كتبت بعد ذلك (صلى الله عليه) إلا كتبت (وسلم)). (علوم الحديث لابن الصلاح ص189)
وقال الإمام السيوطي: (ويُكره الرمز إليهما -أي الصلاة والتسليم - في الكتابة بحرف أو حرفين، كمن يكتب (صلعم)، بل يكتبهما بكمالهما، ويقال إن أول من رمزهما ب(صلعم) قطعت يده). (تدريب الراوي 2/77)
وزاد (ولا يستعمل عز وجل ونحوه في النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان عزيزا جليلا، ولا الصلاة والسلام في الصحابة استقلالا ويجوز تبعا). (تدريب الراوي2-76 )
وقال _ الإمام _ السخاوي (واجتنب أيها الكاتب الرمز لها -أي للصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم- في خَطِّكَ بأن تقتصر منها على حرفين ونحو ذلك فتكون منقوصة صورة كما يفعله الكسائي -يقصد النحوي المشهور-، والجهلة من أبناء العجم غالبا وعوام الطلبة، فيكتبون بدلا عن (صلى الله عليه وسلم)، (ص) أو (صم)، أو (صلم)، أو(صلعم) فذلك لما فيه من نقص الأجر لنقص الكتابة خلافُ الأولى). (فتح المغيث2-182).
وروى النميري عن أبيه قال (كتب رجل من العلماء نسخة من "الموطأ" وتأنق فيها، لكنه حذف منها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم حيث ما وقع له فيه ذكر، وعوض عنها (ص) وقصد بها بعض الرؤساء ممن يرغب في شراء الدفاتر، وقد أمل أن يرغب له في ثمنه ودفع الكتاب إليه، فحسن موقعه، وأعجب به، وعزم على إجزال صلته، ثم إنه تنبه لفعله ذلك فيه، فصرفه وحرمه وأقصاه، ولم يزل ذلك الرجل مُقترا عليه). (فتح المغيث2-183)
وقال الحسين بن منصور اليمني (ولا يختصر الصلاة في الكتابة، ولو وقعت في السطر مراراً كما يفعل البعض، فيكتب (صلع)، أو(صلم)، أو(صلعم)، وكل ذلك غير لائق بحقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم).
و قال الخطيب البغدادي(ومما أكرهه أيضا أن يكتب (قال رسول) في آخر السطر، ويكتب في أول السطر الذي يليه (الله صلى الله عليه وسلم)، فينبغي التحفظ من ذلك). (الجامع 1/415)
أما ما نقل عن الإمام أحمد – و أيده في ذلك _ الإمام _ابن دقيق العيد-، من أنه كان كثيرا ما يكتب اسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يكتب الصلاة عليه خلافا لغيره من الأئمة المتقدمين، فقد حمله بعضهم على الاستعجال، قال في "توجيه النظر في أصول الأثر": (ويحتمل أن يكون إغفال أحمد ابن حنبل له للاستعجال، إما لكونه في حال الرحلة أو لنحو ذلك). (2-776)
و هو مع هذا كان يصلي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم نُطقًا، قال الخطيب: (وبلغني أنه كان يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم نُطقًا لا خَطًّا...). (الجامع 1-422)
وحَمَلهُ آخرون على أنه كان يرى التقيد بما في الرواية من باب الأمانة في النقل، ووجوب مطابقة الإخبار للواقع، ويؤيد ذلك ما ذكره ابن الصلاح في مبحث صفة الرواية حيث قال: (ثبت عن عبد الله بن أحمد بن حنبل أنه رأى أباه إذا كان في الكتاب (عن النبي)، فقال المحدث (عن رسول الله) ضَرَب وكَتَب: (عن رسول الله)). (علوم الحديث ص233)
واعترض الخطيب البغدادي فقال(هذا غيرُ لازِم، وإنما استحب أحمد اتباع المحدث في لفظه، وإلا فمذهبه الترخيص في ذلك)، ثم ذكر بإسناده عن صالح بن أحمد بن حنبل قال: (قلت لأبي: يكون في الحديث (قال رسول الله)، فيجعله الإنسان (قال النبي)؟ فقال: أرجو أن لا يكون به بأس). (الكفاية ص:244)
وروي من طريق جعفر الزعفراني قال: سمعت خالي الحسن بن محمد يقول: (رأيتُ أحمد بن حنبل في النوم فقال لي: (يا أبا علي لو رأيت صلاتنا على النبي صلى الله عليه وسلم في الكتب، كيف تُزهر بين أيدينا). (جلاء الأفهام ص 222 -فتح المغيث 2-182 )
والخلاصة أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم كِتابةً هي كما قال _ الحافظ _ ابن الصلاح: (دعاء يُثبِته، لاكلام يرويه). ( علوم الحديث ص188 )
وتركُها خطاًّ -حتى مع الإتيان بها نطقا-، إخلال بأدب جليل، وإهدار لثواب جزيل، -لا محالة- و هو ما ظهر جليا من خلال النصوص المتقدمة.
فلا يسع المرء إلا التزام هذا الأدب قولا ورسمًا في عموم ما يَخُطه من رسائل و مُكاتبات، وفي جميع ما يباشر طبعه وإخراجه، إعزازاً لشخصه صلى الله عليه وسلم وإظهاراً لمحبته، سيما ونحن في زمن اشتدت فيه الهجمة على الإسلام ورموزه، ونشطت الحملات لطمس معالمه ورسومه.
.انتهى نقلته للفائدة نسأل الله من فضله
وصلى الله وسلم على سيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه