أبو توفيق
25-09-2008, 04:08 AM
في الخامس والعشرين من رمضان من سنة 518 توفي في نيسابور، شمالي شرق إيران قرب مشهد، الأديب البحاث أحمد بن محمد ابن إبراهيم أبو الفضل المَيداني، صاحب كتاب مَجمع الأمثال الذي لم يؤلف مثله في موضوعه.
ولد الميداني ونشأ وتوفي في نيسابور حاضرة خراسان، والميداني نسبة إلى ميدان زياد بن عبد الرحمن، وهي محلة في نيسابور.
اختص الميداني بصحبة أبي الحسن الواحدي علي بن أحمد، صاحب التفاسير وكتاب أسباب النزول وشرح ديوان المتنبي و المتوفى سنة 468، وقرأ على يعقوب بن أحمد أبي سعد النيسابوري الأديب اللغوي، وسمع الحديث ورواه، وأتقن العربية خصوصاً اللغة وأمثال العرب وله فيها التصانيف المفيدة منها: كتاب مجمع الأمثال، وكتاب السامي في الأسامي وهو جيد في بابه، و الهادي للشادي في الحروف والأدوات، والأنموذج في النحو،وكتاب النحو الميداني، وكتاب المصادر، وكتاب نزهة الطَرْف في علم الصرف، وشرح المفضليات، ومنية الراضي في رسائل القاضي.
وله ولدٌ فاضل أديب اسمه أبو سعد سعيد بن أحمد وكان ديّناً سمع وحدّث، له كتاب في الأسماء، اختصر به كتاب أبيه السامي في الأسامي، وسماه الأسمى في الأسما، وتوفي سنة 539، وممن قرأ عليه وتخرج به أحمد بن علي بن محمد البيهقي، ويقال له أبوجَعفَركْ، عالم القراءات واللغة المتوفى سنة 544 ومؤلف كتاب المحيط بلغات القرآن.
وقال محمد بن أبي المعالي الحواري في كتابه ضالة الأديب من الصحاح والتهذيب: سمعت غير مرة من كبار أصحاب أبي الفضل الميداني يقولون: لو كان للذكاء والشهامة والفضل صورة، لكان الميداني تلك الصورة، ومن تأمل كلامه واقتفى أثره، علم صدق دعواهم.
وذكره تلميذه أبو الحسن علي بن زيد البيهقي المتوفى سنة 565، في كتابه وشاح الدمية، وهو ذيل على دمية القصر وعصرة أهل العصر للباخرزي، فقال: الإمام أستاذنا، صدر الأفاضل - وهو لقب لكبار العلماء في تلك الديار - أبو الفضل، أحمد ابن محمد ابن أحمد الميداني، صدر الأدباء، وقدوة الفضلاء، قد صاحَبَ الفضلَ في أيام نَفِدَ زادُه، وفَنيَ عتاده، وذهبت عدته، وبطَلت أُهبته، فقوم سِناد العلوم، بعد ما غيرتها الأيام بصُروفها، ووَضَعَ أناملَ الأفاضل، على خطوطها وحروفها، ولم يخلق الله تعالى فاضلاً في عهده، إلا وهو في مائدة آدابه ضيف، وله بين بابه وداره شتاء وصيف، وما على من عام لُججَ البحر الخِضم واستنزف الدرر ظُلمٌ وحيف.
وكان الميداني رحمه الله متواضعاً لا يتكسب بعمله بل يأكل من كسب يده، ويبين تواضع هذا الإمام في خطبة - أي مقدمة - كتابه مجمع الأمثال حين قال: وأنا أعتذر للناظر في هذا الكتاب من خلل يراه، أو لفظ لا يرضاه، فأنا كالمنكر لنفسه، المغلوب على حسه وحدسه، منذ حطَّ البياضُ بعارضيَّ رحاله، وحال الزمانُ على سوادهما فأحاله، وملك يد الضعف زمام قواي، وأسلمني من كل يحطب في حبل هواي، فكأني المعني بقول الشاعر:
وَهَت عزماتُك عند المشيب ... وقد كان من حقها أن تَهي
وأنكرتَ نفسك لما كبُرت ... فلا هي أنت ولا أنت هي
وإن ذُكرت شهواتُ النفوس ... فما تشتهي غير أن تشتهي
ومن شعر أبي الفضل الميداني:
تنفس صبح الشيب في ليل عارضي ... فقلت عساه يكتفي بعذاري
فلما فشا عاتبته فأجابني ... ألا هل يرى صبحٌ بغير نهار
ومنه:
حننتُ إليهم والديار قريبة ... فكيف إذا سار المطيّ مراحلا
وقد كنت قبل البَين لا كان بينُهم ... أعاين للهجران فيهم دلائلا
وتحت سجوف الرقم أغيدُ ناعمٌ ... يميس كخَوط الخيزُرانة مائلا
وينضو علينا السيف من جفن مقلةٍ ... تريق دم الأبطال في الحب باطلا
ويسكرنا لحظاً ولفظاً كأنما ... بفِيهِ وعينيه سُلافة بابلا
ومنه:
شفةٌ لمَاها زاد في آلامي ... في رشف ريقتها شفاءُ سقامي
قد ضمنا جُنح الدجى ولِلَثْمِنا ... صوتٌ كقَطّك أرؤس الأقلام
ومنه:
يا كاذباً أصبح في كِذبه ... أعجوبةً أية أعجوبة
وناطقاً ينطِق في لفظة ... واحدة سبعين أكذوبة
شبّهك الناس بعُرقوبهم ... لما رأوا أخذك أسلوبه
فقلت: كلا، إنه كاذبٌ ... عُرقوب لا يبلغ عرقوبه
أما كتابه في الأمثال فلم يُعمل في بابه مثله وفيه ستة آلاف مَثَلٍ مرتبةً على حروف المعجم، وفي آخرها جملة من أيام حروب العرب، وختمه بنبذ من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم، وترجمه المستشرق الألماني جورج بريتاغ، المتوفى سنة 1861، إلى اللاتينية في أربعة مجلدات، ونظمه شعراً القاضي الشيخ إبراهيم الأحدب الطرابلسي المتوفى سنة 1308= 1891م في كتابه فرائد اللآل في مجمع الأمثال.
ولما صنف الميداني الأمثال وقف عليه الإمام أبو القاسم الزمخشري، المتوفى في خوارزم سنة 538، وله كتاب في الأمثال اسمه المستقصى، فحسده على جودة تصنيفه، وأخذ القلم وزاد في لفظة الميداني نوناًً قبل الميم، فصارت النميداني ومعناه بالفارسية: الذي لا يعرف شيئاً، فلما وقف الميداني على ذلك، أخذ بعض تصانيف الزمخشري، فصير ميم نسبته نوناً فصارت الزنخشري، ومعناه بالفارسية: بائع زوجته. رحمهما الله
كتبها محمد زاهد ابوغدة
ولد الميداني ونشأ وتوفي في نيسابور حاضرة خراسان، والميداني نسبة إلى ميدان زياد بن عبد الرحمن، وهي محلة في نيسابور.
اختص الميداني بصحبة أبي الحسن الواحدي علي بن أحمد، صاحب التفاسير وكتاب أسباب النزول وشرح ديوان المتنبي و المتوفى سنة 468، وقرأ على يعقوب بن أحمد أبي سعد النيسابوري الأديب اللغوي، وسمع الحديث ورواه، وأتقن العربية خصوصاً اللغة وأمثال العرب وله فيها التصانيف المفيدة منها: كتاب مجمع الأمثال، وكتاب السامي في الأسامي وهو جيد في بابه، و الهادي للشادي في الحروف والأدوات، والأنموذج في النحو،وكتاب النحو الميداني، وكتاب المصادر، وكتاب نزهة الطَرْف في علم الصرف، وشرح المفضليات، ومنية الراضي في رسائل القاضي.
وله ولدٌ فاضل أديب اسمه أبو سعد سعيد بن أحمد وكان ديّناً سمع وحدّث، له كتاب في الأسماء، اختصر به كتاب أبيه السامي في الأسامي، وسماه الأسمى في الأسما، وتوفي سنة 539، وممن قرأ عليه وتخرج به أحمد بن علي بن محمد البيهقي، ويقال له أبوجَعفَركْ، عالم القراءات واللغة المتوفى سنة 544 ومؤلف كتاب المحيط بلغات القرآن.
وقال محمد بن أبي المعالي الحواري في كتابه ضالة الأديب من الصحاح والتهذيب: سمعت غير مرة من كبار أصحاب أبي الفضل الميداني يقولون: لو كان للذكاء والشهامة والفضل صورة، لكان الميداني تلك الصورة، ومن تأمل كلامه واقتفى أثره، علم صدق دعواهم.
وذكره تلميذه أبو الحسن علي بن زيد البيهقي المتوفى سنة 565، في كتابه وشاح الدمية، وهو ذيل على دمية القصر وعصرة أهل العصر للباخرزي، فقال: الإمام أستاذنا، صدر الأفاضل - وهو لقب لكبار العلماء في تلك الديار - أبو الفضل، أحمد ابن محمد ابن أحمد الميداني، صدر الأدباء، وقدوة الفضلاء، قد صاحَبَ الفضلَ في أيام نَفِدَ زادُه، وفَنيَ عتاده، وذهبت عدته، وبطَلت أُهبته، فقوم سِناد العلوم، بعد ما غيرتها الأيام بصُروفها، ووَضَعَ أناملَ الأفاضل، على خطوطها وحروفها، ولم يخلق الله تعالى فاضلاً في عهده، إلا وهو في مائدة آدابه ضيف، وله بين بابه وداره شتاء وصيف، وما على من عام لُججَ البحر الخِضم واستنزف الدرر ظُلمٌ وحيف.
وكان الميداني رحمه الله متواضعاً لا يتكسب بعمله بل يأكل من كسب يده، ويبين تواضع هذا الإمام في خطبة - أي مقدمة - كتابه مجمع الأمثال حين قال: وأنا أعتذر للناظر في هذا الكتاب من خلل يراه، أو لفظ لا يرضاه، فأنا كالمنكر لنفسه، المغلوب على حسه وحدسه، منذ حطَّ البياضُ بعارضيَّ رحاله، وحال الزمانُ على سوادهما فأحاله، وملك يد الضعف زمام قواي، وأسلمني من كل يحطب في حبل هواي، فكأني المعني بقول الشاعر:
وَهَت عزماتُك عند المشيب ... وقد كان من حقها أن تَهي
وأنكرتَ نفسك لما كبُرت ... فلا هي أنت ولا أنت هي
وإن ذُكرت شهواتُ النفوس ... فما تشتهي غير أن تشتهي
ومن شعر أبي الفضل الميداني:
تنفس صبح الشيب في ليل عارضي ... فقلت عساه يكتفي بعذاري
فلما فشا عاتبته فأجابني ... ألا هل يرى صبحٌ بغير نهار
ومنه:
حننتُ إليهم والديار قريبة ... فكيف إذا سار المطيّ مراحلا
وقد كنت قبل البَين لا كان بينُهم ... أعاين للهجران فيهم دلائلا
وتحت سجوف الرقم أغيدُ ناعمٌ ... يميس كخَوط الخيزُرانة مائلا
وينضو علينا السيف من جفن مقلةٍ ... تريق دم الأبطال في الحب باطلا
ويسكرنا لحظاً ولفظاً كأنما ... بفِيهِ وعينيه سُلافة بابلا
ومنه:
شفةٌ لمَاها زاد في آلامي ... في رشف ريقتها شفاءُ سقامي
قد ضمنا جُنح الدجى ولِلَثْمِنا ... صوتٌ كقَطّك أرؤس الأقلام
ومنه:
يا كاذباً أصبح في كِذبه ... أعجوبةً أية أعجوبة
وناطقاً ينطِق في لفظة ... واحدة سبعين أكذوبة
شبّهك الناس بعُرقوبهم ... لما رأوا أخذك أسلوبه
فقلت: كلا، إنه كاذبٌ ... عُرقوب لا يبلغ عرقوبه
أما كتابه في الأمثال فلم يُعمل في بابه مثله وفيه ستة آلاف مَثَلٍ مرتبةً على حروف المعجم، وفي آخرها جملة من أيام حروب العرب، وختمه بنبذ من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم، وترجمه المستشرق الألماني جورج بريتاغ، المتوفى سنة 1861، إلى اللاتينية في أربعة مجلدات، ونظمه شعراً القاضي الشيخ إبراهيم الأحدب الطرابلسي المتوفى سنة 1308= 1891م في كتابه فرائد اللآل في مجمع الأمثال.
ولما صنف الميداني الأمثال وقف عليه الإمام أبو القاسم الزمخشري، المتوفى في خوارزم سنة 538، وله كتاب في الأمثال اسمه المستقصى، فحسده على جودة تصنيفه، وأخذ القلم وزاد في لفظة الميداني نوناًً قبل الميم، فصارت النميداني ومعناه بالفارسية: الذي لا يعرف شيئاً، فلما وقف الميداني على ذلك، أخذ بعض تصانيف الزمخشري، فصير ميم نسبته نوناً فصارت الزنخشري، ومعناه بالفارسية: بائع زوجته. رحمهما الله
كتبها محمد زاهد ابوغدة