عرض مشاركة واحدة
  #15  
قديم 19-06-2008, 08:30 AM
الزيتوني الزيتوني غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: May 2008
المشاركات: 484
افتراضي

[المثال السادس]

حينما تحقق كتابا فأنت لا تكذب صاحبه أو ترميه بأنواع من البدع والضلالات، وإلا فلم حققت كتابه وأخرجته من الإهمال إلى الظهور؟!

في هذا المثال أعرض لكم قصة شهيرة تنقل عن ابن تيمية، قامت عليها الدنيا وقعدت، واختلف الناس في ثبوتها من عدمه، ولست هنا لتحقيق ذلك وإنما للاطلاع على إحدى نوعيات المحققين..
القصة التي أشرت لها هي قصة نزول ابن تيمية من على المنبر وقوله إن الله ينزل كنزولي هذا!!
ذكر ابن بطوطة في رحلته ما نصه [ص88/باختصار]: "وكان بدمشق من كبار فقهاء الحنابلة تقي الدين ابن تيمية كبير الشام، يتكلم في الفنون إلا أن في عقله شيئا...وكنت إذ ذاك بدمشق فحضرته يوم الجمعة وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكرهم، فكان من جملة كلامه أن قال: (إن الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا) ونزل درجة من درج المنبر..." إلى آخر الأحداث التي ذكرها ابن بطوطة عن ابن تيمية..
هذه القصة فيها اتهام خطير للإمام ابن تيمية..
النسخة التي في يدي من رحلة ابن بطوطة هي من طبع (المكتبة العصرية) بعناية (د.درويش الجويدي)..
في الحقيقة لم يتمالك المحقق نفسه وعلق على كلام ابن بطوطة بما يلي:
"هذا محض افتراء وكذب على الشيخ رحمه الله...وقد ذكر المؤلف في الصفحة 102 من كتابه هذا إنه وصل دمشق في التاسع من رمضان سنة 726هـ، فيكون وصوله إلى دمشق بعد اعتقال الشيخ باثنين وثلاثين يوما، فكيف يحضره ويسمعه ويراه...، ولا يتسع المجال هنا لتفنيد بقية المزاعم التي ذكرها ابن بطوطة في حق هذا الإمام..."اهـ

هذا كلام المحقق، وقد أخذت منه الشاهد، وأما بقية كلامه فإنما هو تقرير لهذا..
والذي يتضح أن المحقق استشاط غضبا! فأخذ يطعن في ابن بطوطة ونسي أنه يحقق كتابه ويريد إخراجه للناس وترويجه!!
لكن يذكر للمحقق أمانته العلمية، فهو بحق لم يحرف كلام ابن بطوطة أو يغير فيه، وليت جميع الوهابية يفعلون مثله..
لكن الذي يحسب عليه أنه من أجل ابن تيمية والاعتذار له أخذ يطعن في ابن بطوطة!
نعم، ما ذكره المحقق من إشكال صحيح ملزم إن لم يكن له مخرج، لكن في الواقع له مخرج بل ومخارج تصب في صالح تصحيح القصة..
منها أن الخطأ إنما في التاريخ لسبق قلم، ولا يلزم عليه بطلان ثبوت القصة، خصوصا وأنه عاضدها أبو حيان في تفسيره كما هو معلوم عنه.
على أني ألفت الانتباه إلى أن المحقق وهو يكتب هذه الأسطر المعدودة في الهامش أحال خطأ على صفحة (102) مع أن الصواب أن ابن بطوطة صرح بدخوله دمشق في صفحة (82)!! فإذا كان المحقق يخطئ في مثل هذا فكيف بمن كتب كتابا ضخما كهذا ألا يمكن أن يقع منه سهو أو غفلة أو نسيان؟!
ومنها أن الخطأ طرأ من ابن جزي لا من ابن بطوطة، فقد قال ابن حجر في الدرر الكامنة [3/292]: "وقرأت بخط ابن مرزوق أن أبا عبدالله بن جزي نمقها وحررها بأمر السلطان أبي عنان.."اهـ
والمحقق إنما حقق ما حرره ونمقه ابن جزي بدليل ذكره في البداية مقدمة ابن جزي[ص12] فدل على احتمال طروء الخطأ من ابن جزي لا ابن بطوطة..
وهناك مخارج أخرى، وكلها مع قوتها لا أحبذها، فالتماس العذر والمخارج لابن تيمية المطعون على دينه بهذه القصة أولى عندي من التبرير لقصة ابن بطوطة التي لن يضر ابن بطوطة في دينه إنكار هذه القصة أو عدم قبولها، بخلاف تصديقها وإثباتها وما يفضيه من طعن على مسلم ثبت عندنا إسلامه بالقطع..
لكن هذا لا يجعلني أقع في ابن بطوطة من أجل ابن تيمية كما فعل المحقق، فلو أنصف المحقق لأدرك هذه الحقيقة..
بقي أن أشير إلى أن المحقق نسي أنه ذكر في مقدمة تحقيقه للكتاب ضمن أهم مميزات رحلة ابن بطوطة حيث قال [ص10]:
"ثانيا: تبدو أمانة ابن بطوطة العلمية جلية المعالم واضحة النتائج، لا يتعصب لرأيه، وإن أبدى رأيه فبالمنطق والحجة.."اهـ

__________________
لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون
رد مع اقتباس