(( التنوير بذكر البشير النذير في كتب النبيين السابقين )) (3)
وإذا نظرت مثلا في الإنجيل تجد تشابها بين هذه الاية ، وبين ما ذكر عن عيسى عليه السلام والذي قال عنه المهتدون إنه من البشارات عن عيسى عليه السلام بسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم مثلا في ( يوحنا 14: 15ـ 17 ) ( 15: إذا كُنتُم تُحبّوني عَمِلْتُم بوصايايَ. 16 وسأطلُبُ مِنَ الأب أنْ يُعطيَكُم مُعَزِّيًا آخَرَ يَبقى مَعكُم إلى الأبَدِ.17 هوَ رُوحُ الحقِّ الذي لا يَقدِرُ العالَمُ أنْ يَقبَلَهُ، لأنَّهُ لا يَراهُ ولا يَعرِفُهُ. أمّا أنتُم فتَعرِفونَهُ، لأنَّهُ يُقيمُ مَعكُم ويكونُ فيكُم ) .
وفي ( إنجيل يوحنا 16 : 7 – 15 ) : ( لكني أقول لكم الحق إنه خير لكم أن أنطلق.لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي.ولكن إن ذهبت أرسله إليكم. جاءَ ووَبَّخَ العالَمَ على الخَطيئَةِ والبِرِّ والدَّينونَةِ : 9 أمَّا على الخَطيئَةِ فلأنَّهُم لا يُؤْمِنونَ بـي 10 وأمَّا على البِرِّ فلأنِّي ذاهِبٌ إلى الآبِ ولَنْ تَرَوني ، 11 وأمَّا على الدَّينونَةِ فلأنَّ سيِّدَ هذا العالَمِ أُدينَ وحُكِمَ علَيهِ. 12عِندي كلامٌ كثيرٌ أقولُهُ لكُم بَعدُ، ولكنَّكُم لا تَقدِرونَ الآنَ أنْ تَحتَمِلوهُ. 13 فمَتى جاءَ رُوحُ الحقِّ أَرشَدَكُم إلى الحَقِّ كُلِّهِ ، لأنَّهُ لا يتكلَّمُ بِشيءٍ مِنْ عِندِهِ ، بل يتكَلَّمُ بِما يَسمَعُ ويُخْبِرُكُم بِما سيَحدُثُ. 14 سيُمَجِّدُني لأنَّهُ يـأخُـذُ كلامي ويَقولُهُ لكُم . 15 وكُلُّ ما لِلآبِ هوَ لي ، لذلِكَ قُلتُ لكُم : يأخُذُ كلامي ويَقولُهُ لكُم.)
صلى الله عليه وأله وسلم
وكذلك جاءت بعض أوصافه في التوراة ، من ذلك ما يتفق بوصفه صلى الله عليه وآله وسلم المعروف عند أهل الإسلام بكونه (( النبي الأمي )) ، فتجد هذه الصفة في (( سفر إشعياء (29 : 12) بشارة هذا نصها: ( 12 أَوْ يُدْفَعُ الْكِتَابُ لِمَنْ لاَ يَعْرِفُ الْكِتَابَةَ وَيُقَالُ لَهُ : اقْرَأْ هَذَا . فَيَقُولُ : لاَ أَعْرِفُ الْكِتَابَةَ ) .
ألا تجد أيها القارئ الحبيب اتفاقا وتشابها مع الرواية الإسلامية التي يعرفها المسلمون في بداية الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقول جبريل عليه السلام له : اقرأ . وهو يجيبه صلى الله عليه وآله وسلم : (( ما أنا بقارئ )) .
وهذه البشارة في التوراة يصدقها قول العلي الأعلى : (( الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ ))[ الأعراف: ١٥٧]
وجاء من أوصافه كونه صلى الله عليه وآله وسلم أنه خاتم النبيين ، وذلك قول الله تعالى : (( مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا )) [ الأحزاب : ٤٠]
وضرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لنفسه مثلا على كونه خاتم النبيين فقال : (( مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ ابْتَنَى بُنْيَانًا فَأَحْسَنَهُ وَأَكْمَلَهُ إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهُ فَجَعَلَ النَّاسُ يُطِيفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ مِنْهُ وَيَقُولُونَ : مَا رَأَيْنَا بُنْيَانًا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا إِلَّا مَوْضِعَ هَذِهِ اللَّبِنَةِ . فَكُنْتُ أَنَا هَذِهِ اللَّبِنَةَ )) . أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة .
وإذا دققت في هذا الحديث وألفاظه وجدت ما يتفق معه في المعنى ويتقارب مع ألفاظه في بشارات التوراة والإنجيل والزبور ، فمن زبور داود والمعروف عند اليهود بالمزامير ( المزمور 118/20-26 ) : (20 هَذَا الْبَابُ لِلرَّبِّ . الصِّدِّيقُونَ يَدْخُلُونَ فِيهِ. 21 أَحْمَدُكَ لأَنَّكَ اسْتَجَبْتَ لِي وَصِرْتَ لِي خَلاَصاً. 22 الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ قَدْ صَارَ رَأْسَ ألزَّاوِيَةِ. 23 مِنْ قِبَلِ \لرَّبِّ كَانَ هَذَا وَهُوَ عَجِيبٌ فِي أَعْيُنِنَا. 24 هَذَا هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي صَنَعَهُ الرَّبُّ. نَبْتَهِجُ وَنَفْرَحُ فِيهِ. 25 آهِ يَا رَبُّ خَلِّصْ! آهِ يَا رَبُّ أَنْقِذْ! 26 مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ. بَارَكْنَاكُمْ مِنْ بَيْتِ الرَّبِّ ) .
فانظر مدى التشابه بين كلامه صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث وبين كلام داود في هذا المزمور ، تجد مثلا التشابه في قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((بُنْيَانًا فَأَحْسَنَهُ وَأَكْمَلَهُ إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهُ )) . وكلام المزمور : (( 22 الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ قَدْ صَارَ رَأْسَ ألزَّاوِيَةِ. 23 مِنْ قِبَلِ \لرَّبِّ )) .
وبين قوله صلى الله عليه وآله وسلم : (( فَجَعَلَ النَّاسُ يُطِيفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ مِنْهُ وَيَقُولُونَ : مَا رَأَيْنَا بُنْيَانًا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا إِلَّا مَوْضِعَ هَذِهِ اللَّبِنَةِ . فَكُنْتُ أَنَا هَذِهِ اللَّبِنَةَ )) .
وبين ما جاء في المزمور : ((23 مِنْ قِبَلِ \لرَّبِّ كَانَ هَذَا وَهُوَ عَجِيبٌ فِي أَعْيُنِنَا )).
ثم تلك الصفات التي جاءت مطابقة لأوصاف النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، من قوله : ((26 مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ. بَارَكْنَاكُمْ مِنْ بَيْتِ الرَّبِّ ) .
ففيه إشارة إليه صلى الله عليه وآله وسلم وإلى بلده مكة المباركة ، فهو النبي المبارك من البلدة المباركة .
والذي يثبت صدق هذه الأوصاف عليه صلى الله عليه وآله وسلم هو ما يشير من نص هذا المزمور أن هذا النبي لم يخرج أو يظهر بعد ، فلذلك كان داود يدعو الرب له يستعجل خروجه وظهوره ، وهذا واضح في قوله : (( 25 آهِ يَا رَبُّ خَلِّصْ! آهِ يَا رَبُّ أَنْقِذْ! 26 مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ )).
وهو الذي خلص العباد من عبادة العباد إلى عباد رب العباد وتوحيده لا شريك له ، وهو الذي أنقذ الله تعالى به عباده من عذابه وأخرجهم به من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد ، وهو النبي الوحيد الذي جاء شرعه يبدأ كل شيء باسم الله تعالى فهو المبارك الآتي باسم الرب .
ومن وصفه عند المسلمين أنه المختار ، وأنه الذي يفتح الله تعالى به أعينا عميا ، ويخرج به الناس من الظلمات إلى النور ، وأنه عبد الله ورسوله ، لا صخاب في الأسواق ، وهذه أوصاف تجدها أيضا في التوراة في كتاب ( إشعياء 42/2 – 6 ) : (( هُوَ ذَا عَبْدِي الَّذِي أَعْضُدُهُ مُخْتَارِي الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي. وَضَعْتُ رُوحِي عَلَيْهِ فَيُخْرِجُ الْحَقَّ لِلأُمَمِ. 2 لاَ يَصِيحُ وَلاَ يَرْفَعُ وَلاَ يُسْمِعُ فِي الشَّارِعِ صَوْتَهُ . 3 قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ وَفَتِيلَةً خَامِدَةً لاَ يُطْفِئُ. إِلَى الأَمَانِ يُخْرِجُ الْحَقَّ. 4 لاَ يَكِلُّ وَلاَ يَنْكَسِرُ حَتَّى يَضَعَ الْحَقَّ فِي الأَرْضِ وَتَنْتَظِرُ الْجَزَائِرُ شَرِيعَتَهُ. 5 هَكَذَا يَقُولُ اللَّهُ الرَّبُّ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَنَاشِرُهَا بَاسِطُ الأَرْضِ وَنَتَائِجِهَا مُعْطِي الشَّعْبِ عَلَيْهَا نَسَمَةً وَالسَّاكِنِينَ فِيهَا رُوحاً. 6 أَنَا الرَّبَّ قَدْ دَعَوْتُكَ بِالْبِرِّ فَأُمْسِكُ بِيَدِكَ وَأَحْفَظُكَ وَأَجْعَلُكَ عَهْداً لِلشَّعْبِ وَنُوراً لِلأُمَمِ 7 لِتَفْتَحَ عُيُونَا الْعُمْيِ لِتُخْرِجَ مِنَ الْحَبْسِ الْمَأْسُورِينَ مِنْ بَيْتِ السِّجْنِ الْجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ ) .
ومن أوصافه صلى الله عليه وآله وسلم المعروفة قبل الإسلام وبعده أنه الصادق الأمين ، وهذا ما ثبت أيضا في ( رؤيا يوحنا ) : ( 19 - 11 : 15 ) : ( 11 ثُمَّ رَأَيْتُ السَّمَاءَ مَفْتُوحَةً ، وَإِذَا فَرَسٌ أَبْيَضُ وَالْجَالِسُ عَلَيْهِ يُدْعَى أَمِينًا وَصَادِقًا، وَبِالْعَدْلِ يَحْكُمُ وَيُحَارِبُ. 12 وَعَيْنَاهُ كَلَهِيبِ نَارٍ، وَعَلَى رَأْسِهِ تِيجَانٌ كَثِيرَةٌ ، وَلَهُ اسْمٌ مَكْتُوبٌ لَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُهُ إِّلاَ هُوَ. 13 وَهُوَ مُتَسَرْبِلٌ بِثَوْبٍ مَغْمُوسٍ بِدَمٍ ، وَيُدْعَى اسْمُهُ « كَلِمَةَ اللهِ ». 14 وَالأَجْنَادُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ كَانُوا يَتْبَعُونَهُ عَلَى خَيْل بِيضٍ ، لاَبِسِينَ بَزًّا أَبْيَضَ وَنَقِيًّا. 15 وَمِنْ فَمِهِ يَخْرُجُ سَيْفٌ مَاضٍ لِكَيْ يَضْرِبَ بِهِ الأُمَمَ ).
البشارات به صلى الله عليه وآله وسلم في الكتب الأخرى :
ومن درر النقول تلك النقول التي ذكرها شيخنا العلامة الإمام محمد أبو زهرة رحمه الله في كتابه (( خاتم النبيين )) ص ( 88 ) يقول :
وأقدم الكتب التي اشتملت على هذه البشارة بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم كتب الهنود القدماء فإن كتابهم ( فيدا ) قال بعض المطلعين عليه من المسلمين : إن في ( فيدا ) ما يدل على التبشير بوجود الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاتم النبيين . وإليك ما قال ذلك الكاتب ننقله كما نقله عنه الأستاذ المرحوم عباس محمود العقاد في كتابه ( معالم النور ) جاء في هذا الكتاب القيم ما نصه : يقول الأستاذ عبد الحق : إن اسم الرسول العربي ( أحمد ) مكتوب بلفظه العربي في ( الساما فيدا ) من كتب البراهمة ، وقد ورد في الفقرة السادسة والفقرة الثامنة من الجزء الثاني ، ونصها : (( إن أحمد تلقى الشريعة من ربه وهي مملوءة بالحكمة وقد قبس منه النور كما يقبس من الشمس )) .
ويذكر في ص ( 90 ) عن الأستاذ عبد الحق أنه ذكر أن هذا الكتاب فيه أيضا وصف الكعبة وما يحيط بها من الجبال ووصف ما لاقاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أذى وعناد المشركين ومعاناة في سبيل تبليغ الدعوة ، ثم يقول الشيخ رحمه الله : ولقد ذكر الكاتب الأستاذ عبد الحق إشارة تبشير بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم من كتاب ( الزاندافستا ) أنه وصف صلى الله عليه وآله وسلم ببعض الأوصاف التي جاءت في القرآن الكريم فقد وصف بأنه رحمة للعالمين والله تعالى يقول في الكتاب المبين ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ )) [ الأنبياء: ١٠٧ ]
وذكر أنه يدعو إلى الواحد الأحد الذي ليس له كفء وليس له أول ولا آخر ولا ضريع ولا قريع ولا صاحب ولا أب ولا أم ولا صاحبة ولا ولد ولا مسكن ولا جسد ولا شكل ولا لون ولا رائحة .
ثم ذكر الشيخ رحمه الله في ص ( 91 ) أن هذا الكتاب المذكور جاءت منه هذه النصوص فيقول : ونترجم نبذة منها إلى اللغة الإنجليزية معناها بغير تصرف : (( إن أمة زرادشت حين ينبذون دينهم يتضعضعون وينهض رجل في بلاد العرب يهزم أتباعه فارس ويخضع الفرس المتكبرين وبعد عبادة النار في هياكلهم يولون نحو كعبة إبراهيم التي تطهرت من الأصنام ويومئذ يصبحون وهم أتباع للنبي رحمة للعالمين وسادة لفارس ومديان وطوس وبلخ وهي الأماكن المقدسة للزرادشتيين ومن جاورهم وأن نبيهم ليكون فصيحا يتحدث بالمعجزات )). ا. هـ
والحديث يطول ، ولكن في ذلك القدر كفاية والله الهادي إلى سواء السبيل ، وللحديث كمالة والسلام عليكم ورحمة الله .
نقلا عن مقال لشيخنا / محمد رجب أبو تليح الأزهري - باختصار .
أخوكم / حجة الحق محمد