::+: أتصل بنا (راسلنا) :+::
  التسجيل ::+: الواجهه الرئيسيه للموقع :+:: ::+: أتصل بنا (راسلنا) :+::  
::+: الواجهه الرئيسيه للموقع :+::

العودة   منتدى الأزهريين > القرآن الكريم وعلومه
   

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #16  
قديم 15-03-2017, 07:18 PM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,335
افتراضي

{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } [البقرة : 6] ..

نعود لنتكلم عن مفهوم الكفر بوجه جديد، وكما أسلفنا فإن الكفر هو الستر والتغطية، ولكن قد يقول قائل والمغفرة أيضاً هي الستر والتغطية، فما الفرق؟! ..
نقول ببساطة الكفر هو ستر الخير الذي إذا ما ظهر نفع صاحبة، أما المغفرة فهي ستر السوء أو الشر الذي إذا ما ستر أهلك أو أضر بصاحبه، ومنه نعرف أن الكفر ستر سلبي ضار، وأن المغفرة ستر إيجابي نافع؛ فالكفر عكس المغفرة ..
وفي هذه المرة سوف نتطرق لجميع أشكال الكفر وأنواعه، تراه باختزال وأخرى من غير شرح يذكر؛ وهي سبع أنواع: كفر بالإيجاد، وكفر بالتربية، وكفر بالألوهية، وكفر بالرحمة، وكفر بالإنعام، وكفر بالعدالة، وكفر بالعلم ..
أما الكفر الأول، وهو كفر الإيجاد، فصاحبه هو الكافر الملحد الذي لا يرى لوجوده خالق موجد، وهو أشد أنواع الكفر، فهو الساتر لوجود خالق له وللكون، لعدم شهود نفسه هذه الحقيقة ولو من باب الظن حتى، وهو حال الشيوعية اليهودية، الذين حكمتهم الإباحية والشهوات، فأنكروا وجود الخالق، حتى لا يكون لضمائرهم رقيب أو عتيد ..
أما الكفر الثاني، وهو الكفر بالربوبية الذي يبنى على أساس انكار الإيمان بوجود راعي يتولى المرء بأسباب استمرار الوجود والبقاء والرزق إلى غير ذلك من معاني الربوبية، ولذلك تراه يغش ويكذب ويتلاعب في بيعه ومعاملاته، سعيًا وراء كسب القوت وظناً منه أنما يرزق نفسه بسعيه وجده، وهذا ضرب آخر من ضروب الكفر الإلحادي ..
أما الكفر الثالث، وهو الكفر التوحيدي أو الكفر الألوهية؛ وهو أيضاً من الكفر الإلحادي، لأنه لا يرى للكون والمخلوقات أي مسير ومتصرف أو متحكم، بل يرى أن الطبيعة هي التي تسير نفسها بنفسها وهي التي تحكم أجزائها الثابتة والمتغيرة من الجماد والنبات والحيوانات فيرى النفع والضر من غير الله، ولو أنه آمن بلا إله إلا الله، وعلم أنَّ التسيير كله بيد الله، لوجد أن الكون كله إنما تسيره يد العدالة والحكمة الإلهية، وأن كل واحد إنما ينال حّقه ويجزى على عمله بقدر محكم، وما الناس كلهم إلاَّ صور ووسائط، ولا يقع في هذا الكون واقع إلاَّ بأمر الله ومن بعد إذنه؛ فقد ورد بالأثر المرفوع الصحيح: "إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةً، وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ، حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ" ..
أما الكفر الرابع، فهو الكفر بالرحمة بمفهومها العام والخاص، وبالظاهر منها والمبطن، فهو لا يرى أن الله تعالى رحيم به، لذلك تجده يتألم لأبسط الحوادث التي تحلُّ به، وينسب الظلم إلى الله، ولو أنه آمن برحمة الله لاستسلم لله، وعرف أنه إله الرحمة المطلقة، في كل ما يصيبه، ولعرف أنه كله من الله تعالى فضل وعناية ..
أما باقي أنواع الكفر، وأعني كفر بالإنعام والعدالة والعلم، فهي مشتقة أو منبثقة مما ذكرنا من الأنواع السابقة حتى لا نطيل دون طائل يرتجى من الإطناب ..
وهكذا فالكمال بالإيمان كلٌّ لا يتجزْأ، فالذي لا يرى العدل الإلهي جاريًا على الخْلق كافر، لأنه بمجرد عدم رؤيته العدالة الإلهية تتحول نفسه عن الله وينقطع عن الوجهة إليه، والذي لا يؤمن بلا إله إلا الله ولا يرى أن الحول والقوة والسير كله بيد الله كافر، لأنه بعدم رؤيته أن الفعل بيد الله وزعمه أن لأحدٍ فع ً لا مع الله يتحول أيضًا عن الله، وكذلك إنكار أي اسم من أسماء الله يؤدي بصاحبه إلى الكفر، فقد ورد بالأثر المرفوع: "إِنَّهُ لا يَقُومُ بِدِينِ اللَّهِ، إلا مَنْ حَاطَهُ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِه" ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #17  
قديم 16-03-2017, 05:36 AM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,335
افتراضي

ومطلب الحق من عبده المؤمن يتجلى بالأثر القدسي الشهير: "يا ابن آدم؛ لا تخافنَّ من ذي سلطان، ما دام سلطاني باقيًا، وسلطاني لا ينفد أبدًا، يا ابن آدم، لا تخش من ضِيق الرزق وخزائني ملآنة، وخزائني لا تنفد أبدًا. يا ابن آدم، لا تطلب غيري وأنا لك، فإن طلبتني وجدتني، وإن فُتَّني فُتُّك وفاتك الخير كله. يا اِبنَ آدمَ خَلَقتُكَ لِلعِبَادةَ فَلا تَلعَب، وَقسَمتُ لَكَ رِزقُكَ فَلا تَتعَب، فَإِن رَضِيتَ بِمَا قَسَمتُهُ لَكَ أَرَحتَ قَلبَكَ وَبَدنَكَ، وكُنتَ عِندِي مَحمُوداً، وإِن لَم تَرضَ بِمَا قَسَمتُهُ لَكَ فَوَعِزَّتِي وَجَلالِي لأُسَلِّطَنَّ عَلَيكَ الدُنيَا تَركُضُ فِيهَا رَكضَ الوُحوش فِي البَريَّةَ، ثُمَّ لاَ يَكُونُ لَكَ فِيهَا إِلا مَا قَسَمتُهُ لَكَ، وَكُنتَ عِندِي مَذمُومَا، يا ابن آدم، خلقت السماوات السبع والأراضي السبع ولم أعيَ بخلقهن، أيُعييني رغيف عيش أسوقه لك بلا تعب؟! يا ابن آدم، إنني لم أنس مَن عصاني؛ فكيف من أطاعني، وأنا رب رحيم، وعلى كل شيء قدير. يا ابن آدم، لا تسألني رزق الغد كما لم أطلبك بعمل الغد. يا ابن آدم، أنا لَكَ مُحِبٌّ فَبِحَقِّي عَلَيْكَ كُنْ لِي مُحِبًّا" ..
وهذا الأثر القدسي لا يحتاج إلى إسناد وثقه أهل القلوب، ورغم أني في هذا الطرح لم أعول على تبيان السند، إلا أن هذا الأثر هام: فقد ورد في "خواطر إيمانية" للشعراوي [ج19/ص: 12016]؛ وورد في "المستطرف" للأبشيهي [ج1/ص: 153]، وورد في "مفاتيح الغيب" للرازي [ج4/ص: 176]؛ وفي "فيض القدير" للمناوي [ج2/ص: 305]؛ وفي "المنثور" للزركشي [ج1/ص: 8]؛ وفي "إرشاد القلوب" للديلمي [ج1/ص: 171]؛ وورد في كتب كبار أعلام علماء ممن ينكرونه اليوم!: فقد ورد في "مجموع الفتاوى" لابن تيمية [ج8/ص: 52]؛ وفي "الجواب الكافي" لابن القيم [ج1/ص: 141]؛ وفي "التفسير العظيم" لابن كثير [ج7/ص: 426] ..
ويعضد صحته من شواهد الصحيح المسند: "يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي امْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى، وَأَسُدَّ فَقْرَكَ وَإِلَّا تَفْعَلْ مَلَأْتُ صَدْرَكَ شُغْلًا وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ" ..
وهو حديث رواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 642/ر:2466]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2466]؛ ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج5/ص: 228/ر:4107]؛ بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:3331]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج2/ص: 358/ر:8681]؛ بإسناد صحيح؛ بتحقيق أحمد شاكر في "المسند" [ج16/ص: 284]؛ ورواه الحاكم في "المستدرك" [ج2/ص: 481/ر:3657]، وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، ووافقه الذهبي في "التلخيص" [ر:3657]، وقال: صحيح؛ وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:1925]؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:1914]، وقال: صحيح ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #18  
قديم 19-03-2017, 05:21 AM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,335
افتراضي

ونعود لبحث الصلاة قبل المضي بالكلام على الكفر، لأنه ورد في السنة الصحيحة: "الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلاَةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ"؛ لأن تارك الصلاة، لو كان مقر بألوهية الله وربوبيته، لما ترك صلاته، ولأن الصلاة عماد الدين فإذا كانت المعرفة الإلهية هي أساس الدين ودعامته، أو بشرح آخر: نرى أن أساس البناء السكني ونقطة ارتكازه هو تلك الكتل الاسمنتية التي توضع في جوف الأرض ليقوم عليها جسم البناء الظاهر فوق الأرض، ثم تأتي الدعامة المعدنية أو الهيكل المعدني، وهذا الأساس والدعامة هو في العقيدة معرفة الله، أو شهادة أن لا إله إلا الله، أما الصلاة فهي عماد الدين، وهو بالبناء بالتتابع الإسمنت المسلح الذي تلبس به الهياكل المعدنية، بالأعمدة والسقف، وتقوب بلبناته الجدران، ومن هنا تأتي أهمية الصلاة، ولأنها معراج المؤمن التي تحافظ على علاقة المؤمن بربه، ولأنها الناهية للنفس عن الفحشاء والمنكر إن كانت قائمة، وبها ترقي علاقة العبد الإيمانية به تعالى ..
فإذا آمن الإنسان بلا إله إلا الله واستقام على أمر الله وعَمِل الصالحات فلم يؤذِ أحدًا من المخلوقات فعندئذ تتولَّد الثقة في النفس بأن الله تعالى راضٍ عنها باستقامتها وبعملها الطيب وهناك تستطيع أن تقبل بوجهها على ربها وتتجه إليه بكلِّيتها، وهذا ما يجعلنا نفهم معنى كلمة { وَيُقِيمُونَ الصَّلاة } الواردة في الآية الكريمة ..
فليست إقامة الصلاة تلك الألفاظ التي تماثل ألفاظ الأذان والتي يؤديها المصلِّي قبل الصلاة المفروضة، فما هذه الألفاظ إلا مذكِّرات، وإن هي إلا منعكس لسان حال ذلك المؤمن الذي استقام على أمر الله فأقام بعمله الطيب الصلة بينه وبين خالقه، فقد ورد في الأثر: "لَيِسَ لِلعَبدِ مِنْ صَلّاتِهِ، إِلّاَ مَاّ عَقِلَ مِنْهَاَ"؛ والصلاة تساعد على ثبات الإيمان وارتقائه، لأنها كمما أسلفنا تنهى عن كل فحشاء ومنكر وهو ما يقوى دوام الاستقامة وثبات الإيمان، فالمؤمن كما أشرنا سالفاً أيضاً، دائم الصلة القلبية بربه بالصلاة القلبية أو أثناء الصلاة الشرعية، لقوله تعالى: { الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ } [المعارج : 23]، والصلاة تطهر الذنوب وتساعد على سرعة المغفرة، فقد ورد في الصحيحين مرفوعا: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ ؟ قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ، قَالَ : فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ، يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا"، وهذا حال الصلاة المفروضة فكيف مع الزيادة وهي من الشكر، وأعني السنن والنوافل، فقد ورد في الصحيح القدسي، أن الله تعالى، يقول: "وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ"، وهذا يعني يصبح من الأولياء الذين تولوا أمر الله فتولهم الله، بالسر والعلانية، فأصبحوا محفوظين بحفظه تعالى، وممن لا خوفاً عليهم ولا هم يحزنون، كما في قوله تعالى: { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [يونس : 62]، ثم تابع الحق بقوله: { الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } [يونس : 63]، أي آمنوا ثم استقاموا، لقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } [الأحقاف : 13] ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #19  
قديم 01-04-2017, 02:19 PM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,335
افتراضي

{ والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } [البقرة : 4]

وهنا يتراءى لنا نوع ثاني للإيمان، وهو الإيمان من خلال الإيمان بالمرشد، فقد ورد بآثار السلف، القول الشائع المجرب: "لَوْلّاَ المُرَبِيِ، مَاّ عَرِفْتُ رَبْيِ"؛ فعند الصحابة المهاجرين كان الإيمان بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، نتيجة تابعة للإيمان بالله، أي شهدوا وحدانية الله، فشهدوا بأن سيدنا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم نبي هذا الإله ورسوله، أما الأنصار الصحابة، بحبهم الاستباقي للنبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، نتيجة معرفتهم الملموسة لأخلاق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، الذي تجلى جانب منها من خلال معاملات المبعوثين بداية لدعوتهم من صحابته الكرام المهاجرين، ثم طلع البدر المحمدي عليهم فشغفوا بأخلاقه ورحمته ومودته وإثارته حباً، فكان ذلك منعكساً نورانياً لعظيم أخلاق الله، وجميل صفاته الربانية، فعرفوا الله وأحبوه، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بأخلاقه العظيمة وعلو بيانه بالحق، وفيض رحمته، عكس بشخصه الكريم صفات الحق تعالى العلية، ومعاني الربوبية ومنعكسات الحق الخُلقية، وهو ما يعرف عند السادة النقشبندية برابطة المحبة بالمرشد المربي المعاصر ومنه إلى النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، وعند السادة الشاذلية هي الرابطة المحمدية بشخص الولي المرشد نفسه القائم بالصفات المحمدية، فهم يؤمنون بما أنزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم لإيمانهم بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبآخر المطاف يصلون إلى اليقين بنبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بحسن ظنهم بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وصدق التواصل معه وكثرة الصلاة عليه بالقول والتبعية ..
فهؤلاء المؤمنين، أو لنقل هذا النوع من المؤمنين، يؤمنون بما أنزل على النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، لإيمانهم بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فيعلمون أن ما جاء به النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، وما جاء به الرسل الكرام صلوات الله عليهم وسلامه عليهم، وما أتى به من خلف النبي من الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين إلى يوم الدين واحد، فالحق والصدق واحد، ومنفذهم للحق واحد وهو النبي الخاتم الأوحد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو ما يوصلهم إلى اليقين بآخر المطاف وهو الإيمان كله، لقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [الحديد : 28]، وهذا هو حق التقوى أو تقوى الفرقان والتي هي نور يقذفه الله في قلب المؤمن يفرق به بجلاء بين الحق والباطل ..
وهم بالأخرى يوقنون، أي يبلغون اليقين بحقيقة الموت دون الموت، لقوله تعالى: { وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ } [الحجر : 99]، فهم حينها لا يموتون إلا موتتهم الأولى، وهي حالة التفرد بالحق، أو بتعبير آخر الفناء فيه والبقاء فيه، لقوله تعالى: { أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ [ 58] إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ [59] إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [الصافات : 60] ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #20  
قديم 03-04-2017, 03:59 AM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,335
افتراضي

{ أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [البقرة : 5]

أي أن هؤلاء الفئتين من أهل التقوى والإيمان متوليهم الحق تعالى بجعلهم على طريق القويم وهو صراط الله المستقيم صراط العزيز الحميد، الموصل لرضا الله والجنة، لقوله تعالى: { الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } [إبراهيم : 1]
كتاب "الر" هو ذاته كتاب "الم" من ناحية جانب المعنى ولكن حرف الراء بدل الميم هو محمد منبت المحامد إنما الراء هي رسول الله، ومن الجانب الصوفي الرحمة المهداة للعالمين، مرة نجد الحق قدم محامد محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أنه أحمد الخَلْقِ أجمعين، وحميد الخُلُقِ، المحمود عند الخالق، أما هنا فظهر تقديم الأحقية عند الله بالإيمان به كنبي مرسل ..
وهذه الآية المبينة الأخيرة فحواها أرشدهم يا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وبلغهم وأشهدهم بما كتب عليهم من إقرار شهودي بوحدانيتي ليشهدوا ويقروا بأنك رسول حامل لرسالتي إليهم، التي أنزلت على قلبك من لدن حكيم خبير، وبيان ذلك في قوله تعالى: { الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ } [هود : 1] ..
وهذه النتيجة هي الفلاح بعينه وهو الفوز بالمطلوب على حقيقته المطالب بها للنجاة من النار، واستحقاق الجنة ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #21  
قديم 04-04-2017, 04:47 AM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,335
افتراضي

والآن نعود لما انتهينا به من الآيات لنبين جانب جديد نسبياً بالآية التي توقفنا عنده فبل العودة إلى ذي بدء:

{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [البقرة : 21]

والناس كما أسلفنا، هم: إنما تعني النوع الإنساني، وكذلك قد سموا بالناس كما بينا سابقاً لأنهم نسوا ما كلفوا به وما شهدوه من الحق في عالم الذر أو الأنفس قبل الخلق في أجساد دنيوية فانية، وكوجه دلالي آخر جاءت من الإنسانية والأنس لما في الإنسان من القابلية إن أناب إلى ربه وأعرض عن دنياه الزائلة، لأنه يأنس بالله تعالى، ويأنس به الخْلق، فالإنسان إذا عرف خالقه، وخالطت محبة الله تعالى قلبه، فهنالك تأنس به، وتسر بصحبته أكثر من كل مخلوق على وجه البسيطة، فإذا كان الإنسان إنما يأنس وتستريح نفسه بصحبة حصان أصيل أو بقرة ذلولٍ أو طير وديع، أو كلب وفي، فأحرى به أن يأنس بصحبة أخيه الإنسان إذا كان طيب القلب صافي النفس مملوء الفؤاد بالوداد، وبتلك العواطف السامية والصفات الإنسانية النبيلة العالية، مماثًلاً لجليسه في محبة الله والعشق له والإقبال عليه ..
أما ما نراه اليوم من كراهية الإنسانلمجالسة الناس، فما ذلك إلاَّ لامتلاء قلبهم بالإعراض عن الحق، واستيلاء الخبث والشر على نتلك الأنفس، فإذا ما جالستهم وانعكست أحوالهم في نفسك حصل لك الضيق والمقت وتمنيت لو تجلس إلى حيوان أو تنفرد وحدك، كما عاش ذلك الناس في بلاد الكفر الغربي من تربية للحيوانات وإنفاق عليها بدور رعاية ومنظمات دولية وحتى توريثها لأن ثقة الإنسان عندهم بقرينه أو قريبه الإنسان أضحت شبه معدومة إلا لمصالح مادية دنيوية صرفة ..
وقد ورد بالأثر المأثور عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "الوَحْدَة خَيِرُ مِنْ جَلِيسُ السُوءِ، وَالجَلِيّسُ الصَاّلِحُ خِيّرُ مِنَ الوّحْدَةِ"؛ وفي الأثر المرفوع الصحيح: "إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ، كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ، إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً"؛ وورد عن صاحب الحكم الربانية، ابن عطاء الله السكندري رحمه الله تعالى، ما معناها: "لّاَ تُجَاّلِسْ إلّاَ مَنْ يُرْقِيّكَ حَاّلُهُ، وَيَدِلُكَ عَلّىَ الحَقِ مَقَاّلُهُ" ..
لأن المؤمن إنما يأنس بالمؤمن ويرتاح قلبه معه، ومؤيد ذلك ما روي عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كانوا إذا جلس بعضهم إلى بعض قال أحدهم لصاحبه: اجلس بنا نؤمن ساعة، لأنه وكما ورد بالصحيح: بأن المؤمن مرآة المؤمن، وفي كتاب الله أن الذكرى من ذكر وتذكير فيها منفعة للمؤمنين ..
وتبين لنا ذلك كله الآية الكريمة التي تأمرنا بأن نصل نفوسنا بنفس رسول الله إذ قال تعالى في كتابه الكريم: { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً } [الأحزاب : 56] ..
وهذه هو متمم التقوى بعينه، لقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [الحديد : 28] ..
ومن معاني الكفلين أي يتكفلكم بالحفظ بالدارين، بالدارة الأخرة يكون الكفل قبل الحساب بالطمأنينة لحسن المآب، فكفى بالمرء يومئذ لنفسه حسيباً، كما ورد بكتاب الله، وأثناء الحساب، بأن تدخلوا الجنة من غير حساب، والوجه الآخر دنيوي أي يتكفلكم بالكفل الأول من شرور الشياطين بتبان الباطل بنور الحق المبين، والإرشاد إلى الحق بإلهامكم الحكمة بنور التقوى وهذا الكفل الثاني الوقائي من همزات الشياطين من قبل أن يحضرون..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #22  
قديم 05-04-2017, 04:55 AM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,335
افتراضي

وقوله تعالى: { اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ }، أي التزموا الاستقامة على طاعة الله ما وسعكم أن تفعلوا ذلك، لأن الله هو الرب الرؤوف الرحيم الراعي والمتولي والممد، فهو يمدكم بالطعام والشراب ويؤمن لكم الهواء النقي والحرارة والنور ويقلِّب لكم الليل والنهار، ويهيئ لكم كل ما يتطلَّبه نماؤكم وبقاؤكم، وهو والحالة هذه ربكم وأنتم مفتقرين لفضله في كل لحظة من لحظاتكم محتاجين إليه؛ لأنه يربيكم الآن كباراً كما رباكم من قبل لمَّا كنت صغاراً، ويضيق عليكم حيناً ليذكركم بأنه ربكم حتى تلتفتوا إليه فتبقوا على حال الرشاد وفي طريق الهداية، فإن ترككم وأنفسكم ضللتم وركنتم إلى الشياطين فهلكتم، وتذكر أيها الإنسان المبتدئ المبتدى في نشأتك الوجودية، وكيف كان ربك يؤمن لك غذاءك المناسب في ثديي أمك ويجمعه لك بنسب متوافقة مع سنك واحتياجاتك الغذائية للبقاء والنمو، وقد رباك سابقًا لمَّا كنت جنينًا في بطن أمك، يوم كنت لا تملك لنفسك خيرًا ولا نفعاً، ولا تدفع عنها ضرًا، فكان يسوق الدم الحامل للغذاء لكل عضو من أعضائك بقدر ما يحتاجه ذلك العضو، وما زالت تربيته وعنايته مستمرة حتى تمَّ خلقك وصرت إنسانًا سويًا ..
ثم إنك إذا أمعنت النظر أيضًا وجدت أنه تعالى إنما يمد الآن كل عضو من أعضائك بما يحتاج من مواد ويهيئ لكل جهاز من أجهزتك ما يتطلَّبه من إفرازات وفوق ذلك كله إنما يمدك بالروح التي تأمن حياتك بها، وإلى جانب ذلك كله أنه تعالى يمد نفسك بالحياة كما يمد جسمك بالروح؛ ولولا إمداده تعالى المتواصل، لانطفأت شعلة النفس، بل لزالت من الوجود ولم يبق لك أثر، فما احوجنا إلى وما أشد افتقارنا اليه سبحانه، ويصدق ذلك بالمنزل الحق قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } [فاطر : 15] ..
وإن نحن شبهنا الإنسان بفتيل سراج مشتعل، نجد أن دوام الاشتعال يتوقف على الزيت الساري في كل ذرة من ذرات الفتيل، وهكذا بقاء حياتك وإن شئت فقل: دوام وجودك يتوقف على دوام الإمداد الإلهي الساري في كل ذرة، لا بل القائمة به كل ذرة من ذراتك، أفتعبد بعد هذا كله غير ربك وتطيع سواه؟!، ممن لا يملك لك ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياًة ولا نشورًا ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #23  
قديم 07-04-2017, 06:00 AM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,335
افتراضي

فإذا أنتم طبقتم دلالة ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم كان ذلك سببًا في وصولكم إلى التقوى فرأيتم الخير خيرًا والشر شرًا وعرفتم أن كل ما يأمركم به هذا الخالق المنعم والرب الممد المتفضل إنما هو لخيركم وسعادتكم. أي: إن عرفت المربي وعرفت حقيقة لا إله إلا الله، صلَّيت حقاً، وعندها تصل للتقوى؛ والتقوى إنما هي أن تستر نفسك عن الأذى وتتقي الوقوع في المهالك، بذلك النور الإلهي الذي تكتسبه نفسك من الله عند دخولها على الله تعالى بصحبة رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، فإن أنت عبدت ربك أي سرت ضمن ما بينه لك كنت أهلاً للوصول إلى التقوى. وإن كلمة {َلعَلَّكُمْ} إنما تعطينا فكرة جلية عن قابلية الناس جميعًا للوصول إلى التقوى. فالناس في هذه القابلية سواءٌ، فإن هم سلكوا الطريق المؤدي إلى التقوى كان ذلك سببًا في بلوغهم هذه المنزلة العالية، وإذا كان كل شيء في هذا الكون إنما يعمل ضمن قانون ويسير وفق سنة كونية ثابتة، وإذا كنا لا نستطيع أن نحصل على مادة من المواد الكيماوية ولا نصل إلى غايتنا ما لم نراعِ النسب الضرورية ونعالج المواد الأساسية ببعضها ضمن شرائط معينة، فكذلك النفس البشرية لها قوانينها وأنظمتها فهي لا تستطيع أن تقبل بوجهها على خالقها وتستنير بنوره، وإن شئت فقل: إنها لا تصل إلى التقوى وليس يمكنها أن ترى الحقائق ما لم تطبق تلك القوانين التي رسمها لها خالقها والتي نزل كتابه الكريم على رسوله ليعرف عباده بها؛ فالمشيئة والطلب وإن شئت فقل الصدق في طلب معرفة الحقيقة، هذا الصدق الذي هو أول ما يجب أن يتوفَّر في نفس الإنسان لا نستطيع أن نتحقَّق به إلاَّ إذا فكَّرنا نحن بالموت وأيقنا أنه لا بد من زوال هذه الدنيا وسرعة انقضائها، فإذا نحن عرفنا هذه الحقيقة وأيقنا بها فعند ذلك يتولَّد في نفوسنا صدق الطلب وتثبت فيها المشيئة والاختيار ويدفع الصدق جهاز التفكير فيتسارع منطلقًا في البحث وراء معرفة المربي المشرف على تربية هذا الإنسان، وإنه ما أن يصل إلى معرفة المربي حتى ينطلق باحثًا وراء معرفة الإله، أي: المسير الذي بيده تصريف شؤون الكون كله ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #24  
قديم 09-04-2017, 05:00 AM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,335
افتراضي

{ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } [البقرة : 22] ..
وفراشاً كما بالآية أي مهيئة للعيش، نقول بيت مفروش أي صالح للسكن والمعيشة، أي مجهز بأسباب المعيشة، والسماء بناءاً أي تبنى بها أسباب المعيشة من أمطار وأشعة شمس تأتي كلها من السماء وحتى تشكل الرياح أسبابه سماوية، بهذا تبني أسباب نبات النبات وثمره إضافة لغاز الحياة وهو الأكسجين وغير ذلك مما لا يعد ولا يحصى من الخيرات ..
ومن الناحية المعنوية كل ما علاك سماك أي السماء هي الغيب والقدر المخبأ فقد هيئ الله لعباده أسباب رزقهم من المهد إلى اللحد لقوله تعالى: { وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ } [الذاريات : 22] ..
ومن الناحية البعيدة المقصد لبناء السماء، هو تماسك الكواكب والنجوم وتحابكها وتشابكها وتماسكها وارتباط ذلك مع ترابط مكونات الأرض وجاذبيتها المادية وحتى ذراتها البنيوية، فكل شيء مبني على أساس مكين لقوله تعالى: { وَالسَّمَاء ذَاتِ الْحُبُكِ } [الذاريات : 7] ..
ثم يخبرنا أو يذكرنا بأهم الخيرات السماء لنا وهو المطر الذي ينبت النبات من زرع وأشجار وثمار، ويكون لنا بهذا المطر المأكل والمشرب وحتى اللباس الذي يكون أكثره من البنات كالقطن والكتان، أو من الحيوان الذي ينمو ويتكاثر بتغذيه على النبات ..
ثم يخبرنا الحق تعالى، فيقول الآن وأنتم تعلمون أن إنزال المطر وإخراج الثمرات بيد الله تعالى وحده وعائد إليه. هل من أحدٍ غيره؟!. فالمتكفِّل برزقك والذي بيده معاشك، إليه مردك في جميع أمورك فلا تظنن أن في هذا الكون يدًا تعمل غير يده تعالى والكون كله خاضع له مسير بأمره وما من شفيع إلاَّ من بعد إذنه ..
فإذا أنت فكَّرت فيما أورده تعالى لك في صدر هذه الآية الكريمة وكنت صادقًا في طلباً لحقيقة انتهيت إلى الإيمان بلا إله إلاَّ الله، وعلمت أن الخْلق كلهم بيد الله، فلا يسوق الخير إلاَّ الله ولا يصرف السوء إلا الله، وما كان من نعمة فمن الله وأنه لا حول ولا قوة إلا به ..
أما الذين يعتمدون الإقرار النقلي دون التحقيق لبلوغ الشهود اليقيني العقلي فإيمانهم هذا لا يكفي، فلا بد من الإيمان المبني على التفكير حتى تعقل النفس الوجود الإلهي والعظمة الإلهية عقلاً شهوديًا، أو شهوداً علمياً، لقوله تعالى: { وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً } [النجم : 28]، فالحق ما يعقله القلب لأنه موافق لفطرة الإيمان لسليمة، وقد ورد بالأثر: "الدِيّنُ العَقْلُ، فَمَنْ لَاّ عَقْلَ لَهُ لَاّ دِيّنَ لَهُ" ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة



جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 07:56 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.1
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.

تعريب » شبكة عرب فور هوست


Security By © : Rg Security v5.3
 

::+: مجموعة ترايدنت للتصميم والتطوير والاستضافه :+::

::+: ترايدنت للتصميم والتطوير والاستضافه :+::    
تابعونا عبر تويتر