::+: أتصل بنا (راسلنا) :+::
  التسجيل ::+: الواجهه الرئيسيه للموقع :+:: ::+: أتصل بنا (راسلنا) :+::  
::+: الواجهه الرئيسيه للموقع :+::

العودة   منتدى الأزهريين > القرآن الكريم وعلومه
   

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 01-03-2017, 05:30 AM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,335
افتراضي التأويل الفريد لعقيدة المريد في ثنايا القرآن الرشيد



التأويل الفريد لعقيدة المريد في ثنايا القرآن الرشيد

مقدمة:
الحمد لله نحمده ونستهديه ونسترشده ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا، أما بعد فإني أنا العبد لله، وبعون الله تعالى سوف أسعى جاهداً إلى تبيان سلوك مريد الحق وعقيدته، وفق علم البيان وهو تأويل وتبيان آيات القرآن البينة بآيات القرآن المبينة، مع بعض البيان السني الصحيح بالعقل والنقل إذا دعت الضرورة، لأن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد عليه صلوات وسلام الله، والغاية الأسمى والأهم من هذا الطرح ليس رصف السطور بالصفصطائيات العلمية، وإنما تبيان علوم الآخرة، المصيرية العقدية السلوكية، وطرق العمل بها، لأن علوم اللسان التي لا تتعدى الآذان هي حجة الله على ابن آدم، أما علوم الجنان، التي تصب بالقلب هي النفع المرتجى المنجي في الدارين ..
وبناء على ما تقدم نبدأ متوكلين على الله، راجين منه التوفيق والسداد والرشاد، ببسم الله الرحمن الرحيم:

{ الم } [البقرة : 1] ..
نجد من هذه الآية أن الله يبدأ كتابه بمختزلات الكلمات وترميزها لا بصريح العبارات تحفيزا منه تعالى، للعبد ليتدبر القرآن ومعرفة أوجه معانيه، حيث نجد ذلك في قوله تعالى: { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } [محمد : 24]، فما هي مفاتيح القلوب والتي هي مفاتيح معاني ومقاصد القرآن ..
نقول مفاتيح القلوب تكون بتزكية النفس بدءاً بتنقية القلب بالتطهير، ومن ثم ترقيته بالتعطير بمعاني الإيمان، فقد أخبرنا الحق سبحانه أنه لا يمس مكنون معاني كتابه الكريم إلا المطهرون، لقوله: { إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [77] فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ [78] لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ } [الواقعة : 79] ..
فالمنحى المادي في ظاهر الشريعة السمحاء، أن من يريد أن يلمس القرآن يجب أن يكون طاهراً من الجنابة بالغسل متطهراً بالوضوء ..
أما المنحى المعنوي العقدي فهو أنه من يرد أن يلتمس أوجه مكنونات معاني القرآن ومقاصده، فيجب أن يكون طاهر القلب من الآثام والذنوب، مع طهارة الثوب والبدن، لأن الله يتكلم بالآية أعلاه عن المس لا اللمس وهو مس معاني القرآن ومعرفة أوجه بيانه، ومنه نفهم قوله تعالى: { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [18] ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } [القيامة : 19] ..
فاتباع موجبات فهم القراءة الإلهية تكون بالتدبر بعد التطهر، حتى يأتي البيان من الله عز وجل بعد التعطير بالإيمان والتقوى الذي يلي التطهير، لقوله تعالى: { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ } [يونس : 100]، كما في الآية أعلاه، على وجه التخصيص للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن خلف مقامه العلمي بالحق من الخلفاء الراشدين والأبدال المهديين، ولكل مؤمن موحد على وجه التعميم، لأن الله أمر المؤمنين بما أمر به الأنبياء والمرسلين عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم ..
وينتج عن الطهارة القلبية المتجلية بالمغفرة الإلهية، الناتجة عن الالتزام بموجبات الاستغفار بالإكثار منه والاستقامة على أمر الله لتثبيت نتائجه، صفاء القلب من الذنوب وهي كل تعلق نفسي أو شاغل قلبي بغير الله عز وجل يشغل عن الحق سبحانه، وسلامة القلب من الآثام وهي تلك الأمراض التي تتابع على القلوب فتقفلها وتغلقها عن أنوار معاني الربوبية والألوهية وهي معاني أذواق الإيمان القلبية الموصلة إلى حقيقة التوحيد، حتى يأتي الختم والطابع من الحق بالكفر والعياذ من الله الله لقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً } [النساء : 137] والدليل من كتاب الله أن التطهير والتعطير للقلب والنفس، وهو مفهوم التزكية، يكون بمغفرة الغفار، هو قول الله عز وجل: { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى } [طه : 82] ..
فالله تعالى يطهر قلب من تاب وأناب باتباع ما أمر الله به، وترك ما نهى عنه، وهي مقدمات التقوى ثم سعى إلى الإيمان بقدر الله وعظيم قدرته وجميل ربوبيته وحقيقة وحدانيته، وعمل كل عمل صالح يصلح القلب حتى تأتيه الهداية من الله عز وجل، للحق المبين، ولا يكون ذلك إلا للمؤمنين المتقين، كما سوف يخبرنا الحق تعالى بالآية التالية، لآية الحروف أو الرموز أعلاه ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 01-03-2017, 05:41 AM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,335
افتراضي

{ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } [البقرة : 3] ..

نقول هذه الآية هي الجواب القطعي بماهية المتقين، فهم وفق الآية أعلاه الذين يؤمنون بالغيب، والغيب يطلق على كل ما غاب عن الحواس والمشاعر والمدارك مكانياً، وكل ما غاب عن الشعور والإدراك زمانياً ..
فأول درجات الإيمان بالغيب، الإيمان الظني أو الاعتقادي، مثاله، كالوقوف على باب ضمن بيت، فهذا الباب قد يكون لغرفة وقد يكون لفناء أو ممر في البيت وقد يكون منفذ لخارج البيت فهذه الاحتمالات الثلاثة تجعلنا في طور الظن عن ما هو غائب، وغير منظور ..
أما الإيمان الثاني فهو الإيمان الفكري، ويكون بالاستلال الفكري من خلال المعرفة الآيات والآلاء الدالة على الله، ومثاله يكون بمعرفة ما وراء الباب من خلال فتح الباب، وهنا قد نعرف أو نسدل أن الباب لغرفة مثلاً، ولكن غرفة مظلمة بظلمتها لم يتحدد حجمها، ولا مكوناتها ومحتواها، ليأتي الإيمان الثالث الشهودي أو القلبي أو التحقيقي الذي يتحقق بإزالة الظلمة بالنور ليتباين كل شيء، لقوله تعالى: { اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ ..... } [البقرة : 257] ..
وهذا الشهود الإيماني يتحقق به أول وأهم ركن بالدين وهو شهادة وحدانية الله، والذي يبنى عليه الشهادة أو العلم بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الحامل لرسالة الله إلى عباده، لقوله تعالى: { وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } [سبأ : 6]، فالشهادة هي العلم، لقوله تعالى: { أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ } [الرعد : 19] ..
وبناءاً على هذا العلم بلا إله إلا الله، تقوم الصلاة أو الصلة بين العبد وربه، فلو علم المصلي أمام من يصلي لما التفت أو انفتل أو فتن بغير الله، ولا يكون ذلك إلا للمؤمنين وهو الفلاح، لقوله تعالى: { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [1] الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ } [المؤمنون : 2]، والفلاح يكون بتزكية النفس بالتطهير والتعطير، او بلفظ آخر بالتنقية والتقية، لقوله تعالى: { قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا } [الشمس : 9] فعلامة قيام الصلاة قرة العين و استقرار النفس بخشوع القلب، وسكينة وطمأنينة الجوارح، ولا يكون ذلك إلا عند شهود طرف من قدر ومقام الحق المصلى له ..
والركن الثالث إيتاء الزكاة كما في الآية أعلاه لأن الزكاة جزء من المال فهو انفاق من الرزق، وكذلك الصدقة، هذا من الناحية المادية ..
أما من الناحية المعنوية فالإنفاق يكون مما رزق به المؤمن من وقت وقوة بصحة وطاقة بالبدن، وعلم، ببزل الجهد بما يقرب إلى الله تعالى ويرضيه ..
أما إذا سأل سائل لما لم يكمل الله هنا لباقي أركان الدين وهما ركن الصيام والحج، فنقول لأن الصيام والحج، حصولهما نتيجة مكنونة في الانفاق من الرزق فالصيام هي بذل جهد معنوي بالاستقامة ومادي بالجوع والعطش في مرضاة الله، وكذلك الحج ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 02-03-2017, 03:47 AM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,335
افتراضي

{ والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } [البقرة : 4] ..

في هذه الآية يأتي بها التحول أو الدمج أو الارتباط بين أركان الإسلام وأركان الإيمان التي هي ببيان السنة الصحيحة: الإيمان بالله وهو الركن الأول والأهم الجامع بين أركان الإسلام والإيمان، ومن ثم الإيمان بملائكته، الذين قاموا أو أوكلوا بإنزال الكتب السماوية أو الرسالات الربانية على الرسل وفق دلالة الآية أعلاه، وكتبه وهي ما نزل على النبي ومن قبله من الرسل صلوات الله عليهم وسلامه أجمعين، ثم الإيمان برسله الذين حملوا الرسائل، وفي نهاية المطاف نجد الإيمان يكون بيوم الآخرة، ومع هذا الإيمان الأخير يرتقي الإيمان إلى الإيقان أو اليقين وهو الإيمان كله، إلا أن المقطع: { وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ }، له أوجه دلالية أخرى، منها أنهم في آخر الأمر والمطاف يصل إيمانهم إلى كماله بوصولهم إلى اليقين، والوجه الثالث، أنهم يختمون عند الموت على اليقين، وهي الخاتمة الحسنة التي يرتجيها ل مؤمن عامل، عملاً بقوله تعالى: { وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ } [الحجر : 99] ..

{ أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [البقرة : 5] ..

هنا وبعد هذه المقدمة البيانية من الحق لمقام المتقين يأتي البيان الإلهي بأن من انطبقت عليه شروط تحقيق التقوى، فهو على هدى من الله والهدى هنا نور يقذفه الله في قلب التقي كما أسلفنا يفرق به بين الحق والباطل، أي وصل إلى درجة الاستنارة بنور الحق المبين، والدليل على ذلك في بيان الكتاب لقوله تعالى: { فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ ....... } [الأنعام : 125]، ودليل أن الهداية نور من الله بعد انشرح الصدر في قوله تعالى: { أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } [الزمر : 22] ..
وهذه النتيجة هي الفلاح ويعني الفوز والظفر بالمراد من الحق سبحانه، والفلاح أيضاً من التهيئة والصلاح نقول فلحت الأرض أي: هيئتها وجعلتها صالحة لزراعة مثالية ..
والمفلح هو الذي تهيء قلبه لسلامته وصفاءه لتقبل الخير والحق والحكمة من الحق سبحانه، المعرفة الحقة لله ورسوله، ولا يكون الفلاح العملي السلوكي إلا بالتطهير والتعطير، أو لنقل بالتنقية والترقية، وهي التزكية لقوله تعالى: { قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا } [الشمس : 9]، أي فاز ونجا وظفر بمراده وصلح قلبه وتهيء للحق من تطهر بالاستقامة ومن ثم تعطر بالإيمان ..
ولكن هنا يأتي السؤال المهم، والذي فحواه: ما هو الكتاب الذي هو هدى للمتقين الذين يبدؤون بالإيمان الاستدلالي الفكري لما يعُرف بالله، وينتهي باليقين الشهودي بالعلم بأنه لا إله إلا الله، إنه كتاب اعلم أو اشهد وهي حرف الألف، من كتاب "الم"، والعلم أو الشهود القلبي يكون لوحدانية الألوهية لله، بقول: لا إله إلا الله، بقلب صادق مصدق بالجوارح لهذه الحقيقة المشهودة، وهي اللام بكتاب "الم"، ثم الشهادة بنبوة النبي المرسل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهي الميم بكتاب "الم"، فتحقيق محتوى هذا الكتاب، حصن يعصم من النار ويضمن الجنة، فقد ورد في الأثر المرفوع الصحيح، قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ، إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّار"، بل هذا الكتاب هو الأساس الذي يبنا عليه كل أركان الدين كما بينا بالآيات أعلاه، ومن الحكم الإلهية بكون هذا الكتاب المكنون معانيه ومقاصده مختزلة بحروف إشارة لسعة مفهوم لا إله إلا الله بالكون المخلوق، ولأهمية توقير وتعظيم سيدنا محمد ومحبته صلى الله عليه وآله وسلم، لتوليد ارتباط وصلة بقلب الشريف ينتج عنه ارتباط أكبر للقلوب بعلام الغيوب ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 03-03-2017, 10:58 AM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,335
افتراضي

{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } [البقرة : 6]

هنا وبعد أن أنها الله حديثه عن أهل الإيمان عاد ليتكلم عن من هم نقيض أهل الإيمان وهم أهل الكفر ..
نقول الكفر لغة الستر والتغطية إلا أن الكفر ثلاثة أنواع:
1) كفر عكسه الإسلام وهو ستر أوامر الحق بتجاهلها ..
2) كفر عكسه الشكر وهو ستر أنعم الله بإنكارها ..
3) كفر عكسه الإيمان وهو ستر الحق بالإعراض عنه ..
والمقصود بالآية هو نقيض الإيمان أي النوع الثالث، لقوله تعالى: { اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [البقرة : 257] ..
فهؤلاء بإعراضهم عن الحق المبين أظلمت نفوسهم وقست قلوبهم لقوله تعالى: { .... قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [الأنعام : 43]، فجاءهم الخاتم والطابع من الله لكثرة ذنوبها وغلبة آثامهم بأن ليس للإيمان لقلوبهم منفذ، وليس للكفر عنهم منجى، لذلك نجد السنة الشريفة الصحيحة، وصفت قلب الكافر: بالقلب الأسود المنكوس أي المظلم المتهاوي بالكفر، لقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ } [آل عمران : 90]، فهم لا توبة لهم لأنه ليس لهم رغبة بالتوبة، وهذا شرح الآية التي تلي الآية أعلاه، وهي قوله تعالى: { خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } [البقرة : 7]، ونقول سبب هذا الختم على القلوب حتى لا تعقل الحق، وعلى السمع المعرض صاحبه عن الحق، وعلى البصر الذي عمي صاحبه عن الحق لغلبة الباطل وهو هوى النفس الأمارة بالسوء التي تلبسها الشيطان حتى أصبح لها إله بأن أورثها صفاته من الكبر والعجب والغرور، لقوله تعالى: { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } [الجاثية : 23] ..
وقوله تعالى لهم عذاب عظيم أي لا حدود أو حد له في الدارين، مع ديمومته لا حد لها بالآخرة إن لم يفيء لأمر الله في الدنيا ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 05-03-2017, 05:10 AM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,335
افتراضي

{ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ } [البقرة : 8] ..
قوله تعالى "من الناس" تصريح ضمني أي: من غير المؤمنين ولا حتى المسلمين، إنما هم بالظاهر محسوبين على المؤمنين ضمن مجمعهم بأجسامهم دون أن تؤمن أفئدتهم وقلوبهم وهم المنافقين، فهؤلاء يدعون إيمانهم بالله واليوم آخر ما هم بمؤمنين لأن ما سيطر عليهم بالحقيقة حب الدنيا وحب أنفسهم فضلهم ذلك عن سبيل المؤمنين، وهم يقولون آمنا ألسنتهم وقلوبهم غافلة عما يقولون، أي يقولون ذلك رياء أمام الناس لتسهل مصالحهم، في مجتمع مسلم ملئ بالمؤمنين ..

{ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ } [البقرة : 9] ..

والقول أنهم يخادعون الله أي أنهم ضمنياً يؤمنون بوجود الله كخالق، إنما معنى الإيمان الحق هو التصديق القلبي بأن سير الكون كّله إنما هو قائم بالله راجع إليه وحده، فلا حركة ولا سكون ولا أحد يجلب الخير أو يدفع الضر سواه وذلك ما عبرت عنه كلمة كلمة التوحيد: "لا إله إلا الله"، أي أن أيمنهم صوري لا حقيقة فيه ولا تحقيق له، ولا تصديق عملي له، ولا حتى من باب الظن لأن حسن الظن يؤدي إلى حسن العمل، فالإيمان هو ما وقر في القلب من الحق، وصدق ذلك العمل ..
فالمنافق لم يؤمن بالله تعالى إيمانًا منبعثًا من قرارة نفسه، إنما سمع الناس يقولون شيئًا فقاله، لذلك تراه لا يشعر تجاه خالقه بتلك المعاني العالية التي يشعر المؤمن بها، وهو لم يذق طعم محبة الله ولم يشعر بحنانه وعطفه كرب رحيم، ولم يشهد شيء من جلال قدرته كإله عظيم، ولم يطهر الإيمان نفسه وينتزع ما بها من الشهوات الخبيثة، لذلك تراه يغش ويكذب ويقترف الآثام والموبقات وإلى جانب ذلك كله تجده يصلِّي الصلاة الصورية التي ليس فيها شيء من الإقبال على الله، أو أي خشوع إجلالاً وتوقيراً لعظيم قدر الله، ويصوم ممتنعًا عن الطعام والشراب دون صيام، وقد يتصدق ببعض الصدقات ظنًا منه أنه بذلك إنما يخادع الله فلا يؤاخذه على ما يقوم به من المعاصي والمخالفات، فهو يتظاهر بالصلاة وبالصوم حتى لا يعذِّبه الله بظنه، ولو أنه آمن حق الإيمان لطهر الإيمان نفسه ولفقه المراد الإلهي من أوامره تعالى، ونواهيه، ولعرف أنها كلها لخيره وسعادته فاستقام على أمر الله وخاف من عذابه، وهو يخادع المؤمنين، يظن أنه يخدعهم، أي: يتظاهر لهم بالخير والصلاح ومحبة الله ليبين لهم أنه امرؤ مثلهم في الإيمان وبذلك يبتغي تأمين مصالحه الدنيوية ورواج تجارته وإقبال الناس عليه، ولو {أنه آمن أن السير بيد الله وحده لما رجا أحدًا سواه ولما خشي غيره ..
وهكذا فللمنافق خداعه، والمخادع هو الذي يتظاهر بغير ما يبطن، يفعل ذلك تأمينًا لمنافعه وسعيًا وراء مصلحته، يظن ذلك خيرًا لنفسه وهو في الحقيقة إنما يخادع نفسه ولا تخفى على الله خافية وعمله راجع عليه؛ لأن أعماله كلها ستعود عليه فيما بعد بالسوء والشقاء، وسوء الخاتمة ..
وما مثل المنافق في خداعه إلاَّ كمثل طفل مريض حماه الطبيب من بعض الأطعمة الضارة ووصف له الأدوية المناسبة التي تخلِّصه مما فيه من مرض فجعل يتظاهر للطبيب بشرب الأدوية، التي تاباها سريرته، فإذا خلا إلى نفسه اتبع شهوته من لذيذ الأطعمة التي منعه عنها والتي تكون سببًا في بطء الشفاء واستفحال المرض ولم يثابر على الدواء كما أسلفنا لسوء طعم أو مرارة مذاق، فساءت حالته ..
أفتظن أن خداعه للطبيب يدفع عنه غائلة المرض ويخلِّصه من آلمه المريرة؟!؛ وهكذا فالمنافق فبتظاهره بتأدية الأوامر الإلهية من جهة وإشباع شهواته الخبيثة من جهة ثانية أشبه بالطفل الخفيف العقل الضعيف التفكير، فصلاته وصيامه وصدقاته ليست كلها بمغنية عنه شيئًا ولا يستطيع أن يقبل بنفسه على الله مادام لا يستقيم على أوامره تعالى، ولو أن هذا الإنسان فكَّر قليلا لعلِم أن الله تعالى غني عن العالمين، ولأطاع خالقه وأقنع نفسه على اتباع أوامره والانتهاء عن نواهيه ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 06-03-2017, 04:03 AM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,335
افتراضي

{ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } [البقرة : 10]
هنا يبين الله عز وجل آفة قلوب هؤلاء وأمراضها، وأهمها الكبر والكبر هو الاستخفاف بالحق واحتقار ما لدى الناس، فهم يظنون أنهم خير من غيرهم بجاههم وأموالهم وعلمهم سيطر عليهم العجب بما أتاهم لله من الدنيا وغرهم بالله الغرور، وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بما صح عنه، أنه لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، ويؤكد ذلك الله تعالى بقوله: { إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ } [الأعراف : 40]، فالله تعالى يخبرنا أن الذي يستكبر على آيات الله لا يدخل الجنة حتى تصبح نفسه المتكبرة أصغر من رأس الابرة التي يخاط بها الثوب ..
وأسوء محرك لأمراض القلوب هوى النفس وحب الدنيا، فحب الدينا رأس كل خطيئة ..
والله تعالى يعالج أمراض القلب بزيادتها في القلوب حتى تنكشف خبثها ويصعب علاجها فتخرج من قلب صاحبها بألم علاجها وتطهيرها ..
فالله تعالى يعاقب بخروج الشهوة وخلو ساحة النفس منها بسوق الشدائد وإنزال البلاء، فلعلَّ هذا الإنسان يرجع إلى ربه وهنالك يطهر الإقبال على الله نفسه ويخلِّصها من ذلك المرض المهلك، لقوله تعالى: { وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [السجدة : 21] ..
أن المنافق إنما يجر البلاء لنفسه بسبب كذبه، والكذب نقيض الصدق، فالمؤمن صادق مع ربه صادق مع نفسه أيضاً، بإدانتها بسوء مسلكها إذا ما تبع هواها وحقق شهواتها الدنية، ولذلك تجده صادقًا مع رسوله ومرشده، فلا مطلب له إلاَّ أن يكون ربه راضيًا عنه ولذلك تراه دائب البحث عما يقربه من خالقه، فالمال وهو مادة الشهوات كله رخيص عنده إذا كان في تقديمه قربة لخالقه، وعندما تسمو نفس المؤمن بأذواق الأخرة العلية، تصبح رغبته بالنساء وهي أعظم الشهوات الدنيوية رغبة ثواب لا رغبة شهوة جنسية، النبي صلى الله عليه آله وسلم لما عزفت أنفس الصحابة عن نسائهم، حفزهم إلى العودة بإن أخبرهم بأنه في بعض كل واحد منهم أجر إن أتى زوجه بالحلال، ولأنه وكما أخبرنا الصديق الأكبر أبا بكر رضي الله عنه، وأرضاه؛ أنه من ذاق من خالص معرفة الحق تعالى، شيء ووقر هذا المذاق في قلبه، شغله هذا المذاق القلبي الوجداني عمى سوء الحق تعالى، واستوحش من جميع البشر، أي ركنت نفسه إلى العزلة وقلة الكلام والاستهانة بالدنيا وما يأتي منها من حلوها ومرها، لذا أخبرنا الصديق رضي الله عنه، أيضاً، أنه كان إذا عرض عليه عَرَضُ الدنيا الحلال المكتسب، بالعمل المباح للعيش، ومكتسب الأخرة اختار عمل الأخرة، ولو أدى ذلك به إلى فاقة بالعيش، فقد أعطى كل ماله للمصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، لإيمانه اليقيني الثابت أن ما خبئ له من خير أخروي دائم، ورزق بيد الحق تعالى بالدنيا، أوثق مما جعله الله ظاهر من الرزق في يديه رضي الله عنه، فهو أعظم من عمل بالحكمة المشهورة: يقيني بالله يقيني مما لا يرضي الله ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 07-03-2017, 03:47 PM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,335
افتراضي

{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } [البقرة : 11]

من هذه الآية نفهم أن المنافق مفسد، ولكن ما أوجه فساد وإفساد المنافق؟، نقول: منها الوقيعة بين المؤمنين وتفريق كلمتهم لتحقيق مصالحة الدنيوية وجعلهم معه بالسوء سوية، وتحريضهم على التحزب الديني والطائفي والقبلي وحتى الفكري حتى يكون له مواقع قيادية ومنافع مادية، فالمنافق يعتبر أفضل مقومات الفتنة وتظهر حقيقته ويكشف ستره بالفتن ليتحول من النفاق إلى الفجور بإظهار مواطن فسقه، الذي كان يواريه بالإيمان المزيف، لأنه أكثر انجذاب لصناع الفتن اليهود وكلابهم والذين أشركوا معهم ..
ومن أوجه إفساد المنافق للمجتمع نشر كل ما يلهي عن ذكر الله ويفسد أخلاق المجتمع الإسلامي، والتشجيع على أخلاق الجاهلية الأولى بتشجيع المرآة على التبرج، ومزاحمة الرجال على أعمالهم خارج بيوتها والتي هي مواطن عيش الرجال ومصدر أرزاقهم، وهو ما يفسد البيت الإسلامي بكثرة العلاقات الغير شرعية وفساد العلاقات الشرعية بكثرة الخلافات الزوجية والطلاق، كما هو واقع أكثر المجتمعات الإسلامية الآن، فأكثر قضايا دور القضاء العربية الإسلامية اجتماعية! ..
ومن الفساد في الأرض أيضًا ظهور الغني المنافق بمظاهر الترف والاسراف بالبزخ، وفي ذلك ما فيه من تنغيص عيش عن حال معيشة الفقير وتكديره وتحريضه على الكسب غير المشروع مجاراة للغير المترف الغني، وهذا الفساد بكل أشكاله يدون بداية نهاية المجتمع الإسلامي بسقوط هيبته بقلوب أعداءه فيصبح مطمع بعد أن يقذف الله بقلب المسلمين الوهن، بشيوع حب الدنية الذي هو رأس كل خطيئة وغلبته بالمجتمع الإسلامي وبقلوب أفراد هذا المجتمع، الذي يتجه إلى الهاوية، لأن الوهن كما أخبرنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم: حب الدنيا وكراهية الموت، ذلك لأن المنافق ومن اتبعه وكان على شاكلته، معمر لدنياه على حساب خراب آخرته، ففي سريرته وحقيقته يكون كاره للقاء الحق سبحانه، وهو بترفه المعنوي والمادي، يكون سبب في انحلال وفساد المجتمع المسلم، بل وهلاكه ودماره، لقوله تعالى: { وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً } [الإسراء : 16] ..
والأسواء من ذلك وذاك أنك تجدهم مصرين بكذبهم ونفاقهم على أن ما يصدر منهم هو إصلاح للمجتمع الإسلامي وتطوير ومواكبة للعصر، وتحضر بإظهار المرأة وجعلها تزاحم الرجل في ميدان رزقه مما يزيد بطالة الرجال ويزيد الفقر، ويصعب الزواج الشرعي على العازب، فيميل إلى الحرام لسهولته وتوفره أكثر من الحلال، وظهور بيوت الدعارة التي عادتاً يكون أيضا ورائها المنافق، وأسياده اليهود، وكذلك جعل المرأة متبرجة بجعلها ممن لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، بأن تكون بمظهرها كاسية عارية، وبسلوكها مائلة للرذيلة مميلة لها باجتذاب ذوي النفوس الضعيفة إلى الفحش والرذيلة، والعياذ بالله ..
لذلك نجد المنافقين كمصير آخروي في الدرك الأسفل من النار، وليس لهم من يتشفع لهم أو يكون لهم نصير: { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً } [النساء : 145] ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 09-03-2017, 03:29 AM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,335
افتراضي


{ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ } [البقرة : 12] ..

أكثر من كان منافق غني أو ثري يظن نفسه محسناً!!، ولعلَّك تقول: كيف لا يشعر المنافق بما ينجم عن أعماله من الفساد في الأرض وما ينشأ عنها من نشر للأذى والرذيلة، كيف لا يرى ما في إبداء المرأة زينتها لغير المحارم من الضرر وتفريق أوصال الأسرة؟؛ كيف لا يشعر بما في تقليل فرص العمل للرجال وتقليل دخلهم لكثرة المزاحمين معهم من النساء اللواتي يرضون بأجور أقل، لأنهن عادتاً ما ينفقون دخلهم على تبرجهم، لا على أسرهم، إلا ما رحم ربي، وكيف لا يرون الفساد بالربا بالبنوك الربوية الذين يكونون بأكثر الأحيان هم روادها، وما ينتج عن هذه المؤسسات الربوية من إلحاق الفقر والإفلاس بأرباب التجارات؟؛ الذين يكونون مصدر لأرزاق كثير من الأسر بالتوظيف والعمالة، وفي زكاة أموالهم حق للفقير والمحتاج ..
كيف لا يرى ما في ظهور الأغنياء بمظاهر الترف من أذى للخْلق وتحريض على الكسب غير المشروع، بكثرة السرقة والسطو المسلح وانعدام الأمان وتشكل العصابات المجرمة، وهذه كلها أمور ظاهر أذاها وضررها بالفرد والمجتمع فأقول:
إن رؤية الحقائق ومشاهدة الحق من الباطل والخير من الشر لا تكون إلاَّ بنور الله، وبما أن المنافق امرؤ معرض عن خالقه وليس له نور من ربه لذلك تجده أعمى البصيرة لا يرى إلا صور الأشياء على ظاهرها، ولذلك لا يميز خيرًا من شر، بل على العكس يرى الأشياء بخلاف ما هي عليه ولذلك تراه لا يقدر سير المؤمن القويم بسلوكه، المستقيم على ما يرضي الله، ولا يعظِّم ما هو عليه من هذه الاستقامة، بل إنه يستخف باستقامة المؤمن ويستهزئ به وهو في سيره وعدم رؤيته الحقائق على طرفي نقيض مع المؤمن ..
فالمؤمن يغض بصره عن المحارم لأنه يرى في ذلك فسادًا لقلبه وحرمانًا من القرب من الله وإفسادًا لحياته وسعادته في أسرته، بل بذلك يملأ قلب زوجته وابنته وذويه حباً له وحباً للفضيلة لأن ذلك يتوافق مع فطرة الإنسان السليمة، بل وينتج عن ذلك الثقة التامة من زوجته لأن المرأة تريد أن يكون الرجل لها فقط، وهي بالمقابل وجدانياً لا ترتضي إلا أن تكون له، بظاهر سلوكها، وفي سريرتها، بعد أن امتلئ قلبها لزوجها المؤمن حباً له، فالمرأة مرآة الرجل، كزوجة أو ابنة أو أخت، وهكذا تصلح المرأة وتنشأ لتكون مرأة صالحة وهذا يبين لنا جانب من فهم قوله تعالى: { الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً } [النساء : 34] ..
والمنافق يرى في غض البصر حرمانًا للنفس من حظوظها وضغطًا عليها وهو لم يذق طعم القرب من الله حتى يخاف فقدان هذا الذوق الرباني ..
والمؤمن يستقيم في بيعه وشرائه ومعاملاته مع الناس لأن الإنسان في نظره لا ينال إلاَّ رزقه الذي كتبه الله له وما عليه حتى يصل إلى هذا الرزق إلا أن يسعى في الكسب من طرقه المشروعة والرزق على الله الكريم ..
أما المنافق فيرى في هذه الاستقامة خسارة ويريد الحصول على أكبر حد من الأرباح مهارة منه وحذقاً وهو يظن أنه إنما يرزق نفسه بنفسه فما عليه حتى يصل إلى هذا الرزق إلا أن يقوم بشتى الحِيل، ومنها الكذب والغش والحلف الذي هو مفسدة السلع، متناسياً أن ما وصل إليه كبار تجار الصحابة رضوان الله عليهم، من ثروة وغنى كان بصدق المعاملات، وكثرة إنفاقهم في جنب الله، مما جعلهم موفقين من الله تعالى في تجارتهم، وساق الله لهم الأرزاق من حيث لم يحتسبوا، وأفاض عليهم ببركة الرزق ورغد العيش، فكانوا سعداء في الدارين ..
والمؤمن يبذل ماله سعيًا وراء القرب زلفى من خالقه ويرى في بذل المال في سبيل الله ربحًا ومغنمًا؛ أما المنافق فيرى في بذل المال في هذه الأوجه خسارًة ومغرمًا ..
والمؤمن يرى في موته في سبيل الله حياة لنفسه وفوزاً برضا الله وخلودًا في النعيم الأبدي؛ أما المنافق فيرى في بذل النفس خسارة لا تعوض وانقطاعًا عن هذه الدنيا وحرمانًا من شهواتها وملاّذه، لذلك فإن المنافق يرى منهج المؤمن الصحيح، بمنظوره الدنيوي الضيق الضال بجهالته، سفاهة أو انعدام للحكمة الصائبة، وكل ذلك لجهلة بحقيقة الإيمان وما يربو عليه من ورادات السعادة الحقة، والرضا عن الحق، وهذا مآل قوله تعالى: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَـكِن لاَّ يَعْلَمُونَ } [البقرة : 13] ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 09-03-2017, 04:09 PM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,335
افتراضي

{ وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ } [البقرة : 14] ..

من هذه الآية نجد أن المنافق إذا لقي المؤمن يظن نفسه أنه مؤمن بالله مثله!، بصلاته الصورية وعبادته التقليدية، والحقيقة أن إيمانه كله تقليدي، فهو لم يفكِّر في عظمة هذا الكون وما قام عليه من خْلق بديع حتى يدرك عظمة ربه وحكمة خالقه وموجده، وهو لم يفكِّر في تلك القوة الهائلة التي تدير الأرض والشمس والقمر وسائر الأجرام السماوية وتربطها ببعضها في هذا الفضاء العظيم حتى يعرف أن سير الكون كله بيد الله؛ نعم إنه لم يدرك من ذلك شيئًا كما أدرك المؤمن، بل إنه امرؤ سمع أقوالا ً فرددها بلسانه ولم يعقل أو يؤمن بها قلبه ولم يفقه لها معنى ولم يدرك لها حقيقة، قال تعالى مشيرًا إلى أحوال هؤلاء بقوله الكريم: { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ..... أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [المائدة : 41] ..
ثم إن المنافق يظن أنه بصومه وصلاته إنما أدى الفرض المأمور بتأديته وإنه لا فرق بينه وبين المؤمن في هذه التأدية، والحقيقة أنه شتان بين صلاة المنافق وصلاة المؤمن؛ فالمؤمن إذا وقف بين يدي خالقه شعر بتلك الصلة المعنوية والقرب الإلهي وعقل من معاني الآيات المنزلة ما لا يشعر به ولا يعقله المنافق، ليخشع قلبه لذكر الله كما عند المؤمن، لعلو تقديره وتعظيمه لحق تعالى: { ..... وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ } [العنكبوت : 45] ..
فالصلاة تقوم بتعظيم ذكر الله فيخشع القلب والنفس والجوارح وتكون منهاة عن الفواحش والمنكرات، التي لا ترتضيها النفس الإيمانية السليمة ..
وهكذا فالمنافق مغرور وهو لا يشعر بما هو فيه، ومن نتائج غروره أنه يستخف بالمؤمن ولا يقدره أو يعرف له قدر أو حتى يعرف حقيقة قدره، لذلك إذا خلال إلى شياطينه أي من بعدو عن رحمة الله، من أقرانه ومناصريه من الإنس قرينه من الجن، أظهر حقيقة موقفه من جماعة المؤمنين، وإنه إنما هو مستهزئ ..
ومن هنا يتبين لنا أن المنافق ملعون من الله لأنه ذو وجهين، وجه يقابل به المؤمنين وآخر يقابل به الكافرين، فما دام المنافق في مجلس المؤمنين وما دامت شهوته كمينة في نفسه فهو يتظاهر بالصلاة والتقوى، فإذا ما عرضت له الدنيا متزينة ولاحت له شهوة من الشهوات الخبيثة ظهرت حقيقته وتبدى ما استقر في نفسه من خبث فأيد جماعته في سيرهم المنحط وباح باستهزائه واستخفافه بالمؤمنين ..
فإن الله تعالى نجده يستهزئ بالمنافق بأن يحتقر ويستخف منه ما هو فيه من الضلال، ويمده بضلاله، حتى يعمه الاستهانة بكل محرم، فيغلب على قلبه العمه، والعمه هو عمى القلب، وهذا أحد معاني يعمهون في قوله تعالى: { اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } [البقرة : 15] ..
فالله تعالى إنما يمد هذا المنافق برغائبه ويعطيه جميع مشتهياته تفريغًا لنفسه مما هو مسيطر عليها وتخليصًا لها مما هي مشغولة به لأن الشهوة ما دامت كمينة فيه محجوزة عن الخروج فلا يؤثِّر فيه إنذار ولا تنفعه موعظة أو شدة، ثم إن الله تعالى حينما يمده بالشهوة لا يريه ما وراءها من
الشدائد؛ وذلك ما نفهمه أيضاً من كلمة "يَعْمَهُون" وهي عدم رؤية العواقب والاحتجاب عن مشاهدة النتائج التي تعود عليه بالمذلَّة والهوان، ولو أن المنافق رأى ما يعقب عمله من شدائد لما تجرأ على الفعل ولظلَّت شهوته مستكنه في نفسه ولبقي مرضه مستقرًا لا يخرج وبذلك لا تمكن المداواة، فإذا ما احتجبت النفس عن رؤية الشدائد وخرجت الشهوة وفرغت منها النفس فعندئذ تمكن المداواة ويرجى لهذا المريض البرء والشفاء، وقد أراد تعالى أن يبين لنا سبب تولُّد هذه الشهوة في نفس هذه الفئة من بني الإنسان فقال تعالى: { أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ } [البقرة : 16] ..
نقول: المنافقون إنما اشتروا الضلالة بالهدى للحصول على المنافع الدنيوية وسعيًا وراء شهواتها الفانية، قدموا الآخرة ثمنًا فرضوا بالحياة الدنيا بدلاً عن الآخرة ونعيمها وما حملهم على ذلك إلاَّ جهلهم الناشئ عن عدم إيمانهم ..
فالآخرة لا يعادلها من الدنيا شيء، والآخرة نعيمها أبدي والدنيا نعيمها آني ومتاعها قليل؛ وإذا كان الإنسان في هذه الحياة الدنيا إنما يتنعم بجمال الأشياء المادية الموجودة في هذا الكون، فالمؤمن في الدار الآخرة إنما يتنعم بالنظر إلى جمال الله تعالى الذي خلق هذا الكون والذي جمال الكون كله أثر من آثاره ونقطة من بحر جماله، فما نعيم هذه الدنيا بالنسبة إلى ذلك النعيم! ..

{ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ } [البقرة : 17] ..
فما مثل هذه الحياة الدنيا التي اغْتر المنافق بها إلاَّ كمثل النار تضيء له قليلا، ثم لا يلبث أن يذهب نورها عنه ويقع في ظلمة لا نهاية لها؛ وهكذا فنرى المنافق جاهدًا في جمع المال، ساعيًا وراء المناصب العالية والسلطان صارفًا عمره الثمين في التمتع بشهوات الدنيا ولا هم له سواها، فإذا نال من دنياه ما نال وتمَّ له ما يريد وظن أنه إنما أمن لنفسه مستقبلا رائعًا وحياًة هادئة إذا به وقد جاءه الموت ووافته المنية ففارق الأهل والمال والولد وترك الدنيا راغمًا ولم يبق بين يديه شيء منها، فقد ذهب الله بنور حياته بالموت وحرمه من نور إيمان ..
فدنيا المنافق هي أكبر أمله في هذه الحياة وهي بالنسبة له نوره وعليها اعتماده، لكنها في الحقيقة ستكون فيما بعد نارًا ووبالاً عليه، فإذا ما حل به الموت تألَّم ألمًا شديداً على صرفه عمره في السعي وراءها، ثم إنه ينظر فلا يرى بين يديه شيئًا من صالح الأعمال يتقرب بها إلى الله وهنالك يقع في ظلمة الحزن والحسرة على ما فرط وضيع ولا يعود يبصر من هذه الشهوات الدنيا شيئًا ..


يخبرنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بما صح عنه مرفوعاً، أن الخضر عليه السلام، أوصى نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام، مذكراً، بأن لا يتعلم العلم ليحدث به، قبل أن يتعلمه يعمل به، وإلا كان لغيره نوراً وله بوراً؛ وهذا حال المنافقين بالعلم، يتعلمون العلم ليجاروا به العلماء، وليباهوا به السفهاء، وليسودوا به المجالس، لذلك نجد نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم، حذر من أئمة الضالين، وأخطرهم كما قال صلى الله عليه له وسلم: المنافق العليم اللسان، فهؤلاء يكون نور العلم لغيرهم، وهو حجمة عليهم إذا يعلمون ولا يعملون، فيكون عليهم حجة يوم القيامة وظلمة ووبال، وهذا جانب آخر من معنى أو مقصد قوله تعالى بالمنافقين: { َمثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ } [البقرة : 17]، وذهاب النور وبواره يكون بالعمه وهو عمى القلب، ونتاجه في قوله تعالى: { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } [البقرة : 18]، فهم ذلك لأنهم لم يكن لهم واقع تطبيقي، لمنهاج المؤمنين بالتصديق القلبي، لو ساروا مسيرة المؤمن بمعرفة الله، وسلكوا سلوك المؤمن بتعقل الحقائق المقربة إليه سبحانه، واستقاموا وعملوا الصالحات، وبيان الآية الأخيرة في علم البيان وهو تأويل وتبيان القرآن بالقرآن، في قوله تعالى: { أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } [الحج : 46]، وتزيد الآية المشروحة بصفة البكم وهي حالتهم بعد الموت، لأن المنافق متكلم حاذق، وصاحب سمت حضور يجذب لأنظار لقوله تعالى: { وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ } [المنافقون : 4] ..
ولكن وفق الآية الأخيرة هم أصحاب مشاعر إيمانية متخشبة لا حياة فيها سندهم ما حفظوه من العلم وتشدقوا به على الناس، وريبتهم من كشف أحوالهم من الكذب ملازمة لهم ومقلقه دائماً تكاد تكشف حقيقتهم ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 10-03-2017, 03:40 AM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,335
افتراضي

{ أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ } [البقرة : 19] ..
الكاف هنا كاف التشبيه، وهنا الله شبه القرآن الكريم بصيب السماء وهو السحاب الممطر، فالقرآن صيب محكم من السماء الغيبية العلية، وليست المكانية العلوية، يصيب صدور الناس على مختلف أشكالهم، وفيه للمنافقين ظلمات، لأن آياته تحجبه عن مصالحهم وملذاتهم الشخصية وشهواتهم النفسية، وتذكرهم بالموت الذي هم منه يفرون منه ويستنكروه ويتجاهلوا وجوده، والرعد هي آيات الوعيد بالنار والعذاب للمنافق والكافر، والبرق آيات الترغيب بالجنة ورغد عيشها ودوام نعيمها، وكما نجد المؤمن مقبل مصدق مؤمن بآيات الترغيب، نجد المنافق معرض ناكر مكذب وكذلك الكافر عن آيات الوعيد ممتنع عن سماعها لما فيها من صواعق قد تعطل مصالحة وشهواته فتموت، وهم لا يأملون بالآخرة شيء ولا يصدقون بوجودها حتى: { وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } [الإسراء : 10]؛ وأولئك في ضلال لا هداية فيه، أعمى الله قلوبهم عن الحق: { إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ } [النمل : 4]، وهو فيهم وبكفرهم ونفاقهم محيط ..

{ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [البقرة : 20]

يبين لنا الله تعالى حال المنافقين الذين حجبتهم شهواتهم وأمانيهم الدنيوية عن الحق، وإن للبيان لسحر إذا ضرب وتر الفطرة الإنسانية الباحثة عن السعادة، بتبيان لذائذ الإيمان ونعيم الآخرة، فإن هذه البوارق المعرفية الإيمانية تجذب لباب المنافقين، وتكاد تجتذب قلوبهم للإيمان، فإذا ما أضاء لهم مشوا فيه، وإذا ما أظلم عليهم قاموا وذلك بآيات العذاب والوعيد والموت، وترك الدنيا فيكون سمعهم للحق وانجذابهم له، حجة من الله عليهم: { فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ } [التوبة : 77]، والله قادر على ذهاب سمع المنافق وبصره الإيماني، لكن لا يمنعه الله أمل النجاة بالإيمان والتقوى، ما دام في قلبه بصيص حياة للإيمان بالله، والسير سيرة المؤمن، وذلك من شدة رحمة الله بكل عباده، وحتى تسقط جميع الحجج عند المنافق يوم الحساب والجزاء ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 12-03-2017, 06:53 AM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,335
افتراضي

{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [البقرة : 21]

وبعد هذه المقدمة العريضة من الحق تعالى، المبينة لحال المؤمنين والكفار والمنافقين، يأتي الخطاب العام من الحق تعالى، للناس كافة فدين الإسلام جاء لجميع الخلق من البشر، لأن بهداية البشر تكون هداية الجن، وصلاح المجتمع وصلاح الأمم، وانتشار الأمن والسلام الأمان، فإن رفع الإيمان فلا آمان؛ ذلك أن التكليف المباشر للجن كان قبل خلق آدم، ودليل في قول الملائكة، وفق شهود التجربة، عندما أخبرهم بخلق آدم أو الإنسان، لقوله تعالى: { .... قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } [البقرة : 30]، إلا أن الثقلين مكلفان بالنهاية بالعبادة، لقوله تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } [الذاريات : 56]، هنا خطاب الله للناس فيه أمر عام بالعبادة، والعبادة هي الطاعة والانصياع والخضوع المطلق لأوامر الله كاملة، وهي الإسلام الذي يعني الاستسلام لأوامر الله كاملة، وفي ذلك بداية العصمة من النار في الدارين، ونجاة من سوء الخاتمة في حالة المتابعة العملية، مع حسن النية ..
ولكن يجب أن نعرف أن العبادة هي وسيلة دنيوية موصلة إلى هدف آخروي، إذ في الآخرة لا يوجد عبادة، فالمطلب الأخروي في الدنيا هو معرفة الله، فعلى قدر المعرفة للحق تعالى، تأتي المهابة والمحبة التي هي سبيل السعادة الحقيقي بالحق بالدارين، لقوله تعالى: { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ } [الرحمن : 46]، فأعلى درجات العبادة هي الوصول إلى العبودية، وهي أعلى وأسمى درجات المحبة لله عز وجل، فالسعاة مثلاً بقصر الملك على قدر معرفة ومحبة الملك المضيف والوثوق به والاطمئنان إليه، والمرء لا يثق ويطمأن إلا لمن يحب، أن يتيقن بخيرية من وثق به، لقوله تعالى: { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ [54] فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ } [القمر : 55]، والدليل في سياق الآية أن الأمر من الله بالعبادة للرب الخالق، أي بعد معرفة الرب الخالق للناس الممتثلة لأمر الحق، وبيان ذلك آية الأمر بالاستقراء المعرفي وهي أول آية أمر الله تعالى بها نبيه، بقوله: { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } [العلق : 1]، والدليل أن الاستقامة على أمر الله بالشكل الأمثل، لا تكون إلا بمعرفة الله، في قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ } [فصلت : 30]، فقولهم بربوبية الحق، هي إقرار إيماني قلبي، وإشارة الحق بالآية لمن كان قبلهم لأخذ العبرة لما حصل معهم لما خرجوا عن شرع الله، ولم يستجيبوا لدعوة رسوله، فالكيس من اعتبر بغيره، والأحمق من اعتبر بنفسة بعد فوات الأوان، ونهاية الآية: { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }، أي إذا أدركتم جانب من ربوبية الخالق بالخلق، وأقرت قلوبكم بهذه الحقيقة العلمية، استقامت قلوبكم على ما يرضي بدافع ذاتي، وما هذا إلا من تقوى القلوب، من رحمه الرحمن أنه لم يشأ الإيمان لفئة خاصة من الناس دون أخرى بل مقت أن يخرج من دائرة الإيمان أحد من الناس، بشكل يفوق مقت المعرض عن الإيمان لما آل إليه يوم القيامة من مصير، ولما فوت على نفسه من الخير الوفير، والسعادة اللامحدودة، لقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ } [غافر : 10]، لذلك في الآية موطن البحث أعلاه أن الله يطلب من خلقه العبادة المبنية على معرفة الرب الخالق المعبود، بقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ }؛ وهو أول مطلب نزل على قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بقوله تعالى: { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } [العلق : 1]، أي المطلوب عبادة مبنية على معرفة معاني ربوبية الخالق، لأن الرب هو الولي الراعي والمعتني بعنايته بعبده القائم على كافة احتياجات عبده، فإذا ما أدرك العبد هذا الجانب من الربوبية، للحق، زاده الله من رأفته وعنايته وفضله، لقوله تعالى: { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ } [إبراهيم : 7]، ومن أعرض واستغنى فإن الله غني عن العالمين، إنما الحقيقة نحن المحتاجون والمفتقرون لربوبية الحق وهذه هي منابت السعادة الحقة التي تنتهي برضا العبد، مع رضى الحق عن العبد وهذا هو الفوز لعظيم، وهذه هي التقوى التي ينشدها الله في الآية موضع الشرح ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 13-03-2017, 04:50 AM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,335
افتراضي

{ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } [البقرة : 22] ..

وفرش الأرض أي تهيئتها بكل متطلبات الإنسان من كلئ وطعام ومسكن، والسماء كل السقف الحامي في المنزل، ليحمي من أي طارق مادي من شهاب أو نيزك أو حتى مذنب، أو طارق إشعاعي فإذا ما زادت أشعة الشمس وزادت أشعتها الضارة هلك الزرع والنسل واحترق الأوكسجين فاحترق الأرض بما فيها، كذلك طبقات السماء الدنية من الأغلفة الجوية تحفظ لابن آدم غاز الحياة "الأوكسجين"، وغير ذلك مما لا يعد ولا يحصى من نعم الحق في هذا المجال، لقوله تعالى: { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } [النحل : 18]، والتي منها كما في سياق الآية انزال المطر الذي فيه الحياة لقوله تعالى: { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ } [الأنبياء : 30]، ثم يخبرنا الحق أن بالمطر هناك نبات مثمر هو رزق لنا نحن البشر، وآخر غير مثمر غير قابل للأكل، لكنه مثمر قابل للأكل للدواب التي نقتات منها، لقوله تعالى: { وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } [النحل : 5]، ثم يأتي الأمر من الحق، بأن المعرفة بهذه الآيات الدلالية عليه سبحانه معرفة إيمانية، تنفي عنه تعالى إمكانية وجود الندية له تعالى، وتؤكد معاني الوحدانية بالتصرف والتسيير الإلهي، عندما يرتقي المؤمن من مرحلة الإدراك المعرفي، إلى الشهود العلمي للحق، والعلم بالشيء، هو شهود الحق على حقيقته ..
وفي هذه الآيات أيضاً تحريض ضمني على ضرورة المعرفة الإلهية، وتكون هذه المعرفة من خلال الاستدلال الفكري الإيماني، وهو التفكر بآلاء الله عز وجل، والذي هو مفتاح إيمان الجنان أو الإيمان القلبي، ولكن يأتي كيف تكون هذه الطريقة المعرفية الفكرية، وما هو السبيل له، ولتحقيق الإيمان القلبي بها؟؛ فالله تعالى يقول: { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ } [آل عمران : 190]، ثم يخبرنا الله تعالى من هم أولي الألباب، بقوله عز من قائل: { الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } [آل عمران : 191]، أي هم الذاكرين الله كثيراً المتفكرين بالآيات الدالة على الحق، من خلال معرفة أن خلق لله كله حق وبالحق، لذلك لما نزلت هذه الآيات على قلب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، بكى حتى بلغت دموعه لأرض، ثم قال لبلال الذي جاء ليصحبه صلاة الفجر، بعد أن تلا عليه هذه الآيات: "وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا"؛ نعم لأنها سبيل النجاة من نار الأخرة، وضمان لسعادة الدارين، كما قال بعض أئمة السلف العارفين، بأن أهل الدنيا كانوا مساكين لأنهم خرجوا من الدنيا ولم يذوقوا أطيب ما فيها، آلا وهي معرفة لله، فكيف نعرف الله؟، ونكون ممن قال الله تعالى فيهم: { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } [الأحقاف : 13] ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 13-03-2017, 06:58 AM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,335
افتراضي

ومما تقدم نجد خطورة النفاق ومغباته وأهمية لإيمان ومرتباته، وبناء على هذا نعود إلى ذي بدء وننظر في وجه دلالي جديد للآيات الإيمانية الأولى من سورة البقرة، ونخبر من كان له قلب، وألقى سمع وهو شهيد:

{ الم } [البقرة : 1] ..

في هذه المرة نعاود النظر في كتاب "الم" لنعرف عنوان هذا الكتاب، فالألف "ا" هي أمر من الله بصيغة: اعلم أنه؛ والام "ل": لا إله إلا الله، لقوله تعالى: { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ } [محمد : 19]، أو تأتي أشهد أن لا إله إلا الله، فالعلم في حقيقته، هو شهود الحق على حقيقته، ووفق الآية المبينة أعلاه، نجد الخطاب خاص بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومنه إلى المؤمنين ومن المؤمنين وأمهات المؤمنين إلى المؤمنات بالتعليم والإرشاد، لقوله تعالى: { لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ } [آل عمران : 164]، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، يعلم أصول كتاب التوحيد، فكتاب "الم" هو كتاب الأستاذ الذي في ثناياه منهج التعليم لعلم التوحيد رأس كل علوم الدين، وأصل ومنبت كل فروعه، فبتعليم المؤمنين أصول التوحيد الموصلة معرفة حقيقة توحيد الألوهية، تبدأ مراقي الإيمان ..
وبناء على ما تقدم يعرف بقية عنوان الكتاب الميم "م"، وهي أن: "محمد رسول الله"، لقوله تعالى: { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ .... } [الفتح : 29] فعندما نصل إلى العلم بلا إله إلا الله وهي شهادة حقيقة التوحيد، نعلم محمد رسول الله، وتحت عنوان فرعي لكتاب "الم" من عرف كتاب التوحيد، عرف أن محمد سيد الخلق صلى الله عليه وآله وسلم، هو: "أحمد الخَلق" و "لطيف الخُلق" و "محمود الخالق"، هي الوجه الأخر لكتاب "الم"، وباب معرفة حرف "الميم" في حروف "الم"، بالخطاب الخاص من الله لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم، الذي لا يدركه إلا المؤمنين، الذين عرفوا الحق عن يقين، يعيون قلوب المتقين ..
فمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، هو المُفْعَلُ للمحامد فهو بهذا أفضل من حُمد، فهو أحمد الخلق أجمعين، وهو ألطف الناس خلقاً لأنه الرحمة المهداة للعالمين، وهو مصدر الرحمة في الأرض، لقوله تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ }[الأنبياء : 107] ..
وهو محمود الخالق، لكماله بالخُلق الذي لا يحد معلوم أو لا حدود له، لقوله تعالى: { وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } [القلم : 4]، وبتمام علمه بطريق الله القويم الصراط المستقيم، فهو الهادي إليه تعالى وطريق الحق المستقيم الذي لا اعوجاج به، لقوله تعالى: { وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } [الشورى : 52] ..
والعلماء في شأن كتاب "الم" على فريقين فريق فوضوا محتواها من المقاصد والمعاني؛ وقالوا لا يعلم مراده إلا الله، وفريق آخر أوله مثل الإمام الفخر الرازي، والإمام الحجة الغزالي رحمهما الله تعالى، ولكن قالوا لا يحد مبناه بتأويل أو لا حدود لـتأويله إنما هو مفتاح لمقاصد ومعاني مفتوحة، تدرك على قدر الإيمان والتقوى واليقين ..
المهم من عرف أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أحمد الناس بمحامده، وألطفهم بخلقه، ومحمودهم عند خالقه، تولد في قلبه تقدير عالي لهذه المكانة العلية لسيد المرسلين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وعلم أنه صلى الله عليه وآله وسلم، كما قال تعالى: { لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } [التوبة : 128]، عندها تنشأ المحبة الإيمانية بهذا النبي العظيم صلى الله عليه وآله وسلم، ومحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو المدخل الحقيقي لإيمان القلبي، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أخبرنا بما صح مرفوعاً بسند صحيح؛ أنه لا يؤمن أحد حتى تكون محبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ أحب إليه من نفسه وأهله وماله وولده ومن الناس جميعاً ..
أقول: إذا قرأ الإنسان كتاب "الم" قراءة إيمانية مع المحبة النبوية، أوصله ذلك إلى الشفاعة الحقيقة مع قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإن شئت فقل إلى صلة نفسه بنفس الرسول الكريم فعندئذ ينعكس في نفس هذا المؤمن الصافية ما هو منطبع من معاني القرآن في نفس
المقبلة على الله ويكون هذا الانعكاس متناسبًا مع صلة هذا المؤمن برسول اللهومقدار حبه له، ثم تنعكس هذه المعاني من نفس هذا القارئ إلى الدماغ، فيدرك الفكر تلك المعاني ويحلِّلها ويترجم اللسان معبرًا، ويتابع هذا المؤمن القراءة حتى يصل إلى آخر السورة وتظهر له فالمعاني يتتابع انعكاسها في معاني الآيات آية بعد آية، وما دام وهو مرتبط بنفس رسول الله نفسه حتى يأتي على السورة كلها ..

وهذه المكاشفة للمعاني المكنونة مع الطهارة النفسية، بـتأثير المعية النبوية بالصحبة النفسية، مثالها كمثل رجل مبصر دخل غرفة مَثلُ هذا المؤمن في صلة نفسه برسول الله صلى الله عليه وآله، ينيرها مصباح وبها صنوف مختلفة من الأشياء، فكلَّما اتجه إلى شيء من الأشياء التي تنصب عليه أشعة ذلك المصباح انطبعت صورة هذا الشيء في عين الرائي المستنيرة فاتضح له ذلك الشيء وأدركه وهكذا وما دام داخلا هذه الغرفة فهو مستنير بنور النبوة، وما دام يتطلَّع إلى الأشياء فهو لها مدرك الطاهرة وما الأشياء إلاَّ الآيات الكريمة. وما المصباح الكاشف في الغرفة إلاَّ النور الإلهي المتوارد على نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، المؤمن الذي تفتحت عينه بالإيمان أي بمعرفة ربه وما الغرفة إلاَّ نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لقوله تعالى: { .... مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ..... نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [النور : 35]، فالله كما في الآية نور يعلو ويمد نور المصباح وهو قلب النبوة المنير لقوله تعالى، وخاطباً نبيه ومبين مقامه: { وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً } [الأحزاب : 46]، فشبه الله نور نبيه بالشمس المنيرة التي يعم نورها الأرض لأرض لشدة نوره صلى الله عليه وآله وسلم ..
ذلك بعض ما نفهمه من كلمة "الم" التي جعلها الله تعالى مفتاحاً لهذه السورة وذلك هو السبب الذي جعلها ترد على شكل رمز ولم تأت مدلولاتها على شكل صريح، فمن آمن بالله وسلك الخطوات التي أوردناها آنفًا وهي طهارة القلب ومحبة وتقدير مقام النبوة، أدرك معاني القرآن واهتدى إليها ..
لذلك يخبرنا الحق أن القرآن للمؤمن هدى وشفاء لما في الصدور، لقوله تعالى: { ... قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ } [فصلت : 44] ..
نقول:
هذا الارتباط برباط المحبة بنفس رسول الله فهم كلام الله، هو الذي يكون سببًا كما أشرنا إليه من قبل في فهم كلام الله، لكنه لا يقف بهذا المؤمن عند هذا الحد، بل يرتقي بمراقي الإيمان حتى يوصل المؤمن إلى شرف الصحبة النفسية مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا ما بلغ المؤمن هذه الدرجة العلية، أصبح النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهذا المؤمن سراجاً منيراً للحق، يرى في ثنايا النفس المحمدية منعكس كمالات معاني الربوبية والرحمة، فيزداد محبة لله ورسوله ..
وتلك هي التقوى في حقيقتها: إنما هي دخول على الله بصحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وشهود الحق بذلك النور المستمد من الله، وما في أوامره تعالى من الخير وما في نواهيه من الأذى والشر، لقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [الحديد : 28] ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 14-03-2017, 06:15 AM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,335
افتراضي

نعود الآن إلى مطلع سورة البقرة لتأويل آياتها الأولى من جديد:

{ ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ } [البقرة : 2]:

أي: كتاب "الم" الذي بمكاشفة جانب من حقيقته يكون مُخرج من طور الاضراب والشك والضلال إلى طور اليقين والطمأنينة، فهو المصباح الموصل إلى الحق المبين، لمن استنار قلبه بنور رب العالمين فرأى الحق عن يقين، ورأى الباطل منهاج أعداء الدين ..
فالمتقين هم الصادقين بطلب ما يرضي الرب الرحيم ..

{ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } [البقرة : 3]:

نقول: الإيمان هو التصديق المبني على التحقق مما هو بالسمع اعتقاداً وتأثراً، والتحقق فيه يكون يبدأ بالمحاكمة والاستدلال الفكري، أي بالتفكر، وهو استنتاج معرفة بالمقارنة بين معرفتين، بالاستقراء الفكري، وفق قوله تعالى: { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } [العلق : 1]، فالقراءة الفكرية الاستدلالية تبدأ باسم الرب الخالق، يكون ذلك بالمقارنة بين تمام الخلق وأصل خلقه، كما في قوله تعالى: { خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ } [العلق : 2]، فبهذه المعرفة الناتجة بالمقارنة يتبين الغائب من معاني الربوبية المكنونة بالخلق، هي بداية معرفة الله عز وجل ..
ومثال هذه المحاكاة الفكرية المعرفية، لو نظرنا كيف أن العين تضبط مشاهدها المنظورة بطيع 16 صورة بالثانية على الشبكية وأساس تكوينها علقة مجهرية تعلقت على جدار الرحم، فهل هذه النطفة المعلقة هي من رتبت ذلك؛ هذه المسائلة أو الحقيقة الدامغة كمعرفة استنتاجية، تكون إدانة للنفس لتقر بالحقيقة بهذه المواجهة أو المحاكمة الفكرية، لتدرك أن هناك قوة قادرة مدبرة خالقة قامت بذلك فيكون بذلك توليد أو انتاج بوارق الحق المعرفة بالرب الخالق، ليبدأ التصديق والإيمان بما هو غائب من المعرفة عن الحق ..
فالإيمان بالغيب هو الإيمان المبني على الجزم بوجود مؤثر غائب بذاته، حاضر خالق فعال بوجود آثاره المخلوقة ..
وقد يقول قائل كلنا نعلم أن الخالق هو الله فما الجديد، إذ نحن بذلك مؤمنين، فيكون الجواب قوله تعالى: { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [الحجرات : 14]، ذلك أن من قال هذا القول قاله من باب الظن وليس التحقق، هو باب جميل موصل إلى بحسن الظن المصدق بحسن العمل، ولكن هو طور المسلم وليس المؤمن، وهم كثر في أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والحمد لله، ولكنه لا ينجي من الفتن في أيام الفتن التي نعيشها اليوم لأنه دون التحقق الراسخ، لقوله تعالى: { وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً } [النجم : 28]، وقد ميز الله بين المؤمن العابد والمؤمن العالم بقوله تعالى: { أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ } [الرعد : 19]، أي لا يعرف هذه الحقيقة إلا من كان له لباب بمعرفة الحق والصواب من أولي الألباب ..
والتذكر عند أولي الألباب الأتقياء، يكون باسترجاع أثار المعارف القلبية المتراكمة، بتتابع المعارف الفكرية، ويكون ذلك بواسطة استعادة وايقاد القوة الذهنية، وربط هذه الآثار التحقيقية، بلفظ الجلالة "الله" أي بنسبها للحق تعالى بالمرجعية، حتى يتوقد القلب بتتابع ذكر لفظ الجلالة الله بلهيب الوحدة الإلهية الحارقة للأغيار الاشراكية، بأن يخرج من القلب إلى اللسان الإقرار بلا إله إلا الله، فيكون الإيمان الذي هو القول باللسان المحقق بالجنان والمصدق باستقامة الأبدان، لأنه لا يستقيم إيمان عبد، حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم بدنه، ولا إله إلا الله، لا يسبقها عمل ولا تترك ذنب، أي ترك أي تعلق نفسي بغير الحق سبحانه وتعالى عما يشركون ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 15-03-2017, 06:02 AM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,335
افتراضي

ومما تقدم نجد أن الإيمان بالغيب هو الإيمان بما هو غائب عن عين الرأس لا عين القلب وهي البصيرة، التي ترى ما وراء المنظور أو ما تخفي السطور، فهو الحكم الجازم بوجود المؤثِّر بناءً على رؤية الآثار، لقوله تعالى: { ... فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } [الحج : 46] ..
والغيب هو غياب الشهود لوحدة لألوهية الحقة، فلزمهم ذلك بحثاً وفِكرًا وتيقينًا وطلباً للحق تعالى، حتى وجدوه، وآمنوا به تعالى إيمانًا شهوديًا، كما ورد في أثر أنبياء بني اسرائيل القدسي المأثور عند أهل الصدور: "اِبْنَ آّدَمْ اطْلُبْنِي تَجِدْنِي؛ فَإِنْ وَجَدْتنِي وَجَدْت كُلَّ شَيْءٍ؛ وَإِنَّ فُتُّك فَاتَك كُلُّ شَيْءٍ، وَأَنَا أَحَبُّ إلَيْك مِنْ كُلِّ شَيْءٍ" ..
ونتابع مجريات الآية: { وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ }، ومن دلالات الإقامة الاستقامة، فأساسيات إقامة الصلاة أو لنقل الصلة القلبية المنبثة بالصلاة الصورية، بعد الإيمان بالله الاستقامة كما في الآية: { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } [الأحقاف : 13]، أو كما في الحديث الصحيح الذي لا يسأل به غير النبي صلى الله عليه وآله وسلم، الذي أوصاه فقال: "قُلْ: آمَنْت بِاَللَّهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ" ..
فإقامة الله مبنية على استقامة القلب على ما يرضي الله فيحضر القلب المقبل على الحق في الصلاة، يقول الإمام الحسن البصري رضي الله عنه: "كُلُّ صَلَاةٍ لَا يَحْضُرُ فِيهَا الْقَلْبُ، فَهِيَ إِلَى الْعُقُوبَةِ أَسْرَعُ" ..
فالإقامة للصلة القلبية مع الله مبينة على الاستقامة، وآيته الخشوع بالصلاة أو لنقل خشوع القلب، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "لَوْ خَشَعَ قَلْبُهُ، لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ"، وبتعبير آخر أي بإيمانهم واستقامتهم تقوم صلاتهم مع ربهم، وإلا فلا صلاة، كما في الأثر القدسي المأثور: "إنَّما أَتَقَبَّلُ الصَّلاةَ مِمَّنْ تَواضَعَ بِهَا لِعَظَمَتي، وَلَمْ يَسْتَطِلْ عَلى خَلْقِي، ولَمْ يَبِتْ مُصِرًّا عَلى مَعْصِيَتي"، وفي هذا نفس هذا الأثر القدسي نجد تبعات الآية: { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ }، فيخبرنا الحق في الأثر القدسي الذي بدأنها، بقوله: ".... وَقَطَعَ النَّهَارَ فِي ذِكْرِي، وَرَحِمَ المِسْكِينَ وَابنَ السَّبِيلِ وَالأَرْمَلَةَ وَرَحِمَ المُصَابَ، ذَلِكَ نُورُهُ كَنُورِ الشَّمْسِ، أَكْلَؤُهُ بِعِزَّتِي وَأَسْتَحْفِظُهُ مَلاَئِكَتِي، وَأَجْعَلُ لَهُ فِي الظُّلْمَةِ نُورًا، وَفِي الجَهَالَةِ حِلْمًا، وَمَثَلُهُ فِي خَلْقِي كَمَثَلِ الفِرْدَوْسِ فِي الجَنَّةِ" ..
ومن أهم دلالات هذه التتمة للآية بالإنفاق هو الإنفاق بالجهد والوقت وكذلك الرزق المادي، بالدعوة إلى طريق الحق من قبل من ذاق واستزاد حتى استفاض، عملاً بقوله تعالى: { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } [فصلت : 33]، فقد أخبر النبي سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه عندما أرسله إلى اليمن ليدعو لدين الله، قائلاً له: "لأنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا، خَيْرٌ لَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا" ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة



جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 05:57 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.1
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.

تعريب » شبكة عرب فور هوست


Security By © : Rg Security v5.3
 

::+: مجموعة ترايدنت للتصميم والتطوير والاستضافه :+::

::+: ترايدنت للتصميم والتطوير والاستضافه :+::    
تابعونا عبر تويتر