::+: أتصل بنا (راسلنا) :+::
  التسجيل ::+: الواجهه الرئيسيه للموقع :+:: ::+: أتصل بنا (راسلنا) :+::  
::+: الواجهه الرئيسيه للموقع :+::

العودة   منتدى الأزهريين > العقيدة والفرق
   

العقيدة والفرق ما يكتب في هذا القسم يجب أن يكون موافقا لعقيدة الجمهور (الأشاعرة والماتريدية).

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #31  
قديم يوم أمس, 04:50 AM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,162
افتراضي

وكان لا يرى حسن التنظف والتزين من الكبر، قياساً على الأثر النبوي، الذي رواه فقيه العراق الأكبر الصدوق ابن مسعود رضي الله عنه، والقائل: ( (( لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ )). قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً. قَالَ: (( إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ: بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ )) )؛ (73) ..
وكان الحلاج يرى أن ما كان عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأصحابه، هو مذهب واحد قائم على القرآن والسنة، وهو الجوهر، ومن خلال هذا التوجه الصحيح، فإنه لا داعي لوجود المذاهب الاجتهادية الفقهية، وهو الخطأ الثاني الذي وقع به الحلاج، لأنه فاته بهمته بالحق العلية أن اللامذهبية ممكن أن تصح منهج شرعي للعلماء الربانين والفقهاء المجتهدين الذي يعرفون صحيح المنقول من الحديث، المهجور منه والثابت والناسخ منه والمنسوخ، وفاته على ما يبدو بعلو وسعة فهمه، أن المذهب الفقهي، وجد لتسهيل مقتضيات وأحكام الشريعة، وفق المتغيرات البيئة الاجتماعية، ومتغيرات المكان والزمان لعموم المسلمين، إلا إن كان مراده رحمه الله تعالى، أن يصبح المجتمع المسلم كله إما علماء أو أولياء!، وهو مطلب عظيم لكنه محال التحقيق! ..
يتبع ..
-----------------------
(64) يقول ابن خفيف [محمد بن خفيف الشيرازي]: ( الحسين بن منصور، عالم رباني )؛ ورد في "طبقات الصوفية" للسلمي [ج1/ص: 307]، وفي "تاريخ بغداد" للخطيب [ج8/ص: 689]؛ وفي "البداية والنهاية" لابن كثير [ج14/ص: 819] ..
(65) يقول إبراهيم بن محمد النصراباذي: ( إن كان بعد النبيين والصديقين موحد فهو الحلاج )؛ ورد في "البداية والنهاية" لابن كثير [ج14/ص: 820]؛ وفي "تاريخ بغداد" للبغدادي [ج8/ص: 699] ..
(66) رواه ابن وضاح في "البدع" [ج1/ص: 170/ر:158]؛ وورد في "الفتاوى الحديثية" للهيتمي [ج1/ص: 765]؛ وفي "حلية الأولياء" لأبو نعيم [ج2/ص: 134]؛ وفي "مرقاة المفاتيح" للقاري [ج13/ص: 59]؛ وفي "تهذيب الكمال" للمزي [ج6/ص: 112]؛ وفي "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 240]؛ وفي "لئالي الأخيار" لليويسركاني [ج1/ص: 38]؛ وفي "نهاية الأرب" للنويري [ج2/ص: 127]؛ وفي "الإحياء" للغزالي [ج4/ص:241] ..
(67) رواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج2/ص: 445/ر:7032]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق أحمد شاكر في "المسند" [ج12/ص: 29]؛ وصححه الألباني في "الصحيحة" [ر:1619]، وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:5288]، ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:3921]؛ وورد في "الإحياء" للإمام الغزالي [ج1/ص: 38]؛ وأخرجه العراقي في "تخريج الإحياء" [ج1/ص: 145/ر:118]، بإسناد صحيح؛ وخلاصة حكمه: [صحيح] ..
(68) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ر:338]؛ ومسلم في "صحيحة" [ج1/ص: 130/ر:232] حتى لفظ ( فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ )؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 18/ر:2629]، وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ؛ ووافقه الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2629]، وقال: صحيح؛ ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج5/ص: 125/ر:3987]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:3237]؛ ووافقه الأرناؤوط في "تحقيق ابن ماجه"[ر:3984]؛ ورواه الإمام أحمد في مسنده [ج4/ص: 73/ر:16736]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق أحمد شاكر في "المسند" [ج5/ص: 296]؛ وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:1951]؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:1580]، وحكمه: [متفق عليه] ..
..
(69) انظر: في "تاريخ بغداد" للخطيب [ج8/ص: 690] ..
(70) ورد في "مسالك الأبصار" للعدوي [ج8/ص: 59]؛ وفي "حلية الأولياء" للأصفهاني [ج4/ص: 371]؛ وفي "الرسالة القشيرية" للقشيري [ج1/ص: 19] ..
(71) رواه أبو داود في "سننه" [ج5/ص: 57/ر:4089]، وسكت عنه لصلاحه؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج4/ص: 185/ر:17770]، ورواه الحاكم في "المستدرك" [ج4/ص: 183/ر:7477]،وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، ووافقه الذهبي في "التلخيص" [ر:7371]، وقال: صحيح؛ وحسنه ابن مفلح في "الآداب الشرعية" [ج3/ص: 522]؛ وابن حجر في " الأمالي المطلقة" [ج1/ص: 35]؛ وحكمه: [حسن] ..
(72) رواه مسلم في "صحيحة" [ج2/ص: 274/ر:261]، ورواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 457/ر:4091]، دون الطرف الآخر وبزيادة لفظ ( ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال خردلة من إيمان )، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:4091]، ورواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 317/ر:1999]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:1998]، ورواه ابن ماجه في "سننه" بزيادة أبي داود [ج1/ص: 54/ر:59]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبن ماجه" [ر:50]، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج1/ص: 659/ر:3779]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق أحمد شاكر في "المسند" [ج6/ص: 150]، وصححه ابن حبان في "صحيحة" [ج1/ص: 460/ر:224]، وصححه الحاكم في "المستدرك" على شرط مسلم [ج1/ص: 78/ر:69]، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:7674]، وخلاصة حكمه: [صحيح] ..

=================================
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #32  
قديم يوم أمس, 10:59 PM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,162
افتراضي

هناك الكثير من العلماء والباحثين ممن أنصف الحلاج، ومنهم من أجحف بحقه، ومنهم من افترى عليه، إلا أن الحلاج كان حجة على أهل زمانه، كان صادقاً وجدانياً وثائراً عظيماً ربما لو نبغ في غير شبابه لكان الخليفة المطلق في زمانه، إلا أنه كان يسعى لتمام الحق مسرعاً أي كان كعُمَرِ الفاروق رضي الله عنه قبل أن ينال مقام الخلافة، كان يستعجل الحق، وهو من ينطبق على الحلاج دون المقارنة بعملاق الإسلام إذا لا يقارن تابعاً لتابعي تابعي أحد التابعين، لصحابي من الكبار المبشرين، وفق ناموس القرآن في قوله تعالى: { وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ [20] اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُم مُّهْتَدُونَ } [يس : 21]، فكما في الآية الحلاج رجل يسعى للحق بعد أن عرف جانباً من حقيقته، فسعى بخطى سريعة يدعو إليه، ثم يأتي ملخص دعوة الحلاج للتوحيد الحق بقوله تعالى: { وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [22] أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً [مراكز سلطة ونفوذ ومال] إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونِ [23] إِنِّي إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } [يس : 24]؛ أي تصريح أن الحلاج إذا ما ذهب مذهب قومه بالاستعانة بغير الله أياً كانت صفة الغير، فقد وقع بالشرك، وكان الحلاج يختزل كل ما سبق بلباب قوله المشهور: "حَسْبُ الوَاّجِدِ إفْرَادُ الوَاّحِدِ لَهُ"؛ (73)؛ وهذا ما صرح به الحلاج، كما في كتاب الله دون تورية: { إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ } [يس : 25]؛ حيث انتهى الأمر بقتله ودخوله الجنة كما في قوله تعالى: { قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ [26] بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ } [يس : 27]، فقومه كانوا لا يعلمون ما آل له الحلاج من نعيم مطلق بلقاء الحق تعالى، لأنهم كانوا محزنون عليه، وكان أعدائه شامتون بما انتهى إليه ..
بدأ الحلاج مسيرته الدعوية والاصلاحية ليس بعاصمة الخلافة، بعد أن صده الإمام الجنيد، وتفهم الحلاج من أستاذه ذلك وتراءى له سبب تخوف الجنيد أمين الصوفية على جماعة الصوفية، مع خيبة أمله بدعوة سهلة وسريعة الجدوى، ولأن الإمام الجنيد كان إمام الطائفة الصوفية، وقائدهم فإن أذعن لدعوة الحلاج أذعن له جميع الصوفية، لم تكن دعوة الحلاج حتى بدولة الخلافة توقيراً لشيخه الجنيد، وأعني بلاد الرافدين العراق، ولا حتى في الحجاز، وكما أسلفنا لم يكن الجنيد ينكر على الحلاج مسلكه وكان يعلم صدقه، لأنه كان يقول بقول شبيه الحلاج بالمسلك وشيخ الجنيد أو قرينه، وأعني أمير القلوب النوري، الذي قال الإمام الجنيد عنه: "مُنْذُ مَاّتَ النُوّرِيٍ، لَمْ يُخْبِرُ عَنْ حَقِيقَةِ الصِدْقِ أّحَدْ"؛ (74)؛ ولكن الجنيد كان ينكر على الحلاج جراءته الزائد بالحق على المفسدين من أصحاب بغداد وعموم العامة الضالين، وهو ركن ضعيف أمام سلطة المفسدين ومكرهم، أي أن الجنيد كان يخاف على الحلاج وباقي المريدين من سطوة المفسدين الفاسدين، بأن يخلق لهم ذريعة ليتجرؤوا على الصوفية من جديد، بعد محنة الإمام النوري ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #33  
قديم يوم أمس, 11:00 PM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,162
افتراضي

لذلك ترك الحلاج بغداد، وكانت دعوته في بلدته تستر بالأهواز موطنه، ومن ثم في بلاد فارس وتركستان وخراسان وبعض دول أواسط أسيا، ورغم قوة حجته، وصدق عبارته، وسرعة بديهته، وفرادة نبرة بيانه، ووضوح منهجه الصادق، ومع ذلك لم يستطع أن يزيد من مريديه في اتباع منهجه عدداً يؤثرً، إنما شكل شريحة واسعة من محبيه وأنصاره في أمصار أسيا، لذلك نجد الحلاج أعاد التفكير بعد حين باستقطاب الصوفية في العراق من جديد، والذين كانوا يتجاوزن أكثر من اثنا عشرة ألف صوفي، وبهذا الاستقطاب يسهل عليه استقطاب المريدين الجدد من المجتمع الإسلامي، انطلاقاً من عاصمة الخلافة، ويحقق مراده بإعادة ما كان عليه خير السلف الأوائل، وحتى يحقق الحلاج هذا المبتغى كان عليه وفق تقديره، أن يدفع بالحق الإمام الجنيد لنصرة الحق بأي شكل، فقد أيقن الحلاج بهمته العلية، وتقواه الزكية، أن لإسلام إما أن يكون بما كان عليه السلف، أو لن يكون أبداً!، لذلك نجده عندما عاد إلى بغداد قصد في يوم جمعة مسجد بغداد وأبو القاسم الجنيد رحمه الله تعالى، يتكلم على المنبر، والجنيد هو الجنيد مكانةً وعلمًا، فيهتف الحلَّاج بالإمام الجنيد على مسمعٍ من الحضور: ( يا أبا القاسم، إن الله لا يرضى من العالم بالعلم، حتى يجده في العلم، فإن كنت في العلم فالزم مكانك، وإلا فانزل )، فهز هذا القول الثقيل بالحق على قلب مشبع بالحق، كيان ووجدان إمام طائفة الصوفية الجنيد فنزل، واعتزل لم يتكلم على الناس شهرًا؛ (75) ..
في هذه الفترة أي فترة عزلة الجنيد، اكتسب الحلاج شهرة كبيرة ومكانة وفيرة، حتى أن صغار مريدي الجنيد سموا الحلاج برجل المطامع، وسماه كثير من البغداديين بالمصطلم أي: الشديد القاطع بالحق ..
لكنه على عكس مرتجاه لم يستقطب من صوفية بغداد الكثير، بل كسب عداوة أكثرهم، نصرة لإمامهم الجنيد، تحول مبتغاه من توحيد الصوفية، بل خشي الحلاج أن يكون سبب في شق الصف بين الطائفة الصوفية، فأحجم عن هذا المبتغى، وأحزنه هذا أشد الحزن وخاب أمله في هذا المرتجى، فالحلاج لم يقصد أن يحرج الجنيد أو يهز مكانته البتة، إنما يدفعه لنصرة الحق، حتى لا يسود الباطل، وأصبح الحلاج يتمنى الموت آلماً لعجزه عنى دحض الباطل بالحق، أو حتى عجزه عن كبح جموح نفسه الثائرة بالحق، حتى بدأ يطلب من ثقاته المريدين للحق ومن ثم من عموم الناس أن يقتلوه! ..
وما فعله الحلاج في مسجد بغداد مع الجنيد كان كما أسلفنا كان تذكير للجنيد بالحق، فيروى أن الإمام الجنيد كان في مجلس له بين مريديه؛ فمر به المحتسب النوري صاحب المحنة الأولى فسلم، فقال له الجنيد: "وعليك السلام يا أمير القلوب، تكلم؟"، فقال النوري: ( يا أبا القاسم، غششتهم [أي نافقت لأصحاب السلطة] فأجلسوك على المنابر، ونصحتهم فرموني في المزابل؟! ) فقال الجنيد:" ما رأيت قلبي أحزن منه في ذلك الوقت". ثم خرج علينا في الجمعة الأخرى فقال: "إذا رأيتم الصوفي يتكلم على الناس، فاعلموا أنه فارغ" (76) ..
ومن هذه الرواية نعرف أن الحلاج حرك وجدان الجنيد حول هذه المسألة من جديد، أي ذكره بما فيه نفعه: { وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ } [الذاريات : 55]، لكن الجنيد لم يكن يهتم لنفسه ولم يكن ليخشى بالحق لومة لائم البتة، إنما خاف على أصحابه ومريديه، أن يهانوا أو ينكل بهم أو يهلكوا فتذهب ريح الإسلام لأصيل وهم حماله، كما حصل بعد ذلك مع أكثر أصحاب ومريدي الحلاج، ومن ثم حصل مع الحلاج نفسه ..
والحقيقة أن شخصية الحلاج كانت شخصية محيرة من ناحية التقيم الصحيح، لما كان عليه من سلوك ونوايا، لكن الراجح عند أهل الحق أنه مستقر من الناحية العلمية الدينية، ومن الناحية المسلكية القلبية، وأنه وإن كان جامح وثائر إلا أنه كان على الحق كل الحق، والقول أنه من زنادقة التصوف، أمر لا صحة فيه، ومنكر، إنما المغلب أن يكون من الصوفية السلفية، إلا من بعض جذبات المحبة القدسية التي تعتري كبار أهل التقوى الأولياء، وكذلك التكلم بأحوال الجذبة الإلهية، بغلبة مشاعر الفؤاد العشقية على مدارك القلب العقلية، والناتجة عن استفاضة أذواق الحق في قلب المؤمن من فرط المحبة الربانية، حين الولوج إلى مقام الإحسان أو العبودية حيث تظهر المحبة الإلهية، لقوله تعالى: { فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [آل عمران : 148]، فهذا كما في الآية هو حسن ثواب الأخرة في الدنيا، وحقيقة الأمر بأن القول بأنه كان يمارس السحر والشعوذة مختلق وملفق من الساسة الفاسدين والمفسدين، ولا أصل له على أرض الواقع، إلا بواقع الإشاعة، لأن الثابت أن للحلاج ألقاب في الأمصار مثل لقب الغوث أو المغيث بالحق، ولقب المميز والزاهد والمقيت للقلوب، وحلاج الأسرار، والمصطلم والذي يعني القائم بالحق القاطع به، وهذه الألقاب كانت تشير إلى شخصية ذات طابع مسلكي ديني، إنما كان هو حلاج للأسرار المريدين بنور التبصر والبصيرة القلبية، وحلاج للأسرار القرآنية، كما أن الإمام الباقر سمي الباقر لبقره بطن القرآن والاستفاضة بالبيان فيه، فإن الحلاج كان حلاج دقائق أسرار القرآن من معاني وبيان، وثبت له كتاب في تفسير القرآن طبع منذ وقت ليس ببعيد في وقتنا هذا، وكان الحلاج أقرب ما يكون بمسلكه من الإمام النوري، لكن أمير القلوب النوري كان أكثر حكمة وكياسة عقلية وتؤدة من الحلاج، ومن يؤتى الحكمة وكياسة العقل فقد أوتي خيراً كثيراً لذلك نراه وأعني النوري بعد انتهاء محنته غادر بغداد إلى الرقة تجنباً للشهرة من الناحية السلوكية، والإخماد بالتقادم لعداوة قد تكبر ضده وضد أصحابه، وطائفته، من قبل المقربين للخلافة العباسية، والمتنافسين على الدنيا والسلطة والنفوذ، فمن زهد بما لدى الناس أحبه الناس، بل أنه أعاد الكرة وأعني النوري كما أسلفنا في زمن الخليفة المعتضد، عندما ولي الحسبة، هرباً من المكانة الدنيوية والسلطة المفسدة، ودخول التنافسية مع أقران السلطة، فقد كان حكيم ملهماً بتجنب تفاقم العداوة رغم شدته بالحق، وهو ما كان الحلاج يفتقد له بطبيعته العمرية بالشدة بالحق على مظاهر الباطل، وكان لا يلين عن شدته حتى تتفاقم القضية، فلم يترك الحق له صاحب، وفجر عليه المنافقين والفاسقين ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #34  
قديم يوم أمس, 11:01 PM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,162
افتراضي

وتصرفات الحلاج مع الجنيد لأن الحلاج كان يرى الجنيد منبر عظيم لنشر الحق فعدد مريديه يفوقون مريدي الحلاج بنحو ثلاثون ضعف، واحبط الحلاج أشد الإحباط عندما خرج الأمر على غير مرتجاه، هنا علم حلاج الأسرار أنه لم يعد له غطاء يدعم دعوته في بغداد، بعد أن عارضه أكثر جماعته الصوفية من غير مريديه، فقصد أواسط أسيا من جديد وأمصار جديدة مثل الهند والصين، وبدأ يعمل على توفير غطاء سلطوي قوي لغاية آخروية، بعد أن فقد غطاء الصوفية، عملاً بالأثر القائل: ( إنَّ اللهَ لَيَزَعُ الناس بالسُّلطانِ، مَا لا يَزَعُ بالقُرْآنِ )؛ الثابت عن الخليفة الراشدي الثاني الفاروق عمر رضي الله عنه (77)؛ وعن الراشدي الثالث عثمان الأنور رضي الله عنه (78)؛ فدعا هنا الحلاج إلى أن الخلافة الراشدية تعود إذا آلت لأبناء الإمام علي كرم الله وجهة، من آل بيت النبوة الفاطمية، لأن الأئمة العلوية أئمة علم وهدى، ومقربين محبوبين من الناس، وورثوا العدل والانصاف من جدهم الإمام الغالب علي بن أبي طالب كرم الله وجهة، آخر الخلفاء الراشدين، وورثوا علو التقوى، والحكمة الربانية المحكمة من جدهم الأكبر خاتم الأنبياء والمرسلين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، فإذا ما آلت لهم الخلافة كانت لهم بالإمامة العلمية والإمارة الحكمية ..
إلا أن هذه الدعوة الحلاجية الجديدة استقطبت أطراف غير سنية!، لم تكن مرغوبة من قبل الحلاج، وخارجة عن منهاج أهل السنة والجماعة، وهم الباطنية الإسماعلية، والرافضة القرامطة في فارس والفاطمية في مصر، وجمع من فئة معتدلة نسبياً وهم الشيعة الإمامية، إضافة إلى ذلك فقد حدث صدام مع دعوة الحلاج، ومعارضة من قبل الشيعة الزيدية وهي أكثر فئات الشيعة قرباً من السنة، حيث وجدوا بدعوة الحلاج فتنة سياسية وتفرقة إسلامية!، أكثر منها دعوة دينية، ووجدوا بها عملية إعلان حرب على الخلافة العباسية، ووجد كثير من رؤوس الشيعة الإمامية بالحلاج شخصية تريد أن تنازعهم السيادة الشيعية، التي غلبت عندهم على الرغبة الأخروية، هنا استدرك الحلاج مخاطر دعوته هذه في بلاد فارس، التي كادت أن تودي بحياته بكيد من الشيعة، فترك الحلاج الأهواز وفارس وقصد الحج في مكة للمرة الأخيرة، حيث أكثر الخلوة في جبل أبي قبيس في مكة المكرمة، يستلهم الله تعالى، الوسيلة التي تمكنه من إعادة منهاج السلف الصالح بالإيمان والتقوى ..
وقد حذر الإمام الجنيد قبل رحلة الحلاج الأخيرة مريده المتمرد عندما رآه قد أدخل السياسة المفسدين في قائمة دعوته لصلاح الدين، إضافة لسعيه لتعميم منهاج الأئمة الصالحين، بقوله: ( أّيٍ خَشَبَةِ تُفْسِدَهَاّ؟ )؛ (79)، وكان الجنيد يقصد خشبة النفاق عند أركان السلطة الدينية والقضائية والسياسية التي أجمعت على الكيد والنيل من الحلاج، وذلك لأن فساد المنافق فجوره؛ ولأن المنافقين وصفوا بالقرآن بالخشب المسندة أي أصحاب المشاعر الأخروية المتخشبة [الخالية من الإحساس لانغمارها برغبات الدنيا]، ثم قال له في موضع آخر: ( لَقَد فتَحتَ في الإِسلامِ ثغرةً لا يَسُـدُّها إِلاّ رَأْسُـكَ )؛ (80)، وقيل أن الحلاج دخل قبل رحلته الأخيرة في محاولة أخيرة على مسجد بغداد على الجنيد، وطالبه للمرة الأخيرة، بالتحول من التصوف السلبي المنغلق، إلى التصوف الإيجابي المنفتح، فخرج الإمام الجنيد عن صمته، وقال للحلاج؛ بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ( إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعَاً، وَهَوىً مُـتَّـبَـعَاً، وَدُنْـيَا مُؤْثَـرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعْ عَنكَ أَمْرَ الْعَامَّـةٍ، فإنَّ مِن ورائكُم أيَّامًا، الصَّبِرُ فيهنَّ مثلُ القابِضِ على الجمرِ، للعامِلِ فيهنَّ مثلُ أجرِ خمسينَ رجلًا يعمَلونَ كعملِكُم )؛ (81)، ثم قال أما سمعت قول الله عز وجل: { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } [الجاثية : 23] ..
يا أبا المغيث إني أرى سيفك يقطر دماً، فإن لم تغمده، ستقتل ..
فقال الحلاج: نعم، وسيمضي على قتلي!، رجلان عظيمان، لكلٍّ منهما عقيدته ومنهجه، ولكنهما اختلفا، ولو اتفقا لتغير وجه التاريخ ..
ثم قال: سأموت وأنا أسعى إلى خلافةٌ ربانيةٌ تشعر بمسئوليتها أمام لله، مما يجعل الله، يرضى عن قيام المسلمين بفروض دينهم، من صيامٍ وصلاةٍ، وحجٍّ وزكاةٍ ..
لم يكن تاج العارفين الإمام الجنيد أقل شجاعة من الحلاج، وإنما أكثر حكمه، حيث خلص جماعته من الطائفة الصوفية من براثن فتنة خلق التي آثارها المعتزلة في زمن الخليفة المتوكل، ولم يرد أن يدخل وجماعته في محنة أخرى مع الحلاج حتى ولو كان الحلاج على حق!، فلم يحتمل ذنب هلاك طائفته وانحلال عقدها أو حتى تفرقتهم ..

يتبع ..

-----------------------------
(73) ورد في "الأنساب" للسمعاني [ج2/ص: 294]؛ وفي "طبقات المفسرين" للداوودي [ج1/ص: 163]؛ وفي "تاريخ بغداد" للخطيب [ج8/ص: 699] ..
(74) ورد في "الرسالة القشيرية" للقشيري [ج/ص: 19]؛ وفي "متصوفة بغداد" لعزيز [ج1/ص: 139] ..
(75) ورد في "الرسالة القشيرية" للقشيري [ج1/ص: 66] ..
(76) انظر في: "تاج العارفين" للبغدادي [ج1/ص: 286]؛ وفي "مذهب الصوفية" للكلاباذي [ج1/: 173] ..
(77) ورد في "تاريخ بغداد" للخطيب [ج4/ص: 107] ..
(78) ) ورد في "التمهيد" لابن عبد البر [ج1/ص: 117]؛ وفي "تاريخ المدينة" لابن شبه [ج3/ص: 988] ..
(79) ورد في "طبقات الصوفية" للسلمي [ج1/ص: 307]؛ وفي "سير الأعلام" للذهبي [ج14/ص: 317]؛ وفي "تاريخ الإسلام" للذهبي [ج23/ص: 46] ..
(80) ورد في "متصوفة بغداد" لعزيز [ج1/ص؛: 189]؛ وفي "تاريخ بغداد" للخطيب [ج8/ص: 121] ..
(81) رواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 526/ر:4341]، وسكت عنه لصلاحه؛ والترمذي في "سننه" [ج5/ص: 240/ر:3058]، وحسنه؛ ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج3/ص: 423/ر:4014]؛ وصححه ابن حبان في "صحيحة" [ج2/ص: 108/ر:385]؛ والحاكم في "المستدرك" [ج4/ص: 358/ر:7912]؛ وصححه أحمد شاكر في "عمدة التفسير" [ج1/ص: 748]، وصححه الطحاوي في "شرح الآثار" [ج3/ص: 212]؛ وحسنه العسقلاني في "تخريج المشكاة" [ج4/ص: 486]؛ والمنذري في "الرغيب" [ج/ص: 132]؛ وخلاصة حكمه: [صحيح] ..

==================
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #35  
قديم اليوم, 03:50 PM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,162
افتراضي

بداية محنة الحلاج ومحنة الصوفية الثانية:
استطاع الحلاج بعد عودته الأخيرة إلى بغداد عام 296 ه، أني يكسب تأييد الجماهير وعدد كبير من أصحاب النفوذ والسلطة والقضاء، ضد حاشية الفساد وأعوان السلطة الفاسدة، واستطاع أن يستقطب الحنابلة بدعوته إلى عودة منهاج السلف الصالح، وترك المذهبية إلى جوهر الأصول الدينية، وعودة الخلافة الراشدية ..
وهذا العام كان الفصل الأخير والعام الأخير من عُمْرِ الإمام الجنيد، حيث زهد واعتزل الناس، ولم يتعرض هذه المرة للحلاج أو يعترض طريقه لا من قريب ولا من بعيد، رغم اختلافه الشديد مع مريده المتمرد الحلاج الثائر، فالجنيد كان يرى ضرورة السمع والطاعة لولي الأمر أياً كان وكيف ما كان، وكان لا يقبل أن تنزع يداً من الجماعة تحت أي عنوان، ويرى أن الخروج عن أمر الإمام الحاكم من الفسق في الدين (81) ..
عملا بقول الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ......... } [النساء : 59] ..
وهو بذلك مصيب، لأنه عمل كذلك بالأثر المحمدي القائل: ( (( يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ ))، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: (( تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ )) )؛ (82) ..
ولأنه هناك قاعدة عند أهل التصوف، مضمونها أن من يعرف لا يتكلم، ومن يتكلم لا يعرف الحق على حقيقته، لذلك نجد الرفاعي الكبير، كان يقول بالحلاج: "ولو كان على الحق، لما قال أنا الحق"؛ (73)؛ أي أنه كان قاصر على تمكنه بالحق، فغاب مذهولاً بالحق، فقال أنا الحق؛ وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض كلامه في فتاويه: ( وَجَاءَ إلَيْنَا شَخْصٌ كَانَ يَقُولُ؛ إنَّهُ خَاتَمُ الْأَوْلِيَاءِ [ابن عربي الحاتمي] فَزَعَمَ أَنَّ الْحَلَّاجَ لَمَّا قَالَ: أَنَا الْحَقُّ، كَانَ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُتَكَلِّمُ عَلَى لِسَانِهِ، كَمَا يَتَكَلَّمُ الْجِنِّيُّ عَلَى لِسَانِ الْمَصْرُوعِ وَأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا سَمِعُوا كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنْ هَذَا الْبَابِ )؛ (74)، أي قالها مجذوب مسلوب لا يعلم ما يقول، ولا يعي وهذا يكون أحيانا بحالة الفرح الشديد والغضب الشديد، حيث يخرج المرء عن طوره ووعيه ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #36  
قديم اليوم, 03:51 PM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,162
افتراضي

والحق أن الحلاج لم يقل أنا الحق بمفرد القول هكذا، لتبرر بما سبق، إنما بسابقة سياق ولاحقة، أخرجته عن هذه التهمة، كما سوف يظهر بالفصل الأول من محنته بمحكمته الأولى ..
عدل الحلاج عن فكرة إعادة الخلافة للعلوية، لما وجد فيها من تبعات سلبية، وفتن طائفية جد خطيرة، فكانت خطوة الحلاج الجديدة والبديلة الأولى هي محاولة إزاحة حاشية الفساد للخليفة المقتدر، بأن ينازع على الخلافة عباسي آخر!، لأن المقتدر كان طفلاً، محكوماً من أعوانه وليس له بالحقيقة من الأمر شيء، فحرك الحلاج الحنابلة من قبل كبار أتباعه من رؤوس الحنابلة لدعم ابن المعتز العباسي لوصوله للخلافة العباسية، ونجح ابن المعتز بالوصول للخلافة، ولكنه فشل بالاستمرار أكثر من يوم، لأنه لم يصل إلى أموال الخلافة، التي كانت محتكرة عند يهود بلاط الخلافة والشيعة، الذين خبؤها عنه، فأعاد ابن الفرات الشيعي الوزير المطلق للمقتدر الخلافة بواسطة شرطة الخلافة ..
وأمر أن يقبض على الحلاج بتهمة التآمر على الخلافة والخيانة وكان الحلاج قد اختفى حينها بالأهواز حتى ينتهي الأمر، وفق رغبة أعوانه المقربين والموثوقين، لكن رجال رجل الاستخبارات الوزير الأمني حامد بن العباس الخراساني، استطاعوا من خلال أحد عيونهم في واسط أن يعرفوا مكان الحلاج ويقبضوا عليه، إلا أن شعبية الحلاج العريضة وأنصاره الكثر من أصحاب السلطة العباسيين وأصحاب النفوذ من غيرهم، وقفوا مع الحلاج وكان من أنصاره ومحبيه شغب أم المقتدر الخليفة العباسي والحاكمة الفعلية بالخلافة بعد وزراء الشيعة واليهود!، حيث تمكنوا مجتمعين من انتزاع العفو عن الحلاج من المقتدر، الذي اكتفى بوضعه في دار حاجبه نصر القشوري تحت الإقامة الجبيرة، في دار الخلافة، استغل الحلاج الذي لا يعرف اليأس، هذا النفوذ الجديد في قصر الخليفة وقواه، لتقوية دعوته الإصلاحية وحفظ استمرارها، ووجد في غطاء السلطة حل أمثل بعد فشل سلطة الحنابلة وضعف ثورتهم، وأصبحت له مكانة رفيعة عند أم المقتدر وابنها المقتدر، بما شهدوا على يديه من خير، وشفاء للمقتدر من داء كاد يهلكه، لولا دواء الحلاج ودعاءه للخليفة بالشفاء!، فأمر الخليفة وأمه الحلاج من الإقامة الجبرية على أن لا يبرح بغداد، هنا استقطب الحلاج جمع من وزراء الدولة لعباسية، وجمع من علماء بغداد بعد أن فشل مع اقرانه الصوفية بداية الأمر، إلى أن انضم إليه أبو بكر الشبلي رحمه الله تعالى، شيخ الصوفية الجديد بعد وفاة الجنيد، وبدأ جولته الإصلاحية الأخيرة ضد أصحاب السلطة والنفوذ والعلماء المتملقين للمكانة الدينية والسلطة الدنيوية، لأنه بصلاح هؤلاء صلاح الأمة، وستطاع من خلال أنصاره في وزارة الخلافة والقادة والعلماء والقضاة، وجماعته الصوفية بتأثيرهم على الناس، أن يحدث إصلاحات إدارية مهمة في حكومة الخليفة، وأهمها تخفيف السرقة والاحتكار، عند أصحاب السلطة الفاسدين، وأصحاب الأموال والنفوذ المفسدين، وذلك بتحويل فائض أموال الدولة للخدمات العامة، وهذا أول خطأ حقيقي وقع به الحلاج، فلا سياسة في الدين، لرجال الأخرة، لأن رأس العداء للحلاج الوزير الخراساني حامد بن العباس، الذي تأمر الوزراء الشيعة، أقنع الخليفة فاحتكار الفائض من مخزون القمح، في مزاد للتجار، إلا أن القشوري تلميذ الحلاج، دخل المعترك السياسي مع شيخه، فأطلق يد الحنابلة بمهاجمة تلك المخازن تحت ظل نقابات العمال، وبدعم شيخ شيوخهم الحلاج، فهاجم الحنابلة مخازن المحتكرين وحررت هذا المخزون من الاحتكار السلطوي ..
لم يستطع الحلاج أن يكبح جماح نفسه نحو الإصلاح والتجديد، ودخول المعترك السياسي لغاية دينية، ولم يستطع أعداءه رغم قوة سلطتهم وكثرة عددهم، أن يمنعوه ..
هنا أيقن رجل الاستخبارات الوزير حامد بن العباس، أن أهم رؤوس الشر والملهم الحقيقي لثورة الحنابلة هو الحلاج، ولكن لأنه لم يجد أي مستمسك عنده عنه، لأنه كان يقوم بذلك من وراء ستار، لم يكن أمامه إلا أن يتهمه بتهمة دينية برميه بالزندقة والكفر، فتواصل مع قاضي المحكمة الشرعية الكبرى الفقيه الظاهري المذهب محمد بن داود، والذي كان يبغض الصوفية كغيره من أصحاب المذهب الظاهري، وكان بغضه للحلاج أشد، فمناه الوزير حامد، أن يجعله قاضي القضاة الخلافة، أو مفتي الخلافة، إذا نجح ضد الحلاج بإثبات تهمة الزندقة الشركية عليه، هنا رفع القاضي ابن داود دعوة إلى المحكمة العلية بمحاكمة الحلاج بتهمة ادعاء الألوهية ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #37  
قديم اليوم, 03:51 PM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,162
افتراضي

وحتى تسهل هذه المحكمة جند حامد لابن داود شهود يعززون اتهاماته الشرعية، وعدد ضئيل من صغار تلاميذ الحلاج المغمورين المستضعفين، اعترفوا تحت طائلة التعذيب والاضطهاد والتنكيل الشديد، بأن أستاذهم وشيخهم كان يدعي الألوهية! (75)؛ حتى يسهل الاقتصاص من الحلاج وإيصاله لتهمة الزندقة الكبرى التي يحكم من يجرم بها بالقتل التعزيري لأنه يصنف من المفسدين في الأرض ..
وعندما مَثُلَ الحلاج أمام القاضي خاطبة ابن داود، قائلاً: بلغنا أنك كنت تدعي النبوة واليوم تدعي الربوبية؟ ..
فقال الحلاج: ( أعوذ بالله أن أدعي الربوبية، أو النبوة، وإنما أنا رجلٌ أعبد لله، وأكُثر له الصوم والصلاة وفعل الخير، ولا أعرف غير ذلك )، وجعل لا يزيد على الشهادتين والتوحيد، ويكثر أن يقول: ( سبحانك لا إله إلا أنت، عملت سوءًا وظلمت نفسي، فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت )؛ (76) ..
كان الحلاج يستغفر الله على دخوله معترك السياسة الذي حرك عليه الساسة، لقد أيقن أن هذا المعترك لا يحبه الله، ولا يرتضيه لخاصته، فاستغفر الله منه ..
فقال ابن داود: ما دام الأمر كما تدعي، فلما تقول إذا بزندقة الحلول والاتحاد والمزج مع الله، كما ثبت لي من شهادة الشهود؟! ..
فأنكر الحلاج هذه التهمة، ثم قال تجدون في مدوناتي ما يبرؤني من هكذا اتهام، فقد قلت بإنكار عقيدة الحلول، في مدوناتي عند الوراقين: ( إِنَّ مَعْرِفَةَ اللهِ هِيَ تَوْحِيدُهُ، وتَوْحِيدُهُ تَميُّزُهُ عَنْ خَلْقِهِ، وكُلُّ مَا تَصَوَّرَ في الأَوْهَامِ فَهْوَ [يعني: الله] بِخِلاَفِهِ، كَيْفَ يَحُلُّ بِهَ، مَا مِنْهُ بَدَأهُ، أَوّ يَعْوّدُ إِلَيّهِ مَاّ هُوَّ أَنْشَأّهُ )؛ (77) ..
وقال قلت في عقيدتي المزج والاتحاد مع الله: ( مَنْ ظنَّ أَنَّ الْأُلْوّهِيَةَ تَمْتَزِجُ بالبَشَريَّةِ، أَوّ البَشَريَّةِ تَمْتَزِجُ بِالْأُلْوّهِيَةَ، فقَدْ كَفَر؛ فَإِنَ الله تَعَاّلَىّ تَفَرَدَ بِذَاّتِهِ وَصِفَاّتِهِ، فَلَاّ يُشْبِهِهُمْ بِوَجْهِ مِنَ الْوّجُوّهِ، وَلَاّ يُشْبِهُوّنَهُ بِشِيِء مِنْ الْأَشْيَاّءِ، وَكَيّفَ يَتَصَوّرُ الْشَبْهُ بَيّنَ الْقَدِيّمُ وَالْمُحْدَثِ )؛ (78) ..
هنا خاطب القاضي الحلاج قائلاً إذا فأخبرني ما تقول في قولك: أنا الحق؟! ..
واتى شهاد صوفي من صغار مريديه، شهد بأنه سمعه يقول هذا ..
فأخبر الحلاج القاضي: بأن هذا الرجل من غمار الصوفية الصغار، ولم يعي من قوله شيء، حتى يتقول علي ما لم يعلم، كما أنه نقل عنه قولاً مبتور، يغير بالبتر كل المقصد والمعنى، ثم قال الحلاج: فإن قلت أنا الحق، فلأني بالحق تعالى قائم حقاً، فالحق حق، والخلق خلق؛ ولأني صنعة من مصنوعات الحق وأثر من آثاره في الخلق، والله حق، وخلقه حق، فما أنا سوى الحق القائم بالحق بموافقة الحق، وإلا فأنا الباطل الذي يعلوه الحق ..
فصمت ابن داود هينة متدبراً بكلمات الحلاج، ثم قال: وأين قلت: أنا الحق ..
قال الحلاج في مجلس وعظي حيث قلت: ( إن لم تعرفوُهُ [أي: الله] فاعرفوا أثارَهُ، وأنا ذلك الأثر، فانا الحق، لأَنى ما زِلتُ أَبَداً بالحِق حَقًّا [أي: قائم بالحق] )؛ (79) ..
ثم قال الحلاج بكل جراءة وإقدام، وقلتها في مسجد بغداد [المنصور]، في مجلس الإرشاد أما جمع كبير إن شئت شهد الكثير منهم، أني قلت: ( يا أّخْوَتِيِ، إِنْ لَمْ تَعْرِفُوا الحَقَ، فَاعْرِفُوا آثَاّرَهُ، وَأنَا مِنْ أثَارِ الحَقِ تَعَالىّ، فَأنَا اَلحقُ، لأنْيِ بِالَحقِ قَاّئِم حَقَاً، أبْدَاً مَاّ حَيِيِتُ وَصِدْقَاً، وَإنْ قُتِلّتُ أَوْ صُلِبْتُ، أَوْ قُطِعَتْ يَدَايَ وَرِجْالَيِ، مِاّ رَجَعْتُ عَنْ دَعْوايِ )؛ (80) ..
وهنا رأى القاضي تعصباً لمذهبه، وتعنتاً لمصالحه السلطوية، أن هذا الرد لا يبرئ ساحة الحلاج، فرأه دجال مخادع، فطالب القضاة على الحكم بقتله بتهمة الزندقة، فصادقه من صادقه، وعارضه من عارضه، وكان ممن عارضه أكثرهم من الحنابلة والشافعية، ومنه قاضي له نفوذه وسلطته بالقضاء، وهو ابن سريج الشافعي، اعترض على أن مثل هذا، وقال بأن هذا الإلهام الصوفي لا يدخل بالقضاء، وأنه لا يرى أدلة ثابتة أو دامغه بالزندقة، لما ظهر له من بيان مقنع عند حلاج أثبت بطلان الاتهام، على أصله المبتور المفرد، ورأى أن الحلاج وقع في ريبة الزندقة، ولم يقع بالزندقة، وليس الحق كالظن ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #38  
قديم اليوم, 03:52 PM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,162
افتراضي

فعلقت القضية بدعم من الوزير ابن عيسى القنائي، صديق الحلاج ونصيره وحليفه، والحقيقة الثابتة بأخبار الحلاج، وسيرته الشعبية، وعند الباحثين المتابعين لشخصيته، أن الحلاج لم يكن يدافع عن نفسه رغبة بالحياة مطلقاً، فهو كان يرغب بالموت أكثر من رغبة أعداءه بذلك!، وإنما يريد أن يخرج من الدنيا مظلوم بريء مما يزعزع مكانته عند من آمن بصلاحه واستقامته، حتى يكملوا ما بدأه وأسسه من مسيرة الصلاح والإصلاح، فقد كان عندما يتغلب الشوق للقاء حبيبه الأكبر جل وعلا، عليه، ينشد مخاطباً مريديه، فيقول: ( أقتلوني يا ثقاتي، فإنّ في قتـْلي حياتــــي، ومماتـي في حياتـي ، وحياتي في مماتـي، أنّ عنـدي محْو ذاتـي، من أجّل المكرمـات، وبقائـي في صفاتـي من قبيح السّيّئــات )؛ (81) ..
وكان يخاطب الناس على الملأ في شوارع بغداد وأسواقها، فيقول: ( أيهــــا الـنـاس، اعلموا أن الله قد أباح لكم دمى فاقتلوني، اقتلوني تؤجروا وأسترح، اقتلوني تكتبوا عند الله مجاهدين وأكتب أنا شهيد )؛ (82) ..
وكان يقول في الأسواق: ( يا أهل الإسلام. أغيثوني! فليس يتركني لنفسي فأتهنَّى بها!، وليس يأخذني من نفسي فأستريح منها، وهذا دلالٌ لا أطيقه )؛ (83)، ولفظ دلال من الحلاج للآلام بقائه بالدنيا لأنه يرى كل ما يأتي من الله خير ومودة، ومن خلق الله أكثر ما يأتيه شر مستطير ..
كانت هذه التجربة والمحنة القضائية للحلاج، انذار من الحق بأن يترك معترك السياسة لأهلها، حتى لا تضله عن مبتغاه الأخروي، ولكن الحلاج لم يترك هذا الأمر!، لأنه كان سبيله الأخير رغم ريبته به وبغضه له!، وقرر أن يتم رسالته الإصلاحية التجديدية، حتى يظهرها الحق أو يهلك دونها، ويلقى الله على ذلك القصد العلي تتويجاً لصلاحه ..
لذا نجد الوزير حامد وبإذن من الله!، لأن الحلاج وافق الله بصلاحه، وخالفه بإصلاحه الذي قد يكون فيه فساد لخلقه، لذا لما يائس حامد من اثبات التهمة للحلاج بالزندقة أو ما يؤدي لقتله، أصر على اثبات زندقة الحلاج بأي ثمن؛ فمن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، وهو مبتغى المؤمن فلا راحة لمؤمن إلا بلقاء الله، ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( (( مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ ))؛ ثم تابع مبيناً قوله، فقال: (( إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهِ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ، فَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَسَخَطِهِ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ، وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ )) )؛ (84) ..
فلذا شكل حامد مجلس قضاة أقوى وأكبر مع جمع من الفقهاء لدعم قرار المحكمة بحكم شرعي، وأعادوا توجيه تهمة الزندقة، مدعم دعواه بجملة جديدة من الشهود، فقال الحلاج هذه المرة بالرد على إعادة الاتهام: ( أنا عبدُ لله، أؤمن به وبرسله، وأدعو إلى الحق، وأنشد الخير للمسلمين، ولا أقُرُّ الظلم، ولا أعرف هؤلاء الشهود، ولا أقول غير هذا، وأعوذ بالله من الدعوى )؛ (85) ..
هنا تعالت صيحات مؤيدي الحلاج وجمهور الحاضرين، فمن أحبه الله أحبه الناس: ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ، نَادَى جِبْرِيلَ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحْبِبْهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ )؛ (86)، وصرخوا بأنه لا حجة ولا دليل لدى القضاة الفقهاء ضد الحلاج، ففشلت الجلسة، فلجأ الوزير حامد، بعد ذلك إلى تثبيت تهمة الحلاج، بمناظرة عالم بغداد علي بن عيسى، وأنتزع من المقتدر أمر بذلك، فحاول هذا العالم أن ينال من الحلاج بالمناظرة إلا أن إجابات الحلاج كانت قوية ومقنعة ومسددة وقاطعة بالحق، وحججه أصولية محكمة بالأصل وبيان الأصل من القرآن والسنة، مما أغضب عالم بغداد عند عجزه عن مناظرة الحلاج، وهو ما جعله يغلظ بالقول مع الحلاج، هنا ظهر شيء من غضب الحلاج، ولي الله بأرضه، الناطق بتوفيق الله، فقال: ( قف حيث انتهيت، ولا تزد عليه شيئاً وتأدب، وإلا قلبت عليك الأرض )؛ (87) ..
فاستهاب عالم بغداد الحلاج، بعد أن عجز عنه بالعلم، وطلب أن يعفى من اتمام مناظرته، وأقر أنه لا طاقة له على مناظرته، فأذن له، إلا أن حامد سارع لإقناع الخليفة بضرورة إبقاء الحلاج سجيناً، أو حتى تحت الإقامة الجبرية إلى أن تنتهي القضية، أو على الأقل تحديد مكان إقامته، مع مرافقة أمنية، وسجن أخطر مريديه وأنصاره، حتى لا يثيروا الناس، فاستجاب الخليفة على أن يقيم الحلاج في بيت حاجبه القشوري من جديد، بدار الخلافة، حيث بقي في سجنه الذهبي ثمانية أعوام، فكانت عزلة التطهير عن أخطاءه الدعوية الإصلاحية التي لم يرتضيها له الحق، وخاصة معترك الساسة أداة الفتنة، والعودة إلى حاضنة الربوبية، وهنا وعي الحلاج رسالة ربه الصامتة، ولم يعد الحلاج مقداماً ثائراً في مسيرة الإصلاح، متهوراً وجسوراً على أهل السلطة والنفوذ، بل أضحى داعياً بالحق للحق لمن يريد الصلاح وناشد الحق، وقام بتدوين أعظم كتبه علها تكون لمن بعده استفادة، وسمح له تحت الحراسة أن يلقي دروسه بالوعظ والارشاد في مسجد المنصور، وسمح له أن يزور قبر أستاذه الذي أحبه بروحانيته دون أن يلتقي به، وهو إمام أهل السنة ابن حنبل رحمه الله تعالى ..
يتبع ..
------------------------
(82) ورد في "الكامل" لابن الأثير [ج6/ص: 168] ..
(83) رواه مسلم في "صحيحة" [ج12/ص: 440/ر:4762]، وحكمه: [صحيح] ..
(84) ورد في "حكم الرفاعي" للرفاعي [ج1/ص: 16]، روفي "قلائد الزبرجد" للصيادي [ج1/ص: 23] وفي "المعارف المحمدية" للصيادي [ج1/ص: 47]؛ وفي "سواد العينين" للرافعي [ج1/ص: 12] ..
(85) ورد في "مجموع الفتاوى" لابن تيمية [ج2/ص: 476] ..
(86) ورد في "حكمة الصوفي" للجنابي [ج1/ص: 291] ..
(87) وفق ما ورد في "البداية والنهاية" لابن كثير [ج11/ص: 140] ..
(88) ورد في "أخبار الحلاج" لابن الساعي [ج1/ص: 66 ]؛ وفي "الرسالة القشيرية" للقشيري [ج1/ص: 3] ..
(89) ورد في "أخبار الحلاج" لابن الساعي [ج1/ص: 72]؛ وفي "شهيد التصوف" لسرور [ج1/ص: 58] ..
(90) انظر: في "الطواسين" للحلاج [ج1/ص: 12] ..
(91) ورد في "أخبار الحلاج" للساعي [ج1/ص: 40] ..
(92) ورد في "ديوان الحلاج" للحلاج [ج1/ص:19/ق10]؛ وفي "اخبار الحلاج" للساعي [ج1/ص: 40]؛ وفي "متصوفة بغداد" لجاسم [ج1/ص: 175] ..
(93) ورد في "هتك الأستار" للنابلسي [ج1/ص: 15]، وفي "الأسفار الأربعة" للشيرازي [ج1/ص: 25]؛ وفي "حياة الحيون" للدميري [ج1/ص: 245] ..
(94) ورد في "شهيد التصوف" لسرور [ج1/ص: 30]؛ وفي "محاضرات الأدباء" للأصبهاني [ج1/ص: 230]؛ في "الكشكول" للعاملي [ج1/ص: 96]؛ وفي "القول السديد" للجميلي [ج1/ص: 35]؛ وفي "أخبار الحلاج" [ج1/ص: 38] ..
(95) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ر:6507]؛ ومسلم في "صحيحة" [ر:2685]، وحكمه: [متفق عليه] ..
(96) ورد في "شهيد التصوف" لسرور [ج1/ص: 87] ..
(97) رواه البخاري في "صحيحة" [ر:3209]، وحكمه: [صحيح] ..
(98) ورد في "تاريخ بغداد" للخطيب [ج8/ص: 134] ..

============================
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة



جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 04:22 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.1
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.

تعريب » شبكة عرب فور هوست


Security By © : Rg Security v5.3
 

::+: مجموعة ترايدنت للتصميم والتطوير والاستضافه :+::

::+: ترايدنت للتصميم والتطوير والاستضافه :+::    
تابعونا عبر تويتر