::+: أتصل بنا (راسلنا) :+::
  التسجيل ::+: الواجهه الرئيسيه للموقع :+:: ::+: أتصل بنا (راسلنا) :+::  
::+: الواجهه الرئيسيه للموقع :+::

العودة   منتدى الأزهريين > العقيدة والفرق
   

العقيدة والفرق ما يكتب في هذا القسم يجب أن يكون موافقا لعقيدة الجمهور (الأشاعرة والماتريدية).

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 11-01-2017, 03:29 AM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,321
افتراضي الحقائق الخفية في محن الصوفية في عصر الدولة العباسية

الحقائق الخفية في محن الصوفية في عصر الدولة العباسية

مقدمة هامة:
هناك حقبتين بالإسلام لم يكن فيها خلافة مهدية محمدية، وأعني الإمامة العلمية الموروثة بالاستحقاق والأهلية، وهي الخلافة والمرجعية المطلقة بالعلم الديني، وإنما كانت خلافة بدلية حيث خلف الخليفة الرباني المهدي الوارث لمقام النبوة والعلم الشريف الإمام الصادق جعفر بن محمد الباقر رضي الله عنه، نجليه بالتبعية دون مقام الخلافة المهدية المحمدية، الإمامين الجليلين الكاظم والرضا وهما نجلي الإمام الصادق من آل بيت النبوة رضي الله عنهم أجمعين، والسبب في هذه الحالة التجاوزية، هو الحفاظ على فترة تحولية هامة جداً في المنهجية الدينية أحدثها بالتجديد الإمام الصادق، فرسخ نجليه أسسها، وكانت سبب في حفظ الاستمرارية بالدين إلى زمننا هذا، فقد أرسى الإمام الصادق، مهدي الفقهاء رضي الله عنه، دعامة العمل بالمذاهب الفقهية، وعلم الأسانيد الحديثية، وقام بتوفيق من الله بإطلاق أسس العملية الإصلاحية السلوكية، للترف المنهجي الفكري المبتدع الدخيل، والترف المادي الوليد في الأمة الإسلامية، وهذا التيار الإصلاحي الإيماني التربوي، أوكله مهدي الفقهاء إلى نخبة من المتقين الزهاد من أهل الوعظ والإرشاد، شهد بعدالتهم وأمانتهم العلمية والمسلكية، أكثر علماء عصرهم، وكان لهم تأثير كبير في كبح جماح الزندقة الدينية، وعرفوا فيما بعد بالزهاد الصوفية، وما زال هؤلاء الزهاد أو الأولياء مقربين محبوبين من قبل العامة والخاصة، حتى انقسوا إلى فسطاسين بالخيرية، فسطاس بقي قريب من الناس، وهو فسطاس العارفين الربانين، والذي تمثل بمدرسة تاج العارفين الإمام أبو القاسم الجنيد رحمه الله تعالى، والتي كانت دعواها سلوكية علمية وفقهية شرعية وعقدية، وفسطاس الأولياء الصالحين، وتمثل بمدرسة المحتسب أمير القلوب الزاهد الحسين النوري رحمه الله تعالى، وكانت دعواها سلوكية عملية، عنوانها الزهد في كل شيء عدا الحق تعالى، إلا أنها كانت منغلقة نوعاً ما بمنهاجيتها، مقارنة مع مدرسة العارفين العلمية العملية الفقهية، وهذا الانغلاق المنهجي جعلها في دائرة الشك من قبل أئمة علم كبار وأعلام معاصرين لها، فبعضهم اتهموا روادها من باب الظن بالجهل الفقهي والأصولي، وذلك بالمقارنة مع مسلك بعض الزنادقة الحلولية، وشك البعض الأخر من العلماء بدخول هذه المدرسة بدائرة الزندقة بسبب انغلاقها المفاجئ، وذلك لتفاقم ظهور الزندقة الصوفية حينئذ، والتي كانت كوفية المنشأ، وسبب هذه العزلة الصوفية النسبية في مدرسة الأولياء، هو أنهم كانوا على منهج سلوكي قويم تغيرت أركانه نسبياً في هذه الفترة الزمنية، مع ظهور ثورة التجديد المنهجية الدينية، فخافوا أن تحارب عندهم هذه المنهجية القائمة على تزكية النفس، والسعي لنيل مقام الإحسان، وهو ما كان عليه النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، وأصحابه السلفية من السلوك بالإيمان والتقوى: فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ: ( (( تَفْتَرِقُ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا فِرْقَةً وَاحِدَةً ))، قَالُوا: وَمَا تِلْكَ الْفِرْقَةُ؟ قَالَ: (( مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي )) )؛ (1) ..
ومن ناحية أخرى نجدهم حرصوا على البعد عن مظاهر الرياء والسمعة وهو الشرك الخفي، عملاً بالأثر المحمدي: ( مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنْ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ )؛ (2)؛ وبقيت هذه الحالة من الخفاء النسبي مستقرة، حتى وفاة سلطان العارفين وإمام الأولياء أبو يزيد البسطامي رحمه الله تعالى، عام 264 ه، حيث بدأت مرحلة المحنة الصوفية الأولى ..
--------------------------
(1) رواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 26/ر:2641]، بإسناد حسن، بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2641]؛ وحسنه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:5343]؛ وصححه أحمد شاكر في "عمدة التفسير" [ج1/ص: 353]؛ ورواه العراقي في "تخريج الإحياء" [ج3/ص: 284]، وقال في حكمه: أسانيده جياد؛ وأرده الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" [ج8/ص: 97]، وقال بحكمه: محفوظ، ورواه البغوي في "شرح السنة" [ج1/ص: 185]، وفي "أحكام القرآن" [ج3/ص: 342]، وقال بحكمه: ثابت ..
(2) رواه أبو داود في "سننه" [ر:3664]، بإسناد صحيح، بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:3664]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج8/ص: 819/ر:8438]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق شاكر في "المسند" [ج16/ص: 193]؛ وصححه النووي في "المجموع" [ج1/ص: 23]؛ وفي "رياض الصالحين" [ر:447]؛ وصححه الذهبي في "الكبائر" [ج1/ص: 284]؛ والهيتمي في "الزواجر" [ج1/ص: 41]؛ وصححه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:6159]؛ وفي "صحيح ابن ماجه" [ر:206]؛ وحكمه: [صحيح] ..
======================
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 11-01-2017, 12:55 PM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,321
افتراضي

تمهيد:
الرواية القصصية في هذا البحث، المقدم بها ميزان العقل، على أخبار النقل، مع مراعاة المتون النقلية التاريخية الأصيلة، والتقيد بالناحية السلوكية والمنهجية اللائقة بأئمة الصوفي المتقدمين الأوائل، بالشكل الأمثل، والعمل بما أخبرنا به غير إخباري التاريخ، بالتسلسل السندي من قبل ورثة السلالة النقية لسادتنا النقشبندية الأجلاء، والمعتمدة بالخبر الصحيح، عن هؤلاء الأعلام المتقين النبلاء ..
وقبل البدء بالمحنة نريد أن ننوه إلى أن فتنة خلق القرآن التي جاء بها زنادقة المتكلمين من المعتزلة المتأخرين، والتي استحوذت على دعم الخلافة العباسية، وأعيت علماء الأمة الإسلامية، انتهت على يد أحد حكماء الصوفية!، وكان إمام محدث تقياً نقياً خفياً شامياً، وليس بمشهور عراقي، وقيل أنه كان شيخاً لأئمة حفاظ كبار منهم الحافظ والناقد أبو عبد الرحمن النَسَاّئِيٍ، ورأس أئمة السنن الأربعة الأصحاء أبو داود السَجِسْتَاّنِيٍ، وهم من أشهر أصحاب كتب السنن الصحاح ..
ولمعرفة الحقائق التاريخية عن أمتنا الإسلامية بالصورة الصحيحة، نعيد ونؤكد كما أسلفنا بأنه علينا وزنها بميزان العقل السليم المتوافق مع هيكلية المجتمع الإسلامي وفق المرحلة أو الحقبة التاريخية والتي هي ضمن القرون الخيرية الثلاثة الأولى الهجرية أم بعدها، وثم ترك الخبر السقيم الذي يتنافى مع المعقول، وأصدق المنقول وهو كتاب الله، الذي تندرج في ثناياه بالدلالة والإشارة قوانين السلوك البشري الفردية والجماعية ..
يقول الصحابي الجليل القرآني الصدوق فقيه العراق الأكبر عُبَدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ [ابن أم عبد] رضي الله عنه: ( مَنْ أَرَادَ الْعِلْمَ فَلْيُثَوِّرِ الْقُرْآنَ، فَإِنَّ فِيهِ عِلْمَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ )؛ (3) ..
لذلك كان المقدم عندي أنا العبد لله في هذا البحث أو المقام، كما أسلفت أعلاه، تقديم المعقول على المنقول، دون إهمال متون الخبر الجذرية، مع مراعاة رد المبالغ في تلك المتون، لأن مصادرها رواة إخباريين قل ما يكون فيهم الموثوق، وليسوا رواة محدثين كثر فيهم الثقاة، وأقل رواة الحديث ثقة بنقل الخبر، خير من خير ثقات الإخبار التاريخي، لأن الإخبار التاريخي اعتمد بعد اعتماد الإسناد بالحديث بأكثر من ثمانين سنة، أي بعد جيلين من العلماء تقريباً مع تباعد الزمن، وتجاوز عهد كثير تابعين التابعين الرواة الثقات فسهل التلاعب بالأخبار التاريخية والدس بها ..
ولمعرفة خبر حقيقة الصوفية جملة على أنهم أهل حق وتحقق، ووجودهم حق مقرر من الحق سبحانه، وليس امتداد للزنادقة الوثنية كما يؤول البعض، ن ناحية أخرى نجد أن الإيذان بنشأة حركتهم الزكية الأصولية، بدر من جهة خلفية وارثة للحق عن الاستحقاق لمقام النبوة والعلم الشريف، بالوصاية والوكالة، لذلك ومن باب الانصاف وجب علينا تدبر الآية الكريمة: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } [المائدة : 54] ..
الدليل في الآية أن المقصود هنا كوجه من وجوه الدلالة القرآنية، هم الأولياء الصوفية، قوله تعالى: { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ }، فالمجمع عند المنصف من الأمة، أن الغالب في إيمان الصوفية محبة الله، وهي خصوصية ودلالة تثبت وفق تقرير الآية، محبة الله لهم أيضاً، فلو لم يحبهم لما صافى واصطفى الأصحاء منهم، واستخلصهم لذاته، فأظهرهم على الناس وسير أفئدة سواد لأمة، وكثير من أمنائها العلماء في شتى أصناف العلوم ..
يقول الإمام الحافظ والواعظ المربي أبو الفرج: ابن الجوزي الحنبلي رحمه الله تعالى: ( مَنْ أّحَبَ شِيّئَاً، أّكْثَرَ ذِكْرَهُ، وَمَنْ أّجَلّ أّمْرَاً، أّعْظَمَ قَدْرَهُ، وَلَا حَبِيّبَ أّحَبُ مِنَ اللهِ إلَىَ أّهْلِ وِلَاّيٍتِهِ، وَلَا جَلِيّلَ أّجَلُ مِنَ اللهِ عِنْدَ أّهْلِ مَعْرِفَتِهِ، فِاذْكُرُوا اللهَ ذِكْرَ المُحِبْينَ، وَأّجِلّوُهُ إِجْلَالَ العَاّرِفِيِنَ )؛ ورد في "التذكرة" لابن الجوزي [ج1/ص: 119] ..
وهم كما في الآية أعلاه، أذلة على المؤمنين سخروا أنفسهم لخدمة من وجدوا فيه خير ظاهر أو دفين مكين، وبصيص إيمان في قلب قد يلين للحق المبين، وهم كما في الآية أيضاً، متأسيين بذلك بسلوك سيد المرسلين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، كما في قوله تعالى: { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } [الشعراء : 215]، أعزة على الكفار ويعني هنا كل متكبر معرض عن سماع الحق ساتر له لكبره، وأعزاء: أي عن أن ينال من الأصحاء الأصفياء منهم بأي شكل كان مادياً بكيد، ومعنوياً بعلم بحالة المواجهة أو المناظرة أو المجالسة، وهم وفق سياق الآية لا يخافون بالحق لومة لائم، لأنهم على حق، رافعين للواء الحق المبين، منهاجهم بالدعوة إلى الحق منهاج النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، في قوله تعالى: { قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [يوسف : 108] ..
أما عن مطلع الآية أعلاه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ }، نقول: إن ردة المؤمن ليست كردة عوام المسلمين، فهي ردة زيغ في فهم المنهج العقلي العقدي الأصولي الصحيح في الدين، نتيجة ضعف وتراجع إيماني وزيغ يصيب المؤمن في حالة انشغاله عن موجبات الترقي الإيماني، ويؤكد ذلك قوله تعالى: { رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ } [آل عمران : 8]، فمن لم يتمكن في الاستزادة بالإيمان فهو كائن مقيم بالنقص، فلو درسنا الحقبة التاريخية التي كانت بها الردة في عهد الخليفة الراشدي الأول والصديق الأكبر أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه، فإننا نجد أن الردة شملت الأعراب المسلمين والصحابة المنافقين الذين صحبوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بأجسادهم ولم تدرك مقامه وقدره قلوبهم وأفئدتهم، ولم يكن من الصحابة المؤمنين أي مرتد، فكيف يرتد المؤمن عن دينه وهو مؤمن؟! ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 11-01-2017, 12:56 PM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,321
افتراضي

لذا نؤكد فنقول إن الارتداد عند المؤمن عن الدين يكون بالزيغ عن أصل الدين وهو قواعد العقائد، والخوض بالمتشابهات العقائدية، بقصد زيادة المعرفة الإيمانية، في أمور سكت عنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم رحمة بالمؤمنين، ويؤيد ذلك قوله تعالى: { هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ } [آل عمران : 7] ..
نقول وفقاً للآية أعلاه، تأويل المتشابهات يأتي وتعرف حقيقته فقط بإذن الله للراسخين بالعلم الإيماني، وهذا يأتي على قدر الاستنارة بنور التقوى، وعلو المشاهدة الإيمانية للحق المكنون، عندما تنفتح مغاليق الغافلة عن الحق الحقيق ..
أما المتشابهات بغير كشف عليمي نوراني، فهي ما كان فيها شبهة تشبيه وتشابه مثل ذلك ما أخبر الله تعالى به في كتابه بأن له يد، وأكثر المخلوقات لها أيدي، فهذه شبهة تشابه وتشبيه بين الأيدي كأيدي، وهنا ظهرت أول فتنة كلامية مع ظهور زنادقة الكلام المشبهة أمثال الكرامية نسبة لابن كرام والسبئية نسبة لابن سبأ ثم الهشامية واليونسية والبيانية والمغيرية والمنصورية والخطابية، والحشوية، وهؤلاء هم الذين كان محركهم الفتنة وهوى النفس في تشبيه صفات الخالق الخبرية بصفات المخلوق الخلقية، كما ظهر من زنادقة الكلام المعطلة الذين نفوا حقيقة الصفات الخبرية بتأويلها لغير موضعها فعطلوا الخبر بها، ومن أمثال المعطلة الجهمية والجعدية والمعتزلة، فهؤلاء خرجوا عن النهج السني المحمدي القويم، وبدأوا بإعدام أصل الدين وجوهره المكين عقيدة الإيمان الحكيم، ومن هنا كان لزاماً على أخيار الأمة التصدي لهذا الترف الفكري العقائدي، فأظهر الله تعالى وقيض ضد الزنادقة، تيارين منهجيين أصوليين التيار الأول تيار الأثريين السلفية، والتيار الثاني بالتتابع الزمني تيار الزهاد الصوفية، وقد كانت غاية ووجهة هذان التيارين مبدأ واحد في عهد التابعين ولم يكن هناك تسمية صوفية لتيار الواعظ الزهاد، حيث بدأ التباين التخصصي الإصلاحي في أواخر القرن الثاني الهجري، وظهر من الصوفية من اختص بعلم الكلام العقائدي للرد على فتنة زنادقة المتكلمين أمثال الإمام المحاسيبي رحمه الله تعالى، ومن السلفيين السنة الأثريين إمامهم ابن حنبل رحمه الله تعالى ..
ويؤكد الموقف السلبي الصوفي من المتكلمين، الإمام الجنيد إمام الطائفتين، بقوله: ( أَقَلُّ مَا فِي الكَلاَمِ، [أي: علم الكلام] سُقُوْطُ هَيْبَةِ الرَّبِّ جَلَّ جَلاَلُهُ مِنَ القَلْبِ، وَالقَلْبُ إِذَا عَرِيَ مِنَ الهَيْبَةِ، عَرِيَ مِنَ الإِيْمَانِ )؛ (4) ..
ويروي الإمام الجنيد رحمه الله تعالى، عن شيخه وخاله، فيقول: ( قال لي السري خالي وشيخي يوماً: (( إذا قمت من عندي فمن تجالس؟ ))، قلت: المحاسبي، فقال: (( نعم خذ من علمه وأدبه، ودع عنك تشقيقه الكلام ورده على المتكلمين ))، ثم لما وليت سمعته يقول: (( جعلك الله صاحب حديث صوفياً، ولا جعلك صوفياً صاحب حديث )) )؛ (5) ..
ويقول العارف المعروف معروف الكرخي رحمه الله تعالى: ( كلام الرجل فيما لا يعنيه مقت من الله عز وجل )؛ (6) ..
ويروي الشمس الذهبي فيقول: سمعت الإمام أبا العباس أحمد بن عبد الحليم [ابن تيمية]، سمعت الشيخ عز الدين الفاروثي، سمعت شيخنا شهاب الدين السهروردي، يقول: ( عزمت على الاشتغال بالكلام وأصول الدين، فقلت في نفسي: استشير الشيخ عبد القادر [الجيلاني]. فأتيته فقال قبل أن أنطق: (( يا عمر، ما هو من عدة القبر، يا عمر ما هو من عدة القبر ))، قال: فتركته )؛ (7) ..
ويقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: ( كل متكلم من الكتاب والسنة فهو الحق، وما سواه فهو هذيان )؛ (8) ..
يقول أيضا فقيه السنة الأكبر الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: ( لو يعلم الناس ما في علم الكلام من الأهواء، لفروا منه فرارهم من الأسد )؛ (9) ..
ونجد فقيه السنة الأكبر الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، أيضاً يقول: ( لأن يبتلى المرء بكل ما نهى الله عنه ما عدا الشرك به، خير من النظر في الكلام، فاني والله اطلعت من أهل الكلام على شيء ما ظننته قط )؛ (10) ..
يقول الإمام الحجة الغزالي رحمه الله تعالى، عن شدة موقف الإمام أحمد من المتكلمين: ( وبالغ فيه [يعني بغض الإمام أحمد بن حنبل، لعلم الكلام] حتى هجر الحارث المحاسبي مع زهده وورعه، بسبب تصنيفه كتاباً في الرد على المبتدعة، وقال: (( ويحك اسكت. أتحكي بدعتهم أولاً ثم ترد، عليهم! ألست تحمل الناس بتصنيفك على مطالعة البدعة والتفكر في تلك الشبهات فيدعوهم ذلك إلى الرأي والبحث؟! )) )؛ (11) ..
وكان إمام أهل السنة ابن حنبل، يقول: ( علماء الكلام زنادقة )؛ (12) ..
وكان الإمام أحمد، يقول بمن يخوض من المتكلمين بالإلهيات: ( لا يفلح صاحب كلام أبدا، علماء الكلام زنادقة )؛ (13) ..
وقال أيضا: ( لا يفلح صاحب الكلام أبدا، ولا تكاد ترى أحدا نظر في الكلام، إلا وفي قلبه دغل )؛ (14) ..
ومن علماء الأصول الأصحاء من قال:
يقول الإمام الفخر الرازي رحمه الله تعالى: ( لقد اختبرت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن )؛ (15) ..
وقال: ( لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات: {الرحمن على العرش استوى} [ طه ،آية:5]، و{إليه يصعد الكلم الطيب} [فاطر،آية:10 ]، وأقرأ في النفي {ليس كمثله شيء} [الشورى،آية:11]، {ولا يحيطون به علما} [طه،آية:110]، ثم قال من جرب مِثْلَ تجربتي عرف مِثْلَ معرفتي )؛ (16) ..
وكل ما تقدم هو دليل قاطع على نبذ الكلام بالعقيدة، وزندقة الكلام ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 11-01-2017, 12:57 PM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,321
افتراضي

إلا أن الزندقة لم تنحسر بالمتكلمين بل طالت الصوفية ليظهر زنادقة الصوفية الذين كانوا يسقطون التكاليف الشرعية عنهم بحجة أنهم أهل الله وخاصته، كما ظهر زنادقة الحديث، وهم أهل أهواء أكثرهم من غير العرب، وخاصة اليهود، كانوا يكذبون بنسبة الحديث إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو من بنيات أفكارهم ووضعهم كوضاعين، والغاية هو هدم الدين بأصول الدين ..
وظهرت ظاهرة أخرى خطيرة وخفية وهي أن كثير من الفقهاء والمحدثين انشغلوا بشكل زائد بعلوم الدين الدنيوية كعلم الحديث والفقه، على حساب العلوم الأخروية، فقست قلوب بعضهم عن الحق واضمحل عند الأخر نور التقوى ..
وهذا يفسر شعر فقيه السنة الأكبر الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، في "البحر الوافر": ( شَكَوتُ إلى وَكِيعٍ سُوْءَ حِفْظِي، فأرشَدَني إلى تَرْكِ المَعَاصِي، وَأَخبَرني بِأَنّ العِلمَ نُورٌ، وَنُورُ الله لا يُهْدَى لِعَاصِي )؛ (17) ..
لذلك الإمام الشافعي أيضاً يقول: ( فَقيهاً وَصوفِياً فَكُن لَيسَ واحِداً، فَإِنّي وَحَقُ اللَهِ إيّاكَ أَنصَحُ، فَذَلِكَ قاَسٍ لَم يَذُق قَلبُهُ تُقىً، وَهَذا جَهولٌ كَيفَ ذو الجَهلِ يَصلُحُ )؛ (18) ..
ويؤيده شيخه الأول إمام دار الهجرة مالك بن أنس رضي الله عنه الذي يقول: ( مَنْ تَصْوُفْ ولْم يَتَفْقْهَ فَقْد تَزْنْدَق، ومَنْ تَفْقْهَ ولْم يَتَصْوُفَ فَقْد تَفْسَقَ، ومَنْ جَمْعَ بَيِنَهْمْا فَقْد تَحَقْقَ )؛ (19) ..
-------------------------------------


(3) رواه الإمام أحمد في "الزهد" [ر:532]، والخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" [ر:123]، ورواه الهيثمي في "مجمع الزوائد" [ج7/ص: 168]، وقال: روي بأسانيد رجال أحدها رجال الصحيح؛ ورواه البوصيري في "إتحاف المهرة" [ج1/ص: 190]، وحكمه: [صحيح] ..
(4) ورد في "سير الأعلام النبلاء" للذهبي [ج4 / ص: 68]، وفي "تاريخ الإسلام" للذهبي [ج22/ص: 121]، وفي "طبقات الشافعية" لابن قاض [ج1/ص: 77]؛ وفي "أقاويل الثقات" للكرمي [ج1/ص: 113]؛ وفي "الحدائق الوردية" للخاني [ج1/ص: 187] ..
(5) ورد في "الإحياء" للغزالي [ج1/ص: 45]، وفي "قوت القلوب" للمكي [ج1/ص: 223]، وفي "الحدائق الوردية" للخاني [ص: 185] ..
(6) ورد في "المجالسة وجوهر العلم" للدينوري [ج2/ص: 121] ..
(7) ورد في "تاريخ الإسلام" للذهبي [ج39/ص: 90] ..
(8) ورد في "توالي التأسيس" لابن حجر [ص: 64] ..
(9) ورد في "مفتاح السعادة" لابن القيم [ج2/ص: 26]، وفي "سير أعلام النبلاء" للذهبي [ج10/ص: 16]..
(10) ورد في "حلية الأولياء" لأبو نعيم [ج9/ص: 111]؛ وفي "شرح الإعتقاد" للالكائي [ج1/ص: 146]؛ وفي "ذم الكلام" للهروي [ج1/ص: 355]؛ وفي "كذب المفتري" لابن عساكر [ج1/ص: 335] ..
(11) ورد في "الإحياء" للغزالي [ج1/ص: 95]، وفي "درء التعارض" لابن تيمية [ج7/ص: 147] ..
(12) ورد في "الإحياء" للغزالي [ج1/ص: 95] ..
(13) ورد في "تلبيس إبليس" لابن الجوزي [ج1/ص: 83] ..
(14) ورد في "الإحياء" للغزالي [ج1/ص: 95]؛ وفي "جامع البيان" للقرطبي [ج2/ص: 95]؛ وفي "إعلام الموقعين" للجوزية [ج1/ص: 76] ..
(15) ورد في "تاريخ الإسلام" للذهبي [ج18/ص: 242 -243] ..
(16) ورد في "سير أعلام النبلاء" للذهبي [ج21/ص: 500]، وفي "البداية والنهاية" لابن كثير [ج13/ص: 61 – 62 ] ..
(17) ورد في "الجوهر النفيس" للشافعي [ج1/ص: 87] ..
(18) ورد في "الجوهر النفيس" للشافعي [ج1/ص: 46] ..
(19) ورد في "شرح عين العلم وزين الحلم" للإِمام مُلا علي القاري [ج1/ ص :33]، و ورد في شرح الإمام الزرقاني في "الفقه المالكي" لعلي العدوي [ج3 / ص: 95] ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 11-01-2017, 08:53 PM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,321
افتراضي

مقدمات المحنة الصوفية:
تنقسم محنة الصوفية إلى قسمين قسم مشرق مثمر، وهي المحنة الأولى، والثاني محرق مُثبر، وسبب المحنتين هو انشقاق لمريدين صوفيين عن جماعتهم وشيوخهم الصوفية، لاختلافات حول المنهج والرأي، والحق أن الإثنين كانوا أهل مطامع الأول دنيوية والثاني الغالب أنها مطامع آخروية ولكن دون الحكمة والرشاد ..
وكما أسلفنا أعلاه فإن ثورة الحركة الإصلاحية الصوفية كانت أول ما كانت على زنادقة المتكلمين في أصول العقائد الإيمانية، لأنها جوهر الدين وفيصله، بهدمها وزيغها يهدم الدين، لذلك كان جميع علماء الأمة الأصحاء في صف الصوفية في بداية الأمر، بل لما اشتد عود زنادقة الكلام عند السلطان، وأعني المعتزلة في مسألة خلق القرآن، لم ينهي فتنة هذه المسألة إلا الصوفية!، بالحكمة والموعظة الحسنة، فقد سير الله لهذا الأمر محدثاً صوفياً آته الله الحكمة الإلهية، هو الإمام أبو عبد الرحمن الأذرمي، حيث أرتضى هذا الأخير أن يكبل بالسلاسل بيديه ورجليه، ويقبل الإهانة إن حصلت نصرة للدين، فأحضر إلى مجلس الخليفة العباسي الواثق، فاستهاب الواثق حضوره فوقف اجلالا له، وأجلسه في مجلس تكريم، وخفف عنه قيوده، فتفرس الإمام الأذرمي ضعفاً في ابن أبي دُؤَادٍ رأس المعتزلة حينئذ، على حواره وصرح بذلك أمام الواثق فأغضبه، إذ قال للواثق: "إنَّهُ ليسَ أَهْلاً أنْ يُنَاظِرَنِي، ولا أنْ أُنَاظِرَهُ"، ثم هدأ روع الخليفة بقوله: "مَهْلاً؛ سَوْفَ يَظْهَرُ الحَقُّ وَيَتَبَيَّنُ عِنْدَ المُنَاظَرَةِ، أُنَاظِرُهُ تَمَشِّيًا على رَغْبَتِكَ"، فرضي الواثق منه هذا القول، فلما بادر ابن أبي دُؤَادٍ بسؤال الأذرمي بقوله: ما تقول بالقرآن؟، فاستأذن الإمام الأذرمي الخليفة الواثق بأن يكون هو المبادر بالسؤال، لأن من آداب الحوار أن يخير المناظر، فأذن له الواثق، فسأل رأس المعتزلة، بعد أن قال لابن أبي دُؤَادٍ: "مَاّ أّنْصَفْتَنِيٍ، أّنَاّ الذِيٍ أّبْدَأُ بِالسُؤَال"، فقال الخليفة: دعه يسأل، فسأل الأذرمي ابن أبي دُؤَادٍ عن مسألة خلق القرآن دون أن يذكر اسمها، بقوله: مسألتك هذه من صلب وأصل الدين، ولا يكتمل الدين إلا بها، فأجاب ابن أبي دُؤَادٍ بنعم، فقال له أخبرني عن قوله تعالى: { ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ..... } [المائدة : 3]، أكان الله الصادق في تمام دينه، أم أنت الصادق بنقصانه؟! ..
فصمت رأس المعتزلة دون رد، قال الأذرمي للواثق يا أمير المؤمنين واحدة، أي واحدة سجلت على ابن أبي دُؤَادٍ، فقال الواثق واحدة ..
ثم عاد وسأل رأس المعتزلة، عندما أنزل الله أمره على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، هل أمره بهذه المسألة، فقال: نعم، فقال الأذرمي فلما لم يبلغ بهذه المسألة والله تعالى، يقول: { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } [المائدة : 67]، فصمت ابن أبي دُؤَادٍ ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 11-01-2017, 08:54 PM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,321
افتراضي

فقال الأذرمي للواثق يا أمير المؤمنين ثانية، قال الواثق: ثانية ..
فقال الأذرمي لابن أبي دُؤَادٍ، أعلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بهذه المسألة؟
فقال رأس المعتزلة: نعم ..
فقال أعلمها الخلفاء الراشدين؟ ..
فقال ابن أبي دُؤَادٍ: لا ..
فقال الأذرمي: أيعقل أن تعلم أنت مسألة لم يعلمها الخلفاء الراشدين؟! ..
فصمت رأس المعتزلة حياء مما قال ..
فقال الأذرمي: أتقصد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، علمها لخاصته من الخلفاء الراشدين وباقي المبشرين وفقهاء الصحابة المعتبرين، ولم يعلموها بذاتهم ..
فقال ابن أبي دُؤَادٍ: نعم ..
فقال الأذرمي: أوسع النبي الأمين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم وخلفاءه الراشدين وباقي المبشرين وفقهاء الصحابة المعتبرين بما فيهم ابن عباس حبر الأمة، إن علموها أن يكتموها، فقال رأس المعتزلة: نعم ..
فالتفت الإمام الأذرمي، إلى الخليفة الواثق وقال: يا أمير المؤمنين إن كان قد وسع جدكم الأكبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وخلفاءه الراشدين وباقي المبشرين وفقهاء الصحابة في الدين بمن فيهم ابن عمكم حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنه، إن علموا هذه المسألة أن يكتموها، أفلا وسعك ما وسعهم، بأن تحذو حذوهم، إن كنت خير خلف لخير سلف؟! ..
فقال الواثق: نعم، إن لم يتسع لنا ما اتسع لرسول الله والخلفاء الراشدين، فلا وسع الله علينا، وأمر بقطع قيد الشيخ، فلما قطعوا القيد وثب الأذرمي على القيود وأخذها من الحداد ولكن الحداد لم يسمح له.
فقال الواثق: دع الشيخ يأخذه، فأخذه فوضعه في كمه. فقال الواثق: يا شيخ، لما جاذبت الحداد عليه؟
فقال الأذرمي: لأني نويت أن أتقدم إلى من أوصي إليه إن أنا مت أن يجعله بيني وبين كفني، حتى أخاصم به هذا الظالم [ابن أبي دُؤَادٍ] عند الله يوم القيامة، وأقول: يا رب، سل عبدك هذا لم قيدني وروع أهلي وولدي وإخواني بلا حق أوجب ذلك علي؟ وبكى الشيخ وأبكى الواثق ومن حوله ..
ثم سأله الواثق أن يجعله في حل وسعة مما ناله، فقال الشيخ: والله يا أمير المؤمنين، لقد جعلتك في حل وسعة من أول يوم إكراما لرسول الله، إذ كنت رجلاً من أهله ..
فقال الواثق: لي إليك حاجة ..
فقال الأذرمي: أن كانت ممكنة فعلت ..
فقال الواثق: تقيم قبلنا، فننتفع بك وينتفع بك فتياننا ..
فقال الأذرمي: يا أمير المؤمنين، إن ردك إياي إلى الموضع الذي أخرجني منه هذا الظالم، أنفع لك من مقامي عليك، وأخبرك بما في ذلك، وأصير إلى أهلي وولدي فأكف دعاءهم عليك، فقد خلفتهم على ذلك ..
فقال الواثق: فتقبل منا صلة تستعين بها على دهرك ..
فقال: يا أمير المؤمنين، لا تحل لي، وإن عني وذو مرة سوي ..
فقال: سل حاجة ..
فقال: أوتقضيها يا أمير المؤمنين؟ ..
قال: نعم ..
قال: تأذن أن يخلى لي السبيل إلى الثغر ..
قال: قد أذنت لك ..
فسلم وخرج ..
وذهب الواثق إلى مجلس الخلوة واستلقى على ظهره وظل يردد: أفلا وسعك ما وسعهم؟، فصمت الواثق من حينها يتكلم بها بعد ذلك ..
فقد قال المهتدي بالله، ابن الخليفة الواثق: فرجعت عن هذه المقالة، وأظن الواثق رجع عنها منذ ذلك الوقت ..
فالأذرمي مؤمن حق الإيمان، بلغ حق التقوى، فتفرس مواطن الضعف في شخص رأس المعتزلة فأغلق عليه المسألة دون أن يخوض بها بما ألهمه الله من حكمة، وتفرس بالواثق استيائه وتخوفه من زيادة شهرة وسلطة المعتزلة وتطورها إلى سلطة سياسية، فأوجد بعون الله وتوفيقه له زريعة ليحجم سلطتهم (20) ..
-------------------------------
(20) انظر: في "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني [ج6/ص: 5]، وفي "مناقب أحمد" لابن قيم الجوزي [ج1/ص: 436]، وفي "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي [ج10/ص: 77 – 78]، وفي "اللمعة" لابن قدامة [ج1/ص: 194]؛ وفي "الاعتصام" للشاطبي [ج1/ص: 46-50]؛ وفي "مروج الذهب" للمسعودي [ج1/ص: 121]، وفي "الشريعة" للآجري [ج1/ص: 62] ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 12-01-2017, 03:08 AM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,321
افتراضي

أسباب المحنة الصوفية الأولى:
هناك أسباب جوهرية حركت الفتنة أو المحنة الصوفية الأولى، منها:
1. ظهور الزندقة الصوفية، مع التسمية الصوفية، فأول من سمي بالصوفي زاهد كوفي سمي بأبي هاشم الصوفي، وأول زنديق صوفي كان عبدك الكوفي الذي سمي بالصوفي، حيث عادت به الرهبانية المسيحية، والإباحية، والزندقة الحلولية والحالية، على أنها معتقدات صوفية ..
2. عدم ظهور اهتمام بالتقسيم المنهجي للعلوم الدينية الفقهية الشرعية والأصولية العقدية والإسنادية الحديثية، عند جماعة الصوفية ..
3. زيادة نفوذ الفقهاء والمحدثين ومن ثم الأصوليين، السلطوية، وتوليهم الحسبة الشرعية والقضاء بدعم الخلافة العباسية الحاكمة، بعد ذهاب سلطة المعتزلة ..
وقد نوهنا من قبل في عدة مواضع ومناسبات، أن منهجية الأولياء الصوفية، نشأت على أنها حركة إصلاحية عامة لعموم المجتمع الإسلامي، إلا أن بقية التيارات الدينية الإصلاحية الأخرى، المُحدثة بالدين الأصيل، لصلاح الدين، وحفظ الثوابت الأولية فيه، أصبحت مطلب أساسي قائم بذاته أيضاً، فحراس السنة حفاظ الحديث الشريف، جعلوا سند الحديث في رفع نسبته للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، من أساسيات علم الحديث، بل جوهر الحديث، ومن الدين، وكذلك الفقهاء المجتهدين حراس الشريعة السمحاء، جعلوا المذاهب الفقهية، ضرورة ملحة، وكأنها ركن من أركان الدين، وكذلك العلماء الأصوليين، جعلوا ثوابت العقيدة وقواعدها، التي كانت مبثوثة بالكتاب الكريم، ركائز أساسية يقوم عليها الدين الحنيف، وهذه المسالك المنهجية، كلها صحيحة وأصولية، كضرورة معاصرة، فلكل زمان دولة ورجال، وعلى وجه الخصوص مع توسع رقعة الأمة الإسلام، وتعدد أعرافها الاجتماعية، وثقافاتها الأجنبية، فأصبح ما كان عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وصحبه الكرام، على ما كان عليه، إرث قديم، جددت فيه المنهجية ..
وبالعودة إلى ما بدأنا به نقول، قد وجد الوارث المهدي المحمدي سلطان العارفين وإمام الأولياء أبو يزيد البسطامي رحمه الله تعالى، من الحكمة القيام بتجديد جديد، مبني على ضرورة الانغلاق الجزئي، في منهاج الصوفية، كحاجة ملحة عند الأولياء الصوفية، وذلك بتخصيص المنهج الإرشادي السلوكي، والتهذيبي الأخلاقي، وجعله محصوراً بمريدي الحق الصادقين، مقابل فتح مجال واسع لطلبة العلم، في مجالس العارفين، لأنه كان متماشي إلى مع المتغيرات المنهجية إلى حد كبير، ومعاصر مع علوم الاسناد والمذاهب والأصول، وهي المدرسة التي خرجت علماء أصوليين، وفقهاء مجتهدين، وحفاظ ونقاد محدثين، ذوي مرجعية معرفية صوفية، وهو ما حفظ التوازن بين المنهجية العلمية والسلوكية الصوفية، في المجتمع الإسلامي، وكي يكون منهاج الأولياء الصوفي المتخصص كمنهاج عملي، بدأ سلطان العارفين ذلك التخصيص في مجلسه ليكون قدوة يقتدى به، فأصبح لا يجلس به إلا نخبة من العارفين والأولياء، أمثال: الإمام المحاسبي والإمام النخشبي، وأبو سليمان الداراني وذي النون المصري، ويحيى بن معاذ وغيرهم، وخص مجلس خاص يقصد سلطان العارفين فيه ببغداد تاج العارفين الإمام الجنيد، وذلك تكريماً له ولمقامه، وجلال مهمته الزكية، وقد كان الإمام الجنيد، يقول: ( أَبُوّ يَزِيّدْ مِنْاّ، بِمَنْزِلَةِ جِبْرِيّلُ مِنَ المَلّائِكَةِ )؛ (21)، وهي إشارة صريحة على الإقرار بإمامته العلمية وخلافته المحمدية ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 12-01-2017, 03:09 AM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,321
افتراضي

وقبل البدء بسرد أحداث المحنة الأولى، نعود بتفصيل أكثر لما تقدمنا به في مقدمة هذا البحث، فنقول: أنه بعد خلافة الأئمة الراشدين جاءت خلافة الصحابة المهديين، ومن بعدها آلت الخلافة المحمدية المهدية [خلافة العلم الرباني] كما أسلفنا، إلى أحد أحفاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، من آل بيته الأفاضل، بعد أن انتهت خلافة الراشدين الجامعة للإمامة والإمارة معاً، بموت العشرة من الصحابة المبشرين، حيث اتخذ هذا الإمام الوارث المحمدي لمقام النبوة والعلم الشريف، من مدينة جده المنورة، مركز له لنشر العلم بعيداً عن فتن الخوارج الرافضية، والمعتركات السياسية، وكان هذا الوراث المحمدي كما بينا من قبل هو: الإمام الصادق جعفر بن محمد الباقر رضي الله عنهما، حيث كان رضي الله عنه، مصدر انطلاق تجديدي كبير لثورة إصلاحية دينية بعيدة المدى والتأثير، من خلال إحداث عدة اتجاهات دينية حافظة ومصلحة ضد أي تيار وجد لإفساد الدين القويم، مع ظهور الزنادقة بأنواعهم، ومنهم زنادقة الكلام، الذين أحدثوا فتن كلامية في ثوابت العقيدة الأصولية، ومنهم زنادقة الحديث الذين اختلقوا الآثار الموضوعة ليضلوا عن سبيل الله بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما فعل الخوارج زنادقة القرآن ليضلوا عن القرآن بالقرآن، من خلال الأخذ بظاهر النصوص القرآنية دون شرح أو تفسير أو بيان، لمقاصد معانيه العلية، وحتى لا تتفاقم ظاهرة الزندقة، أحدث الإمام الصادق عدة تيارات دينية أصولية مضادة، وذلك لكبح جماح الزنادقة وظاهرة الترف الفكري والمادي وتعدد الثقافات الاجتماعية، من خلال دخول الفلسفة العجمية الفارسية، والرومانية واليونانية الوثنية ..
كان التيار الأول متمثل بظهور المذاهب الاجتهادية الفقهية، من أجل حفظ أحكام الشريعة الفقهية، بفقه القرآن وفقه السنة وفقه الاجتهاد، وتولى هذا المنهاج الديني القويم الفقهاء المجتهدين، وظهر علم اسناد الحديث بالنقل، وفقه الحديث بالعقل، وتولى هذا النهج الحفاظ المحدثين، وأوكل الإمام الرباني الصادق هذين التيارين في بادئ الأمر لأماميين كبيرين كانوا من تلاميذه الأكابر، وهما الإمام مالك الأصبحي إمام دار الهجرة صاحب المذهب المالكي بالفقه، وصاحب الموطأ بإسناد الحديث الشريف، والإمام الثاني كان الإمام أبو حنيفة النعمان، صاحب المذهب الحنفي بالفقه، وصاحب كتاب "الأثار "[مسند أبو حنيفة] بإسناد الحديث، إلا أن الإمام أبو حنيفة أوكل له وضع أسس العقيدة الذي عرفت حينئذ بالفقه الأكبر، وكان أول متون العقيدة الصحيحة ومن بعده متن العقيدة الطحاوية لأحد أتباع مذهب الأحناف، وأوكل للأمام أبو حنيفة مهمة تفعيل تيار الإصلاح السلوكي الأخروية بالوعظ والإرشاد وكان أول نواته هو أحد تلاميذ الإمام الأعظم أبو حنيفة الأفزاز وهو داود بن نصير الطائي الكوفي، حيث قال أبو حنيفة لداود الطائي، يوماً: ( أَمْاّ الآلَاتُ فَقْدْ أّحْكَمْنَاّهَا )، فقال له الطائي: ما بقي؟، فقال الإمام الأعظم: ( العَمَلُ بِمَا عَلِمْنَاهُ ) (22)؛ فانقطع للعمل بما علم حتى صار من فحول العلماء العاملين ومن الأولياء الصالحين، واختص بالأخلاق والسلوك والزهد والرقاق، فكان أول أعلام الأولياء الصوفية، وكان ملماً بكل العلوم الدينية، من فقه وحديث وعقيدة، فلا يحفظ هذا الدين إلا من أحاط بجميع جوانبه، وكان يجله ويزوره، ويرتاد مجالسه كبار من أئمة السلف أمثال: الإمام الثوري وابن عيينة وابن المبارك وابن السماك، وكان يقول إنما شرع تعلم العلم ليعمل به، توفي عام 162 ه، ثم خلفه الإمام العارف المعروف معروف بن فيروز الكرخي [ت 201 ه]، مرجع إرشاد السلوك عند فقيهي المذاهب الشافعي وأحمد، ثم جاء وخلفه ابن المغلس [السري القطي]، خال الجنيد وأستاذه، وتوفي عام 253 ه، فخلفه بالظاهر الزجاج البغدادي، وأعني تاج العارفين الإمام أبو القاسم الجنيد رحمه الله تعالى، أما في الباطن أو في الحقيقة خلفه كمسلك صوفي ابن البغوي المحتسب أبو الحسين النوري، والسبب في انغمار مقام النوري مقارنة مع الجنيد خصوصية مجلس النوري، التي قللت شهرته مقارنة مع الإمام الجنيد، إلا أنه كان معروفاً أنه من أقران الجنيد وليس دونه، بل كان من شيوخ الجنيد في حقيقة الأمر، حيث أدرك ذلك بعض المتحققين والباحثين؛ والفرق بين الإمام النوري والإمام الجنيد بالمسلك أن الإمام الجنيد كان أعلم من الإمام النوري أما الإمام النوري فقد كان أعمل أو أعبد من الجنيد البغدادي، فقال أبو أحمد المغازلي: ( (( مَاّ رَأّيِتُ أّعْبَدَ مِنْ اَلْنُوّرِيٍ ))، قيل: ولا الجنيد؟ قال: (( وَلَاَ اَلْجُنِيِدْ )) )؛ (23)، ولم يكن للإمام النوري مكانة بارزة عند الخلافة العباسية من وقار وتدير كما هو حال الإمام الجنيد، الذي اشتهر بأنه إمام الطائفتين، طائفة الصوفية وطائفة الفقهاء، فكان أستاذ مدرسة العارفين والمرجع الأشهر للأولياء المتصوفين ..
--------------------
(21) ورد في "كشف المحجوب" للهجويري [ج1/ص: 317] ..
(22) ورد في "صفوة الصفوة" لابن الجوزي [ج1/ص: 331]؛ وفي "الرسالة القشيرية" للقشيري [ج1/ص: 11]؛ وفي "حلية الأولياء" للأصفهاني [ج7/ص: 342]
(23) ورد في "الرسالة القشيرية" للقشيري [ج1/ص: 35]؛ وفي "سير الأعلام" للذهبي [ج14/ص: 76]؛ وفي "صفوة الصفوة" لابن الجوزي [ج1/ص: 530]؛ وكذلك "المنتظم" [ج13/ص: 73] ..

======================
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 12-01-2017, 07:24 PM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,321
افتراضي

المحنة الصوفية الأولى:
تنسب أحداث المحنة الصوفية الأولى، إلى إمام مدرسة الأولياء الصوفية الأول في هذه الحقبة، وهو المحتسب بالله أبو الحسين النوري رحمه الله تعالى، والمعروف بابن البغوي، وقد كان ابن البغوي حكيماً صوفياً، وتقياً خفياً، قائماً بالليل صائماً في النهار، لا يبتغي بعمله كله إلا وجه الله عز وجل، فكان صادقاً مع الله ومع نفسه، أمينا مع من سواه، قليل الكلام، كثير العزلة بالله، وكانت له وصايا لمريديه، منها: الابتعاد عن أي شخص يخرجه حاله مع الله، عن حدود شرع الله، وعن كل من ابتغى الرياء بالعلم، وتقرب من غير أهل طريقته ومنهجه بالسلوك الأخروي، فهو عند النوري منبوذ مبعد عن الجماعة، والثالثة الابتعاد عن كل مريد للجاه والسلطة والغنى بالمال، وتملق السلطان، وكان يعظ بعدم الاقتراب من كل متكبر مغرور بعلمه، والوصية الخامسة عند النوري ترك كل مدعي لباطن دفين ثمين لا يوثق دعواه بحقيقة سلوكه الرصين، وقد كان غذاء النوري الماء وما فنيا من طعام الناس رحمة بالناس من المسائلة، فقد كان يأخذ من بيته رغفي خبز، يتصدق بهما ثم يقضي وقت طعامه في المسجد فلا يزال في صلاة النوافل وذكر الحق ومناجاته، حتى يأتي وقت عمله بحانوته بالسوق، فيظن أهل السوق أنه تغذا في بيته، ويظن أهل بيته أن أكل في السوق، وهو في حقيقة الأمر صائم يفطر على جرعات ماء قليلة، وما يجمعه في طريقة من فتات فنا طعام الناس، حتى يبعد عنهم المسائلة يوم القيامة عن هذا النعيم، وكان متفانياً بخدمة مريديه واخوانه بالله حتى أنه إذا وقع أحد من اخوانه في عسرة أو ضيق أنفق ما توفر معه لأنه كان لا يدخر، وهرع إلى ذويه واخوانه بالطريق ليجمع منهم حاجة المعسر، من الميسر، ولا يتلكأ أن يتسول مقابل قضاء حاجة أخيه في الله، وهو حال كل الأولياء الأتقياء الصالحين المغبوطين من الأنبياء والشهداء، على مكانتهم من الله عز وجل، ولتحابوهم في على غير أنساب بينهم ولا أموال يتعاطونها، أثروا الفقر على الغنى، والجوع على الشبع رجاء ما عند الله عز وجل ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 12-01-2017, 07:25 PM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,321
افتراضي

وأحداث المحنة الأولى التي نحن الآن وبعون الله وتوفيقه بصدد سردها، منشأها بدء باختلاف حصل بين الإمام النوري وأحد مريديه المتقدمين، الذي كان يعرف بغلام الخليل، حول مسألة المحبة بأنها عقيدة إيمانية إذا ما ملئت القلب استولت عليه فغلبت المحبة لله على الهيبة منه سبحانه، وكان غلام الخليل يرى أن الأولى هو غلبة الهيبة لأنها تضبط سلوك التعامل مع الله بالإجلال وحسن التقدير، ووجد أن المحبة بلا خوف مبعث خطير للزندقة الصوفية، لذلك انشق غلام الخليل عن شيخه النوري وقصد مدرسة منهاج العارفين، وهي مدرسة تاج العارفين الإمام أبو القاسم الجنيد، الذي رفض قبوله توقيراً لقرينه أو شيخه النوري، فاعتزل غلام الخليل المدرستين معاً ليبدأ مثيرته الخاصة، وغلام الخليل هذا: هو كما وصفه الشمس الذهبي في السير: "الشَّيْخ، العالِـمُ، الزَّاهِدُ، الواعظ، شَيْخ بَغْدَاد، أبو عبد الله، أحمد بن مـحمَّد بن غَالب بن خَالد بن مِرْدَاس، البـاهِلـي البَصْري، سَكَنَ بغداد. وكانَ له جَلاَلةٌ عَجِيبَةٌ، وصَولَةٌ مَهِيبَةٌ، وأمرٌ بـالـمعروفِ، واتبـاعٌ كثـيرٌ، وصِحَّةُ مُعْتَقَدٍ" (24)، أي أن هذا الرجل أنشأ مدرسة دعوية مستقلة، وكان على ما يبدو في قرارة نفسه صوفي المسلك مرائي يريد الشهرة الدنيوية، أي وقع في الشرك الخفي، وحاول هذا الرجل أن يجمل مجلس وعظه بما اسند إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بالزهد والرقاق والأذكار، فوجد بضاعة أحاديث الرقاق المسندة عند المحدثين قليلة، فدخل في زندقة الحديث، ووضعه وصناعته، بحجة السعي إلى ترقيق قلوب العامة للإيمان ولو بالكذب (25)، فكان عذر أقبح من ذنب، لأن الإيمان هو منهاج الصدق، فكيف يبنى على الكذب؟! ..
ومن الطبيعي أن من يكذب على لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يسهل عليه أن يكذب بروايات باطلة عن أصحابه بغية هدم مدرسة الأولياء الصوفية، وإبراز مدرسته الدينية الإرشادية الدعوية بدافع حب الشهرة وحب الأمارة وهو مرض كان في قلبه خفي ظهر في هذه المرحلة، فمطامعه الدنيوية دفعته للسعي للتكلم عن أصحابه الصوفية وشيخهم النوري بالباطل والزيف والبهتان، واتهمهم بأنهم أهل زندقة بعقيدتهم الحلولية والإباحية، وهو ما جعل الناس يخلطون نوعاً ما بينهم وبين زنادقة الصوفية، والأصحاء الأتقياء، وما جعله مصدقاً عند الناس أنه كان من جماعة الصوفية قبل أن يستقل بمدرسته التربوية، إضافة لجميل ارشاده وصدق ظاهر وداده، وزهده وتقشفه وورعه، وصحة معتقده، عند علماء الظاهر الأصولية، وصدق معاملاته مع البرية، إلا أنه من حفر حفرة لأخيه وقع في شر أعماله ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 12-01-2017, 07:26 PM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,321
افتراضي

فقد اشتهرت موضوعات غلام الخليل الحديثية، ووصلت بعض متونها وأسانيدها إلى المحدثين والفقهاء، الذين رأوا ذلك من الزندقة، فطلبوا من غلام الخليل الخضوع والمسول أمام المحاكمة الشرعية، التي عقدت بموافقة من الخليفة العباسي المعتمد على الله، حيث عرضت أحاديث غلام الخليل، على أحد أكبر وأشهر أئمة كتب السنن بالحديث، وهو الإمام الحافظ أبو داود السجستاني، حيث قيم منها نحو أربعمائة حديث بالموضوعات المكذوبة التي لا تصح لا بالسند ولا بالمتن، ووصف غلام الخليل بأنه دجال بغداد (26)، وأجمع مجمع العلماء والقضاة على حجزه ريثما ينظر في أمر زندقته بالحديث، وقد كان لغلام الخليل شعبية وصلات سلطوية كبيرة، حيث كان له شأنه عند أم مفتي الخلافة المحتسب الموفق ابن أبي ثور، الذي تواصل مع غلام الخليل أثناء محاكمته، وعرض عليه أن يلصق تهمة زندقته بالوضع وصناعة السند بغيره، وأكد له أنه سوف يدعم موقفه هذا ويكون بذلك نجاته من قصاص الزنادقة الوضاعين وهو ضرب العنق، أو القتل التعزيري ..
عقد مجلس العلماء والقضاة للمرة الثانية بحضور الخليفة العباسي المعتمد على الله، والمحتسب الموفق مفتي الخلافة العباسية، وقاضي القضاة الأزدي حيث سأل المحتسب غلام الخليل، عن باعثه الذي دفعه للوقوع بالزندقة رغم ما اشتهر عنه من زهد وتقوى وأخلاق سنية حميدة، فأنكر غلام الخليل وضعه للأحاديث أكد أنه غير أسانيدها بأسانيد أخذها من ابن شبيب، وكله ثقة بصحة متونها النقلية، لأنه أخذها عن رجل مشهور بعدالته وصلاحه وزهده، أخبر أنه كان يذكر الحديث مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، دون أن يذكر سنده، فاجتهد غلام الخليل وفق ما ادعى بإيجاد أسانيد لهذه النصوص النقلية ..
فلما سئل من هذا الرجل قال هو شيخي السابق ابن البغوي الصوفي أبو الحسين النوري، فسئل ما دمت تؤمن بصدقه بالحديث وإن لم يكن عنده سند فيه، فلما اعتزلته، فقال اختلفت معه في مسألة إيمان المحبة، لأنه وصحبه يقولون: "نحن نحب ربنا ويحبنا، فأسقط عنا خوفه بغلبة حبه"؛ وأنا أرى: أن الخوف أولى بنا، لأن قولهم هذا قد يجعل منهم من يقول بالإباحة وسقوط التكاليف، وبالحلول وكل هذا مع ذهاب الهيبة، وهذا السلوك من الزندقة ..
هنا وجد بعض المحدثين من أصحاب الإمام أحمد، أن غلام الخليل صادق بما يدعي، لأنه كان ممن صحب أمامهم إمام أهل السنة ابن حنبل رحمه الله تعالى، وشكك بعضهم بأنه ليس ممن يفتعل الحديث، فقد كان بنظرهم زهداً متخلياً عن الدنيا وشهواتها، منقطعاً إلى العبادة والتقوى، محبوباً من العامة، ومن كثير من المحدثين من أصحاب الإمام أحمد، ورأوه أنه كان يروي مكذوب الحديث جهلاً وبَلَهاً، مع سلامة صدر، وقلة نباهة في هذا العلم، وعدم عناية بمعرفة أصول الحديث، جرى الكذب على لسانه وهو لا يعلم، لأنه كان يحسن الظن، بمن يعلم وهي إشارة إلى شيخه النوري ..
ولأن غلام الخليل كان مشهور بالصدق والصلاح والزهد عند الناس، أخذ كلامه وكلام مؤيديه على محمل الجد، ورأى المحتسب أن يخضع النوري وأتباعه لقصاص الزندقة دون جلسة تحقيق لأن شهادة غلام الخليل شهادة عدل ثقة آذره بها ثقات، وهو صدوق، مغبون بتصديقه لشيخه الذي اعتزله، فوافق أكثر من في المجلس على رأي المحتسب الموفق وصادق الخليفة العباسي بموافقة المحتسب، فتشاور القضاة والفقهاء مع المحدثين، في الأمر ووجدوا رأس الشر في صناعة الأسانيد هما شاذان الوضاع شيخ شيوخ ابن شبيب، وابن البغوي الصوفي، شيخ غلام الخليل السابق، ولكن كان أمامهم معضلة، وهي أن ابن البغوي النوري، كان من أقران الإمام الجنيد، وشيوخه، والقبض عليه، ومن ثم محاكمته، سوف يدفع بالجنيد لتجنيد نفسه وأتباعه للدفاع عنه بكل ثقله، وتبرئة ساحته، وهو ما قد يكسبهم عداوة الجنيد، وطائفته من الصوفية العارفين والفقهاء، وفي نفس الوقت تقوى شوكة الزنادقة في بغداد، دون رقيب أو محاسب؛ هنا بين المحتسب الموفق، أن الحل يكون بالحكم الغيابي بالقصاص ما دامت الزندقة ثابتة، على أن ينفذ الحكم بالزنادقة ليلاً، ودون علم أحد إلا المقربين الموثوقين من قبل الخلافة، فيصبح بموتهم أمر واقع، لا نجاة منه، ولا رجعة عنه، فوجد أكثر الحضور الصواب بما أشار به المحتسب الموفق، ووافق الخليفة على هذا الرأي وأمر المحتسب أن يلقي القبض على النوري وأصحابه خلسة وبالحيلة دون أن يعلم أحد من خير الخاصة وعلماء المجلس، حتى ينقضي الأمر دون فتنة ..
وتم القبض على النوري ومريديه، وأوكل إلى سياف الخليفة الوليد بن ربيعة تنفيذ القصاص بالسرعة القصوى، حتى لا يصل ذلك إلى مسامع الجنيد وجمهور الصوفية ومحبي الصوفية، فيحولوا دون تنفيذ هذا القصاص الشرعي ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 12-01-2017, 07:27 PM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,321
افتراضي

والآن وقبل متابعة ملابسات أحداث المحنة الصوفية الأولى، أحب أن أنوه من جديد إلى جانب مهم في الفارق بين منهج مدرسة الإمام الجنيد، ومدرسة الإمام النوري، فإن مدرسة الجنيد كانت مدرسة للعارفين أي فقهاء الصوفية، المبنية على الإجلال للحق تعالى، على قدر المعرفة للمعاني الألوهية، أما مدرسة النوري فكانت مدرسة للأولياء الأتقياء الأصفياء، وتختلف بأنها منغلقة على المريدين فيها، لأنها مبنية على النواحي الذوقية الإيمانية التي أسست على المحبة لله على قدر إدراك وكشف معاني الربوبية، بينما مدرسة الجنيد كانت مفتوحة لكل عالم ومتعلم، وهذا ما جعل مدرسة الجنيد أكثر موثوقية عند عموم الأمة من عامتها وعلمائها ..
فكانت بقية مدارس الأولياء الصوفية محل شك وارتياب عند حراس الشريعة الفقهاء، وحراس السنة المحدثين، حيث يرى بعض الفقهاء أن السلوك الصوفي الباطني مبعث تهمة بالزندقة، وبعضهم يتهم الصوفية بالجهل الشرعي والعقدي ..
لذلك حازت وشاية غلام الخليل بالصوفية على سرعة القبول لأنها أكدت شكوك علماء الفقه والحديث، واستجد عندهم أيضاً ظاهرة الإهمال لسند الحديث، وروايته المعلقة دون رواة إلا من الصحابي الراوي في أحسن الأحوال، كما أن قول غلام الخليل بغلبة الخوف على الحب الإيماني كان مستساغ أكثر عند العلماء المجتمعين، لأنه مجرب في منهجهم السلوكي الإيماني، وبناء عليه جاء أمر الخليفة العباسي للموفق باعتقال النوري ومريديه وتجريمهم بجرم الزندقة وضرب أعناقهم من قبل سيافه الوليد بن ربيعة، حتى تحجم ظاهرة الزندقة الصوفية ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 12-01-2017, 07:28 PM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,321
افتراضي

فجمع المحتسب الموفق، الإمام النوري وأتباعه الذين زادوا على سبعين مريد فيهم المتقدم مثل الشحام والرقام، والدقاق [أبي بكر]، البغدادي الصوفي [أبو حمزة]، وأتى السياف بالسيف ليعمل القصاص، ثم قال من منكم يبادر للسيف، فأقبل الإمام النوري إلى السياف مسرعاً ودون أن ينطق بكلمة واحدة، ليضع رأسه على خشبة السياف استعداداً لضرب عنقه، عجب السياف من هذا الفعل العجيب، فسأل ابن البغوي النوري، أو تدري لما أنت مقبل، قال النوري: أدري، فقال فلما العجلة، فقال النوري: استعجل الحبيب لقائي فسارعت إلى اللقاء، وعمدت لقصر البقاء في دار الشقاء، وقلت في نفسي أوثر أصحابي بساعة، علهم يزدادوا عني قرباً من الله وطاعة ..
زاد تعجب السياف من هذا السلوك الذي لا يبدر إلا ممن صدق العمل إيمانه، فراحة المؤمن الحق تكون بلقاء ربه، ومبتغاه التحرر من سجن الدنيا دار الغرور، وكذلك المبادرة بالمؤثرة التي لا تبدر إلا منن كبار المؤمنين المتقين ..
فما كان من السياف إلا أن ترك المضي بالقصاص، قاصداً الخليفة سراً ليعرض عليه الأمر، فلما سمع الخليفة رواية السياف عجب أشد العجب، واستنكر كسيافه أن يبدر هذا السلوك من زنديق البتة، فاطرق رأسه يفكر بالأمر فوجد أن الحكمة تقتضي التحقق من تهمة الزندقة، من قبل قاضي القضاة وكان حينها هو إسماعيل بن إسحاق الأزدي ..
يتبع ..
--------------------------
(24) ورد في "سير الأعلام" للذهبي [ج13/ص: 282] ..
(25) قال: "وضعناها لنرقق بها قلوب العام" ورد في "تاريخ بغداد" للخطيب [ج5/ص: 79]؛ وفي "المنتظم" لابن الجوزي [ج5/ص: 95]؛ وفي "ميزان الاعتدال" للذهبي [ج1/ص: 141]؛ وفي "الموضوعات الكبرى" لابن الجوزي [ج1/ص: 224]؛ وفي "الكشف الحثيث" لأبو الوفا [ج1/ص: 53] ..
(26) قال: "وضعناها لنرقق بها قلوب العام" ورد في "تاريخ بغداد" للخطيب [ج5/ص: 79]؛ وفي "المنتظم" لابن الجوزي [ج5/ص: 95]؛ وفي "ميزان الاعتدال" للذهبي [ج1/ص: 141]؛ وفي "الموضوعات الكبرى" لابن الجوزي [ج1/ص: 224]؛ وفي "الكشف الحثيث" لأبو الوفا [ج1/ص: 53] ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 13-01-2017, 03:09 PM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,321
افتراضي

هنا وجه الخليفة لقاضي القضاة الأمر بمعاودة النظر في تهمة الزندقة والتحقق من صحتها في هؤلاء الصوفية على أن يتم الأمر سراً، ولأن لهذه الجماعة رأس يمثلهم، فقد عرض أمير القلوب ابن البغوي النوري على قاضي القضاة الخلافة العباسية إسماعيل بن إسحاق الأزذي، فبادر قاضي القضاة بعد رد السلام على الفور بعرض مسائل فقهية شرعية على ابن البغوي النوري، وذلك لأن فهم ميزان الشرع والالتزام بتعاليمه أكبر كشاف عن حقيقة الزندقة، ولأن الزنادقة لا يتابعون أحكام الشريعة باهتمام واتقان حالهم حال المنافق المنتفع بنفاقه، لتهاونهم بالعبادات علماً وعملاً، وهذا ما يؤول باطنتيهم الكفرية ..
إلا أن الإمام النوري تفرس هذه النية في القاضي، فكان مسارعاً برد هذه الشبهة الأولية، بإجابته الفورية على كل المسائل القاضي الشرعية التي سأل عنها في أحكام الصلاة والطهارة في الشرعية الإسلامية ..
إلا أن القاضي كان متفاجئ، ليس من سرعة إجابة النوري على مسائله فحسب، إنما تفاجئ من تفرد النوري بالمقارنة مع غيره، بأسلوبٍ استدلاليٍ غير مألوف لدا القاضي، مخالف حتى لما كان عليه إمام الطائفة وتاج العارفين الجنيد البغدادي قرين الإمام النوري، من استدلال شرعي فقهي معتمد بفقهه في مذهب الإمام الثوري [سفيان الثوري]، ومن ثم اجتهادات السادة الشافعية، بل أن النوري لم يكن يعتمد على الاجتهاد الفقهي المذهبي مطلقاً!، كما كان شائع عند الفقهاء والمتفقهين في ذلك الوقت، أو على نصوص سنية نقلية مرفوعة مسندة كما هو شائع عند كثير من الأئمة المحدثين، أو العمل باجتهادات في موقوفات الصحابة، أو مقطوعات الأئمة التابعين ..
إنما كان وجه الاستدلال عند النوري، محصور بآيات الكتاب الكريم البينات المحكمات منها، والآيات المبينات الشارحة لخفايا غير البينات من آيات الكتاب الكريم، مع متابعات لشروحات قولية مبينة للمقصد والمعنى، من قول النوري، موافقة بمضمونها لمقاصد ومعاني ودلالات السنة النبوية الصحيحة، ورغم تعجب القاضي من هذا النهج الفريد بالحجة والدلالة الشرعية، إلا أنه لم ينكره لأنه يعتمد بالحجة الدامغة على الأصل الأول الذي يقوم فيه وعليه الدين، ألا وهو كتاب رب العالمين، وهو كما وصفه النبي صلى الله عليه وآله سلم، بالمرفوع الصحيح، بأنه أصدق الحديث (27) ، ويصدق ذلك قوله تعالى: { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثاً } [النساء : 87] ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 13-01-2017, 03:10 PM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,321
افتراضي

هنا خاطب القاضي الإمام النوري قائلاً: يا شيخ عندما سألتك بأسالتي الفقهية، أجبتني عليها كلها بدلالات قرآنية، ولم أراك تعرج لنصوص السنة النبوية إلا بالمعنى من قولك دون نسبة هذا القول بمضمونه، أو حتى رفعه للأصل الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، ولا أراك أخذت ببعضٍ من الاجتهادات الفقهية بشيء؟! ..
فأخبره الإمام النوري، بأن القرآن هو أصل الشريعة بالنص والدليل، فإن وجد المطلب بالأصل فلما العروج إلى الفروع، ما دامت حاجتي مبثوثة بالكتاب، أيها القاضي: اعلم أن من عرف الله، عرف بمعرفته كل شيء، وفهم من قوله تعالى كل شيء، لأن القرآن فيه تبيان لكل شيء، فالله تعالى يقول، في محكم تنزيله: { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ } [النحل : 89]، ولا يكون ذلك إلا لمن أنار الله قلبه بنور التقوى المحمدية الذي تفتح به مغاليق القلوب التقية، فالله تعالى يقول: { فَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } [محمد : 24]، فمن تفتحت له أقفال قلبه بنور التقوى النبوية تبين له علم كل شيء، لقوله تعالى: { وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [البقرة : 282]، فنحن على الحق بأحوال المعرفة والتقوى الحقيقية، وبأنوار الهداية المحمدية متحققين، عملاً بقوله تعالى: { وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } [الزمر : 33] مصدقين بما وقر في قلوبنا من الحق عن نبي الحق صلى الله عليه وآله وسلم، بالصلة القلبية، عملاً بقوله تعالى: { وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ } [البقرة : 41] ولسنا على آثاره صلى الله عليه وآله وسلم، من النقول الخبرية ..
هنا وقف القاضي الأزدي متعجباً من جواب النوري، ثم قال: أخبرني يا شيخ، هل أنت من دعاة ترك العمل بالمذاهب الفقهية؟ ..
فقال النوري: لا أعمل بها، ما دام كتاب الله، ونور هدي النبوة في قلبي، مرجعي الوافي والشافي، ولا أدعو لتركها، لمن ليس لديه تدبر صحيح بكتاب الله، وتفهم صريح لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لأن اختلاف الأئمة فيه رحمة وسلامة لعموم الأمة ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة



جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 10:12 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.1
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.

تعريب » شبكة عرب فور هوست


Security By © : Rg Security v5.3
 

::+: مجموعة ترايدنت للتصميم والتطوير والاستضافه :+::

::+: ترايدنت للتصميم والتطوير والاستضافه :+::    
تابعونا عبر تويتر